دكتور / محمد محمد خلف

استاذ الرياضيات المساعد بكلية العلوم الزلفي

جامعة الإمام محمد

يعد التوجه نحو مجتمع المعرفة بمثابة حركة جارفة تتمثل بالحجم الهائل من المعلومات العلمية والتقنية التي تتدفق بدون سدود على المستوى الكوني كله بفعل ثورة الاتصالات التي تعتمد على تقنيات متقدمة ومتسارعة يصعب على الفكر الإنساني أن يستوعبها وتتزايد بصفة عامة مع اتساع نطاق النشاط العلمي والتقني.
لن يستطيع المجتمع العلمي أن يرقى إلى مستوى الأهمية عالميا وأن يكون محافظا على مستوى تقدمه إلا بامتلاكه القيمة العالية أمام المجتمعات المتقدمة التي يتطلع للتعامل معها، وإن مفتاح هذه القيمة هو قدرته التنافسية بكل عناصرها المتكاملة والمتناسقة وعلى رأسها حسن الإفادة من المعلومات العلمية والتقنية المتدفقة عبر الوسائط الحديثة وفق خطط وبرامج لإنتاج المعلومات المعتمدة أساسا على كفاءة المورد البشري في ظل إرادة ذكية لها. يمكن أن ينشأ الإبداع من خلال توظيف هذه القدرات المتكاملة لصنع القرار الفني أو العلمي أو العملي في مجال النشاط البحثي أو الإنتاجي أو الخدمي عبر المكتبات المتخصصة.
إن التطلع إلى المستقبل في عالم مرافق المعلومات يتطلب استخدام التخطيط الاستراتيجي بدلا من التخطيط التقليدي قصير المدى فقد أصبح الحلم والأمل هو تضافر التخطيط الاستراتيجي مع الاقترابات المنظومية المعبر عنها بالإدارة الذكية والتي تضمن في آفاقها الجودة الشاملة وذلك اعتمادا على مفهوم أساسي " بأن كل نشاط يؤدى بالمكتبة يجب أن يخدم شخصا ما بشكل مباشر أو غير مباشر بالتساوي بين كافة الزائرين " وهذا يعني أن القائمين على العمل في حاجة إلى أن يسألوا من هم المستفيدون الذين يجب أن يهتم بهم وماذا يحتاجون لتلبية رغباتهم وأن يتأكد أن لديهم القابلية وتتوفر لهم السعة لمقابلة احتياجات المستفيدين.

تميز المكتبة المتخصصة:
ساد النشاط العلمي مجموعة من الاعتبارات الجديدة الهامة الناشئة عن التدفق المتواصل للمعلومات العلمية والتقنية عبر المكتبات المتخصصة، وتأتي على قمتها سمة التميز، وغدت هذه السمة تشكل إطارا تنطلق منه كل الأنشطة البحثية الساعية للتغيير والتطوير والتقدم. فلا يقنع الإنسان بما لديه من ميزات نسبية فردية بل يعنى بتحويل هذه المزايا لقدرات تعود بالنفع على المجتمع في صورة قيم أعلى اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعلميا وتقنياً. كما أن الركيزة لتحقيق هذا التميز هو التعامل والتفاعل البناء مع مصادر المعلومات العلمية والتقنية في المكتبات المتخصصة.

الإدارة الذكية:
تخضع المعلومات العليمة والتقنية في صميمها إلى فن إدارة الموارد والتي تتصل بمنافع النشاط البحثي خاصة وبالفائدة للمجتمع الإنتاجي والخدمي عامة، ولهذا فالتصور أنها ستظل متأثرة بموقع المستفيدين ووجهة نظر المسؤولين والقائمين على خدمات المعلومات وبمنهجية إدارة المكتبات المتخصصة وإن بناء هذه التصورات سيختلف وبدرجات متفاوتة من أساليب إدارة المكتبات بالنمط التقليدي وحتى يصل إلى الأساليب الذكية المتطورة التي تسعى حثيثا نحو المستفيد ومن هذه الاختلافات يمكن أن تبزغ بالضرورة ملامح صورة المستقبل، حيث ستكون للمكتبة المتخصصة أهدافا عامة مرغوبة ومطلوب تحقيقها تلبية لحاجات المستفيدين وستكون أيضا موضوع إجماع واقتناع ومن ثم تنشأ الحاجة الملحة لإدارة ذكية لهذا النشاط تنفذ السياسات المتجددة وفق مشروعية القصد بقيمه الجديدة وموازينه المتحركة دائما للتغيير نحو الأفضل.
أصبحت المعلومات العلمية والتقنية الحديثة تتسم بكثافة عالية في التغيير وسرعة في التدفق مما ينعكس على تزايد التأثير على إحداث الابتكار المتتالي في تصميم عملية ما أو منتج ما أو إبداع ما ولهذا يحتاج التعامل مع المعلومات العلمية والتقنية إلى إدارة ذكية راشدة تواكب التحولات المتسارعة في التقدم العلمي والتقني، وتساعد أيضا على ضبط وتنظيم ودفع النشاط البحثي العلمي والتقني لآفاق أعلى.
وتشكل الإدارة الذكية للمكتبات المتخصصة ركنا أساسيا رائدا في تعزيز التنافسية مما يمكن أن يكون لها مردود اقتصادي، لهذا يتصور أن تتضافر الإدارة الذكية للمكتبات المتخصصة مع كل من السياسة الإنتاجية والسياسة الاقتصادية في تعزيز القدرات التنافسية لتحقيق معدلات عالية وبشكل تنافسي، فقد تجلت أهمية دور الإدارة الذكية للمكتبات المتخصصة في إحكام السيطرة الفنية على المعلومات العلمية والتقنية ويزيد من قوة هذا العنصر البعد الاستراتيجي المتمثل في الاختراعات والابتكارات والإبداعات كآليات لتحقيق التنافسية خاصة في تغذية الصناعة كثيفة المعرفة، ومن هنا تنبع أهمية رسم إستراتيجية ووضع سياسة للمعلومات العلمية والتقنية وإدارة ذكية للمكتبات على المستوى القومي ثم التعامل من خلالها على المستوى العالمي أيضا.

الإدارة الذكية والتسويق:
يقوم النشاط التسويقي معبرا عن أحد ملامح الإدارة الذكية في المكتبات المتخصصة من أجل إرضاء وإشباع الحاجات المتطورة والمتغيرة للباحثين ليصبح التسويق إحدى القوى الدافعة للارتقاء بخدمات المعلومات، فمن المهم إذا التعرف على دوافع القارئ والباحث وتحديد مكان تواجده وكيف يقرأ ولماذا يقرأ وما الذي يؤثر في قراراته للاستفادة من الخدمة المعلوماتية حتى يمكن أن يتم التوجيه إليه بإستراتيجية وسياسات جاذبة له، فمن المفيد والمهم للقائمين على المكتبات المتخصصة أن يعلموا أنهم يخدمون قراء ودارسين وباحثين متعددي الرغبات ومتنوعي السلوك فعلى القائمين بهذه المهام أن يسعوا لتطوير ما لديهم من مقتنيات مما يجعل هذا القارئ أو الباحث هو دائما الزائر المرتقب.
يستلزم الأمر تفحص ما هو متاح من خدمات معلومات في المكتبة المتخصصة وتحليل معناها ليتمكن من خلال الإدارة الذكية رسم شكل المستقبل مع توقع حجم ونوعية النشاط تمهيداً لصياغة استراتيجية للتسويق ورسم السياسة الهادفة للوصول للمستفيد المرتقب بأقل جهد وأدنى تكلفة كذلك أن يتعرف الباحث أو المستفيد على ما أعد له من خدمات معلوماتية لإشباع حاجاته ورغباته المتنوعة والمتعددة، فيتطلب الأمر وقفة مع الذات لتقييم المجهودات من أجل المزيد من تقديم الخدمة الجيدة ليتحقق النجاح لكل من مقدم خدمة المعلومات والفائدة للمستفيد من هذه الخدمة.
أصبح التسويق بمثابة العصب في مجال المعلومات لإشباع الحاجات من خلال المزيج المتكامل من الخدمات التي تقدمها المكتبة المتخصصة ومسؤوليتها في إشباع الرغبات والحاجات المتطورة والمتغيرة للمستفيدين، والتي تعد المسوغ الاقتصادي والاجتماعي المجدي لوجود المكتبة المتخصصة على افتراض أن الاهتمام بالزائر أو الباحث أو المستفيد هو أصل ومبرر قيام النشاط ذاته.
يمكن أن يتضمن النشاط ثلاث مهام رئيسية في ظل الإدارة الذكية للمكتبة المتخصصة:
• الحاجات والرغبات: تعد الرغبة والحاجة لخدمات المعلومات هي نقطة البدء في النشاط التسويقي المتزايد للمكتبة المتخصصة كما تعد الرغبة في تقديم خدمات المعلومات بمنزلة السبيل لاختيار الوسيلة اللازمة لإشباع هذه الرغبات، لذا فالقائمون على المكتبة المتخصصة لا يقومون بتنمية الحاجات وتوليدها فقط بل يقومون أيضاً بإشباع الرغبات وتوجيهها والتأثير في القرارات الخاصة باختيار نوع الخدمة المعلوماتية اللازمة حيث تتحقق قيمة الخدمة وفقاً لقدرتها على إشباع رغبات معينة ومنافع مباشرة في ذات الوقت لدى المستفيدين. إن المعلومات هي شريان العملية التسويقية فكيف يتم إشباع حاجات المستفيد دون أن يكون معروفاً للقائمين على المكتبة المتخصصة ما هي المهمة التسويقية مع دراسة دوافع المستفيد.
• تبادل المنافع: تعد عملية التبادل هي لب قضية التسويق فعلى مقدم الخدمة أن يعطي للمستفيد شيئاً ذا قيمة بالنسبة له مقابل شيء ذي قيمة بالنسبة للمكتبة المتخصصة ألا وهو مزيد من إقبال المستفيدين والازدهار في العمل ومزيد من الإقبال على طلب الخدمة.
• العرض والطلب: تعد الموائمة بين العرض والطلب على خدمات المعلومات ضرورة يطلبها مجتمع المستفيدين، لذا فمن المهم التنبؤ بحجم الطلب في الأجلين القصير والطويل في إطار الإدارة الذكية للمكتبة المتخصصة.

جودة الخدمة المعلوماتية:
أصبحت الجودة الشاملة في مجال المكتبات والمعلومات ذات علاقة وطيدة بمفهوم التخطيط الاستراتيجي والإدارة الذكية للمكتبات. تتضمن الجودة الشاملة مجموعة من القواعد الإدارية المنظومية الذكية يرافقها حشد من الآليات تهدف في مجملها إلى إعطاء المستفيدين أعلى جودة للخدمة المعلوماتية، في الوقت المناسب تماماً، وتكون الخدمة المعلوماتية أساساً خالية نقية من الأخطاء أو السلبيات، وبناء على هذا المفهوم يمكن توصيف جودة الخدمة المعلوماتية بأنها الملائمة الدقيقة لغرض الاستخدام، والتي تتميز بالتوجه نحو المستفيدين ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال تجنب الخطأ أو السلبية بدلاً من اكتشاف أو مداراة القصور أي الحصول والوصول للخدمة المعلوماتية الصحيحة من المرة الأولى أو بتحريك بؤرة المراقبة من نقطة خارج الأفراد القائمين على الخدمة إلى نقطة داخلهم نابعة من ذواتهم، أو بجعل كل من العاملين في نطاق المكتبة المتخصصة رقيباً ذاتيا على أدائه وأن يكون معنياً فكراً وعملاً بضرورة الجودة، أو بتنمية فكر وشعور بأن كل متردد على المكتبة المتخصصة له شخص معاون من مسؤولي المكتبة يسدي له الخدمة المعلوماتية أو النصح أو المشورة.
تتطلب إدارة الجودة الشاملة استخدام آليات متعددة بعضها معقد تحتاج تدريباً فكل خطوة في كل عملية مخصصة لدورها لتعطي أعلى فاعلية وكفاءة متوقعة وبأقل تكلفة وأفضل ملائمة، كما تهتم أيضاً وفي المكتبات المتخصصة على وجه الخصوص بتغيير المعتقدات الرئيسية والقيم الثقافية السائدة في عمل المكتبة سواء كان ذلك في تحضير وإعداد الخدمات المعلوماتية أو في النشاط المباشر مع المستفيدين والتوجه نحو المثالية في الأداء والعطاء بصورة صحيحة من المرة الأولى على أساس أن جودة الخدمة هو الأمر الذي يمكن أن يميز المكتبة المتخصصة عن منافسيها من المكتبات المماثلة.
تعد الاستجابة السريعة من سمات الإدارة الذكية للجودة الشاملة والتي توضح بدورها عمق التعاون والتجانس بين الأقسام المختلفة في المكتبة المتخصصة، وتخلق الإدارة الذكية للجودة الشاملة وتكرس تلقائياً إتباع أسلوب التخطيط الاستراتيجي لأنها تلعب دوراً مهماً في صياغة الإستراتيجية.

ماذا نحن فاعلون؟
ختاماً لعله من المفيد حشد الرأي لتهيئة الفكر لضرورة قيام حوار مستفيض حول الإدارة الذكية للمكتبات المتخصصة يعبر في الوقت ذاته عن الرؤية المستقبلية التي ستحكم وتقود وتوجه نظم المعلومات العلمية بشقيها المفتوح والمتاح للجميع والآخر المحظور والمحكوم بحقوق الملكية الفكرية. يحمل المستقبل فرصاً كثيرة أمام المكتبات المتخصصة وللقائمين عليها فمن المهم إعادة تقييم وجهات النظر القديمة للخروج بفكر جديد، فلم يعد هناك مجال للاعتذارات عن بطء أو إفلاس الخدمة المعلوماتية، فلا مناص سوى تنفيذ الفكر الجديد المعتمد على الإدارة الذكية.
لا يعني أن جودة الخدمة ووفرتها وانسيابها تمثل التحقيق الكامل لهدف ولنشاط المكتبة المتخصصة بل من الضروري أن تتوافر أيضاً مجموعة من الأنشطة التي توجه تدفق الخدمة المعلوماتية من المكتبة المتخصصة إلى المستفيد، حيث يقوم تسويق خدمات المعلومات على دراسة رغبات المستفيدين وإشباعها بالطريقة المناسبة في إطار فلسفة عامة يقوم عليها ويستند إليها هذا النشاط. تتلخص فلسفة العمل التسويقي للخدمات المعلوماتية في بحث إمكانيات الاستخدام الأمثل للخدمات المتاحة بعد التعرف عليها وضمان وصولها للمستفيد في الوقت المناسب، وبالصورة الصحيحة من المرة الأولى وفي كل مرة، ومن ثم خدمة الطلب المقدم من المستفيد وبالتحقيق الفعلي لهذا الطلب، لذلك يمكن أن يصير تسويق خدمات المعلومات أكثر اتساعاً وشمولاً ليصبح التعريف متمثلاً في أوجه النشاط الإنساني الموجه لإشباع الحاجات والرغبات من خلال السعي الدءوب نحو المستفيد في موقعه.



محمد بن علي الشرعا
معيد بقسم المكتبات والمعلومات
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[email protected]

الساعات المكتبية

ت المكتبية



اليوم 10-8 12-10




الأحد 10-8 11-10




الأثنين 8 -10 12-10







حكمة الأسبوع


فى دراسة مثيرة أجريت مؤخرا على بلدان العالم المختلفة، قام بها فريق تابع لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، عن علاقة قدرات الشباب العلمية من معارف ومهارات وبين وفرة الموارد الطبيعية (نفط وماس وغيرها).


أثبتت الدراسة ان:-


  1. البلدان التى لا تتمتع بموارد طبيعية كبيرة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفنلندا وسنغافورة، حقق طلابها اعلى الدرجات فى المعارفوالمهارات حيث يتوفر الحافز لشحذ همتهم واستنفارهم.

  2. البلدان الغنيه بالموارد الطبيعية مثل قطر وقازاخستان، حاز طلابها ادنى الدرجات حيث لا يتوفر الدافع القوى للتفوق.

  3. البلدان محدودة الموارد نسبيا مثل لبنان والأردن وتركيا كانت نتائج طلابها أفضل من طلاب البلدان ذات الموارد المرتفعة نسبيا مثل السعودية والكويت وعمان والبحرين.

  4. بعض البلدان الغنية بالموارد مثل كندا والنرويج واستراليا حصل طلابها على درجات عالية، وذلك لان تلك البلاد وضعت سياسات متوازنة لادخار واستثمار عوائد هذه الموارد ولم تكتف باستهلاكها.


الخلاصة

  1. أنك إذا أردت أن تتعرف على مستقبل أى بلد فى القرن الواحد والعشرين فلا تحسب احتياطياته من النفط أو الذهب،


ولكن انظر إلى مكانة مدارسه وكفاءة مدرسيه العالية وقوة مناهجه التعليمية وإيمان آبائه والتزام طلابه.


ذلك أن المعارف والمهارات هى التى ستحدد موقع كل بلد فى خريطة المستقبل.


وهو ما لابد أن يصدم كثيرين فى بلادنا ممن تصوروا أن غاية المراد أن يفوز فريق البلد القومى بكأس فى مباريات كرة القدم، أو أن يتفوق بعض أبنائه فى برنامج «ستار أكاديمى».


ــ فهل نحن نحث السير على طريق الندامة؟

- أم أننا نسير في طريق البناء والتطوير والتعمير؟.

للتواصل

كلية العلوم قسم الرياضيات

[email protected]

[email protected]

0582905323











Calculater




أرقام الاتصال

0582905323

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 97

البحوث والمحاضرات: 55

الزيارات: 25365