د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الويب الدلالية

معنى (الويب الدلالية) ومغزاها

تحويل الويب الحالية لقاعدة بيانات عالمية موحدة

فى عام 1994 اخترع الدكتور تيم بيرنارد لى الباحث بمعامل بحوث سيرن بسويسرا ما عرف بالشبكة العنكبوتية العالمية (الويب) القائمة على فكرة النصوص التشعبية التى سرعان ما انتشرت ونمت حتى أصبحت تشكل عصب الإنترنت وتحولت إلى أحد مظاهر العولمة، حيث أتاحت ربط أى شىء بأى شىء وأى شخص بأى شخص، ومن ثم بات فى إمكان مئات الملايين من البشر التواصل بين بعضهم البعض بسهولة، وكان هذا مكمن قوة روابط الويب والنصوص التشعبية، وفى ديسمبر 2004 عاد الدكتور لى ليتحدث عن مشروع جديد هو ( الويب الدلالية أو Semantic Web)، التى تقوم على فكرة التعامل مع المعلومات المتاحة على الويب آليا وفقا لدلالاتها ومعانيها، وكان دافعه فى ذلك أن 80 % منه محتوى الويب الحالى عبارة عن نصوص صممت لكى يقرأها ويفهمها البشر، بينما برامج الحاسب ومتصفحات الويب وبرامج البحث عاجزة عن التعامل مع هذا المحتوى وفهمه وتحليله بناء على دلالته أو مضمونه، وهكذا سرعان ما تدافعت الأبحاث وجهود التطوير المتعلقة بالويب الدلالية، وفى غضون أقل من عامين فقط على إطلاق الدكتور لى لرؤيته تشكلت البذور الأولى للويب الدلالية وبدا أنها تقود العالم نحو ثورة جديدة فى عالم الإنترنت تعصف بالكثير من الثوابت الحالية وتنبئ بتغييرات عميقة ليس على مستوى التكنولوجيا ولكن على مستوى الثقافة والهوية والحضارة .. فما هى الويب الدلالية؟

 

 من أهم المشكلات التى نواجهها فى الوقت الحالى فى مجتمع المعلومات فيضان المعلومات، وهى مشكلة تفاقمت بسبب الحجم الهائل المطرد فى الزيادة لشبكة الويب العالمية، فقد منحتنا الويب إمكانية الوصول إلى ملايين المراجع والمقالات والأخبار والخدمات، بغض النظر عن موقعها الجغرافى ولغتها المستخدمة، وحتى يمكن التعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات، نشأت نماذج أعمال جديدة على شبكة الويب مثل محركات البحث التجارية، التى تتزعمها شركة جووجل حاليا بلا منازع.

 

ومع استمرار نمو الويب، من المتوقع أن تعانى محركات البحث الأمرين فى الحفاظ على جودة نتائج البحث، وذلك لأنها لا تصل إلى كل المحتوى الثابت، وتتجاهل الطبيعة الديناميكية المتغيرة، للويب أى صفحات الويب التى يتم إنشاؤها من قواعد البيانات، فحاليا تحتوى شبكة الويب على نوعين من المعلومات: معلومات تم إنتاجها أساسـًا للاستهلاك الإنسانى ومعلومات أخرى تم إنتاجها خصيصا لأجهزة الحاسب وبرمجياتها الآلية، وهى لا تعنى الإنسان بأى حال من الأحوال. بمعنى آخر يبدو الأمر ككفتى ميزان إحداهما تمثل المحتوى بكل أنواعه، بدءا من الإعلان التليفزيونى الذى يعرض لخمس ثوان إلى الشعر والنثر الأدبى والخطب البلاغية أو كل النتاج البشرى فى مناحى الثقافة والعلوم والآداب الذى تحويه شبكة الويب بين دفتيها، والأخرى تمثل قواعد البيانات والبرامج والمجسات والمستشعرات والبروتوكولات والمعايير ولغات البرمجة والتكويد العاملة على الشبكة، وكلاهما لا يعمل مع الآخر كنسيج موحد.

 

ومن هنا ظهرت فكرة الويب الدلالية كوسيلة لسد الفجوة والثغرة المستحكمة بين طرفى الميزان، أو بالأحرى المعلومات الحضارية والبشرية والثقافية من جهة والبرامج الآلية من جهة أخرى، بما يجعل برامج البحث تفهم أو تتحدث بلغة المعرفة الإنسانية، حتى تستطيع البشرية استغلال هذه المعرفة بشكل أفضل وتوظفها فى تطبيقات مفيدة لجميع البشر.

 

 وللتوضيح نقول إن الحاسبات تستطيع بالطبع تحليل صفحات الويب من حيث الشكل والتخطيط والتقسيم: هنا عنوان وهناك رابطة لصفحة أو موقع آخر، ولكن بصفة عامة، لا توجد طريقة تجعل الحاسب قادر على معالجة المعنى: كأن يقول البرنامج (هذه هى الصفحة الرئيسية لموقع العالم المصرى أحمد زويل، المعروف أنه فاز بجائزة نوبل فى الكيمياء عن ابتكاره لتكنولوجيا الفمتوثانية وكاميرا للتصوير فى هذا الزمن المتناهى فى القصر، المتناهى فى السرعة، وهو عالم مصرى المولد والنشأة أمريكى الإقامة والهجرة، وتخرج من جامعة الإسكندرية ومتزوج من سورية وهو ثالث مصرى يفوز بجائزة نوبل بعد السادات ونجيب محفوظ)، بالطبع لن يفهم البرنامج هذا المضمون كما نفهمه نحن البشر، ولكن كل المطلوب منه التعامل معه كأنه يفهمه.

 

 وهكذا فإن محركات البحث الحالية مهما كانت تعمل على تطوير قدراتها فى البحث الذكى عن المعلومات وتحليلها وعرض المفيد منها للمستخدم فإنها محدودة فى النهاية بقيود البحث الشكلى فى الويب أى البحث عن الصفحات أو المواقع التى وردت فيها كلمات أو عبارات معينة، وتعجز تماما عن فهم مضمون صفحات ومواقع الويب والربط بينها على أساس المفاهيم المشتركة، بعبارة أخرى، يمكن القول حاليا بأن قدرات الويب الحالية تقف مشلولة أمام أبواب التعامل الذكى مع المعلومات وتحليلها بناء على المضمون والربط بينها ثم استنباط النتائج المطلوبة. كما أن حلقات التطور المعرفى تحتم الانتقال إلى طور جديد من التعامل الذكى مع المعلومات واستغلالها ومعالجتها بشكل آلى من خلال البرامج واللوغاريتمات.

 

 يؤكد تيم بيرنيرز لى أن الويب الدلالية هى امتداد للويب الحالية، من حيث إنه يتم إعطاء المعلومات الموجودة معنى معرفا، مما يفعل التعاون بين أجهزة الكمبيوتر والناس على السواء، والقوة الحقيقية للويب الدلالية لن تتحقق إلا عندما يقوم الناس بتطوير برامج عديدة تجمع محتوى الويب من مصادر عديدة وتعالج المعلومات الموجودة فى هذه المصادر وتتبادل النتائج مع البرامج الأخرى، وفاعلية مثل هذه البرامج ستزيد بشكل مضاعف عندما يتوافر المزيد من محتوى الويب الذى تفهمه البرامج والخدمات الآلية.

 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني