د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الأمن الرقمي6

       باء-   الحماية القانونية للحق في الخصوصية

43-    شدَّدت معظم الوفود على أن القانون الدولي يقدم إطاراً واضحاً للحق في الخصوصية، على النحو المنصوص عليه في المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومع ذلك، أشار العديد من الوفود إلى عدم إعمال الحق في الخصوصية وإلى الحاجة إلى اتخاذ تدابير ملموسة لحماية ذلك الحق. وأشارت بعض الوفود إلى الحاجة إلى التصدي على نحو شامل لعمليات الوصول غير المأذون به إلى البيانات الشخصية وللمراقبة المكثفة، ودعت كذلك إلى اتخاذ تدابير عاجلة لوقف ممارسات المراقبة الحالية وحماية الأفراد من انتهاك حقهم في الخصوصية.

44-    وأشارت وفود عديدة إلى أن أي قيد على الحق في الخصوصية يجب أن يستند إلى قوانين يسهل الوصول إليها، وتتسم بالشفافية والوضوح والشمول وعدم التمييز، وأن يقتصر هذا القيد على ما هو ضروري لحماية المصلحة العامة في أي مجتمع ديمقراطي. ويجب أن تكون أية مراقبة تقوم بها الدولة متناسبة وعادلة، ومتوافقة مع القواعد والمعايير الدولية، وخاضعة لأحكام القانون والمراقبة. ويجب تحديد ضمانات كافية وفعالة من إساءة الاستعمال. وأُشير إلى أن التحديد السليم للخط الفاصل بين التدخل التعسفي أو غير القانوني للحق في الخصوصية سيكون أحد التحديات في السنوات القليلة القادمة. وشدَّد البعض على أن المراقبة الشاملة قد تصل إلى درجة الانتهاك غير المبرر. وأشار وفد إلى أن المادة 17 من العهد يجب أن يُستند إليها كأساس لمناقشة المبادئ المتعلقة بالتقييد - وهي الشرعية والتعسف - المنصوص عليها صراحة في هذه المادة.

45-    وأشارت عدة وفود إلى أن للدول بواعث قلق أمنية مشروعة، منها التهديد بالإرهاب والجرائم الإلكترونية. ولاحظ أحد الوفود تزايد استخدام الإنترنت لغرض الأنشطة الإجرامية والمعادية للمجتمع. وأشار وفد آخر إلى أن الأمن يتطلب معلومات استخبارية لغرض مكافحة الإرهاب، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالاتصالات الرقمية، وذكر وفد آخر أن على الحكومات مسؤولية حماية الأفراد، وأن مراقبة البيانات من الممكن أن تكون تدبيراً فعالاً ومشروعاً لأغراض إنفاذ القانون. ومع ذلك، اتفقت الآراء بشكل واسع على ضرورة معالجة الشواغل الأمنية المشروعة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الخصوصية.

46-    ورداً على سؤال بشأن التشارك في البيانات بين الوكالات الحكومية، قالت السيدة نيست إن الضمانات المتعلقة بالمراقبة والإجراءات ينبغي تطبيقها على المعلومات التي تُجمع مباشرة ويُتحصل عليها من خلال التشارك في المعلومات. ولاحظت السيدة كليفلاند أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أعربت عن قلقها في هذا الصدد([1]). وقالت إن التشارك في البيانات بين مختلف الوكالات الحكومية في بلد معين قد يكون مشروعاً، بشرط أن يكون الغرض من جمع واستخدام هذه البيانات واحداً لكل وكالة من تلك الوكالات، بغية ضمان الامتثال لمبادئ الضرورة والتناسب، ومن ثم عدم انتهاك الحق في الخصوصية.

47-    وأشارت بعض الوفود إلى أن شبكة الإنترنت تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. وذكَّرت عدة وفود بما جاء في تقرير المفوض السامي فيما يتعلق بأن قانون حقوق الإنسان يُطبق عندما تمارس الدولة السلطة خارج إقليمها، بحيث لا يمكنها أن تتنصل من التزاماتها الدولية بحقوق الإنسان وأن تتجاهل قوانينها الوطنية الذاتية باتخاذ إجراءات خارج إقليمها يُحظر عليها اتخاذها في إقليمها. وذكَّرت عدة وفود بأن المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يجب أن تُقرأ بالاقتران مع المادة 2 من العهد، التي تنص على أن التزامات الدول تُطبق على جميع الأفراد الموجودين في إقليمها والخاضعين لولايتها. ولاحظت عدة وفود أن أي تدخل في الحق في الخصوصية ينبغي أن يمتثل لمبادئ الشرعية والتناسب والضرورة، بغض النظر عن جنسية الأفراد الذين تُراقب اتصالاتهم بشكل مباشر أو مكان وجودهم. وفي حين شدَّدت وفود عديدة على أن مسؤولية الدولة عن حماية الحق في الخصوصية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية، أعربت بعض الوفود عن بواعث قلق إزاء الآراء الموسعة المتعلقة بتطبيق أحكام العهد خارج الإقليم، ودعت إلى إجراء نقاش مُعمَّق بشأن مسألة تطبيق أحكام المادة 17 خارج الإقليم.

48-    وأشارت السيدة نيست إلى أن معظم المراقبة تُجرى داخل الدولة. وفيما يتعلق بمسألة التمييز القائم على الجنسية لغرض المراقبة، لاحظت أن هذا التمييز لا ينتهك فقط مبدأ عدم التمييز، وإنما هو أيضاً نهج بالٍ جداً وغير عملي، لأن من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - معرفة جنسية مرسِل أي اتصال. وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كانت السيطرة على الهياكل الأساسية للاتصالات يمكن أن تندرج تحت ولاية الدولة لأغراض المادة 2 من العهد، ذكرت السيدة كليفلاند أن الاتصال الرقمي يتجاوز الحدود الجغرافية، ولذلك يتطلب الأمر بعض الفهم لمسألة تطبيق حقوق الإنسان خارج إقليم الدولة لضمان إمكانية حماية هذه الحقوق على شبكة الإنترنت وخارج الشبكة أيضاً. وأشارت إلى وجود نُهُج مختلفة إزاء التطبيق خارج الإقليم، يركز معظمها على مفهوم الولاية خارج الإقليم بوصفها تشمل شكلاً من أشكال السيطرة الفعلية على شخص أو أرض، وأشارت أيضاً إلى أن من الممكن بموجب هذا النهج النظر إلى ممارسة السيطرة على الهياكل الأساسية لشبكة الإنترنت على أنها تهدف إلى السيطرة على أرض بحيث يكون لهذه السيطرة تأثيرات على حقوق الأفراد أياً كان مكانهم.

49-    وأُشير إلى أن المسؤولية عن احترام الحق في الخصوصية تقع على عاتق عدد من الأطراف الفاعلة المختلفة. وأكدت بعض الوفود أن الافتقار إلى المراقبة الفعالة أسهم في عدم المساءلة عن التدخلات غير القانونية في الحق في الخصوصية، بالإضافة إلى أوجه القصور الناجمة عن الاعتماد على الضمانات الداخلية دون إجراء رصد خارجي مستقل. وسُلط الضوء على الحاجة إلى حماية حقوق الضحايا. وأشار وفد إلى أن لكل دولة أن تضع آليات المراقبة الوطنية المستقلة والفعالة التي تكفل ضمان التطبيق السليم للقواعد التي تنظم المراقبة الإلكترونية. وأشارت منظمة غير حكومية إلى وجود حالات مراقبة جماعية لغرض اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان أو تحديد هوية المشاركين في التجمعات السلمية، حيث كان تصديق المحاكم فعالاً، أو حيث قُدمت البيانات الشخصية، التي جمعتها شركات الاتصالات عن طريق نظم التحقق من الأسماء الحقيقة، إلى وكالات الاستخبارات والتحقيقات في ظل غياب أي بت من المحاكم. وشدَّدت المنظمة غير الحكومية على الحاجة إلى نظم مراقبة فعالة، مع إيلاء اهتمام لحقوق الضحايا في سبيل انتصاف فعال، وشدَّدت أيضاً على أهمية مشاركة جهاز قضائي مستقل ونزيه كضمانة رئيسية.

50-    ورداً على أسئلة عن الضمانات الإجرائية وآليات المراقبة التي تكفل فعالية القانون وإمكانية تطبيقه في الواقع العملي، بيّنت السيدة نيست أن إنهاء السرية التامة شرط أساسي لتحقيق مزيد من الإشراف الفعال. وقالت إن الحكومات ينبغي أن تتحلى بمزيد من الشفافية فيما يتعلق بالأنشطة التي ينبغي أن تشارك فيها من أجل توفير الأمن، وإن الحكومات يجب ألا تمس الهيكل الأساسي على نحو يخرج عن سيطرة الجمهور. وأشارت السيدة نيست أيضاً إلى أن جميع الأفراد، لا سيما القضاة والمحامين، ينبغي أن يعززوا فهمهم لكيفية عمل تكنولوجيا الإنترنت، مما يساعدهم على تعزيز فهمهم لكيفية المراقبة. وأكدت أهمية ضمان إصدار سلطة قضائية مستقلة ومختصة إذناً بأي عملية مراقبة. وأضافت أن من الضروري إخطار الأفراد بأنهم خضعوا للمراقبة لكي يتسنى لهم الحصول على الجبر. وأشارت أيضاً إلى الحاجة إلى آليات مراقبة مستقلة أكثر قوة، مع فهم تقني لكيفية عمل المراقبة، كي يمكن قياس آثار المراقبة التي تجريها الدوائر الأمنية على حقوق الإنسان. وأشارت في الختام إلى أن أي مكلف بولاية في إطار الإجراءات الخاصة، لديه دراية تقنية، يمكنه أن يقدم توجيهات بشأن الممارسات الجيدة وبشأن إطار حقوق الإنسان اللازم لضمان حماية الحق في الخصوصية. وأضافت السيدة بوتيرو أن المعايير المحلية التي تنظم المراقبة تفتقر إلى الاتساق، وقالت إن وجود هيئة خبراء تركز بشكل خاص على التكنولوجيا وحقوق الإنسان في سياق المراقبة تعتبر ممارسة جيدة على المستوى الوطني. وأشارت إلى أن من الممكن أن تكون المراقبة مؤسسية وقضائية ومشتركة بين الأجهزة ومن خلال أمين مظالم، وإلى أن الضمانات الإجرائية ينبغي أن تتضمن إصدار إذن قضائي مسبق بتدابير المراقبة، وأن الأساس القانوني والمعايير القانونية لقرار المراقبة ينبغي أن تكون علنية.

51-    وفيما يتعلق بسؤال عن التزام الدول بتوفير سبيل انتصاف فعال فيما يتعلق بانتهاكات الحق في الخصوصية، أشارت السيدة كليفلاند إلى أنه رغم أن المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تلزم الدول بتوفير سبيل انتصاف فعال، فإن هذا السؤال بالغ الصعوبة بسبب سرية ممارسات المراقبة. وقالت إن الأفراد لا يعرفون في كثير من الأحيان أنهم خضعوا إلى المراقبة، ولذلك قد لا يتمكنون من ادعاء التعرض للضرر لأنهم لا يستطيعون إثبات ذلك. وأشارت إلى أن الحكومات ينبغي أن تتحلى بمزيد من الشفافية إزاء برامج المراقبة التي تجريها، وأن تسمح بالتدقيق العام. وأشارت أيضاً إلى أن من المهم أن يتلقى الأفراد إخطاراً محدداً بأنهم خضعوا للمراقبة، وذلك بعد وقف مراقبتهم، وأشارت كذلك إلى أن القواعد الداخلية يجب أن تكون مرنة بدرجة تسمح بالاعتراض الهادف على برامج المراقبة. وأكدت في هذا الصدد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تشترط احتمالاً كافياً - لا بياناً - للضرر الفعلي. ولاحظت أن الإجراءات القضائية السرية تكتنفها مشاكل، وأشارت رغم ذلك إلى أهمية إجراء نوع ما من الفحص القضائي. وقالت إن التحدي الرئيسي يكمن في جعل هذه الإجراءات شفافة وفعالة قدر الإمكان.

52-    وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كان ينبغي إنشاء محاكم مكرسة للنظر في تدابير المراقبة، أشارت السيدة كليفلاند إلى أن على الدول أن تسعى إلى الوفاء بشروط الشفافية والمراقبة بصورة ديمقراطية، وأن تسمح في الوقت نفسه بمستوى ما من السرية. وقالت إن تعيين مكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة للتعامل مع المعلومات السرية، ولكن في المحاكم العادية، خيار جيد. وفيما يتعلق بتلك النقطة، أضافت السيدة نيست أن وجود قضاة متخصصين ذوي معرفة تقنية يحقق بعض الفائدة، غير أن من الضروري أن تسمح المحاكم بالمساواة التامة بين الأطراف عند الاعتراض على المراقبة. ولذلك، من المهم جداً ألا توجد محاكم سرية أو إجراءات تسمح بتفسيرات سرية للقوانين. وأشارت إلى أن أية محكمة لا تسمح بأقصى درجة من الشفافية والدقة لا يمكنها أن تصحح التفاوت في السلطة بين الفرد والدولة، وقد تؤدي في الواقع إلى إضفاء الشرعية على تدابير المراقبة غير القانونية.



([1])      انظر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 16(1988) بشأن الحق في الخصوصية، الفقرة 10.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني