د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

مقال مهارة الطفل

علّموا أطفالكم مهارات لا ولن تجيدها الروبوتات:

كُتب هذا المقال بقلم الآنسة دارلين دام، المسؤولة عن علاقات أشوكا في وادي سيليكون، وعضو في هيئة تدريس جامعة سينغولاريتي ومؤسس شركتين ناشئتين في مجال التكنولوجيا. وقد تمّت كتابة النسخة الأصليّة باللّغة الإنكليزية لصفحة ed.review الخاصة بـ "وايز" WISE ثمّ تمّت ترجمته إلى العربية لصفحة آخر مستجدات التعليم حول العالم.


في بعض الأحيان، قد يبدو لنا أننا نعيش في عالم من الخيال العلمي، فقد أصبح السفر في الفضاء سلعة تجارية جديدة، وأصبحت المصانع تتنافس لبناء السيارات الآلية، والبشر يلبسون الرقائق المزروعة وأجزاء الجسد المصنوعة بمساعدة آلات الطبع الثلاثية الأبعاد، كما أن حاضنات الأعمال ومسرّعات التطوير قد انتشرت في كلّ بلد تقريبا.

وفيما ينبثق هذا العالم الجديد، يتساءل المربّون حول ما يجب تعليمه للتلاميذ، إذ أصبح من الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي والآلات سيستولون على غالبية الوظائف التي يشغلها البشر حاليا؛ فخلال الأشهر القليلة المنصرمة، كشفت مؤسسة Lowe’s عن استعمالها لأسطول من المساعدين الآليين في أعمال التجزئة، وفي ذات السياق، أعلن الفندق الياباني Hen-na عن استخدامه عمال ضيافة آليين، و أعلنت مستشفى UCSF Mission Bay عن استخدامها أسطولا آليا لتسليم الأدوية. كما نجد أنّ السيارات والحافلات والقوارب والطائرات الآلية تستعد لنقل أعداد أكبر من الناس وأحمال أعظم من البضائع حول العالم.

وبالإضافة إلى تأديته الأعمال اليدوية وتلبيته للخدمات، يؤدي الذكاء الاصطناعي أعمالا فكريّة في مجال الصحافة، والتحليل المالي، والبحث القانوني، كما يؤدي جميع الأعمال المتعلّقة بالبيانات، والتعرّف على الأنماط والتحليل الفكري المتكرر. إضافة إلى ذلك كلّه، ينخرط الذكاء الاصطناعي في التعلم الذاتي ويحقق العديد من الاكتشافات الجذرية. فقد أعلنت وكالة DARPA على سبيل المثال أنّ إنسانا آليا علّم نفسه الطبخ من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو على يوتيوب Youtube، كما أعلنت الشركة الناشئة للتكنولوجيا الحيوية Berg أنّها تجري حاليا تجارب على البشر لأدوية مخصصةلمرض السرطان، تمّ اكتشافها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
 
فإذا اعتبرنا أنّ الذكاء الاصطناعي والآلات تتبع قانون مور (Moore’s Law): زيادة في القدرة الحاسوبية وتراجع في تكاليف الاستهلاك بوتيرة متصاعدة، نتوصّل إلى أنّ هذه التكنولوجيا ستنتشر في العالم النامي والمتطوّر أسرع من الهواتف الجوّالة، واللوائح الالكترونية والحواسيب النقالة.

و إن كان من البديهي أن الطلاب يجب أن يتعلّموا مهارات العلوم والهندسة استعدادا لعالم مليء بالتكنولوجيا، فإن ما يخفى على الكثيرين هو أن البشر يجب أن يتعلّموا المهارات الاجتماعية والعاطفية. وهذا أمر مهم لعدة أسباب منها:

-          أنّ أكثرية الوظائف المستقبليّة ستتخصص على الأغلب في الذكاء الاجتماعي والعاطفي

في حين يسهل التنبؤ بأنّ البشر الذين يتمتعون بالمهارات التقنية سيكونون الأكثر قابليّة للتوظيف في المستقبل، إلّا أنّ النقيض قد يكون صحيحا أيضا. يعود ذلك إلى أنّ الوظائف الفنيّة يتمّ استبدالها بالآلات، فيما أنّ الوظائف التي تتطلّب مستويات عالية من المهارات الاجتماعية تتزايد بشكل سريع.

فخلال السنوات الخمس عشرة السابقة، تزايدت الوظائف في القطاع غير الربحي (المؤلف أساسا من الرعاية الصحية والتعليم) بشكل كبير فيما تناقصت الوظائف في القطاعات الأخرى. وإبتداء من عام 2010، أصبح القطاع غير الربحي ثالث أكبر مُوَظِّف في الولايات المتحدة الأميركية وقد كاد أن يتساوى مع الصناعة وأتى خلف قطاع البيع بالتجزئة مباشرة. وقد يصبح القطاع غير الربحي الأكثر توظيفا في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة تأدية الآلات وظائف التصنيع وأعمال التجزئة بشكل متزايد؛  ولو أخذنا بعين الاعتبار أعمال التطوّع بدوام كامل، لكان القطاع غير الربحي قد احتلّ هذا المركز قبل عام 2003.

والحقيقة أنّ القطاع غير الربحي يتنامى بشكل كبير على الصعيد العالمي أيضا. إذ يحتاج مواطنونا الأكثر ضعفا كالعجزة، والمرضى، والأطفال وأولئك الذين يعانون من المشاكل الاجتماعية الحادة والتهميش، أن يحاطوا بأكثر الناس تعاطفا ورأفة، أناس قادرين على التعرف على احتياجاتهم والاستجابة لها. ومازال من الصعب في هذه المرحلة على الآلات أن تقلد هذه المهارات، لذلك نرى عدد المدارس التي بدأت تعلم التعاطف في الفصول الدراسية حول العالم في تزايد مستمرّ.

في سياق مشابه، تحتاج إدارة المستشفيات والمدارس والجمعيات اللاربحية ومناطق الكوارث إلى مهارات اجتماعية عالية، حيث يضطر القادة والموظفون إلى التعامل مع فرق مختلفة ومتنوّعة و مصالح متنازعة لمواجهة تحديات قاسية في بيئات شحيحة الموارد.
لذلك، فإنّ أفضل طريقة لتعليم الأفراد هذه المهارات يكمن في تدريبهم على حلّ المشاكل الاجتماعية الجماعية منذ عمر المراهقة. بهذه الطريقة، يتعلّم الأطفال الإبداع والتميّز والابتكار والعمل ضمن جماعة، والحسّ القيادي وغيرها من المهارات الريادية والإدارية. وتزداد أهميّة هذه المهارات الاجتماعية عند التعامل مع مشاكل أكثر تعقيدا على مستوى الوطن والعالم.

-          أنّ التحديات الأكثر تعقيدا التي تواجهنا اليوم تتطلّب حلولا اجتماعية وتقنيّة في آن معا

عندما نستعيد أكبر المشاكل التي تواجهنا اليوم من مجاعة وأمراض وفقر وحرب وعنف، قد يكون من السهل أن نفكر في حلول تقنيّة لمواجهة هذه التحديات. فبواسطة التكنولوجيا، يمكننا تحسين الإنتاج الزراعي واختراع وتوزيع أدوية جديدة ومراقبة وملاحقة الجماعات العنيفة، وتأمين الفرص التعليمية والاقتصادية عن طريق شبكة الانترنت. إلّا أنّ التكنولوجيا لا تشكّل سوى نصف الحل،. ففي حين نملك الحلول التقنية الضرورية للسيطرة على وباء الإيبولا في إفريقيا وداء الحصبة في الولايات المتحدة الأميركية، إلّا أنّ هذا الاحتواء قد تأخر لأسباب وتحديات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية. وفي حين قد نكون نملك أفضل الحلول التقنية الزراعية للمجتمعات الفقيرة، فإنّ انتشار العنف والفساد في هذه الأخيرة يثني أصحاب الأموال عن الاستثمار في البنى التحتية اللازمة لبدء عملية التغيير.

بعض المشاكل والتحديات الاجتماعية قد تتوارثها الأجيال، لاسيّما إذا كانت قد تفاقمت على مرّ سنوات من العنف وعدم المساواة. في الماضي، تمكّن أفراد يتمتعون بمهارات إنسانيّة متميّزة من أن يحلّوا بنجاح مثل هذه المشاكل الاجتماعية. فقد تمكّن أمثال نيلسون مانديلا، محمد يونس، ماهاتما غاندي، ومارتن لوثر كينغ من أن يحققوا إنجازات عظيمة غيّرت مجرى التاريخ وذلك دون استخدام أي نوع من أنواع التكنولوجيا، بل كانت قوّتهم تكمن في فهمهم العميق للطبيعة البشرية والنظم الاجتماعية. وقد تمكنّ هؤلاء بفضل شخصيّتهم الفريدة ومصداقيّتهم من قيادة العالم نحو العدالة والسلام باستخدام الطرق السلمية.

وفي حين لا تكفّ مشاكلنا العالميّة عن الازدياد في التعقيد، لا بدّ أن نعمل على تطوير مهاراتنا الإنسانية، والكاريزما، والمصداقية والحس القيادي بالوتيرة عينها. وبالرغم من صعوبة تعلّم هذه المهارات، إلا أنه يمكننا تحقيق ذلك من خلال محاكاة الأدوار والإرشاد والتوجيه والعمل في بيئات تعترف بأولوية هذه المهارات وتحميها وتحتفل بها. كما يمكن تسهيل ذلك من خلال قراءة السير الذاتية للزعماء الكبار، والانخراط في التدريب العملي في القطاع الاجتماعي ودراسة الفلسفة وعلم الأخلاق.

-          أنّ قوّة الشخصية عامل أساسيّ ومحدّد في عالم متغيّر وغامض

من المثير للاهتمام أن نتساءل إذا ما كان الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي سيتمكنون يوما من تطوير المهارات الاجتماعية والإنسانية. إذ يقوم عدد من الباحثين اليوم ببرمجة الـ "روبوتات" من أجل إظهار التعاطف وتأمين الرعاية (كمساعدة كبار السن مثلا). كما يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي سيكون أفضل من البشر في حل المشاكل الاجتماعية وذلك لقدرته من الاستفادة المثلى من المتغيرات المعقدة وتحديد أفضل الحلول في فترة زمنية قصيرة. على سبيل المثال، قد يؤدي إستخدام السيارات الآلية إلى تقليل عدد وفيات حوادث السير وذلك عن طريق إزالة هامش الخطأ البشري.

إلّا أننا نواجه في بعض الأحيان تحديات يصعب حلّها بطريقة مثلى. فقد نقع على  خيارين على حد سواء من الصحة والخطأ، أو قد يكون من الصعب تقييم العواقب وعواقب العواقب. يظن الفيلسوف روث تشانغ أنّه عندما يواجه الإنسان مثل هذه القرارات الصعبة يتوقف عن استخدام المنطق. بدلا من ذلك، يصبح القرار الذي يتخذه صورة عن كيانه وتطلّعاته المستقبلية. وبهذه الطريقة يبني الإنسان شخصيته. و يبقى السؤال: هل سيتمكّن الذكاء الاصطناعي يوما من الذهاب أبعد من المنطق ليكون قادرا على التفكير في كيانه وتطلّعاته أو أنه سينتقي اختيارا عشوائيا في مثل هذه الحالات؟

بغض النظر، تبقى شخصية الإنسان الشيء الوحيد الذي يميّزه ويجعله بشرا والعامل الأساسي الذي سيوجهنا ويساعدنا على عبور مستقبلنا الغامض.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني