د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

عملية الفهم2

     في نهاية حديثنا عن طبيعة العمليات المؤدية إلى عملية الفهم، نستطيع أن نقول – انطلاقا من مختلف المقولات التي سردناها – أن القارئ يستخدم عضوين هما : الجهاز البصري و الدماغ. فمعرفة طريقة عمل هذين العضوين تمكننا من اتباع طريقة مثلى عند القراءة و بالتالي نتوصل إلى فهم محتوى النص. في الحقيقة، لكي ندير عملية القراءة بشكل فعال، علينا أن نعرف أولا كيف نقرأ. إن معرفة القراءة هي قبل كل شيء حسن إدارة النظام البصري. يقول فرانك سميث  Frank  Smith في هذا الخصوص : ” يكون التقاط المعلومات في نظرة واحدة في الخمس أجزاء الأولى من المائة من الثانية أو أقل من ذلك، أما في بقية الوقت فليس للجهاز البصري أي وظيفة في عملية القراءة حينها يقوم الدماغ بمعالجة المعلومات المرسلة إليه. فإذا تم إرسال معلومات جديدة إلى الدماغ و لم يفرغ هذا من معالجة تلك التي أرسلت إليه في فترة سابقة، لا يقوم الدماغ بمعالجة المعلومات الجديدة أو يهمل معالجة المعلومات التي لم تعالج بعد. وفي كلتا الحالتين تحدث عملية إهمال لجزء من المعلومات المرسلة إليه.”

إن ما أشار إليه فرانك سميث  Frank  Smith عن آلية عمل الجهاز البصري، يسمح لنا بالقول أن اتباع طريقة ” الكلمة تلو الكلمة أثناء القراءة ” لا تسمح للدماغ بمعالجة جميع الكلمات المرسلة إليه. علينا إذن أن نتبنى طريقة ” القراءة الكلية ” بمعنى أن يقوم القارئ بعملية مسح و إرسال مجموعة من الكلمات في آن واحد. إن هذه الطريقة تمكن الدماغ من الانتهاء من معالجة جميع المعلومات المرسلة إليه و بالتالي يتوصل القارئ إلى إعطاء معنى للنص.

3 –  العوامل التي تعيق عملية الفهم   

أثبتت الدراسات العلمية أن للكائن البشري نوعين من الدماغ : الدماغ البدائي و الدماغ العلوي أو القشري، و لكل من هذين الدماغين علاقة مع العملية التعليمية من حيث النجاح و الفشل.

حول وظيفة هذين الدماغين يقول ميشال دو كوافي  Michel  de Coeffé :

الدماغ البدائي : يرسل الدماغ البدائي المعلومات القادمة من الحواس  من الواقع إلى درجة الوعي، و يقوم بتخزينها بعد إتمام  تغييرها حسب الغرائز و الواقع المعاش. إن هذا النوع من الدماغ يقوم بترغيب الفرد أو تنفيره و ذلك لكي يجد له متعة  أو ليجنبه الإزعاج. و من ثم يقوم هذا النوع من الدماغ  بإعادة نفس نماذج العمل الذهنية.          

الدماغ العلوي أو القشري  Le cerveau supérieur ou Cortex : يقوم هذا الدماغ بإصلاح تجاوزات الدماغ البدائي و يحاول أن يبصر العالم بطريقة أفضل و يتعامل معه. إن ميزة الدماغ العلوي – عند مقارنته بالدماغ البدائي- تكمن في قدرته على الانفتاح و قدرته عن طريق التبادل المستمر أن يكتسب آليات عمل جديدة و أن يطبقها و بالتالي يقوم بتخزينها، إن هذا الدماغ ينمي نفسه بنفسه “. [14]

     مما سبق ذكره عن وظيفة الدماغ البدائي و الدماغ العلوي، يمكننا القول إن بعض مشكلات الطلبة الدراسية يمكن أن تعود إلى اعتماد بعض المتعلمين في دراستهم على الدماغ البدائي. في الواقع، إن هذا المستوى من الدماغ يقوم بمقارنة محتوى المادة الدراسية و التراكيب الذهنية الموجودة في الذاكرة. وإذا كان هناك تطابق بين هذه المعطيات و تلك، فإن الدماغ البدائي يسمح بمرور المعلومة، أما إذا لم يكن هناك تطابق أي في حالة وجود معطيات لا يمكن فهمها بتطبيق النماذج الذهنية المخزنة في الذاكرة، فإن هذا النوع من الدماغ يقوم برفض هذه المعلومة ووضعها في صورة نحكم عليها بالصعوبة.

إن هذا الإحساس يقف حائلا أمام القيام بأي مجهود لفهم المادة العلمية، الأمر الذي يجعل كل عملية تعليمية مستحيلة. إن نجاح العملية التعليمية تتطلب من التلميذ السيطرة على الدماغ البدائي و الاعتماد على المستوى العلوي من الدماغ لأنه هو الذي يمكنه من إثراء نماذجه الذهنية و من فهم المادة العلمية فيما بعد.

يمكننا أن نتطرق إلى هذه النقطة – أي العوامل التي تعيق عملية الفهم – من حيث طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم و نتساءل لماذا لا يستطيع بعض المتعلمين استرجاع المعلومات.

إن عملية فهم المادة العلمية من عدمه تجعلنا نتساءل لماذا لا يستطيع بعض الطلبة استرجاع محتوى الدروس على الرغم من قيامهم بنشاط ذهني لاستيعاب المادة العلمية. إن هذا السؤال  يقودنا إلى الحديث عن نوع آخر من النشاط الذهني الذي يقوم به التلاميذ الذين لا يتحصلون، في أغلب الأحيان، على نتائج مرضية. في الواقع، إن النشاط الذهني الذي يقوم به هؤلاء التلاميذ لا يرمي إلى فهم المعلومات و بالتالي إلى استيعابها و تخزينها في الذاكرة البعيدة الأجل، و لكنه يرمي إلى حفظ المادة العلمية عن ظهر قلب. في هذا الخصوص يمكن لنا أن نطرح السؤال الآتي:  لماذا لا تؤدي  عملية حفظ المعلومات المحفوظة عن ظهر قلب إلى استيعابها و بالتالي إلى إنجاح العملية التعليمية؟ للإجابة على هذا السؤال يمكن القول أن في الذاكرة بعيدة الأجل وسطين هما:

      الوسط اللفظي و فيه تخزن المعلومات التي حفظت عن ظهر قلب و التي لم يتم ترجمتها إلى صور ذهنية.

      الوسط الدلالي و فيه تخزن المادة العلمية التي تم استيعابها و ترجمتها على هيئة صور ذهنية.

     عندما يقوم التلميذ بحفظ المادة الدراسية عن ظهر قلب، أي دون إيجاد أي علاقة بين المعلومات التي تم استيعابها في فترة سابقة و المعلومات التي هو بصدد دراستها، تخزن المعلومات في الوسط اللفظي. إن طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم في هذه الحالة لا يمكن التلميذ، في أغلب الأحيان من استرجاع المعلومات و الاستفادة منها في فترة متقدمة من التعليم. بتعبير آخر، يمكن القول إن التلميذ الذي يعتمد فقط في دراسته على عملية الحفظ عن ظهر قلب، يجد نفسه غير قادر على استيعاب محتوى الدروس. و هذا الشيء يبين لنا أسباب فشل التلاميذ الذين يقضون ساعات طويلة في المذاكرة دون الحصول على نتائج مرضية. والعكس من ذلك فإن النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم يرمي إلى فهم المادة العلمية بحيث يصل التلميذ إلى تكوين صور ذهنية يمكن تخزينها في الوسط الدلالي. إن الاعتماد على هذه الطريقة في التعلم هي التي تعطي أفضل النتائج شريطة أن يقوم التلميذ بمراجعة ما تعلمه بطريقة علمية. إن عملية المراجعة هذه تجعل المعلومات في حالة يسهل استدعاؤها و وضعها في الذاكرة القريبة الأجل حتى يتم توظيفها لفهم المادة اللاحقة.

4 – العناصر التي تلعب دورا في عملية الفهم و تحدد مدى نجاح العملية  التعليمية

     إن طبيعة عملية الفهم تحتم على الباحث الاعتماد على نتائج العملية التعليمية لدراسة هذا الموضوع. بتعبير آخر يمكن أن نقول أن عملية الفهم تجري في ما نسميه بالصندوق الأسود  Black Box. إن هذه الخاصية لم تمنع الباحثين- و خاصة علماء النفس – من تقديم عدد من الافتراضات لشرح العناصر التي تتدخل في إدارة العمليات التعليمية. و قد انطلق هؤلاء الباحثون من نقطتين هما:

أ – النتائج التي توصل إليها المتعلم بعد فترة معينة من التعليم.

ب – وضعية أو حالة المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية.

     ويعتمد الباحثون عند دراستهم  للنقطة الأولى على نتائج العملية التعليمية معتمدين على الدرجات المتحصل عليها و ذلك باعتبارها أداة تسمح لنا بإيجاد نوع من العلاقة بين المدخلات و المخرجات.

أما فيما يخص وضعية المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية و يقصد  بها ” مجموعة المعطيات الشخصية التي يمكن أن تكون لها علاقة بالعملية التعليمية و كذلك التي تؤثر أو يمكن أن يكون لها تأثير على حدوث العملية التربوية و نتائجها ” [15] .  لقد ركز بنجامين بلوم  Benjamin S. Bloom  على هذا الموضوع عند دراسته للمردود الدراسي في إطار ما سماه “بتاريخ التلميذ “و قد قام هذا الباحث بتقسيم وضعية المتعلم إلى جانب معرفي  وجانب وجداني.

     يقول  بنجامين بلوم  Benjamin S. Bloom بالنسبة للجانب المعرفي : ” إن حالة المتعلم المعرفية تمثل جانبا من تاريخ التلميذ الذي له دور هام في المراحل التعليمية اللاحقة ” [16]. أما بالنسبة للجانب الوجداني فيقول الباحث نفسه : ” إن الطريقة التي يُقيِّم بها التلميذ نفسه في مراحل التعليم السابقة – سواء كانت النتيجة بالسلب أو الإيجاب- تحدد الخصائص الوجدانية لحالة المتعلم عند انطلاق عملية التعليم في المراحل اللاحقة ” [17]. إلى جانب وضعية المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية تطرق بنجامين بلوم  Benjamin S. Bloom إلى عنصر آخر يمكن أن يساهم في إنجاح العملية التربوية. هذا العنصر هو ” نوعية عملية التعليم ” و يقصد بها : “الخصائص العامة للعملية التعليمية من حيث التفاعل بين عملية التعليم و عملية التعلم ” [18]

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني