د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الحرمان الثقافي2

2- الحرمان الثقافي  والنمو في الدوافع:
من مسلمات علم النفس أن الدوافع الاجتماعية تتشكل حسب متطلبات البيئة لثقافية التي ينشأ فيها الفرد، ولذلك فإن تنشئة الفرد منذ الطفولة المبكرة تلعب دورا بالغ الأهمية في تكوين الدوافع الاجتماعية لديه. وما يهمنا هنا في هذا البحث ليس تشكيل الدوافع الاجتماعية كافة، بل ستقتصر على دافع التحصيل وما يرتبط به من مستوى الطموح ، هناك  اختلافات شاسعة  بين الثقافات المختلفة  في تنشئة الأطفال . كما أن الثقافات  الصغرى  في داخل  المجتمع  نفسه  تختلف  عن بعضها الآخر  في هذا الصدد ، لقد ظهر من إحدى الدراسات  أن الأطفال  المحرومين  ثقافيا  يتعرضون  لتناوب العقوبة  البدنية  من ناحية والتسامح من  ناحية أخرى  كما أنهم لا يفطمون  بسرعة  مقارنة بالأطفال  الآخرين  ويدربون  على استعمال المرافق  في سن مبكرة ، ويسمح لهم  بأن يضعوا جداول إطعامهم  وراحتهم  بأنفسهم ، كما يسمح لهم  بإبداء  السلوك  العدواني  البدني ، ولا يشترط الأبوان  في أطفالهم شروطا  صارمة  في النظافة   على العكس  من الأطفال من الفئات ذات  الثقافة  الأقل حرمانا ، ولا يخضع الطفل المحروم  ثقافيا  لنفس الضغط  للتحصيل والنجاح  الذي يخضع له الطفل  من الفئة المكتفية  ، كما يسمح  للمراهق المحروم ثقافيا  أن يمارس  أمورا غير مسموح بها  للأطفال الآخرين  كالتدخين  واستعمال ألفاظ  لا يسمح  بها  في الكلام  (المؤدب).
وهكذا يخضع الطفل من الفئات التي لا تعاني  من الحرمان الثقافي  لبيئة تطرح عليه متطلبات  عالية ، فهو يخضع  لمراقبة دقيقة  من قبل أبويه وغيرهم من الكبار  ، ويلح عليه الكبار  بأن يبقى نظيفا  دائما ، وأن يستعمل لغة (مهذبة) وأن يتجنب العراك ، ويفطم مبكرا، ويخضع لجدول إطعام  متزمت ، ويدرب على استعمال المرافق بسن مبكرة وكذلك يفرض عليه  جدول ثابت تقريبا فيما يخص النوم والراحة ويستعمل المنع بكثرة  وفي كثير من الأمور.
لذلك تظهر على الأطفال الذين  لا يعانون  من الحرمان أعراض العصبية  أكثر مما تظهر بين أطفال الفئات  المحرومة ، ويستنتج أحد علماء النفس والتربية أن التوتر العصبي سمة عامة  بين أطفال الفئات  المرفهة ، ولكن ذلك لا يعني بأنهم  يعانون من مشاكل في تكيفهم  للبيئة ، فالطفل المتوتر عصبيا  ينزع للفعالية  على العكس  من الطفل  المتراخي المستريح، وهذا يعني  بأن الفئات  المحرومة  لا توضع  تحت ضغط عال  للتحصيل  والإنجاز  والفعالية  ، هذه هي البيئة  التي ينشأ  فيها الطفل  حتى يدخل المدرسة الابتدائية ، ولكن  ما  إن  يدخل  الطفل  المدرسة الابتدائية  حتى تنقلب الآية  تماما بالنسبة  للطفل المحروم - لا بالبيت بل في المدرسة- فالطفل  من البيئة  المقفرة بحاجة إلى بيئة  تربوية  تتناقض  مع ما اعتاد عليه  معرفيا  ودافعيا ، فيجد الطفل  المحروم  ثقافيا  نفسه  في المدرسة  في بيئة غريبة  عنه  بل قد يراها  معادية  تماما ...فهي تتطلب  منه التخلي  عن كثير مما اعتاد على اعتباره أمرا طبيعيا ، وتفرض  عليه  أن يتصرف  ضمن إطار  من السلوك  اعتاد أن يعتبره  تصنعا ،  لهذا السبب  يتعرض الطفل المحروم   ثقافيا  إلى عقوبات   مدرسية  أشد وأكثر  مما يتعرض له الآخرين ، ولهذه الأسباب  نجد  أن الغالبية  العظمى  من المتسربين  من المدارس هم من الفئات المحرومة. ويجد المعلمون عادة أن أطفال الفئات المكتفية  ينسجمون  في المدرسة  مع التقاليد  بسهولة  أكبر ، فهم أقل شجارا وأفضل تحصيلا وأكثر هدوءا  وقربا  من المعلمين  ويتكيفون  للقيم المدرسية  التي تشابه القيم  التي نشأوا عليها في بيوتهم.
