د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

عملية الفهم 1

2 – كيفية حدوث عملية الفهم

     للتطرق إلى هذا الموضوع سنعتبر أن عملية الفهم تحدث نتيجة قيام الفرد بعدة عمليات ذهنية تسمح له بإعطاء معنى للنص. لقد كان هذا الموضوع محل اهتمام العديد من الباحثين، و في هذا العمل سنقوم بذكر ثلاثة أعمال قام بها ثلاثة باحثين و قدموا ثلاثة نماذج  محاولين من خلالها تفسير كيفية حدوث أو طبيعة العمليات الذهنية التي توصلنا إلى الفهم.

أ- النموذج الأول

وهو الذي اقترحه أنتوان دو لا جارندوري  Antoine DE LA GARANDERIE   زعيم التيار التربوي الذي يعرف باسم ”  الإدارة التربوية للعمليات الذهنية  ”  Pédagogie de la gestion mentale. يهتم هذا الباحث بدراسة طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به التلميذ أثناء العملية التعليمية، و هذه العملية – حسب رأي  أنتوان دو ل لا جارندوري – ترتكز على عنصريين أساسيين هما:

     أولا : المشروع

و يقصد به أن يكون للتلميذ هدف يرمي الوصول إليه من وراء فهمه للمادة العلمية بل و أن يتصور نفسه -عند حدوث العملية التعليمية – في حالة تطبيق لذلك المشروع.

     ثانيا : تكوين صور ذهنية

 أثناء عملية التعلم يقوم التلميذ بتكوين صور ذهنية – سمعية كانت أو بصرية- لما يقوم به المدرس أثناء شرح الدرس. بتعبير آخر، لكي تتم عملية فهم المادة العلمية يقوم التلميذ بترجمة المعلومات إلى صور ذهنية. إن عملية الترجمة هذه تعتبر عملية أساسية لاستيعاب المعلومات و لاستدعائها من وقت إلى آخر، الأمر الذي يجب الإشارة إليه هو أن ترجمة المعطيات إلى صور ذهنية و بالتالي تخزينها داخل الذاكرة تتطلب إيجاد علاقة معينة بين المعطيات الجديدة و المعطيات التي تم تخزينها، فبدون إيجاد أي نوع من العلاقة لا نستطيع أن نترجم مضمون المادة العلمية إلى صور ذهنية و بالتالي لا تتم عملية الاستيعاب.

ب- النموذج  الثاني

هو الذي قدمه جوديث إيروين  Judith W. Irwin  و الذي أشار فيه إلى المراحل المختلفة التي تمر بها عملية الفهم، أو بتعبير آخر العمليات الذهنية التي يقوم بها القارئ لإعطاء معنى للنص. هذه العمليات هي :

أ – العمليات الأولية الصغيرة و هي التي تدخل في فهم عناصر الجملة و تسمح لنا بالتعرف على الكلمات و قراءتها مع بعضها البعض.

ب – عمليات التكامل و الدمج  Les processus d’intégration  و هي التي تساعد على البحث عن التماسك و الانسجام الموجود بين الجمل.

ج – العمليات الذهنية الكبرى و هي التي تهدف إلى فهم المعنى العام للنص و ذلك باعتباره كلا متكاملا و كذلك بفضل استعمال تركيبات أو أجزاء النص و التعرف على الأفكار الرئيسة.

د – عمليات التكوين  Le processus d’élaboration  و هي تلك التي تسمح للقارئ بإعطاء معنى آخر للنص بفضل عمليات الاستنباط الشخصية و الافتراضات و الصور و العمليات الذهنية.

ج- النموذج الثالث

يدخل  النموذج  الثالث في إطار ما يسمى بنظرية النماذج [7]، و قد تطرقت   باتريسيا كاريل إلى هذا النموذج  Patricia L. CARELL عندما تحدثت هي الأخرى  عن إشكالية الفهم و بينت في عملها أنه للوصول إلى  ما يسمى  بالفهم يقوم القارئ بعمليتين ذات اتجاهين مختلفين: ” العمليات ذات الاتجاه ” أسفل – أعلى ” و العمليات ذات الاتجاه ” أعلى – أسفل ” .

يعمل الفرد عند قيامه بالعمليات الذهنية  ذات الاتجاه ” أعلى – أسفل”  إلى إعطاء معان مسبقة لمضمون النص و ذلك – كما أشرنا إليه – انطلاقا من تجاربه السابقة و معلوماته العامة، ثم يقوم القارئ بمقارنة تلك المعاني مع مضمون النص و ذلك بقصد تأكيد أو استبعاد تلك المعاني المعطاة مسبقا. أما العمليات ذات الاتجاه ” أسفل – أعلى ”  فهي التي تجري على مستوى الوحدات اللغوية أي على مستوى الأشياء المكتوبة، و يقوم الفرد من خلالها بمقابلة مضمون تلك الوحدات اللغوية مع معلوماته و ذلك للتعرف على مدى تناسقها”[8] .

     إن ما ذهبت إليه  باتريسيا كاريل  Patricia L. CARELL فيما يخص العمليات ذات الاتجاه ” أعلى – أسفل ” يشير بطريقة واضحة إلى مختلف الأنشطة التي يقوم بها الفرد عند القراءة. كما رأينا – حسب وجهة نظر هذه الباحثة – يقوم الفرد عند القراءة بنوعين من العمليات الذهنية هما:

أ – تكوين معان مسبقة حول محتوى النص.

ب – فحص محتوى النص  لتأكيد هذه التصورات أو تغييرها.

     إن العمليات التي تجري على هذا المستوى – ” أعلى – أسفل” – تمثل بالنسبة لباحثين آخرين مثل  جيرار فينيي  Gérard Vigner   جوهر عملية القراءة. وحول هذا الموضوع يقول هذا الباحث : ” يقصد بعملية القراءة تكوين افتراضات دلالية لمحتوى النص. و تستمر عملية الافتراض هذه حتى يصل القارئ إلى المعنى الذي يرمي إليه الكاتب. ” [9]

     انطلاقا من التعريف المقدم من جيرار فينييه  Gérard Vigner حول عملية القراءة نستطيع أن نقول أن ما تسميه  باتريسيا كاريل Patricia L. CARELL بالعمليات  ذات الاتجاه ” أسفل – أعلى ” تحتل أو تلعب دورا ثانويا في عملية الفهم. يقول جيرار فينيي  Gérard  Vigner في هذا الخصوص : ” يبدو في النهاية أن الذي يلعب دورا رئيسيا في عملية الفهم هي العمليات الذهنية التي يقوم بها القارئ و ليس درجة الكفاءة في اللغة، إذ تلعب هذه الأخيرة دورا ثانويا في عملية الفهم. يقوم الفرد عند القراءة بعدة عمليات ذهنية و يستخدم معلوماته العامة و  بالتالي تحتل أو  توضع العناصر المتعلقة بالوحدات اللغوية في الدرجة الثانية علما بأن درجة كفاءة القارئ تحظى – حسب النظرة التقليدية للعملية التعليمية –  ببالغ الأهمية.” [10]

     بينما تطرق كل من باتريسيا كاريل Patricia L. CARELL و جيرار فينييه  Gérard Vigner  إلى إشكالية عملية الفهم منطلقين من طبيعة العمليات التي يستخدمها أو يقوم بها الفرد عند القراءة، تناول فرانك سميث  Frank  Smith الموضوع نفسه مركزا اهتمامه على طبيعة المعلومات التي يعتمد عليها القارئ. يقول هذا الباحث : ” تعتمد عملية القراءة على المعلومات التي يستقبلها الجهاز البصري و على المعلومات الموجودة في ذهن القارئ أي في ما يسمى بتركيبته الذهنية Sa structure cognitive   [11″

     إن  قول فرانك سميث  Frank  Smith يمكن أن يجعلنا نعتقد أن الجهاز البصري يلعب دورا رئيسيا في عملية القراءة. في الواقع، إن وظيفة الجهاز البصري تتمثل في استقبال المثيرات و إرسالها إلى الدماغ على هيئة ذبذبات عصبية تكون متوافقة للمثيرات التي تم استقبالها. إن هذا يعني أنه – على مستوى الجهاز البصري – تبقى المعلومات بدون مضمون دلالي. إن هذا الأخير يُعطى من طرف القارئ بعد قيامه بعملية استبعاد و اختيار[12] على مستوى الدماغ. يقول كل من ميشال شميت و آلان فيالا M. P. SCHMITT, A. VIALA  : “إن القراءة هي أولا عملية إدراك لمجموعة من الإشارات البصرية. عملية الإدراك هذه لا تؤدي إلى إعطاء معنى إلا بعد قيام الفرد بمجهود إقصائي واختياري  بالغ الأهمية للافتراضات التي تتناسب مع محتوى النص ” [13].

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني