د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

التعليم ودوره2

ذوي الاحتياجات الخاصة في البلاد العربية:
يقدر عدد ذوي الاحتياجات الخاصة او المعاقين في البلدان العربية بحسب منظمة العمل العربية ب " اكثر من عشرين مليون شخص ... يعانون من الاعاقة غالبيتهم العظمي بحاجة الي التعليم والتدريب والتأهيل والرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية والمهنية لتمكينهم من المساهمة الفاعلة في تنمية المجتمع". (جريدة الزمان، 8-12-2003)
وتقوم هذه المنظمة (منظمة العمل العربية) التابعة لجامعة الدول العربية بتنسيق العمل العربي في هذا المجال من قبيل الندوات ومنها ما اعلنت عنه لاحقا حيث تبحث الندوة القادمة (ديسمبر 2003) "عن سبل لحماية المعاق في العمل، يشارك فيها ممثلون عن الجهات الرسمية المعنية واختصاصيون في سياسات التأهيل والتشغيل في الدول العربية الي جانب المؤسسات الاهلية الاقليمية والدولية المعنية بهذا الموضوع. وتناقش الندوة حجم ظاهرة الاعاقة في الوطن العربي والبرامج اللازمة لتأهيل المعوقين وسبل حماية حقهم في العمل من خلال تشريعات العمل العربية والدولية". (جريدة الزمان، 8-12-2003)
وبالنسبة لعدد المعاقين في العالم العربي المشار اليه اعلاه فانه يبدو كبيرا بالقياس الى مجموع سكان المنطقة العربية المقدر بثلاثمائة مليون شخص. اي بنسبة مئوية تساوي 6.6 % ، خاصة بالنسبة لاغلب البلدان التي عاشت استقرارا كبيرا ونموا اقتصاديا جيدا ونسبة من الوعي والرفاهية الاجتماعية، مثل بلدان الخليج وبعض بلدان شمال افريقيا، والمشرق باستثناء العراق وفلسطين التي تشهدان عدم استقرار يكاد يكون مستمرا. علما ان هذه الاحصائيات قد لا تحتوي بيانات مؤكدة عن المعاقين من العراقيين الذين عانوا كثيرا من الحروب المتكررة خاصة الحرب العراقية الايرانية المسماة بحرب الخليج الاولى وثم حرب الخليج الثانية مرورا بالحصار الذي استمر 13 سنة تقريبا واخيرا حرب الخليج الثالثة.
وقد تركت هذه الحروب والحصار اثارا كبيرة وملموسة تمثلت في هذا الجانب في العدد الكبير من ذوي الاحتياجات الخاصة سواء من الجنود او المدنيين. هذا فضلا عن المشوهين بالولادة نتيجة استخدام السلاح الكيمياوي في الشمال خاصة مدينة حلبجة التي فقدت حوالي خمسة آلآف شخص جراء ضربها بهذا السلاح. وجنوب البلاد في بعض مناطق الاهوار من قبل النظام البائد او ما يشاع من استخدام قوات التحالف في حرب الخليج الثانية لليورانيوم المنضب. او ما تسببه الالغام المزروعة بمناطق شاسعة من العراق سواء الحدودية منها كجبهات قتال او في مناطق مختلفة من اقليم كردستان العراق الذي عانى كثيرا. وبهذا فان المرجح ان تكون لدى العراق النسبة مرتفعة جدا من اعداد المعاقين قياسا الى باقي بلدان المنطقة.
وتلفت احصاءات الفلسطينيين الانتباه حيث يؤكدون من خلالها على ان نسبة المعاقين الى افراد المجتمع هي الاعلى قياسا الى العالم، وذلك جراء التوتر والعنف المستمرين بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي غالبا ما يكون ضحاياها من الابرياء الفلسطينيين اضعافا مضاعفة.
حيث أوضحت مصادر في سلطة الحكم الذاتي ان عدد المعوقين في فلسطين بلغ حوالي 109035 معوقا منهم 69145 معوقا من محافظات غزة مشيرة الي ان نسبة المعوقين في المجتمع الفلسطيني وصلت الي 3% من اعلي النسب في العالم. http://www.qudsway.com/akhbar/arshiv/2003/12-2003/a/report-12&03&15058.htm
ولكن ادعاء كون ان نسبة 3% لدى الفلسطينيين هي من النسب الاعلى في العالم فهو غير دقيق، حيث اننا نجد في مصر مثلا أن العدد التقريبي للمعاقين يناهز (6) ملايين شخص حيث ان نسبة 68% منهم ذكور و(32%) إناث، وبحساب النسبة المئوية نجد انها تصل الى ما يقارب 10% . اي انها اعلى مما هي في فلسطين بكثير.
ومما يشار الى حالة المعاقين في مصر ان "هؤلاء المعاقين يعانون بطريقة و أخرى من سياسات التمييز العائلي والاجتماعي لهذا فقد اختاروا طريق التقوقع على أنفسهم". كما يذكر هذا المصدر (شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس 13/11/2003)
وفي اليمن تبلغ نسبة الإعاقة في اليمن 8% - 13%. اي انها اعلى ايضا وبفارق كبير.
علما ان اليمن كانت قد عانت من الحرب الاهلية لفترات كانت اخرها ما حصل في حرب (الوحدة) في عام 1994.
وان حقيقة كون اغلب بلدان هذه المنطقة هي خارج اطار الدول الفقيرة (ما عدى اليمن هنا) او ما يسمى بدول تحت خط الفقر مثل بلدان جنوب الصحراء الكبرى الافريقية او بعض بلدان اسيا، قد لا يلغي فكرة ان هناك اعداد كبيرة من المعاقين نتيجة للعنف القيمي او حوادث الطرق المتكررة او ارتفاع نسبة الجريمة مثلا او مخاطر العمل والبيئة والكوارث الطبيعية وما تخلفه مثل الزلازل والفياضانات وغيرها.
وقد "كشف تقرير مصري أن للعوامل البيئية دوراً في الإصابة بالإعاقة بكل أنواها وأشكالها ويزيد أثرها بزيادة عدد المصانع ووسائل النقل وينتج عن ذلك تلوث الهواء والماء.. والضوضاء التي تؤثر على السمع وتزيد خطورتها في الأماكن المزدحمة" (شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس 13/11/2003)
وبصورة عامة فان " نسبة المعاقين في الدول النامية تصل إلى 80 % من واقع 500 مليون معاق في العالم... أغلبهم يعيش في مجتمعات ريفية" (موضي الزهراني، جريدة الوطن السعودية، 14-12-2003)
ويبلغ عدد الكفيفات في العالم 30 مليون كفيفة ونسبة الكفيفات في الدول النامية تبلغ 80% من كفيفات العالم. حيث عانت هذه البلدان من الاقتتال الداخلي او الحروب الخارجية اضافة الى تدني مستويات الوعي الصحي وانتشار الامراض والاوبئة وضعف الامكانات المادية لمكافحتها.
ويشار الى ان خدمات المعاقين في الدول النامية لم تبدأ إلا بعد عام 1940م ولم تظهر الخدمات في كثير من الدول العربية إلا بعد عام 1968م لتخدم ما يقرب من أربعة عشر ألفا وستمائة وعشرة (14610) معاقين من عدد المعاقين في الدول العربية البالغين 7 ملايين (في ذلك الوقت)
وهذا يظهر مفارقة البداية المتأخرة لبلداننا في تقديم الخدمات لهذه الشريحة من المجتمع علما انه قد تم انشاء أول معهد للمكفوفين في باريس عام 1784م. (موقع اسلام اونلاين)
ويتفاوت اعداد المعاقين ونسبتهم والخدمات المقدمة لهم من بلد لآخر بحسب استقرار ذلك البلد وبعده عن الحروب سواء الداخلية او الخارجية، وبحسب امكانياته الاقتصادية ومستويات الوعي الاجتماعي ايضا. حيث توفر الدولة في احيان كثيرة مراكز الرعاية الاجتماعية التي ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن عدم توفر الوعي الاجتماعي والعلمي او وجود بعض العوائق الاجتماعية والنفسية تمنع الاسر من ارسال ابنائها و بناتها اليها او حتى تسجيل حالات عوقهم في الاحصاءات الرسمية.
في المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة رفاهية معقولة في منطقتنا، توفر الدولة ما يسمى بالمراكز الايوائية التي تستقبل شديدي الاعاقة، ويبلغ عددها 26 مركزا منتشرة في مختلف المناطق السعودية وتؤوي أكثر من 6500 معاق ومعاقة، إلى جانب 12 مركزا وقسما للتأهيل المهني ومؤسستين لرعاية الأطفال المشلولين، والمراكز الحكومية والأهلية والخيرية التي تساند الوزارة في جهودها في هذا المجال، ومن هذه المراكز 9 مراكز للرعاية النهارية، و8 مراكز تابعة للجان الأهلية بمراكز الخدمة والتنمية الاجتماعية، و27 مركزا للرعاية النهارية يتولى تشغيلها القطاع الخاص. ويبلغ ما تنفقه السعودية على المعاقين ما يزيد على 388 مليون ريال سنويا (80.8 مليون دولار)، خلافا للجهود المبذولة في خدمة المعاقين من قبل القطاعين العام والخاص ومن قبل الجهات الخيرية بوصفها روافد تدعم الجهود المنتظرة من المجلس الأعلى لشؤون المعاقين، الذي تتطلع وزارة الشؤون الاجتماعية إلى تشكيله وفقا لنظام رعاية المعاقين الصادر بمرسوم ملكي، والذي نص على إنشائه من جميع القطاعات المعنية بخدمات المعاقين ورعايتهم وتأهيلهم وتعليمهم وتدريبهم، بحيث تعمل المؤسسات الحكومية والخيرية والأهلية على حد سواء تحت مظلة المجلس وفق الأهداف المرسومة له.
وتجدر الاشارة إلى أن الحكومة السعودية سنت في السابق جملة من القوانين لحماية حقوق المعاق، ومنها توفير العمل له في القطاع الحكومي والخاص، أو تقديم معونة مالية قدرها 50 ألف ريال (13.3 ألف دولار) مساعدة للمعاق للقيام بمشروعه الخاص.
كما تصرف للمعاقين وأسرهم إعانات مالية، إضافة إلى تكلفة العلاج و الأدوية، وتحويل سيارات المعاقين للتناسب مع احتياجاتهم، والأجهزة التعويضية والمعينات السمعية والبصرية، وتم تعديل المباني الحكومية، والتعليمية، ومرافق الخدمات، والحدائق والمتنزهات بما يلائم حركة المعاق، وتوفير الفصول الدراسية الخاصة والمدارس، وتسهيل دخولهم إلى الجامعات ومؤسسات التدريب الفني والمهني.

وتقدم السلطة الفلسطينية خدمات معقولة برغم ظروف البلد المتأزمة نتيجة سياسات الاحتلال الاسرائيلي وما يترتب عليه.حيث يتم من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية "إعطاء المصاب من الانتفاضة مبلغا قدره 300 دولار لمرة واحدة فور حدوث الإصابة، كما يصرف للمعاق الأعزب مبلغ حوالي 120 دولارا شهريا والمتزوج 200 دولار شهريا، بالإضافة إلى 11 دولار لكل طفل من أطفال أسرة المصاب إذا كان لديه أبناء، إضافة إلى صرف بطاقة تأمين صحي وصرف مواد تموينية مختلفة من كل شهر". (موقع اسلام اونلاين) في حين تكاد تنعدم مثل هذه الخدمات في بلدان ذات مستويات دخل متدنية مثل السودان وموريتانيا والصومال وغيرها من منطقتنا.

والمطلوب هنا التوسع الافقي والعمودي تجاه هذه الشريحة من المجتمع وفي كللا النموذجين (الدول الفقيرة والاخرى الغنية) حيث يتوجب اجراء المسح الشامل وحصر اعداد ذوي الاحتياجات الخاصة بغية تقديم الخدمة الاساسية لهم وصولا الى ما هو افضل. وتحسين وتطوير نوعية الخدمات للمستفيدين اصلا.
ومن الامور اللازمة الاخرى اجراء مزيد من الدراسات في هذا المجال وتهيئة العديد من الاخصائيين ومراكز البحث والرعاية الاجتماعية مصانع الاطراف الصناعية او الوسائل المساعدة، وتشجيع العمل التطوعي والانساني وتقديم التبرعات، لانه ركيزة مهمة في هذا المجال، ولنا في البلدان المتقدمة صناعيا امثلة حسنة هنا حيث تبادر جهات شعبية ورسمية على الدوام وتتسابق لتقديم الخدمة لذوي الاحتياجات الخاصة بشتى انواعها منها ما يصل الى تقديم خدمات التمريض او المساعدة البيتية المجانية.

الخلاصة التي نصل اليها هي ان المعاق انسان وانسان قبل كل شئ، وبعدها هو فرد ابتلى بعاهة او عجز نتيجة ظروف معينة، فهو عاجز يستحق منحه هذه الفرصة ليعتمد على نفسه ان لم نتكفل به تماما. ولعل اهم الفرص والتي ستفتح الباب له امام فرصا ومجالات اخرى في الحياة وتنير له الطريق، هي فرصة التعليم. وقد اكدت ذلك كل الديانات ومنظمات حقوق الانسان والمؤتمرات والجهات ذات العلاقة اكتمالا لصورة الانسان الذي كرمه الله واستخلفه في الارض.
 
المراجع والهوامش:
جريدة (الزمان) اللندنية، العدد 1679، 2003 - 12 - 8.
جريدة الشرق الاوسط اللندنية، الاربعاء 17 -12- 2003.
صحيفة الشعب اليومية اونلاين الصينية10-04-2002.
موضي الزهراني، إعاقة في مجال الاعاقة، مقال منشور في جريدة الوطن السعودية، 14-12-2003.
علي الوردي، 1996، في الطبيعة البشرية، تقديم سعد البزاز، دار الاهلية، عمان الاردن.
http://www.annabaa.org/nbanews/28/198.htm
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/adam-35/parent-1.asp
http://www.qudsway.com/akhbar/arshiv/2003/12-2003/a/report-12&03&15058.htm

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني