د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الحرمان الثقافي1

وهي : الطعام والإبراز والاستجابة الاجتماعية ، ولكنها  سرعان ما تمتد لتغطي مهام الحياة الأخرى، وعندما تكون التنبيهات المقدمة له معقدة ومتنوعة جدا  فإنه ينصرف عنها أيضا لأنه لا يستطيع  استخلاص المعلومات منها، وغالبا ما ينام - أي يغلق حواسه عنها - عندما يجابه بهذه الظروف.
5- هناك مدى من التعقيد والتنوع الذي يستشير مدركات الطفل وقدراته العقلية، وعندما تقع التنبيهات ضمن ذلك المدى نقول ان البيئة تقدم تحديا عقليا للطفل.
6- عندما تكون التنبيهات التي تقدمها البيئة بسيطة للغاية ( تقع دون مستوى التحدي) أو معقدة تقرب من الفوضى ( تقع دون مستوى التحدي أو فوقه) فإننا نطلق على البيئة اسم البيئة المقفرة . ويعاني الطفل الذي ينشأ فيها من الحرمان الثقافي.
7- بما أن المجتمعات البشرية والمناطق الجغرافية تختلف فيما بينها من حيث مدى الاثارة التنبيهية التي تقدمها للطفل خلال نومه ، فإنها تتباين في مدى إقفرارها أو  ثرائها، وبالتالي في مدى الحرمان الثقافي الذي يعاني منه الأطفال الذين نشأوا فيها وعلى العكس من ذلك مدى إكتفاء الأطفال بالاثارة العقلية التي تقدمها البيئة الثرية.
ومن الجدير بالذكر أننا لا نرى ان البيئات الثقافية يمكن ان تقسم ببساطة الى بيئات مقفرة وأخرى ثرية ، بل تقع في مندرج تكون فيه بعض البيئات مقفرة للغاية مثل مؤسسات الأيتام ودور الأطفال، وأخرى اقل اقفرارا، مثل بيوت الفقراء المدقعين، حتى تبلغ أكثرها ثراء ، مثل بيوت المثقفين ذوي المهن التي تتطلب مستوى عاليا من الإعداد التربوي والذين يحظون بدخل مجزي يستطيعون من خلاله تقديم شتى أشكال العناية الصحية والغذائية والثقافية لأطفالهم.

ولا نرى أن البيئات المقفرة تتوزع عشوائيا في الثقافات المختلفة بل تنتظم ضمن ثلاث محاور أو ابعاد رئيسية هي:
1- التخلف الحضاري  - التقدم الحضاري :
       فعلى  الرغم من الصعوبات القائمة في تعريف مفهوم التخلف الحضاري ، نستطيع القول أن المجتمعات التي حظيت بالتقدم  الحضاري تقدم بيئة أكثر ثراء، وعلى العكس كلما ازداد التخلف الحضاري كانت البيئة المقدمة للأطفال أكثر اقفرارا.
2- المستوى الاقتصادي والاجتماعي للعائلة ضمن الإطار الثقافي العام:    
      لا داعي للتدليل هنا على أهمية هذا البعد ، فمعظم الدراسات القائمة حول الحرمان الثقافي أخذت بهذا البعد . وتأثير هذا البعد واضح جدا في النمو العقلي للطفل كما سيتبين لنا من الدراسات المطروحة.
      ولذا نشير إلى أن المستوى الإقتصادي والاجتماعي الفقير يقدم بيئة مقفرة، على العكس من المستوى الاقتصادي المرفه. ولابد من الاستدراك بأن العوامل التي تقع على الحدود بين الطبقات الاجتماعية، تقدم بيئة  أثرى نوعا ما من البيئات التي تقدمها العوائل الأدنى أو حتى الأعلى منها ولذلك علاقة وثيقة بمسألة التسلق الطبقي.
3- بعد البادية - المدينة:
تقدم المدينة بتنوع مؤسساتها كالمتاحف والمنتهزات ، وحدائق الحيوان، والمعارض والمكتبات، ودور السينما، والمسارح... إلخ بيئة أكثر ثراء من البادية . وإذا   رسمنا خارطة المؤسسات التربوية والخيرية ، فعلينا ان لا نكتفي بدراسة توزيع المدارس ، بل كافة المؤسسات التي تسهم في التطوير الثقافي للطفل حتى المؤسسات التي تبيع ألعاب الأطفال.
ولابد لنا من الإشارة أيضا الى ان هذه الأبعاد ليست أبعادا منعزلة يؤثر كل منها بمعزل عن البعدين الآخرين . اذ يتضاعف اقفرار البيئة أو ثراؤها بوقوعها  في مكان معين، على كل من الأبعاد الثلاثة أنفة الذكر.
فعائلة فقيرة في بادية بلد متخلف تقدم بيئة مدقعة مقفرة على عكس من عائلة ثرية في مدينة في بلد متقدم .
 
8- يرتبط الحرمان الثقافي بأشكال الحرمان الأخرى ، فهناك علاقة وثيقة مثلا بين التغدية والذكاء ، وإذا كان لأي منا شك حول هذا الموضوع فعليه الإطلاع على التلخيص الممتع الذي قدمه  << كرين وجماعته>> في بيئة مقفرة يكون متخلفا عن أقرانه حتى قبل الولادة إذا لم تحظ الأم بالعناية الصحية الكافية أثناء فترة الحمل، كما أن تغذيتها تكون سيئة أيضا على الأغلب . ولذلك فإن معدل وزن الأطفال المحرومين لدى الولادة يكون أقل من معدل  وزن معدل الأطفال الميسورين. وتزداد نسبة الأطفال الخدج بين الفئات المحرومة، علما بأن الخديج يكون متخلفا عن أقرانه بدنيا وعقليا. ولقد تبين أن إعطاء الحوامل المحروقات والفيتامينات يؤدي الى زيادة بينة في ذكاء أطفالهن - لدى اختبارهم في سن الرابعة - ويظهر أيضا أن لسوء التغذية تأثيرات سيئة على دماغ الطفل، وغالبا ما تكون هذه التأثيرات دائمية لا يمكن تلافيها فيما بعد.
 
سنعالج في الصفحات القادمة تأثيرات الحرمان الثقافي على ثلاثة متغيرات ذات مساس وثيق بالأداء عامة والمساهمة في التنمية. لذلك سندرس ثأتير الحرمان الثقافي بالنمو المعرفي ، وبتطور اكتساب اللغة، وبتطور الدافعية. ولكل من هذه العوامل دور فعال في الإسهام في التنمية.
1 - الحرمان الثقافي والنمو المعرفي:
 لقد أكدت الدراسات دور الحرمان الثقافي في النمو المعرفي. إذ يتخلف الطفل المحروم ثقافيا عن أقرانه تربويا. ويزداد تخلفه أكثر وأكثر كلما تقدم في مراحل الدراسة. ولقد أجريت دراسات عديدة حول نمو المفاهيم لدى الأطفال  وأجريت مقارنات بين الثقافات ، وظهر أن المراحل لنمو المفاهيم واحدة لدى أطفال العالم كافة ، إلا أن الأطفال يبلغون هذه المراحل في أعمار مختلفة باختلاف الثقافات التي ينتمون إليها.
وأجريت دراسات عدة عن نمو المفاهيم لدى أطفال العرب،(راجع دراسات الفخري م 10،  م11  ، م12، م13، م14، م15، وسفر م 7، والشيخ م 8، وزعرور م71، وخوري وزعرور م73 على سبيل المثال لا الحصر.)
وتبين من هذه الدراسات أن الأطفال العرب يتخلفون عن أقرانهم الأوروبيين فترات تتراوح بين السنة الواحدة والأربع سنوات في تكوين المفاهيم، ولابد  أن نؤكد هنا مرة أخرى أن الفروق هذه لا تنجم عن فروق وراثية أو عرقية، بل هي فروق ناجمة عن ظروف الحرمان الثقافي النسبي. إنها فروق ثقافية تعزى لطرق التنشئة البيتية أو للجهاز التربوي نفسه.
ولقد دللت دراسات أخرى بوضوح أن الجهاز التربوي لا يمكن أن يتملص من مسؤوليته عن هذا التخلف. فالمناهج الدراسية والامتحانات الصفية  تؤكد على الحفظ والتلقين ولا تؤكد على التفكير  والاستكشاف  والابداع.
وبالرغم  من الجهود المضنية  التي تبذلها  الدولة  في تطوير المناهج  الدراسية  فلا زالت  هناك  مجالات للتطوير  نأمل  أن تنال  حظها  من الاهتمام.
ولعل  أجلى مظاهر الحرمان  الثقافي في البادية  هو ضعف  مساهمته  في إشغال  مقاعد التعليم  العالي ، لقد ظهر  من الدراسات  حول فرص  الوصول  إلى التعليم العالي أن البادية  تحظى بنصيب  أقل بكثير من نصيب  سكان الحضر ، ولقلة  إسهام  البادية  في التعليم العالي  أسباب متعددة  منها التخلف الثقافي وقلة المؤسسات  التي تسهم  في النمو المعرفي  للطفل  وارتفاع نسب الرسوب  والتسرب  من المدرسة  إضافة  إلى ما  سنأتي إلى الحديث  عنه  من ضعف التحفيز  الدافعي  وهبوط مستوى  الطموح.
هناك مؤشرا  آخر  حول العلاقة  بين الحرمان  الثقافي والنمو المعرفي  يتلخص  بمعدل عدد  سنوات التربية  النظامية  التي ينالها  الفرد  في المجتمعات  والبيئات المختلفة  ، ففي البلدان  النامية  عموما  يكون  حظ الطفل  من التعليم النظامي  أقل  من نظيره  في البلدان  الصناعية ، كما أن نوعية  التعليم  تختلف  أيضا  ، وينعكس  ذلك في التجهيزات المدرسية (كالمختبرات) ونوعية  إعداد المعلمين  ومستواهم  وغير ذلك  من المتغيرات.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني