د. منى توكل السيد ابراهيم

أستاذ الصحة النفسية والتربية الخاصة المشارك كلية التربية بالزلفي

كتاب التهتهة

 



الفصل الأول

إعداد : د. منى توكل السيد ابراهيم

التهتهـــــة

مفهومها – أعراضها – أسبابها – نسبة انتشارها – تفسيرها – آثارها

! أولاً : مفهـــــــوم التهتهة

! ثانيـاً : نسبة انتشار التهتهة

! ثالثــاً: أعـــــراض التهتهة

! رابعــاً: أســــــباب التهتهة

! خامسًا : النظريات المفسرة للتهتهة

! سادسـًا : الآثار النفسية ولاجتماعية المصاحبة للتهتهة



الفصل الأول

التهتهـــــة

مفهومها – أعراضها – أسبابها – نسبة انتشارها

أولاً: مفهوم التهتهة :

عرفت التهتهة منذ العصور القديمة ، حيث وجدت مرسومة ومصورة في الكتابة الهيروغليفية للمصريين القدماء ، وتحدث عنها الطبيب المشهور أبو قراط (377 - 460 ق.م) وتم تعريفها قديماً على أنها تقطع ملاحظ في الطلاقة الكلامية العادية وفي توقيت الكلام (Wingate, 1997) .

وتعرف التهتهة في اللغة العربية (التهتهة : مصدر قولهم تُهْتِه في الشيء ـ بالبناء للمفعول : أي ردد فيه) . والتهتهة هي " التواء في اللسان مثل اللكنة " وقال ابن بري : تهته في الشيء أي ردد فيه ، وته ته هي حكاية المتهته (ابن المنظور الأفريقي ، د.ت) .

ويفصل محمد أبو بكر الرازي (2001) المعنى اللغوي للتهتهة على النحو التالي : أن رجل تأتاء على وزن فَعْلاَل وفيه تأتأة أي يتردد في التاء إذا تكلم ، والتعتعة في الكلام (أي التهتهة) تردد فيه من حَصَر وعَيّْ .

كما تعرف التهتهة في معجم العلوم السلوكية ولمان (Wolman, 1973) بأنها صعوبة في الطلاقة اللفظية تجعل الكلمات تتدفق بشكل غير منتظم ؛ حيث تتقطع الكلمات عن طريق التكرار السريع للعناصر المكونة لها ، كذلك يتقطع التنفس وتظهر تشنجات وتقلصات لا إرادية في العضلات الخاصة بالنطق (الموجودة بالرقبة والوجه) كذلك يوجد التردد .

كما يعرفها ماك ارثر (Mac Arthur, 1992) في القاموس اللغوي لجامعة اوكسفورد بأنها : صعوبة في طلاقة اللغة ، ويحدد الأعراض الأساسية لها في : صعوبة التحكم في إيقاع وتوقيت الحديث والفشل في التواصل بسهولة واستمرارية ، وقد يصدر الفرد أصواتاً فردية غير عادية يتم ترديدها أو
تطويلها ، وتتراوح الأعراض من الخفيفة إلى المتوسطة إلى الحادة ، كما يرى أنه على الرغم من أن سبب التهتهة قد يكون معروفاً إلا أن هناك العديد من العوامل الوراثية والعضوية والنفسية "على وجه الخصوص" قد تتفاعل معا وتساعد في ظهور التهتهة .

ويعد فان ريبر " Van Riper" أول من أشار إلى التهتهة باعتبارها (إعاقة كلامية) وحدد الخصائص المميزة لها فعرفها بأنها "سلوك يتكون من أنماط كلام مكسورة وغير عادية أو غير لائقة أثناء الحديث (Van Riper, 1972) ، ثم أعاد فان ريبر وأميريك(Van Riper & Emerick, 1990) تعريفها بأنها "نمط غير طبيعي من الكلام يشذ عن كلام الآخرين وهذا ما يتعارض مع التواصل مع الآخرين ويسبب للمتحدث والمستمع الحزن والألم".

ويعرف وليم الخولي (1976) التهتهة بأنها الرتة والاعتقال معاً ؛ ففي الرتة يظل الشخص يردد حرفا أو مقطعا ترديدا لاإراديا مع عدم القدرة على تجاوزه إلى المقطع التالي ، أما الاعتقال فهو حالة توترية يعتقل فيها لسان الشخص فيكاد يعجز عن إخراج المقطع إطلاقا ، وهو يرى أن الرتة والاعتقال يوجدان معاً في أغلب الحالات .

ويوضح عيد محمد الطيب (1982) أن التهتهة قد تكون لأمر خارج عن المتكلم راجع إلى الكلام نفسه كأن تجتمع أصوات متماثلة أو متشابهة أو متقاربة في المخارج فلا يقوى المتكلم على النطق بها .

ويتفق محمد عبد المؤمن (1986) مع فيصل محمد الزراد (1990) ، وعبد المطلب القريطي (1998) في تناولهم لمفهوم التهتهة على أنها عيب كلامي يتميز بالتوقف والمد وتكرار الكلمات والمقاطع ، ويتميز الكلام إما بتشنجات اهتزازية Clonic Spasm أي يظل الفرد يردد مقطعا معينا من الكلام ترديدا لا إراديا أو يتميز بالتشنجات التوقفية Tonic Spasm والتي يعجز فيها المريض عن التلفظ بالمقطع أو الكلمة ، ويصاحبها تقلصات في عضلات الوجه والأطراف ، بالإضافة إلى ما ذكرته ليلى كرم الدين (1989) من أن التهتهة تكرار الكلام بتردد مع تقلص عضلات الزور والحجاب الحاجز مما ينتج عنه عدم القدرة على إصدار الأصوات

ويذكر حامد زهران (1987) مفهوم التهتهة فيعرفها بأنها (التردد في الكلام وألاَ يكاد يخرج من الفم) . أما مفهوم التهتهة عند كمال دسوقي (1990) فهو اضطراب كلامي يتميز بانقباض وتوتر واهتزاز الأجهزة العضلية الداخلة في التكلم وهو اضطراب نفسي جسمي .

ويوضح عبد الرحيم صالح (1992) معنى التهتهة فيقول هي بشكل عام اضطراب في انسجام أصوات الكلام والتناسق بينها حيث يعيد المتكلم أصوات بعض الكلمات التي يستخدمها في كلامه إما بشكل جزئي أو كلي وبشكل متكرر يعيق طلاقة الكلام ، ويصاحبه اضطراب في التنفس يؤدي إلى عدم تناسق جزئي أو كلي بين عضلات جهاز النطق ، كما يصاحب ذلك حبسة (أي توقف عن الكلام بشكل تام ، بحيث لا يستطيع المتكلم بشكل مؤقت أن ينطق أي صوت) ، وبعد ذلك حالما يزول التوتر العضلي ينطلق فيض من الكلمات .

ويري جيرهارت ومعاونوه (Gearheart, et al., 1992) أن التهتهة هي اضطراب في تدفق الكلام الطبيعي ، وهذا الاضطراب يرجع إلى صعوبات في الأبعاد الخمسة لتدفق الكلام وهي :

1- التعاقب أو التسلسل أو ترتيب الأصوات .

2- الدوام أو طول الوقت لأي عنصر وقتي (وهي مشكلة تقود إلى المزج بين الأصوات وتقليل وضوحها وجلائها) .

3- المعدل : أو سرعة نطق الألفاظ والمقطع والكلمات .

4- الإيقاع : أو نوع العناصر الصوتية (عندما يكون الإيقاع خاطئا فإن إدراك ووضوح الكلمات يقل كثيرا .

5- الطلاقة : أو سلاسة نطق الألفاظ .

واتفق فتحي عبد الرحيم (1991) ، مع ما ذكره فرج عبد القادر طه وآخرون في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ( 1993) في تناولهم للتهتهة على أنها عيب من عيوب الكلام يتمثل في نقص الطلاقة اللفظية أو التعبيرية ، ويظهر في درجات متفاوتة من الاضطراب في إيقاع الحديث العادي وفي شكل توقفات مفاجئة وحادة في النطق ، أو تطويل في نطق بعض الكلمات ، بحيث تأتى نهاية الكلمة متأخرة عن بدايتها ومنفصلة عنها أو يظهر العيب في تكرار لأصوات ومقاطع وأجزاء من الكلمة ، وعادة تصاحب بحالة من المعاناة والمجاهدة ، أو يلوذ الفرد بسلوك تجنبي وهروبي وترتبط التهتهة بالطفولة وظروف التنشئة .

ويذكر ملاك جرجس (1993) أن المقصود بالتهتهة هي" تلك الحالة التي يعجز فيها الفرد عن النطق بأية كلمة بسبب توتر العضلات الصوتية وجمودها ، ويبذل الشخص مجهوداً جباراً حتى ينطق بأول كلمة في الجملة ، فإذا تم ذلك يندفع كالسيل حتى تنتهي الجملة .

ويضيف محمد ناصر قطبي (1994) أنها سلوك تخاطبي يتعلمه الطفل منذ السنين الأولى من العمر وهى عبارة عن تكرار أو إطالة الحروف أو وجود وقفات تقطع تدفق الكلام ويصاحبها أحيانا حركات في الوجه والأطراف .

أما أونسلو ومعاونوه (Onslow, et al., 1997) فقد تناولوا التهتهة من حيث أنها "اضطراب في الكلام يبدأ غالبا في السنوات القليلة الأولى من العمر ، وتتراوح بداية التهتهة من الخفيفة إلى الحادة ، وقد تكون في البداية سريعة أو منتظمة ، مع زيادة تكرار مقاطع متعددة ، كذلك وقفات للصوت وتطويل أو مد الصوت ، وتسبب التهتهة ألم وحزن عميق للأطفال وللوالدين وخاصة إذا كان تاريخ العائلة خالي من هذه الإعاقة" .

وتناولت منظمة الصحة العالمية في دراسة لورانس وباركلى(Lawrence & Barclay, 1998) التهتهة باعتبارها اضطراب في إيقاع الكلام ، وفيه يعرف الفرد ما يريد بالتحديد ما يتمنى أن يقوله لكنه في الوقت نفسه يجد صعوبة في قول ما يريده بسبب التكرار اللاإرادي والتطويل في المقاطع الصوتية .

وتذكر الجمعية الأمريكية للطب النفسي (American Psychiatric Association, 2000) في الدليل التشخيصي الرابع المعدل للأمراض النفسية والعقلية (DSM-IV-Revised) أن التهتهة هي اضطراب في الطلاقة العادية للكلام والتوقيت الزمني له ، وتطويله بطريقة غير مناسبة لعمر المريض ، وتتألف حالة التهتهة وفقاً لتعريفهم من واحد أو أكثر من الأعراض التالية : تكرارات
الصوت ، التطويلات ، الألفاظ المقحمة أثناء انسداد الكلام ، سكتات في الكلمات ، إبدالات ملحوظة بالكلمة لتفادى التقطع والانسداد والسكوت ، وهذه الصعوبة في الطلاقة العادية للكلام تتصف بالتقطع اللاإرادي الزائد في استرسال الكلام وتقطع في تنسيق إخراج الكلام وخاصة عندما يكون هذا التقطع من التكرار والتطويل للصوت أو المقاطع الكلامية مصحوباً بمشاعر الخوف والقلق وسلوك التجنب والصراع ويتعارض هذا الاضطراب مع التواصل الاجتماعي والأكاديمي والمهني للفرد .

ولقد أشار كل من كوستا وكرول (Costa & Kroll, 2000) إلى التهتهة باعتبارها اضطراب في الطلاقة الكلامية العادية وفي توقيت الكلام ويؤثر هذا الاضطراب على حياة الطفل الدراسية وتواصله الاجتماعي .

ويعرف زكريا الشربينى (2001) التهتهة أو التأتأة أو عَيّْ اللسان بأنها ترديد أو تقطع في نطق الكلمات ، وتوقف في اللفظ والتعبير ، والصعوبة في لفظ بدايات الكلمات أو حروفها الأولى ، وقد يحدث انقطاع بين الكلمات فترة
قصيرة ، فتخرج الألفاظ متناثرة وربما غامضة ، وإن كان غالباً ما يصبح الكلام المتقطع مفهوما للسامع ، بالرغم من إصابة سلاسة الكلام بانسدادات أو تكرارات لنفس المقطع ، وذلك بسبب تشنج ذبذبات الصوت والتنفس ، وأحيانا تصاحب تلك الأعراض تشنجات في عضلات الوجه أو الرمش بشدة في العين ، أو الغمز أو الرعشة للشفتين أو الوجه أو هز الرأس .

والتهتهة كما يعرفها جوردون (Gordon, 2002) تشير إلى اضطراب أو صعوبة في النطق اللغوي والتي تظهر غالباً في الأطفال ما بين (3-8) سنوات وتأخذ الصعوبة شكل تكرار مقاطع الكلام بشكل لا إرادي أو التطويل (المد) في مقاطع معينة أو تقطع (وقفة صوتية) في اندفاع الكلام بشكل تلقائي .

وتتفق المؤلفة مع كمال دسوقي (1990) في أن التهتهة هي اضطراب نفسي جسمي ؛ حيث إن التهتهة غالبا ما تكون ذات منشأ نفسي أو استعداد نفسي داخلي يتفاعل مع عناصر البيئة الخارجية ليظهر في صورة أعراض جسمية تعوق المصاب بها عن التواصل الاجتماعي مع الآخرين بشكل طبيعي أو النجاح المهني ، والنجاح الدراسي .

وترى المؤلفة أن التهتهة هي إعاقة في الطلاقة الكلامية اللفظية والتعبيرية تظهر في درجات متفاوتة من الاضطرابات في إيقاع الحديث العادي ، وقد تظهر هذه الإعاقة في شكل تكرار للأصوات والمقاطع والكلمات أو حتى أجزاء من الجملة بشكل لا إرادي ، كذلك مد وتطويل للمقاطع الصوتية أو الكلمات وقد تأخذ أيضًا شكل وقفات أو كتمات صوتية (صمت) ، وعادة ما تكون مصحوبة بحالة من المعاناة والمجاهدة الشديدتين المبذولتين لإخراج الكلمات ، أو إدخال بعض المقاطع أو الكلمات أو الأصوات التي ليس لها علاقة بالنص الموجود (إقحام) ، وغالباً ما تصاحب هذه التهتهة تغيرات على وجه المتكلم (توتر في عضلات النطق) تدل على خجلة تارة أو تألمه تارة أخرى ، وقد يصحب هذا الاضطراب أيضًا ظهور أنماط تنفسية شاذة وغير منتظمة .

وفي ضوء ذلك تعرف التهتهة بأنها: (اضطراب في طلاقة الكلام يظهر في شكل توقف زائد للكلام ، مع مد وتكرار للمقاطع الكلامية تكرارا لا إراديا ويتميز الاضطراب بالتشنجات والتقلصات اللاإرادية لعضلات النطق وقد تظهر أيضاً أنماط صوتيه وتنفسيه غير منتظمة ، وينتج عن هذا الاضطراب أفكار وسلوك ومشاعر تتعارض مع التواصل الطبيعي مع الآخرين).

ثانياً : نسبة انتشار التهتهة

توجد التهتهة بنسب تختلف باختلاف الأعمار والبيئات ؛ فذكرت زينب البشرى (1970) أن التهتهة تنتشر في جمهورية مصر العربية بنسبة تصل إلى 5.93 % . بينما تصل نسبة شيوع التهتهة بين أطفال المدرسة في أمريكا تتراوح ما بين 4 : 5% (Andrews & Harrison, 1964 ; Cooper, 1972 ; Profert & Rosenfield, 1978) ، أما في الدنمارك فتتراوح ما بين 5%:14% (Seider, et al., 1983) ، كما تحدث أحمد محمد رشاد (1993) كذلك عن نتائج دراسة روزنفيليد Rosenfield (1984) والتي هدفت إلى تقدير معدل انتشار التهتهة وكان 4% لدى الأطفال ، 1-2% لدى الكبار .

ويوضح بلودشتين (Bloodstien, 1995) أن التهتهة تنتشر بنسبة 1% لعامة الناس وتنتشر بين الأطفال بنسبة 5% . وتشير دراسة لورانس (Lawrence, 1998) إلى أن التهتهة تصيب الأفراد في أعمار مختلفة وتتراوح نسبة انتشارها بين الأفراد من 0.7% : 1% من تعداد السكان ، وتنتشر بين تلاميذ المدارس بنسبة تتراوح بين 3% : 5 % ، وتصل هذه النسبة إلى 4.9 % في بريطانيا ((Curlee & Yairi, 1998 .

أما في مصر فقد أشارت دراسة منال مصطفى عبد الرحمن (2000) إلى أن هذه النسبة تصل إلى 6.25% ، ويذكر زكريا الشربينى (2001) أن التهتهة تظهر على ما يقرب من 1% من الناس عموماً أغلبهم من الأطفال ، وهناك حوالي 40% من الأطفال الأسوياء يتهتهون أو يتلعثمون في الكلام في يوم معين من الأسبوع مثل يوم بداية الأسبوع الذي يلي العطلة واليوم الذي يلي
العيد ، كما أن بعض الأطفال يتهتهون في وقت معين من النهار كأوقات سؤال المعلمة لهم أو فراقهم للأم . وقد لوحظ أن 50% من أقارب المتهتهين من الدرجة الأولى يصابون بالتهتهة.

وتصيب التهتهة الأطفال في سن المدرسة الابتدائية بنسبة تتراوح ما بين 2.5% - 3% (علاء كفافي ، 2003) .

أما عن نسبة انتشار التهتهة بين الذكور والإناث ؛ فقد تطرق أحمد محمد رشاد (1993) في دراسته إلى دراسة زينب لطفي (1980) التي كانت من أهم نتائجها أن نسبة الإصابة بالتهتهة لدى الذكور أعلى منها عند الإناث وكذلك جميع عيوب النطق ، وأن عيوب النطق أكثر انتشارا في مدارس اللغات عنها في المدارس العربية .

وتشير دراسة يارى وأمبروز(Yairi & Ambrose, 1999) أن نسبة حدوث التهتهة هي 3: 1 في الذكور إلى الإناث ، وأيدت الجمعية الأمريكية للطب النفسي (American Psychiatric Association, 2000) هذه النسبة .

ويشير حسن مصطفى عبد المعطى (2003 ) أن التهتهة تنتشر بنسبة
1 % تقريبا بين عامة الناس أغلبهم من الأطفال ، وتنتشر بنسبة 3 أو 4 من الذكور لكل أنثى ، كما أن التهتهة أكثر انتشاراً في المجتمعات الراقية أو المتقدمة عنها في المجتمعات الريفية ، وهناك حالات من التهتهة تبدأ في سن متأخرة ويرجع ذلك لعوامل صدمية نفسية تحدث بصورة مفاجئة .

وقد أجريت العديد من الدراسات التي تهدف إلى وضع أرقام تحدد نسبة انتشار لتهتهةIncidence والتي تعني النسبة المئوية للمصابين الذين عانوا فترة من التهتهة وهذه الأرقام في واقع الأمر هي نسبة انتشار التهتهة Prevalence وهي عدد المتهتهين في العام في مجتمع معين في وقت معين ، و يوضح جدول (1) ملخص لبعض هذه الدراسات التي تناولت تحديد النسبة المئوية لانتشار التهتهة ومدى حدوثها منذ عام 1955 قام بتلخيصه بلودشتين .


جدول (1)

النسبة المئوية لانتشار التهتهة ومدى حدوثها منذ عام 1955

اسم الباحث

سنة الدراسة

عدد العينة

أعمار العينة

نسبة انتشار التهتهة %

أولا ً: نسبة الانتشار Prevalence

سكايندل Schindle

1955

22.976

1-12

0.55

هل Hull

1969

6.287

1-12

0.30

جلسبي Gillespie

1973

5.054

7-12

2.12

ليفيت Leavit

1974

10.445

1-6

0.84

ليفيت Leavitt

1974

10.449

1-6

1.50

برادي وهول Brady & Hall

1976

187.420

الحضانة - 12

0.35

هل وآخرون Hull et al

1976

38.802

1-12

0.80

ليسك Leske

1981

7.119

1-6

2.00

ثانيا : مدي حدوثها ووقوعها Incidence

جلازنر وروزنتال

Glasner & Rosenthal

1957

996

الصف الأول

15.4

اندروز وهيريز

Andrews & Harris

1964

1.000

من الميلاد -16

4.9

اندروز وهيريز

Andrews & Harris

1964

206

بالغين

4.8

شيهان ومارتن

Sheehan & Martyn

1970

5.138

حديثي التخرج

2.9

ديكسون Dickson

1671

3.923

الحضانة -12

9.4

كوبر Cooper

1972

5.054

المرحلة الثانوية

3.7

بروفرت وروزنفيلد

Porfert & Rosenfield

1978

2.107

طلاب الجامعة

5.5

سيدر وجلادزشين

Seider & Gladstien

1983

1.857

أقارب المتهتهين

13.9

كولتون Colton

1986

30.586

حديثي الالتحاق بالجامعة

0.7

)In : Ingham & Cordes, 1998 (

يتضح من الجدول السابق أن النسبة المئوية لانتشار التهتهة ومدى حدوثها تختلف باختلاف الأعمار الزمنية والفئات ؛ ففي المرحلة العمرية (1 : 12 سنة) ذكر "هل Hull" أن هذه النسبة تصل إلى (0.30) ، أما في المرحلة العمرية
(7 : 12 سنة) فقد ذكر جلسبى أن هذه النسبة تصل إلى (2.12) ، وتصل هذه النسبة لدى الأفراد حديثي الالتحاق بالجامعة إلى (0.7) وهى أقل
النسب ، في حين كانت أعلى نسبة هي (13.9) لدى أقارب المتهتهين (15.4) لدى تلاميذ الصف الأول الابتدائي ، وبذلك يتضح ارتفاع نسبة انتشار التهتهة في المرحلة العمرية من (6 : 12 سنة)

ثالثاً : أعراض التهتهة :

تتصف التهتهة بمجموعة من الأعراض الأساسية التي تميزها عن صعوبات الطلاقة العادية في الكلام ، هذه الأعراض قد تختلف كثيراً من طفل إلى آخر بل وتختلف أيضاً لدى الطفل الواحد من حين إلى آخر ؛ كما أن لها كذلك مجموعة أخرى من الاعراض الجانبية أو الثانوية التي تصاحبها أو تلى حدوثها وفيما يلي توضيح لأعراض التهتهة الأساسية والثانوية .

وقبل تناول هذه الاعراض الأساسية لابد من تعريف الطلاقة والتهتهة ، فالطلاقة هى القدرة على الكلام باسترسال واستمرارية وبإيقاع أو نسق صوتى معتدل وسرعة معتدلة وبدون جهد ، أما التهتهة فهى اضطراب فى الطلاقة العادية للكلام ؛ حيث يوجد خلل في التعبير اللفظي يظهر على شكل تغير في معدل حدوث الكلام ، وتناغم كلامي غير عادي ويمكن أن يكون مصحوباً بحركات جسمية (يوسف القريوني وعبد العزيز السرطاوي وجميل الصمادي ، 1998)

وتوضح المؤلفة الخصائص الأساسية لكل من الطلاقة والتهتهة في
الشكل التالي :


شكل (1)

الخصائص الأساسية لكل من الطلاقة والتهتهة

وفقدان الطلاقة يعنى تعطل في تدفق الكلمات وفى توقيت هذا التدفق ، يظهر في صورة أعراض أساسية مختلفة تناولها كلاً من : امبروز وياري (Ambrose & Yairi, 1999) ، وجين نيكسون (2000) على النحو التالي :

1- التكــرار ؛ وهو تكرار جزء من الكلمة أو كل الكلمة أو عبارة عدة مرات ، وقد يكرر المريض أصوات معينة ، ويمكن أن تكون طريقة التكرار بهدوء وبطء ، أو قد تكون سريعة وعبارة عن مقاطع تخرج بصوت يشبه طلقات متدافعة سريعة ، ولكن غالبا ما يكون تكرار مقاطع الكلمات مصحوباً بالتردد والتوتر النفسي والجسمي .

2- المـد والإطالـة ؛ قد تصدر الأصوات مع مد أو إطالة إضافية وخاصة الحروف الساكنة ، وهذه الإطالة للصوت يمكن أن تصدر بشكل هادئ أو قد تكون بشكل متوتر وفيها يمد الطفل الصوت في بداية أو وسط كلمة معينة وكأن الطفل يدفع الصوت دفعا ليخرج من فمه .

3- التوقــف ؛ وهو حدوث وقفات للطفل أثناء الكلام عند بداية الحديث أي انقطاع الصوت وهو صعوبة في بدأ الكلام أو استمراره لصعوبة استمرار اندفاع الهواء الكافي للكلام وقد تكون الوقفة في منتصف الكلمة أو أولها أو بين الكلمات وبعضها ، وقد يعرف الطفل الكلمة الصحيحة التي يريد استعمالها ولكنه يعانى صعوبة في إخراجها والنطق بها ، وأخيرًا ؛ فقد يحدث توقف لدى الطفل في منتصف الكلمة ، أو يحدث تجمد قبل النطق بصوت أو كلمة ، أو حتى في وسط النطق بالكلمة ؛ حيث تتوقف عضلات الكلام عن الحركة بشكل مفاجئ وكأنها تجمدت إلى أن تعود إلى العمل ، وتبدو تلك الحالة أكثر ما تكون عند بداية النطق بالكلمات أو المقاطع أو الجمل .

4- النضال أو المجاهدة ؛ وهو المناضلة من أجل بدء الكلام وتكون البداية مصحوبة بجهد . وتعنى الدفع بشدة في بعض الأحيان ؛ حيث يمكن سماع الطفل وهو يدفع بشدة وبمجهود بعض الأصوات للنطق بها ويبدو الطفل وكأن ميكانيكية الكلام قد تعطلت ، ويحاول الطفل بذل جهد إضافي لإعادة عملها .

5- اضطراب عملية التنفس ؛ وتتمثل في اختلال عملية التنفس مثل استنشاق الهواء بصورة مفاجئة ، وإخراج كل هواء الزفير ، والطرد العنيف للأنفاس مع استخدام كمية قليلة من هواء الزفير في الكلام ، ثم محاولة استخدام الكمية المتبقية منه في إصدار الأصوات ، ويشعر الطفل وكأنه لا يستطيع أن يحصل على الهواء الكافي لإنهاء جملته ، أو ربما يستنشق الطفل الهواء بشكل شهقات متتابعة وقصيرة .

وقد أشارت الجمعية الأمريكية للطب النفسي(American psychiatric Association, 2000) إلى التهتهة على أنها اضطراب أو تقطع في الطلاقة العادية وفى وقت الكلام يكون غير ملائم لعمر الفرد فقد يتصف بحدوث تكرار واحد أو اثنان من الأعراض التالية: تكرار الصوت ومقاطع الكلام ، مد
الصوت ،
الإقحام (ويقصد به الإقحام إما حروف غير موجودة أو أصوات أو كلمات اعتراضية) ، كلمات مكسورة مثل : وجود وقفات داخل الكلمة الواحدة ، وقفات مسموعة أو صامتة ، الإسهاب أو الإطناب (الاستعانة بكلمات وهمية أو اعتراضيه لتجنب الكلمات المشكلة) ، الكلمات مصحوبة بتوتر جسمي مفرط (زائد) ، تكرار كل الكلمات ذات المقطع الواحد . وهذا ما أشارت إليه أيضاً سهير محمود أمين (2000) إلى أن من أهم المؤشرات على حدوث التهتهة إعادة الحرف وتكراره ، الإطالة الصوتية الزائدة ، التوقفات (الإعاقات الكلامية) .

وكما أن للتهتهة أعراضاً أساسية ؛ فإن لها مجموعة من الأعراض الجانبية قد توجد مجتمعة أو قد يوجد بعضها ؛ حيث يذكر كل من هاينز وجونسون (Heinz & Johnson, 1987) أن هناك التعديل أو التنقيح Revision ويعني البدء في الكلام والتوقف ثم البدء مرة أخرى وثالثة وهكذا ، كذلك الاقحامات Interjection وتعني إضافة صوت أو كلمات عندما يفكر المتهته ، والكتمات أو السدات الصوتية وفيها يدفع المتهته الكلمة لكن لاشيء يأتي وهي تختلف عن التوقفات والترددات لأن الشخص يتوتر أثناء محاولته التكلم بينما في التوقفات يكون مسترخ ويفكر فقط أو يحاول التقاط أنفاسه .

ويصنف كلاً من (Culatta & Goldberg, 1995 ; Viswanath & Neel, 1995 ; Rind, 2002) ، وعبد المطلب القريطي (1998) ، وجين نيكسون (2000) الأعراض الجانبية على النحو التالي :

1- اضطراب النشاط الحركي للمتهته ؛ ويبدو ذلك في سلوك حركي غير ملائم يظهر في صورة حركات لا إرادية في وجهه أو في جسمه توافق محاولاته في الكلام ؛ مثل : الشد العصبي للوجه والرقبة والجذع العلوي وارتعاش الرموش والشفتين ، ورفع الأكتاف وتحريك الذراعين أو ضرب الأرض بالقدمين في غضب ، واحمرار الوجه ، ومحاولة دفع الكلمات للخروج ، وعادة ما يرتبط ذلك بلحظات صعوبة لفظ بدايات الأصوات والكلمات ، وقد تساعده هذه الحركات في إخراج الكلمة وإطلاقها ويقوم الطفل بالحركة نفسها حين يواجه صعوبة في النطق بالكلمة ، وبذلك تصبح عادة لديه .

2- إحجام الطفل عن الكلام ومحاولة تجنبه لما يثير تهتهته أو خجله ، أو ما يترتب عليها من نتائج والإسهاب في بعض المترادفات بغرض تجنب بعض حروف أو كلمات معينة يتوقع أن يتهته فيها . إصدار أصوات خاطفة تعجبية ، استخدام مترادفات متعددة للكلمة الواحدة .

3- الإضافات ؛ قد يضيف الطفل كلمات أو أصوات إضافية لا تضيف شيئا إلى المعنى.

4- عدم الإكمال ؛ في بعض الأحيان يترك الطفل الكلمة أو الجملة ناقصة دون إكمالها .

5- فقدان التواصل البصري ؛ ففي بعض الأحيان لا يستطيع المتهته أن ينظر إلى محدثه ، وقد يقطع حبل الاتصال مع محدثه ويتحاشى النظر إلى محدثه حين يشعر بصعوبة في الكلام ، ويقال إنه عندما يصل هذا التحاشي إلى 50% أو أكثر من وقت المحادثة فإن الطفل يكون على وعي كامل بمشكلته الكلامية. بالإضافة إلى الارتباك ، والخجل وكذا ارتفاع الصوت وحدته عند التكلم .

كما اتفقت باميلا باشور (Bashor, 2003) مع ما سبق ، وأضافت أن الطفل المتهته يتجنب الكلام خوفًا من التهتهة ، أو يتحدث بسرعة كبيرة تجعل من الصعوبة فهم كلماته ، كما أن له القدرة على التمثيل أو الغناء بدون صعوبات
في الكلام .

وأضاف كلاً من هاويل (Howell, 2004) ، و يارس وكوازيل (Yaruss & Quesal, 2004) أن الطفل المتهته يستخدم حركات الوجه والأطراف عند النطق مثل حركة الرأس للإشارة إلى كلمة (نعم أو لا) ، حركة الضرب بالقدم على الأرض للتعبير عن العدوان ، والإشارة باليدين للإشارة إلى الإيجاب أو السلب ، حركات لا إرادية في اللسان والفكين ، و أنماط غير منتظمة من التنفس منها بذل الجهد لاستنشاق الهواء عن طريق الفم بمجرد بدء الكلام ، وتشنج في الجسم وتقلص الحنجرة وإفراط في العرق وشحوب أو احمرار في الوجه ، وفم مفتوح وفعل منعكس البلع ، وارتعاش الشفتين والفك أحيانًا .

رابعاً: أسباب التهتهة :

إن أسباب التهتهة قد تكون عصبية المنشأ (Neurogenic) أي ناتجة عن خلل في المخ أو الأعصاب ، وقد تكون عضوية أي ناتجة عن قصور في جهاز الكلام عند الطفل (اللسان – الشفاه – سقف الحلق – القصبة الهوائية – الفكين) ، عيوب في الجهاز السمعي .

أو قد تكون نفسية المنشأ (Psychogenic) ولعل أهم العوامل التي تؤدى إلى حدوث التهتهة هي عوامل نفسية بالدرجة الأولى ومنها على سبيل المثال شعور الطفل بالغيرة من أخيه الصغير فيلجأ إلى التخفيف من حدة غيرته عن طريق اضطرابه الذي يصبح مركز اهتمام الأسرة ، أيضاً قد يصاب الطفل بحالات من الفزع والقلق الشديد تؤدى إلى خوفه من الكلام . وهناك عوامل أخرى مثل عدم القدرة على تأكيد الذات ، تصدع الأسرة ومشكلاتها الحادة ، الحرمان العاطفي للطفل من الوالدين أو الخوف الشديد للطفل منهم أو انتقال الطفل من بيئة لأخرى ، وقد يكون السبب عند بعض الأطفال هو عدم تمكنهم من اللغة بشكل مناسب بسبب قصور في ذخيرتهم اللغوية واللفظية فيلجأ الطفل إلى التهتهة كلما ضاع منه اللفظ المناسب (Costa & Kroll, 2000) .

بالإضافة إلى ذلك هناك العديد من الأسباب والنظريات التي تحاول تفسير كيفية حدوث التهتهة في الكلام ، وفيما يلي تعرض المؤلفة تصنيف لبعض هذه الأسباب والنظريات التي تفسر التهتهة على النحو التالي:

1- أسباب عضوية ووراثية.

2- أسباب سلوكية متعلمة (بيئية) اجتماعية .

3- أسباب نفسية .

ويمكن عرض هذه الأسباب بشئ من التفصيل على النحو التالي :

1- الأسباب العضوية والوراثية:

منذ عهد أرسطو يسود اعتقاد بأن أسباب حدوث التهتهة تعود إلى بعض العوامل الجسمية أو التكوينية مثل الخطأ التكويني في اللسان أو التلف الذي قد يصيب وظائف المخ مما ينتج عنه عدم القدرة على التنسيق الحركي . ولعل هذه الاعتقادات كانت وراء قيام المعالجين بإجراء جراحات لتقصير طول اللسان لدى المتهتهين ، ولكن الفشل كان من نصيب هذه الجراحات حيث كانت التهتهة تعاود الأفراد الذين أجريت عليهم هذه الجراحات مرة أخرى ، في حين نجد أرسطو قد عرف سبب التهتهة بأنه يرجع إلى التفكير بطريقة أسرع من الكلام . ووصفه بأنه عدم قدرة اللسان على الاستمرار في الحديث دون توقف (Wingate, 1997) .

وفيما يلي عرض لأهم النظريات التي تناولت تفسير التهتهة في الكلام من وجهة النظر العضوية والوراثية :

أ- نظرية السيادة المخية الشاذة: Abnormal Cerebral Dominance

يتخذ أصحاب هذه النظرية من الحقائق التالية تأييداً لنظريتهم ، حيث لوحظ أن كثيراً من المتهتهين كانوا يستخدمون اليد اليسرى وبدأت مظاهر التهتهة عند الغالبية منهم في الوقت الذي دفعوا فيه دفعاً إلى استخدام اليد اليمنى في تناول الطعام والكتابة وما إلى ذلك .

ويفسر ذلك بأن العوامل العضوية تركز على الجانبية غير الكاملةIncomplete lateralization أو السيطرة المخية الشاذةabnormal cerebral dominance ؛ فقد وجدت دراسات عديدة استخدمت الرسام الكهربائي للمخ EEG أن الذكور الذين لديهم تهتهة يوجد لديهم إخماد أو تثبيط (كف) للموجة ألفا بالفص الأيمن أثناء إثارة الكلمات والمهام ، أما الذين ليس لديهم تهتهة فلديهم تثبيط (كف) في الفص الأيسر ، ومن ثم فإن الذين لديهم تهتهة يكثر ظهور استخدام اليد اليسرى والقدرة على استخدام كلتا اليدين بمهارة (Sommer, et al., 2002 ; Davis, 2004)

ومن المعروف أنه توجد علاقة بين السيطرة المخية واستخدام اليد ؛ فتكون هذه السيطرة في النصف الكروي الأيمن للأشخاص الذين يكتبون باليد اليسرى والعكس ، وبناء على ذلك فإن تحويل طفل يساري إلى الكتابة باليد اليمنى ينشأ عنه شيء من التداخل في عمل كل من نصفي المخ الكرويين ، ويؤدى هذا التداخل إلى ازدياد سيطرة نصف الكرة اليساري فيتعادل شطرا المخ في السيطرة وينتج عن تعادلهما اختلالاً يؤدى إلى التهتهة في الكلام (Hashimoto & Sakai, 2003)

وهذا ما أكدته بعض الدراسات عند تصوير المخ بالأشعة المقطعية من عدم وجود تماثل أو تناسق بين نصفي المخ لدى المتهتهين ، حيث وجد أن تنشيط الكلام واللغة يسود في النصف الأيسر لدى الأشخاص الطلقاء على عكس المتهتهين الذين يسود لديهم النصف الأيمن ، وأوضحت كذلك أن هناك على ما يبدو نقص في نشاط مكونات دائرة المخيخ في المتهتهين مقارنة بالطلقاء ويستثار هذا النقص في النشاط عند استعمال الكلام التلقائي بينما يصبح هذا النشاط طبيعي في حالة الكلام التلقائي المستحث (مثل القراءة مع الكورال أو الكلام الإيقاعي)

(Foundas, 2001 ; Pool, et al.,1991)

ولقد راجع مور وهاينز (Moor & Heynes, 1980) بعض البحوث حول الاستماع المزدوج من الأذنين ، والسيطرة المخية لدى المتهتهين ، واستنتجا أن النصف الأيمن من المخ يبدو أكثر إسهاما في عملية الكلام لدى هؤلاء الأفراد منه لدى أقرانهم العاديين .

ويؤكد ذلك انجام (Ingham, 2001) حيث أوضح أن أسباب التهتهة العضوية تعود إلى اختلاف تقاسيم الجهاز العصبي المركزي وخاصة نصف المخ وارتباك في توزيع الكلام بين نصفي المخ ، كما يعتقد أن السبب يعود إلى خلل في ميكانيكية استماع الإنسان لصوته ؛ فهو لا يسمع صوته بالسرعة التي يسمعها الإنسان العادي ، بل يسمع صوته متأخرًا بعض الشيء كما يعتقد أيضًا في وجود ارتباك في ميكانيكية بدء الكلام .

وقد استخدم نيومان (Neumann, 2003) التصوير بالرنين المغناطيسي (F.M.R.I.) للتعرف على التغيرات في سمات وأنماط التنشيط لتحسين الطلاقة الناتجة عن استخدام برنامج علاج مكثف لتشكيل الطلاقة ، واشتملت الدراسة على (5 ذكور بالغين) يعانون من التهتهة النمائية ، وطبقت نسخة معدلة من برنامج كاسل "Kassel" لعلاج التهتهة بتشكيل الطلاقة ، وقد مر المشاركون بإجراءات التصوير المغناطيسي قبل بدء العلاج وبعد تلقي العلاج مباشرةً ، وبعد مرور عامين من العلاج ، قورنت النتائج داخل المجموعة التجريبية وبين المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة ، وبينت النتائج أن هناك تنشيطاً موزعاً أعلى وأكثر في المجموعة التجريبية أكثر منه في الضابطة أثناء القراءة الجهورية وتلا العلاج مباشرة توزيع أنماط التنشيط وتركيزها بدرجة أكبر في النصف الأيسر من المخ ، ودل قياس وظائف المخ بالتصوير المغناطيسي لمدة عامين من العلاج على انخفاض طفيف في أنماط التنشيط ، مع الارتباط أكثر بالاتجاه ناحية
الجانب الأيمن .

هذا ومن ناحية أخرى هناك وجهة نظر ترى أن التهتهة هي نوع من الخلل في ضبط التوقيت ينتج عن تأخر "التغذية السمعية المرتدة " مما يؤدى إلى اضطراب في تتابع العمليات اللازمة لإنتاج الصوت ، ويمكن تلخيصها على النحو التالي (Neilson, & Neilson, 1991 ; Hall, 1996):

- نظرية التداخل السمعي : ويكمن خلف التهتهة خلل في الإدراك
السمعي ، ويتضح ذلك في صورة تأخر المعلومات السمعية المرتدة
؛ حيث أوضحت الدراسات أن هناك فروقاً بين المتهتهين وغيرهم حيث أن أداء المصابين بالتهتهة في فحوص السمع المركزية (Central Auditory Tests) يكون ضعيفا وربما يعود هذا الضعف إلى اضطراب في الإشارات الواردة وكيفية التعامل معها .

- نظرية اضطراب التوقيت : تعتبر أن التهتهة اضطراب في التوقيت ، حيث أن التمركز غير الملائم للنطق واللغة في الدماغ قد يتسبب في عدم القدرة على تكوين أنماط توقيت مناسبة تساعد على استقبال وإنتاج الكلام بفاعلية ، ويرجع ذلك إلى أن النصف الأيسر من المخ غير متطور بقدر النصف الأيمن.

وقد تلعب الانفعالات والمشاعر دورًا كبيرًا ؛ حيث أن النصف الأيمن يسيطر عليها مما يؤدي إلى نشوء صراع ينتج عنه حدوث التهتهة في الكلام .

)Salmelin, et al., 1998; Howell, & Sackin, 2002 (

ولقد أكد ذلك أيضاً كل من شارلز شيفر وهوارد ميلمان (1989) ؛ حيث أشارا إلى أن هناك سببين عضويين آخرين يمكن اعتبارهما من النوع النفسجسمي وذلك بسبب تأثير العوامل النفسية على الآلية العضوية لإنتاج الكلام ، والنظرية الشائعة إلى حد ما هي وجود (اضطراب في التوقيت) ، وتعني أي تشويش في توقيت حركة أي عضلة لها علاقة بالكلام بما في ذلك الشفاه والفك ، وهناك خلل في الارتباط الدقيق بين الأصوات والمقاطع. وتنتج تشوهات الكلمة عن أي خلل في الدقة المتناهية في التوقيت اللازم للحديث المنساب .

ويرى البعض أنه من الأسباب العضوية الكامنة وراء إصابة الطفل بالتهتهة ، هي وجود غلاظة باللسان مما تجعله غير قادر على النطق السليم ، أو وجود اضطراب في الجهاز التنفسي أو وجود خلل عضوي في الحبال الصوتية أو فجوة في سقف الحنك الأعلى من الداخل أو زوائد لحمية في انف الطفل (عبدالمجيد الخليدي ، كمال حسن وهبي ، 1997) .

ويذكر علاء كفافي (2003) أن هناك بعض الأسباب العضوية العصبية التي قد تؤدي إلى ظهور التهتهة مثل إصابة أو تلف لأحد أعضاء الجسم أو الجهاز العصبي التي تشترك في عملية النطق مثل الرئتين والحنجرة والأوتار الصوتية أو الفم ومراكز الكلام في المخ ، كذلك ما يصيب حاسة السمع
من ضرر .

أما عن الأسباب الوراثية للتهتهة فقد وجدت بعض الدراسات أن الاضطراب ينتشر بين أفراد آخرين داخل أسرة المريض ولعدة أجيال ، ووجد أن نسبة تقدر بحوالي 25 % من الذين لديهم تهتهة يرجع الاضطراب لديهم إلى عوامل وراثية قبل أو بعد ولادية على شكل استعدادات للإصابة ، وعلى الرغم من أن الوراثة لا تتضح في التهتهة نموذجًا واحدًا ؛ فقد أشار بعض الباحثين إلى أن العوامل الوراثية في مجال اضطرابات الكلام يمكن أن ترتبط بعامل الاستعداد الطبيعي الذي يرجع إلى ضعف في البنية الجسمية مكتسبًا أو ولادياً ، وضعف وراثي في جهاز التنفس والكلام ، والجهاز العصبي مما يجعل الفرد تربة خصبة لاضطراب الكلام والتهتهة (فيصل الزراد : 1990) .

ب- النظريات النيورفسيولوجية :

والتهتهة وفق هذه النظرية تنشأ نتيجة مرض عصبي عضلي ؛ حيث لوحظ أن المتهتهين يكون لديهم التوصيل العصبي في أحد جانبي المخ أبطأ من التوصيل في الجانب الآخر ، وبذلك لا تستخدم عضلات النطق كلها بكفاءة (Sandak & Fiez, 2000) .

وفضلاً على ذلك هناك وجهة نظر أخرى ترى أن محور التهتهة يكمن في خلل يصيب الأداء الوظيفي للحنجرة في المواقف التي تسبب التوتر وتقرر هذه النظرية أن الثنايا الصوتية تظل مفتوحة ومن ثم تعوق إصدار الأصوات اللازمة للكلام ، ولكي يتغلب الفرد على الثنايا الصوتيــة المفتوحة فإنه يقوم بالضغط على هذه الثنايا بواسطة الشفتين واللسان والفك وأجـزاء أخــرى من الجسم ثم تصبح هذه الاستجابات جزءاً من السلوك الذي يطلق عليه التهتهة في الكلام (Ciabarra, et al., 2000) .

2- الأسباب السلوكية المتعلمة :

يرى فان ريبر (Van Riper, 1983) أن التهتهة سلوك متعلم كما يشير نقلاً عن وشنر (Wischnner) إلى أن التهتهة سلوك تجنبي يستهدف الحد من أحاسيس القلق المرتبطة بين رغبتين متعارضتين هما الكلام والصمت ، فالتهتهة تحدث نتيجة رغبة الفرد في الكلام وعدم رغبته في الكلام خوفا من التهتهة .

ويفترض السلوكيون أن حالة التهتهة في الكلام ما هي إلا استجابة متعلمة لحالات الخلل في طلاقة اللسان المعيارية بمرحلة الطفولة المبكرة ، ومن عوامل التعلم (حسن عبد المعطى : 2003) :

‌أ- التقليد : فالتهتهة قد تكون سلوكًا مكتسبًا عن طريق محاكاة وتقليد الآخرين فهي نتيجة لوجود أفراد مهمين في الحياة المبكرة للطفل ، وهؤلاء الآخرون يتسمون بعدم الطلاقة في الحديث ، وعندما تشتد علاقة هؤلاء الأفراد بالطفل يحاول تقليدهم ، ومع بعض الخوف والقلق يتحول هذا القلق إلى عيب في هؤلاء الأطفال .

‌ب- الإشراط : فتكتسب التهتهة عندما يتم الاقتران بين مواقف الكلام ومواقف الضرب والقسوة والحرمان مما يؤدى بالطفل إلى عدم النطق أو التهتهة عند المواجهة كشكل من أشكال التوافق الانسحابي خشية العقاب.

‌ج- انعدام التغذية الرجعية : وتبعًا لذلك ينظر إلى اكتساب الكلام على أنه عملية تعتمد على تغذية رجعية مناسبة ، ومن ثم يفترض وقوع التهتهة بسبب تعطل في درجة التغذية الرجعية التي ينالها الطفل فيتعزز لديه الكلام المختل ، ومن ناحية أخرى يرى البعض أن التهتهة ترجع إلى التصحيح الزائد من قبل الوالدين لنطق الطفل وعقابه على النطق غير الصحيح مما يولد لديه القلق والخوف من الكلام فيؤدى إلى التهتهة .

ويضيف عبد العزيز الشخص (1997) إن السلوكيين حاولوا تفسير التهتهة باعتبارها سلوكا لفظيا متعلمًا ؛ حيث أرجعه بعضهم إلى ارتباطه بمثير شرطي (الكلام مع الآخرين) ينتزع استجابة التهتهة من الفرد . بينما أرجعه البعض الآخر إلى ما حصل عليه الفرد من تعزيز نتيجة ممارسة التهتهة ، وقد يتمثل ذلك في جذب انتباه الآخرين ، أو استدرار عطفهم واهتمامهم ؛ ويعتبر البعض أن التهتهة عبارة عن سلوك إحجام أو هروب من موقف (مثير) غير مرغوب يثير انفعالات أو استجابات مؤلمة لدى الفرد مثل التوقف ، والتكرار ، والخجل ، التوتر ، وبالتالي يمارس التهتهة تجنبا للألم الذي يتعرض له من جراء ذلك ، ولعل هذا يفسر الجهد الذي يبذله الفرد عند محاولة الكلام ومقاومة التهتهة نظراً لخوفه من حدوثها .

ويؤيد ذلك ما أشار إليه عبد المطلب القريطي (1998) من أن التهتهة سلوك مكتسب بالتعلم ، وان انتشارها لدى بعض الأسر ليس مرجعه جينات وراثية بقدر ما هو راجع إلى تعلم الطفل لها عن طريق التقليد . كما ينظر إليها السلوكيون كرد فعل لتجنب هذا الاضطراب الكلامي ، ويتسم رد الفعل هذا بالتوقع ، والخوف والتوتر الشديد ، حيث تحدث التهتهة عندما نتوقعها ، فنخافها ، فنتوتر ونحاول تجنب الوقوع فيها ، فيتوقف الكلام كلياً أو جزئياً ويضطرب بالفعل ، ويؤكد السلوكيون على عوامل معينة في نشأة التهتهة منها القلق الذي يعانيه الوالدان إزاء تعثر المحاولات الأولى لطفلهما في الكلام ، وانتقال القلق إلى الطفل وتكرار اقترانه بمواقف الكلام حتى يصبح الاضطراب الكلامي نمطا مزمنا ، وكذلك على ما قد يجنيه الطفل ذاته من مكاسب وفوائد ثانوية من اضطرابه ؛ كإعفائه من بعض المهام أو التكليفات المدرسية ، ومن ثم يركن إلى
اعتياد الاضطراب.

ويؤكد زكريا الشربيني (2001) على الأسباب النفسية الاجتماعية للتهتهة حيث يشير إلى أن هناك من يرجع التهتهة إلى مشكلات أسرية في الأصل انعكست على الطفل بعد أن مر بها وتجسدت في أعماقه ؛ كفراق الأم أو انفصال الوالدين عن بعضهما ؛ وقد يكون ظهور التهتهة مرتبطًا بالخوف أو الرعب ؛ أو الفشل في الامتحانات ؛ أو التعرض لحوادث مفاجئة مثل هدم المنزل أو
حوادث السيارات
.

ويشير ميلك (Mielke, 1993) إلى العديد من العوامل المصاحبة للتهتهة منها أساليب التنشئة الوالدية كالقسوة والعنف في معاملة الأطفال ، أو سوء العلاقة بين الأب والأم .

ويرى البعض أن أحداث الحياة الضاغطة تؤثر بشكل سلبي على الأطفال المصابين بالتهتهة فتكون التهتهة في الكلام هي طريقتهم في التعبير عن الخوف أو الرفض (Blood, et al., 1997) .

ويقصد بأحداث الحياة ما يطرأ على حياة الطفل من مواقف جديدة تأتي بشكل مفاجئ ، أو ازدياد الأعباء بشكل مطرد ، ويقصد بالأحداث هنا المفاجآت غير السارة على الأغلب وفيما يلي بعض الأمثلة على هذه الأحداث :

1- موت أحد أفراد الأسرة وخاصة أحد الوالدين.

2- انتقال عائلة الطفل إلى منزل جديد وبالتالي بيئة جديدة وجيران جدد.

3- انفصال الوالدين عن بعضهما.

4- دخول الطفل أو أحد أفراد الأسرة إلى المستشفى.

5- فقدان الأب وظيفته مما يزعزع أمن البيت والمزاج العام فيه.

6- قدوم مولود جديد ينافس الطفل في اهتمام عائلته.

7- غياب الوالدين أو أحدهما عن البيت فترة طويلة.

إن الأحداث السابقة وما شابهها تؤدي إلى الإخلال بأمن الطفل
واستقراره ، وعندها ؛ فقد تظهر التهتهة فجأة وذلك نتيجة للشد أو الضغط الانفعالي
(عبد العزيز السرطاوي ، وائل أبوجودة ، 2000) .

3- الأسباب النفسية :

يعتبر الكثير من الباحثين الذين تناولوا عيوب الكلام والنطق أن التهتهة هي من العيوب الكلامية التي تنشأ عن حالات نفسية عارضة أو مزمنة تجعل حديث المصاب بها غير واضح لأنه لم يؤد على النحو المألوف ، فيتوقف السامع عن فهمه أو يجد صعوبة في إدراك المراد منه.

ويرى كليفوردر أندرسون (1980) أن التهتهة ترجع إلى حالة نفسية طارئة تزول بزوالها ونجد ذلك في كثير من الأطفال قبل أن يخرجوا عن محيط الأسرة خاصة تلك الأسر التي تحكمها تقاليد معينة لا يسمح فيها للصغار بالكلام في حضرة الكبار فحين يسمع الطفل حديثاً للكبار يراه أمراً غريباً ، فإذا ما حاول محاكاته عسر عليه ، وإذا ما حان وقت السماح له بالكلام شاب محاولته الارتباك والتهيب خوفا من العجز عن مجاراة الكبار في تلك المباراة الكلامية التي لم يتدرب عليها وهنا يقع في التهتهة وكأنه المقيد الذي فك من الأغلال فجأة فيتعثر متوهماً أنه مقيد ، وهذه الأمور من شأنها أن تؤدي إلى ارتباكه وتردده وربما تضخم الأمر وتعقده ، فيحدث أن يتردد في التلفظ بالكلمات أو يكرر بعضها ، فإذا ما خرج من محيط الأسرة إلى المجتمع زاد ارتباكه وتأصلت علته بسبب السخرية التي يتعرض لها ، وكلما امتد به الزمن صعب عليه
التخلص من علته .

ويضيف عدنان السبيعي (1982) أن التهتهة لا تنجم عن عيب في التركيب أو في عضلات أعضاء الكلام ، كما أنها ليست مرضاً أو دليلاً على ضعف الذكاء ، كما أن التهتهة لا تنتقل بالوراثة ، كما أنها لا تكتسب بالمحاكاة أو التقليد ولكنها ترجع إلى أسباب نفسية منها التفرقة في المعاملة بين الأبناء ؛ أو التحيز للطفل الأصغر ، حيث يؤدى ذلك إلى إيذاء شعور الأخوة ويملأ قلوبهم بالحسد ، كما أن إجبار الطفل الأعسر على استعمال يده اليمنى يؤدى إلى
التهتهة ، كذلك فإن مواقف الشدة والتوتر تزيد من حدوث التهتهة .

ويرجع عبد العزيز القوصي (1982) سبب التهتهة في أغلب الظن إلى القلق أو الخوف المكبوت . وان العامل النفسي الأساسي في التهتهة هو التوتر النفسي المصاحب للقلق أو الخوف أو فقدان الشعور بالأمن أو الشعور بالنقص ، وهذا الخوف أو القلق ينشأ إما بالتأثير فنجد الوالدين أحدهما أو كليهما على درجة من القلق ، أو ينشأ مما يحدث للطفل من حوادث التخويف أو المعاملة غير الحكيمة ، ويترتب على حالة القلق النفسي إما خجل وانزواء وعزلة أو
جرأة ومرح ونقد .

وفضلاً عن الأسباب سالفة الذكر فان هناك نظرية التوقع المسبق وتنص على أن (التوتر المتواصل غالبا ما يؤدي إلى ما يعرف بالقلق التوقعي حيث يخاف الأطفال مما سوف يحدث عندما يتكلمون ، فيتوترون ويتهتهون ، فتصدق مخاوفهم وتصبح أقوى) ، وقد يكون القلق التوقعي ناتجا عن الرغبة في الكلام بشكل سريع ، إذ أن خوف الطفل من أن يبدو بطيئا أو بليدا وخوفه من انتقادات الآخرين يمكن أن يخلق عنده توقعا بأنه لن يتكلم بشكل جيد وهذا يؤدي إلى التهتهة في الكلام (Nicolosi, et al., 1996) .

فنجد عبد الرحمن العيسوي (1997) يؤكد على أن معظم حالات التهتهة لها منبع أو مصدر نفسي ، إنها عرض من أعراض سوء التكيف الاجتماعي ، تنشأ من حالة الخوف أو الإفراط في إدراك الذات أو اليقظة الذاتية أو اللوم الذاتي أو الشعور بالنقص والشعور بالتهديد أو الإسراف في الإشراف الوالدي ، كما يضيف أن التهتهة ضمن أنواع من العصاب ذات المصدر السيكولوجي والناتجة عن خلل في مراحل النمو.

من جهة أخرى يوضح عبد العزيز الشخص (1997) أن سوء الظروف التي يتعرض لها الطفل تؤدى إلى شعوره بانعدام قيمة الذات ، وعدم الثقة
بالنفس ، والشعور بالدونية الأمر الذي يجعله يحاول تجنب الآخرين ويخاف من مواجهتهم ، وبالتالي تحدث التهتهة كنوع من الفوبيا (الخوف المرضي) الاجتماعية ؛ حيث يتعرض لصراع بين الرغبة في الكلام والخوف من مواجهة الآخرين أي صراع إقدام وإحجام ؛ الذي ينهك الفرد ويزيد من حدة المشكلة .

ويشير علماء التحليل النفسي إلى أن التهتهة ما هي إلا عرض عصابي يكمن خلفه رغبات عدوانية مكبوتة ؛ حيث ينكص الفرد إلى المرحلة الشرجية ويعيش صراعًا بين الرغبة الشعورية في أن يتكلم وحفزه لا شعورية بعدم الكلام ويبدو أن الكلام رد فعل عدواني موجه ضد من يسمع فتكون التهتهة تأجيلاً مؤقتًا لهذا العدوان ، ومحتمل أن يصبح للتهتهة دور في إجهاد السامع وهذا نوع من العدوان غير المباشر ، بل أرجع علماء التحليل النفسي النكوص في التهتهة إلى المرحلة الفمية ؛ حيث تصبح النزعة العدوانية الخطرة مرتبطة بالفم عندما كان الطفل يستخدم العض للتعبير عن القلق (زكريا الشربيني ، 2001) .

ويضيف زكريا الشربيني (2001 : 137) أنه كم من طفل ثبت بعد عامه الثاني أو الثالث على نطقه الطفلي Baby talk لعدة سنوات وربما حتى المراهقة لأن من حوله دللوه وشجعوه على استخدام تلك الكلمات وهذا الأسلوب ، وهناك افتراض بأن هناك عتبة Threshold بعدها تشوه السيطرة الحركية للنطق ، ويمكن أن يكون الأطفال عرضة للتهتهة إما لأن لديهم عتبة منخفضة أو لوجود بيئة ذات عوامل مشوهة أو غير طبيعية ، كذلك نلاحظ في أوقات كثيرة أن بعض الأطفال يستمرون في استخدام لغتهم الطفلية بسبب التدليل وتشجيع الكبار لهم على ذلك .

وقد يرجع البعض التهتهة إلى الوسواس القهري الذي يلم بالفرد مرتبطاً بنوع الكلام وكيفية إخراج المقاطع والكلمات ومحاولة الطفل لأن يكون مفهوماً من الآخرين ، أو عندما يحاول أن يحظى بانتباه المستمع ؛ فإن شدة التركيز تجعله غير طليق اللسان فيشعر بالإحباط وعندما يحاول أن يكون طليق اللسان فإن الانتباه والإحباط يجعلاه عكس ذلك ، فضلاً عن أن كل شخص مصاب بالتهتهة يزداد ارتباكًا ويعظم اضطرابه في الظروف المحيطة المولدة
للتوتر والقلق ، وبتكرار الخطأ والحرج أثناء الحديث يتعقد الأمر ويصبح
غير قادر على السيطرة الإرادية على إخراج الكلمات بطريقة طبيعية

(حسن عبد المعطى ، 2003) .

ويتناول علاء كفافي (2003) الأسباب النفسية للتهتهة ، فيذكر أنها تتمثل في الدرجة الأولى في الأسرة ومتغيراتها وعواملها ويوضح بعض الجوانب الأسرية المساهمة في نشأة التهتهة مثل :

1- الطموح الزائد عند الآباء فيما يتعلق بأداء أبنائهم وسلوكهم والتوقع الذي لا يتناسب مع إمكاناتهم مما يجعل الأبناء يقعون تحت ضغط نفسي شديد يكون مناسباً لظهور مشكلات النطق والكلام .

2- يصف بعض الآباء أبناءهم بأنهم يجدون صعوبات في الكلام وكأنهم يشخصون الحالة ، ويحدث أن يستدخل الابن هذا التشخيص ويتصرف على أن هذا الوصف من صفاته الأساسية والدائمة مما يعمل على تثبيته.

3- القسوة الشديدة والأساليب التي تثير الألم النفسي إذا ما استخدمت كثيراً تجعل الطفل يعاني من التعبير عن نفسه بوضوح وتقلل من
قدراته اللغوية .

ويعتبر الجدل والشجار المستمر في الأسرة مصدر قلق لكثير من
الأطفال ، مما يؤدى إلى التوتر داخل الأسرة وبالتالي يصاب الأطفال بالتهتهة ، ونلاحظ أن خوف الطفل من أن يبدو بطيئاً أو بليداً ، وكذا خوفه من انتقادات الآخرين يجعله يتوقع أنه لن يتكلم بشكل جيد
(صافيناز عزب ، 2004) .

والتهتهة قد تكون نتاجاً لسوء التوافق حيث نجد أنها صورة من صور ميكانيزم الانسحاب الراجع إلى الإحساس بالدونية ، فإن المرء إذا أحس أنه دون غيره قد يحجم أو يتردد في أن يتكلم كما لو كان متوقعاً من المستمعين أن يردوه عن الكلام ومن هذا ينشأ الكف الذي يتسرب إلى عمليات النطق

وتجمل المؤلفة أسباب حدوث التهتهة في شكل (2)





شكل (2)

أسباب حدوث التهتهة

خامسًا : النظريات المفسرة للتهتهة :

ويمكن تناول تلك النظريات في ضوء التقسيم التالي :

- النظرية التشخيصية .

- نظرية الفشل التخاطبي والجهد المتوقع .

- نظرية القدرات والمتطلبات .

1- النظرية التشخيصية: Diagnostic Theory

يرى أصحاب هذه النظرية أن عناصر البيئة هي الشرارة الأولى في إيجاد هذا الاضطراب ؛ حيث أن التهتهة الطبيعية التي تتخلل تطور لغة الطفل تمثل نقطة البدء بالإصابة بهذا الاضطراب خاصة عند الأطفال الذين لديهم استعداد للتهتهة وذلك نتيجة للضغوط التي تمارس عليهم من قبل البيئة المحيطة ، وتنص النظرية على أن "حديث المصابين بالتهتهة وغير المصابين بها يتميز بالتكرارات فإذا مرت هذه المرحلة بسلام فقد ينجو الطفل من هذا الاضطراب ، وأما ما يحدث مع المتهتهين فإن تفسير الوالدين أو المستمعين الخاطئ ، على أنها تهتهة يشعر الطفل بوجود مشكلة مما يؤدي إلى محاولته بذل قصارى جهده بأن يتحدث دون تهتهة ، وبالتالي فان الكلام لديه يحتاج إلى مزيد من الجهد والاستعداد وهذا ينافي الطلاقة الطبيعية وبالتالي إصابته بالاضطراب" ، ونخرج من هذه النظرية بأن التهتهة هي نتيجة تفاعل بين عناصر ثلاثة وهي:

‌أ- درجة التهتهة لدى الطفل .

‌ب-حساسية المستمعين لتهتهة الطفل .

‌ج- حساسية الطفل تجاه كلامه ولرد فعل المستمعين له .

(Johnson, 1961 ; Howell & Au-Yeung, 2002)

2- نظرية الفشل التخاطبي والجهد المتوقع

(Communicative Failure and Anticipatory Struggle)

تعتبر هذه النظرية أن الفشل في التخاطب أو التواصل الراجع لأسباب بيئية يسرع في نشوء وتطور التهتهة ؛ حيث ترى أن التهتهة تنتج عندما يشعر الطفل بالفشل والإحباط عند محاولته الحديث ، ومن الخبرات التي تعمق الاعتقاد لدى الطفل بأن الكلام مهمة صعبة وخبرة غير محببة العناصر التالية :

1- مواجهة التهتهة الطبيعية لدى الطفل بانتقاد شديد وخاصة من الأشخاص الذين يعتبرهم الطفل مهمين بالنسبة له .

2- التأخر في نمو لغة الطفل ونطقه .

3- معاناة الطفل من بعض اضطرابات النطق أو اللغة .

4- مواجهة الطفل لخبرة كلامية صعبة مثل القراءة الجهورية بصوت مرتفع في المدرسة .

5- يضاف إلى ذلك بعض الظروف الداخلية التي قد تلعب دورا في إيجاد التهتهة مثل ، محاولة الطفل الدائمة للوصول إلى توقعات الوالدين ، عدم احتمال الأسرة لأي اضطراب كلامي مما يخلق شعوراً بالخوف والإحباط لدى الطفل تجاه الكلام (Bloodstein, 1993 ; Howell, 2004 )

3- نظرية القدرات والمتطلبات Capacities and Demands

يعتقد أصحاب هذه النظرية في أن أي ضغط تطوري أو بيئي قد يكون مثيراً لإيجاد التهتهة ، كما ترى أن التهتهة هي ناتج لوجود فرق بين مقدرة الطفل والمتطلبات البيئية للأداء الأكاديمي ؛ ومن المتطلبات البيئية لحياة الطفل :

أ‌- التطور السريع للغة الطفل ما بين سن الثالثة وسن السابعة .

ب‌-سرعة كلام الوالدين والتي يجد الطفل صعوبة في مواكبتها .

وتتأرجح هنا التهتهة لدى الطفل ما بين الوضوح التام لهذه التهتهة والاختفاء وذلك تبعاً لنمو قدرات الطفل (Starkweather & Givens-Ackerman, 1998) .

وفي ضوء العرض السابق للأسباب التي تؤدي إلى حدوث التهتهة في الكلام تجمل المؤلفة هذه الأسباب في ثلاث أسباب رئيسية كالتالي :

- أسباب عضوية : مثل خلل الجهاز العصبي المركزي واضطراب الأعصاب المتحكمة فـي الكلام ، وإصابة المراكز الكلامية في المخ بتلف أو تورم أو التهاب أو نزيف ، وإصابة الجهاز الكلامي (الحنك واللسان والأسنان والشفتين والفكين) بتلف أو تشوه ، وعيـوب الجهـاز السمعي ، والتكوين الجسمي الضعيف أو إجبار الطفل الأيسر على الكتابة باليد
اليمنى ، وتأخر النمو بصفة عامة ، والضعف العقلي .

- أسباب بيئية : مثل تعدد اللهجات أو اللغات في وقت واحد ، خصوصا في الطفولة المبكرة ، والكسل والاعتماد الزائد على الآخرين ، وكثرة المشاكل الأسرية ، وقلق الوالدين بخصوص الكلام والرعاية الزائدة ، والتدليل أو التسلط والمستوى الفقير في الكلام في المنزل ، وتقليد الكلام المضطرب ، وسوء التوافق المدرسي والاجتماعي .

- أسباب نفسية : مثل التوتر العصبي والقلق ، والخوف المكبوت ، والصدمات الانفعالية ، وضعف الثقة بالنفس ، والعدوان المكبوت ، والحرمان العاطفي ، والضغط النفسي ، والإحراج .

وتتفق المؤلفة مع وجهة النظر القائلة أن معظم أسباب التهتهة قد ترجع إلى جذور وأصول نفسية ، كالقلق وانعدام الأمن وغيرها من تأثيرات وضغوط نفسية في مرحلة الطفولة المبكـرة وأن الأسباب الرئيسية في تكوين هذه الجذور والأصول النفسية تعود إلى بعض العوامل البيئية مثل إفراط الأبوين ومغالاتهما في رعاية الطفل وتدليله وزيادة المحاباة والإيثار على بعض الإخوة ، فقدان الثقة في النفس ، والافتقار إلى العطف والرعاية ، كذلك الشعور بالتعاسة والشقاء العائلي ، وتعارض التيارات وتنازع الأهواء في الأسرة ، هذه العوامل قد تؤدى إلى نشوب صراعات انفعالية وإلى الإحساس بعدم الأمن النفسي ثم لا يلبث هذا النوع من الاضطرابات الانفعالية أن يستفحل أمره حتى يصبح بالتدريج هو الجانب الغالب في تكوين الناحية النفسية للطفل ؛ حيث يحدث نوع من التنفيس الانفعالي والتفريغ النفسي لشحنات التوتر لإحداث التوازن والتوافق والتخلص من مواطن النقص حيث يتاح عبرها التنفيس الانفعالي الذي يتركز في عضلات الجهاز الكلامي (عضلات النطق) ، وبالتالي تظهر التهتهة .

كما تؤيد الرأي السائد أنه بالرغم من تعدد النظريات التي حاولت تفسير أسباب حدوث التهتهة في الكلام ، إلا أنه يمكن القول أن ظاهرة التهتهة في الكلام تحدث نتيجة عوامل متداخلة ومتشابكة هذه العوامل هي عوامل عضوية ونفسية واجتماعية وهى تمثل وحدة دينامية وتعد المسئولة عن حدوث التهتهة وليس عامل بمفرده ؛ هذا إلا أن البعد النفسي (العامل النفسي) سيظل هو الأساس الذي تتأثر به كافة العوامل وتؤثر فيه أيضاً بعد ذلك . بمعنى أن هناك كثيراً من الأفراد يتوفر لديهم من الاستعداد الطبيعي (الجبلي) ما قد يسبب التهتهة ، غير أنهم لا يعانون
من التهتهة
نظراً لغياب العوامل الأخرى المهيأة وتلك العوامل هي هذه
العوامل النفسية
.

وبتفاعل عوامل الاستعداد النفسي مع تأثيرات البيئة تظهر السلوكيات الرئيسية (الأعراض الأساسية للتهتهة) ، فيستجيب الطفل لهذه السلوكيات بالشد والضغط النفسي كوسيلة لمنعها من الظهور ، وبمرور الوقت تزداد محاولاته للتغلب على هذه السلوكيات ، فيكتسب عدداً من السلوكيات الثانوية (الأعراض الثانوية) التي تعزز من خلال الاشتراط الإجرائي ، وخلال هذه الفترة تكون السلوكيات السابقة مصحوبة بمشاعر سلبية مثل الإحباط و الخجل والخوف ، ويمتد التعلم الشرطي إلى ارتباط هذه المشاعر والسلوكيات بكلمات معينه سرعان ما تزداد تدريجياً لتشمل مواقف بأكملها تثير الخوف من الكلام ، وتزداد هذه المواقف مع تقادم الاضطراب ويبدأ التلميذ بتجنب هذه الكلمات والمواقف ، وخلال هذه الفترة يبدأ التلميذ بتكوين تصور خاص عن كلامه وعما يتوقعه من المستمعين إلى أن يصل بتهتهته إلى المرحلة المتقدمة .


سادسًا : الآثار النفسية ولاجتماعية المصاحبة للتهتهة :

صنفت الرابطة الوطنية الأمريكية للأفراد المتهتهينAmerican National Associations for People who Stutter التهتهة على إنها صعوبة تعوق حياة الفرد المصاب بها من التواصل الطبيعي مع الآخرين ومن مواصلة حياته الدراسية والمهنية والاجتماعية والشخصية ، حيث تؤثر التهتهة تأثيراً سلبياً على هذه المجالات (Kent, et al., 2000) .

وبمراجعة ما سبق ذكره عن الأعراض الثانوية (الجانبية) المصاحبة للتهتهة يلاحظ أنها تتضمن مجموعة سلوكيات تدل على آثار نفسية واجتماعية سلبية ومن ذلك ما أشار إليه جين نيكسون (2000 : 72) من آثار مثل
الإحراج ، الغضب ، القلق ، الخوف ، الإحباط ، فقدان السيطرة ، بعض الأمراض السيكوسوماتية ، كذلك قد يصبح
الطفل المصاب بالتهتهة أقل ميلاً للخروج ، وينطوي على نفسه ، أو يصبح قليل الكلام وتتغير أخلاق الطفل فيصبح مثلاً سريع التوتر ، عدوانيًا مشاكسًا ، أو شديد الحساسية للنقد ،
وسريع البكاء
.

ويشير بيركنز (Perkins, W. H., 1996) إلى أن الطفل المتهته قد يمتنع عن الإجابة على الأسئلة في الصف الدراسي ، في حين يصبح بعض الأطفال عدائيين أو سلبيين وانسحابيين أو حتى يتسمون بالعنف ، كذلك لوحظ أن بعض الأطفال لديهم نقص في الدافعية ، كما أن توقع التهتهة في الكلام تولد لديهم رد فعل وجداني يجعلهم يصابون بالخوف المرضي من المجتمع .

ويتناول المتخصصون تلك الآثار النفسية والاجتماعية للتهتهة على الأطفال كالتالي :

يؤكد عدنان السبيعى (1982) أن التهتهة تسبب كثيرًا من المضايقة والحزن ، وهذا العي في الكلام والتردد والتوقف فيه وعدم الطلاقة في الحديث أو في سلاسته ، أو إدخال بعض الأصوات الزائدة أو تكرارها كل هذه تعد عقبات في سبيل الصداقة والحب والعمل وتجعل حياة هؤلاء الأشخاص الذين يعانون منها تعسة .

ويظهر المصابون بالتهتهة خوفاً متوقعًا واضحًا من الكلام ؛ فهم يخافون الكلمات والأصوات والمواقف ويشيع بينهم إبدال الكلمات والدوران حول المعنى وتجنب المواقف المتطلبة كلامًا ، ويظهرون شواهد على الخوف والارتباك مثل: تغميض العينين عند الكلام ، تجنب كلمات معينة أو أصوات أو مواقف يتوقعون فيها التهتهة (Blood, et al., 2001) .

كذلك يشيع بين المصابين بالتهتهة القلق والاكتئاب خاصة في الحالات المزمنة وتتضمن الاضطرابات المصاحبة اضطراباً صوتياً واضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية المختلط ، واضطراب عجز الانتباه المصحوب بالنشاط الزائد (Baker & Cantwel, 1990) .

ويشير عبد العزيز القوصي (1982) إلى أن الطفل الذي يتعثر في النطق يكون عنده شعور مكبوت بالنقص بسبب التهتهة ، فنجده يميل أحيانا إلى الذلة ، والانكسار ، والانزواء ، ويكون شديد الحساسية ، شديد الانفعالية ، ويكون هذا النوع هزيلاً نحيفا .

ولقد أكدت نتيجة دراسة محمد قطبي وآخرين (1991) التي أجراها على عينة من الأطفال المتهتهين أن هناك علاقة ارتباطيه دالة بين القلق والاكتئاب والتهتهة ، وكذا نوع من التفكك في مفهوم الذات لدى المتهتهين ، وهو ما أكدت عليه دراسة ميلر وواطسون (Miller & Watson, 1992) حيث أوضحت أن المتهتهين أكثر قلقا واكتئابا من غير المتهتهين .

في حين بينت بعض الدراسات أنه ليس بالضرورة أن يظهر المتهتهين مستويات عالية من القلق سواء كان قلق السمة أو الحالة وأن وجود القلق لديهم مرتبط بمواقف التكلم الفردية التي يظهرون أو يتكلمون فيها بمفردهم (Menzies, et al., 1999) .

وقد تبين من نتيجة دراسة أخرى أجريت على 34 طفل متهته أن الأطفال الذين لديهم تهتهة مزمنة (Chronic Stuttering) يعانون من القلق النفسي ، والخوف من التقييم الاجتماعي السالب ، وأن لديهم خوفاً من المواقف الاجتماعية الجديدة والغريبة (Messenger, 2004) .

وفي دراسة أجراها وودز وآخرون (Woods, et al., 2002) على مجموعة من أطفال الحضانة المصابين بالتهتهة ، تهدف إلى التعرف على الآثار النفسية للتهتهة على هؤلاء الأطفال ، وبتطبيق قائمة الطفل السلوكية لآشنباتش (Aachenbach,1998) على آباء هؤلاء الأطفال ، قرر الآباء أن أطفالهم يعانون من الخوف ، القلق ، العدوان ، الانسحاب والاكتئاب .

وقد بين مارك أونسلو ومعاونوه (Onslow, et al., 1993) أن التهتهة تسبب الشعور بالذنب لدى والديً الطفل المتهته اعتقادا منهم بأنهم فعلوا شيئا يسبب إصابة طفلهم بالتهتهة ، كما أنها غالباً ما تسبب لهم الحزن العميق ، في حين قرر وودز وآخرون (Woods, et al., 2002) أن التهتهة لا تؤثر على علاقة الأطفال بذويهم .

وقد أظهرت نتائج بعض الدراسات أن الأطفال المتهتهين يتعرضون للنقد والسخرية من قبل زملائهم وأقرانهم (Ezrati-Vinacour, et al., 2001) .

كما أشارت نتائج دراسة أنتونى ديلوو وآخرون (Dilollo, et al., 2003) إلى أن المتهتهين يعانون نوع من القلق المعرفي المرتبط بعدم وضوح
معنى الكلام .

ولقد أكدت نتيجة دراسة كل من ننج-مار وتروجان (Ning-Mahr, & Torosian, 1999) التي أجريت على عينة من المتهتهين عددها 22 ومثلهم من غير المتهتهين لمعرفة أعراض القلق والخواف الاجتماعي ، وإذا ما كانت هناك علاقة ارتباطيه بين الخوف الاجتماعي والتهتهة ، حيث تم قياس خبرة الضيق في المواقف الاجتماعية وتجنب هذه المواقف والخوف والقلق من التقييم السلبي من الآخرين ، أظهرت نتيجة هذه الدراسة أن المتهتهين لديهم خبرة سلبية للتعرض للمواقف الاجتماعية ولديهم سلوكيات التجنب المرتبطة بخوفهم من التهتهة وأنهم يعانون من أعراض القلق .

وفي دراسة كولومبوس وروز2004) & Ross, Klompas( التي تناولت تجارب الحياة للأشخاص الذين يتهتهون والتأثير الملموس للتهتهة على طبيعة حياتهم من التعليم والحياة الاجتماعية والعمل والحياة الأسرية والزوجية والمسائل الشخصية والدينية والعاطفية ؛ حيث أوضحت أن الأغلبية العظمى من المشاركين أدركوا أن التهتهة في الكلام لها تأثيراً على أدائهم الأكاديمي في المدرسة أو الجامعة ، وكذا لها تأثير على علاقاتهم مع مدرسيهم وزملائهـم فــي الصف ، وعلى الرغم من أن التهتهة لديهم لم تؤثر على قدرتهم لعمل صداقات ، إلا أن القياس بصفة عامة أظهر أن رد فعلهم كان غير إيجابي تجاه التهتهة ، في حين قرر العديد منهم أن إصابتهم بالتهتهة لم يكن لها التأثير العكسي على اختيارهم لوظائفهم أو على قدراتهم للحصول على عمل أو على علاقاتهم مع رؤسائهم في العمل أو زملائهم ، وذلك على الرغم من أنها تؤثر على أدائهم لعملهم وتعرقل فرصهم في الترقية ؛ وبشكل عام فإن التهتهة لم يظهر لها تأثير على الحياة الأسرية والزوجية للمشاركين . ولكنها أثرت على احترامهم لذاتهم وصورة
الذات لديهم .

وقد أوضحت بعض الدراسات التي أجريت على مجموعة من الأطفال المتهتهين وأقرانهم غير المتهتهين ؛ أن الأطفال في سن الثالثة يظهرون وعياً وإدراكاً للتهتهة ، أن الأطفال المتهتهين في مرحلة ما قبل المدرسة والحضانة يعانون من الاستهزاء والسخرية ، كما أنهم يخبرون مواقف كلام محبطة وأكثر سلبية من أقرانهم غير المتهتهين et al., 2005)Vanryckeghem,) .

- علاقة التهتهة بالمدرسة

أما عن علاقة التهتهة بالمدرسة وما قد ينتج عن ذلك من آثار سلبية :

يشير عبد العزيز القوصي (1982) إلى أن المدرسة في بعض الأحيان قد تكون مسؤلة عن ظهور التهتهة عند بعض الأولاد ، وأنها كثيراً ما تكون جواً صالحاً لتثبيت التهتهة وزيادة وضوحها ، ويفسر ذلك بأن جو المدرسة يعيش فيه الطفل مدة طويلة ، ولحياته فيها أهمية خاصة بالنسبة لحفظ كرامته في نظر
نفسه ، وبالنسبة لمستقبله وشعوره بالأمن عند النظر إليه ، فإن كان جو المدرسة يشعره بالفشل العقلي لعدم ملاءمة العمل له ، أو لسعة الفارق بينه وبين زملائه في الكفاءة ، أو بالفشل في اللغات ، أو بالفشل الاجتماعي ، فإن هذا يزيد من حالة الخوف والتوتر ، وإذا ظهر هذا الشعور بالفشل في المدرسة فإن المنزل عادة يزيده تدعيما مما يزيد الحالة سوءً
ا .

ويضيف عبد المطلب القريطي (1998) أن من بين العوامل المدرسية التي قد تؤدي إلى نشوء التهتهة لدى بعض الأطفال عند التحاقهم بالمدرسة أو تثبيتها وازمانها لدى البعض الآخر ، اضطراب المناخ المدرسي وضغوط البيئة المدرسية ، وعدم ملاءمة المناهج والمقررات ، والمعاملة القاسية من جانب المعلمين ، والخوف من المدرسة .

ويمكن ملاحظة التهتهة لدى الطفل عندما يواجه موقفا صعبا أو يقف أو يتكلم في الصف المدرسي أو مع جماع