وتشجع ألعاب الأطفال التي تعتمد على المهارة دوافع التحصيل بينما تشجع الألعاب الإستراتيجية  دوافع الانصياع للجماعة ، ونجد فروقا واضحة بين الفئات الاجتماعية المحرومة وغير المحرومة  في هذا الصدد ، وقد لخص  ( هكوسن)  الدراسات  حول دافع التحصيل  والإنجاز لدى الأفراد  الذين ينتمون إلى الثقافات الصغرى في المجتمع ( كالطبقات والأقليات) ..ووجد  بأن دافع التحصيل يكون أقوى  بين الفئات المثقفة  وبين ذوي المهن  العليا، كما تدل أيضا على أن الأفراد  الذين ينتقلون  من طبقة إلى أخرى  أعلى منها ، يمتلكون  عادة  دافعا قويا  للتحصيل.
ويرتبط دافع التحصيل  عادة ارتباطا قويا  بمستوى الطموح  ، وتضع الفئات  الاجتماعية  المحرومة  ثقافيا  لا ترى لنفسها  ولأطفالها  أملا في الخروج من مأزقها ، لذلك لا تطمح لأطفالنا بالارتقاء ، ولا تطرح عليهم  مستويات للطموح  عالية  يحاولون بلوغها ، ويرتبط دافع  التحصيل  بدافع آخر هو دافع الاستقصاء  الذي يزيد  من الذخيرة المعرفية  للطفل ، ويبدو أن  للتنشئة الاجتماعية  المبكرة  دورا في نموه ، ويتطلب دافع الاستقصاء قاعدة أمينة  ينطلق منها  لاستقصاء البيئة المحيطة ، وتلعب الأم دورا مهما في هذا الصدد ، وفيما بعد يلعب المعلم  أو المدرب مثل هذا الدور ، ولكن الظروف  الاجتماعية  للفئات المحرومة  ثقافيا  لا تسمح للأم  بأن تلعب  هذا الدور بكفاءة ، لذلك يتضاءل دافع الاستقصاء  بين الفئات المحرومة  ثقافيا ويقوى في الفئات  الأخرى . ويرى أحد علماء النفس التربويين أن الفئات المحرومة  ثقافيا  تقف موقفا  قدريا  من العالم ، فبينما نجد الأطفال من الفئات الميسورة  يعتقدون بأنهم  قادرون  على تغيير الواقع  لصالحهم ، يميل أطفال الفئات  المحرومة لاتخاذ موقف سلبي من الواقع ويعزون التغييرات التي تحدث فيه للحظ ، ويضيف أحد العلماء إلى أن الفئات المحرومة ثقافيا تكافح من أجل البقاء لذلك يكتسب  الحاضر أهمية عظمى ، ولا يغدو  الماضي أو المستقبل ذا أهمية  تذكر ، بينما يتوجه  الآخرون للمستقبل بمنظور تفاؤلي ، ويرتبط هذا كله بمسألة تأجيل المردود.
تخطط الفئات الميسورة لمستقبل أبنائها البعيد المدى ويدربون أطفالهم على التنازل عن الملذات  الآنية مقابل مكافآت أفضل في المستقبل البعيد ، وعندما تكون الإنابة المؤجلة أمرا متداولا في حياته اليومية يغدو له أمر  تأجيل بعض المردودات أمرا منطقيا ومقبولا على العكس  من الطفل المحروم ثقافيا ، إنه يعيش في بيئة كفاف ، ولذلك يريد أن يستمتع  بالمكافآت التي ترده حالا ، ولا يستطيع الانتظار للحصول على مردودات بعيدة المدى قد يحصل  عليها  أو قد لا يحصل ، وهكذا يغدو أمر التضحية  ببعض المسرات الآنية بغية دخول الجامعة فيما بعد مثلا أمرا بعيدا عن المنطق فضلا عن أنه بعيد المنال.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني