د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة االتاسعة

       الفصــــل الخامـــس

      الــنـقــد فــي الــقــرن الـثــالـث

          انتقل النقـد الأدبي عنـد العرب في القرن الثالث نقلة واسعة، وبدأ مرحلة جديدة يمكن أن نعدها حدا فاصلا بين حقبتين متميزتين: الأولى كان النقد فيها قائما على الملاحظات الجزئية، ومقصورا على مناسبات أو تداعيات تثير بعض مسائله، وتعرض شيئا من قضاياه..، وهذه المرحلة تشمل في تقديرنا صور النقد الذي أثر عن العرب قبل القرن الثالث، أما المرحلة الأخرى فتشمل الإضافات النقدية التي أسهم بها النقاد العرب بدءا من القرن الثالث وما تلاه من القرون، وفيها بدأ البحث في النقد الأدبي يأخذ طابعا جديدا أهم ملامحه: البحث المنظم، ووضع المؤلفات التي تعالج النقد الأدبي بصورة أكثر تمحيصا وأكثر تعمقا.

        ففي القرن الثالث ظهرت بواكير المؤلفات النقدية كما سنرى، وبدأ النقد الأدبي يتميز بحسبانه علما أو مبحثا مستقلا، وإن كان في بداية أمره قد اختلط لدى بعض العلماء منذ البداية بالدراسات البلاغية، ثم اتخذ كل منهما مسارا مستقلا منذ القرن الرابع الهجري.

     وحـــتى لا تتشعب بـنا القضــايا، ويطول تناولـنا للظواهر سنجعل


استعراضنا لصور النقد الأدبي عند العرب وأحواله العامة في القرن الثالث منصبا على التعريف بجهود بعض الأعلام الذين خلفوا تراثا نقديا لــه قيمته، وآراءً لهـا تميزها وتأثيرهـا، ونعتقـد أن من بين النقاد الذين عاشوا في القرن الثالث وتركوا بصمات واضحة في ساحة البحث النقــدي كلا من: ابن سلام الجمحي، وأبي عثمان الجاحظ، وابن قتيبة، وسنعرض لكل علم من هؤلاء بشيء من التفصيل، ولا ينبغي أن يغيب عن وعي القاريء الحصيف أن هؤلاء الذين نعرض لهم ليسوا وحدهم الذين عالجوا البحث في النقد الأدبي في هذا القرن، أو تركوا مؤلفات تعرض لمباحث نقدية، فهناك غيرهم من أمثال: الأصمعي، والمبرد صاحب الكامل، وابن المعتز صاحب كتاب البديع وغيرهم، ولكنا آثرنا الاقتصار على الثلاثة الأول لأهمية الدور الذي أداه كل منهم، وعظم الإضافة التي أسدوها للبحث النقدي.

ابن سلام وتراثه النقدي:

ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

         ولد أبو عبد الله  محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم مولى قدامة بن مظعون الجمحى في حدود سنة أربعين ومائة للهجرة ومن ثم تكون المرحلة التى نشأ فيها ابن سلام وتطلع إلى طلب العلم كانت حافلة بالعـلــماء والـرواة الذين أُخــذ عـنهــم معظـم الـتراث الفكري للمدرسة

     

      البصرية وهذا يفيدنا في تقويم الأثر الذي أحدثه كتاب طبقات الشعراء  لابن سلام الذي جمع فيه آراء علماء البصرة حتى عصره في مختلف قضايا الأدب والنقد كما سنشرح بالتفصيل.

         قضى ابن سلام معظم حياته في البصرة ثم قدم بغداد في سنة اثنين وعشرين ومائتين ، يقول البغدادى: " وقدم بغداد فأقام بها إلى حين وفاته ".

          ونأخذ من أخبار ابن سلام أنـه عُــمِّـر أكثر من تسعين عاما وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين أو اثنتين وثلاثين ومائتين على خلاف بين العلماء في ذلك وكانت وفاته ببغداد وقيل بالبصرة .

     مـــؤلفاتــــه:

     ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

         أوردت المصادر التى ترجمت لابن سلام أسماء بعض المصنفات التى وضعها ولعل ـ أهمها هو كتاب طبقات الشعراء الذي نعتقد أنه السبب المهم في بقاء ذكره واهتمام العلماء به في مختلف العصور. وذكر له ياقوت في معجمه كتابا آخر بعنوان.  (غريب القرآن)  وعد له صاحب الفهرست من الكتب: كتاب الفاضل فى ملح الأخبار والأشعار،  كتاب بيوتات العرب، كتاب طبقات الشعراء الجاهليين كتاب طبقات الشعراء الاسلاميين. 


        ولم يصلنا من مؤلفات ابن سلام سوى كتاب " طبقات الشعراءوهو الذي نصّت معظم المصادر على أن ابن سلام ألف كتابا بذلك العنوان وصاحب الفهرست نص على أنهما كتابان أحدهما في طبقات الجاهليين والآخر في طبقات الإسلاميين . غير أن الكتاب الذي بين أيدينا الآن كتاب واحد يشتمل على الطبقتين جميعا  وقد اعتمدنا في دراستنا على النص الذي حققه الأستاذ محمود محمد شاكر وأخرجه بعنوان " " "  طبقات فحول الشعراءوهو يضم شعراء الجاهلية والاسلام، وسواء أكان ابن سلام ألف كتابين منفصلين في طبقات الشعراء أم كتابا واحدا فاننا نرى منهجه في ترتيب الطائفتين واحدا لااختلاف فيه ولا تغيير، سوى أنه أفاض في الجانب الذى ذكر فيه طبقات  الجاهلين وأدلى بمعظم آرائه النقدية وعندما أخذ في ذكر طبقات فحول الإسلامين لم يضف شيئا ذا بال في مجال النقد، ولذا جعل يشغل قارئه  بأخبارالشعراء الإسلاميين  والأحداث التى وقعت لهم، وكأنه كان قد استراح إلى أن ما يريد أن يقرره من مبادىء قد ثبت في الأذهان من حديثه عن الجاهليين وتعليله للموضع الذي وضع فيه كل شاعر منهم

                                 *  *  *


         يتمثل التراث النقدي لابن سلام في الآراء التى نثرها في ثنايا كتابه  " طبقات الشعراءوفيما عدا ذلك لا نكاد نجد لابن سلام آراء نقدية في المصادر الأدبية الأخرى وقد أورد صاحب الأغاني وكذا صاحب الموشح بعض التعليقات النقدية لابن سلام الا أن معظمها مذكور في كتاب الطبقات ؛ ومن ثم فإن حديثا عن تراث ابن سلام النقدي سيكون محصورا في دراسة كتابه الطبقات وسنتعرف من خلال ذلك الكتاب على مكانة ابن سلام في النقد وأثره في الفكر النقدي عند العرب  وستكون دراستنا لكتاب " طبقات الشعراء " ومكانة ابن سلام في النقد بصفة عامة موزعة على الجزئيات التالية:

      1)  تحليل مقدمة طبقات الشعراء وبيان أهميتها وتقويم ما فيها من آراء في الأدب والنقد.

      2)  منهج ابن سلام في ترتيب الطبقات والملاحظات العامة عليه والمقاييس النقدية التى استند اليها في مؤلفه .

      3)  مآخذ الباحثين المحدثين على كتاب ابن سلام وموقفنا منها .

      أولا مقدمة طبقات الشعراء:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

           صدَّر ابن سلام كتابه بمقدمة تعد غاية في الأهمية اذ تصور الفكر النقدى لابن سلام وتوضح الأبعاد الحقيقية للأثر الذى أحدثه في دراسة


      الأدب العربي والمفاهيم التى أرساها لمن بعده من العلماء والباحثين . ولعل القيمة الكبرى لمقدمة الطبقات - من وجهة نظرنا - ترجع إلى أن ابن سلام عبر فيها عن آرائه الذاتية ووجهة نظره المستقلة ولم يكن يكن فيها ناقلا أو راويا لآراء غيره من العلماء كما هو الحال في كثير من الأحكام التى ساقها في صلب كتابه ، كما أن مقدمة الطبقات تسجل لابن سلام سبقه إلى اثارة العديد من القضايا التى لم يعرض لها أحد من العلماء قبله والتى استأنس بها معظم الدارسين للأدب ونقده من بعده.  وكان ابن سلام في مقدمة الطبقات أول كاتب عربي يعرض للتراث الأدبى وتكون له نظرات عامة فيه فهو أول من حاول أن يضع لنا تصورا موجزا عن حياة الشعر القديم وتاريخه وبدايته ونزعات الشعراء واهتماماتهم، وتنقل الشعر في القبائل العربية، وتأثير البيئات المختلفة في الشعر قوة وضعفا.  هذا بالاضافة إلى القضية الرئيسية التى تتعرض لها المقدمة وهى قضية تحقيق التراث الشعرى وبحث ظاهرة الافتعال في الشعر القديم مع تتبع العوامل المؤثرة فيها والأبواب التى دخل الاضطراب في التراث الشعرى من خلالها .

           بدأ ابن سلام مقدمته فأثار قضية افتعال الشعر ولاحظ أن هناك أشعارا تروى وتنسب إلى القــدماء لا خـير فيها  ولا فائـدة مـن تداولها


      وأشار في ثنايا كلامه إلى أنه يدرك القيمة الحقيقية للأثر الشعرى وهى القيمة الفنية التى يصبح الشعر بدونها عديم الفائدة ولا يستأهل أن يروى أو يتداول  يقول ابن سلام :

         " وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف " .

          ويوضح ابن سلام أن السبب في شيوع هذا النوع من الشعر المصنوع أن الناس يتسامحون في قبول الأشعار عن غير أهل البادية وأنهم لا يعرضونها على العلماء بالشعر، ولعله بذلك ينبه  على الأسس القويمة للتحقق من التراث الشعرى والتثبت من نسبته إلى قائليه فان أخذ الشعر عن أهل البادية ضمان أكيد لصحته وعرضه على العلماء به كفيل بتمييز صحيحه من سقيمه، يقول ابن سلام عن الشعر الموضوع: " وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية ولم يعرضوه على العلماء ، وليس لأحد اذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شىء منـه أن يقبل من صحيفة أو يروى عن صُحفى  ".

          ويستطرد ابن سلام فيقرر أن تمييز الجيد من الردىء في الشعر صناعـة لـها حذاقها والبصراء بها مثَـلها مــثَـل غيرها من الصناعات


      والخبرات، ويعد ابن سلام أول من أوضح هذه القضية وشرحها شرحا وافيا، وأفاض في التدليل عليها وذكر الأمثلة التى تقررها في الأذهان يقول:

         " وللــشعر صناعة وثقافة يعـرفهـا أهل العـــــلم كسائر أصناف العلم.  والصناعات منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت  لا يعرف بصفة ولاوزن دون المعاينة من يبصره، ومن ذلك الجهبذة  بالدينار والدرهم لا تعرف جودتها بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة.. ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرعها..، وكذلك بَصَر الرقيق فتوصف الجارية فيقال ناصعة اللون، نقـــية الثغر، حسنة العين والأنف،  جيدة النهود، ظريفة اللسان.. فتكون في هذه الصفة بمئة دينار وبمئتى دينار،  وتكون أخرى بألف دينار وأكثر!! لايجد واصفها مزيدا على هذه الصفة. ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء: إنه لنديُّ الصوت والحلق، طلّ الصوت، طويل النفس مصيب اللحن، ويوصف الآخر بهذه الصفة وبينهما بون بعيد يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له بلا صفة ينتهى اليها ولا علم يوقف عليه، وإن كثرة المدارسة لتعدى على العلم به فكذلك الشعر يعرفه أهل العلم ".


         ولعلنا نستفيد من مقالة ابن سلام هذه أنه يؤكد على ضرورة صدور النقد عن خبرة ودراسة بأصول الفن الشعري ومقومات الإجادة فيه كما أنه يشير إلى أن للمدارسة والاكتساب قيمة كبرى في تنمية الملكة النقدية وإثرائها، وهنا ندرك أننا نعيش مع المفاهيم النقدية الحديثة ونقترب منها في ذلك الجزء المهم من مقدمة الطبقات.

          ويؤكد ابن سلام ما ذكره عن معرفة أهل العلم بالأصيل والزائف من الأشعار من ناحية، والجيد والردىء فيها من ناحية أخرى بهاتين الحكايتين عن خلف الأحمر يقول:  قال خلاد بن يزيد الباهلى لخلف بن حيان بن محرز - وكان حسن العلم بالشعر يرويه - ويقوله بأى شىء ترد هذه الأشعار التى تروى قال له: هل فيها ما تعلم انت انه موضوع لاخيرفيه  قال: نعم  قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك  قال: نعم  قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.

          وقال قائل لخلف:  إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالى ما قلت فيه أنت وأصحابك  !. قال له: اذا أخذت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف انه ردىء هل ينفعك استحسانك له ؟

          وابن سلام كان عميق النظر سليم الاستدلال والاستنتاج حينما بحث ظاهرة الافتعال في الشعر العربي وتتبع مظاهرها المختلفة وخلص من


     ذلك إلى حصر أسبابها وبيان عوامل الوضع ودوافعه وهى  ثلاثة عوامل أساسية :

      أولها: المؤرخون وعلماء السير: وهؤلاء وضعوا الأشعار أو أثبتوها دون تروٍّ  أو رواية صحيحة وذلك بقصد إضفاء شىء من الحقيقة على ما يوردونه من أخبار وتواريخ، وقد حمل ابن سلام في هذا الجانب حملة شديدة على محمد بن اسحاق بن يسار أقدم من كتب في السير والمغازى  والذي رُوى عنه القدر الأكبر من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم ومغازيه وأخبار العرب الأقدميين.

          يقول ابن سلام:  " وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منهمحمد بن اسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، فقبل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول لا علم لى بالشعر أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشــعارا كثيرة ولــيس بشعر انما هو كلام مؤلف معقود بقواف ".

          ولم يترك ابن سلام ذلك الشعر الذي أورده ابن اسحاق فأقام الحجج على بطلانه وفساده من الوجوه التالية:

      1 - أن هــــذه الأمــم االبائــدة التى نسب ابن اسحاق اليها الأشعار قــد


       انقطعت أخبارها عنا ولم يصلنا منهم شىء.  يقول ابن سلام ناعيا على ابن اسحاق " أفلا يرجع إلى نفسه  فيقول: من حمل هذا الشعر  ومن أداه منذ آلاف السنين والله تبارك وتعالى يقول:فقطع دابر القوم الذين ظلمواأى لا بقية لهم وقال أيضا:وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقىوقال في عاد: " فهل ترى لهم من باقية " ؟.

      2 - أن لغة هذه الأمم البائدة لم تكن لغة العرب الباقية التى روى بها الشعر. وينقل ابن سلام في هذا الصدد مقالتين: الأولى ليونس بن حبيب يقول فيها: " أول من تكلم بالعربية ونسى لسان أبيه ـ إسماعيل ابن إبراهيم صلوات الله عليهما.  والأخرى لأبي عمرو بن العلاء يقول فيها " ما لسان حمير وأقاصى اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتناثم يقول ابن سلام: " فكيف بما على عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه ؟؟

     3- أن الشعر العربىقريب العهد من الإسلام وهذا يدل على بطلان تلك الأشعار المنسوبه إلى الموغلين في القدم. يقول ابن سلام:ولم يكن لأوائل العرب من الشعر الا الأبيات يقولها الرجل في حادثة وانما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم ابن عبد مناف وذلك يدل على اسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع " .

         وعلى أية حال فقد كان ابن سلام أول من نبه على هذا الفساد فــــى


      رواية الشعر الذي تمثل فيما أثبته ابن اسحاق من أشعار ليس لها من ميسم الشعر سوى الوزن والتقفية وهذا دفع كتاب السير فيما بعد إلى التشكك في هذه الأشعار والحذر من اثباتها. ولعل ابن هشام قد استفاد كثيرا من ملاحظات ابن سلام فوضع نصب عينيه وهو يهذب سيرة ابن اسحاق ويختصرها أن يدع جانبا ذلك الشعر الذي ينكره أهل العلم بالشعر وروايته.  وقد أشار ابن هشام إلى ذلك صراحة في مقدمة كتابه حينما كان يضع أمام القارىء منهجه في رواية ما سيرويه من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم.

       يقول ابن هشام في افتتاحية كتابه:

           " وأنا ان شاء الله مبتدىء هذا الكتاب بذكر اسماعيل بن ابراهيم ومن وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولده وأولادهم لأصلابهم. وتارك ذكر غيرهم من ولد اسماعيل على هذه الجهة للاختصار إلى حديث سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتارك بعض ما ذكره ابن اسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شىء. وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهــــل العـــــــــلم بالشعـــر يعرفها "(سيرة ابن هشام 1/2).

         والحقيقة التى نخرج بها من تتبع الأشعار التى أوردها ابن هشام في


      سيرته هى أن ابن هشام كانت له تعليقات على بعض الأشعار التى أثبتها من رواية ابن اسحاق من حيث صحة روايتها أو نسبتها إلى قائليها حتى أشعار الاسلاميين التى قيلت في الغزوات ، ففي الأشعار التى قيلت في غزوة حنين يورد ابن هشام قول ابن اسحاق :"  ولما هزم الله المشركين من أهل حنين وأمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قالت امرأة من المسلمين:

           قد غلبت خيل الله خيل اللات     والله أحــــــق بالثبات

           قال ابن هشام: " أنشدنى بعض أهل العلم بالرواية للشعر:

          غلبت خيل الله خيل اللات        وخيلــه أحــق بالثبات "

     ومن الأشعار التى قيلت في غزوة أحد يقول ابن اسحاق:

     وقال على ابن أبي طالب رضى الله عنه _ قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين يوم أحد غير علىّ  على ما ذكر لى بعض أهل العلم بالشعر ولم أر أحدا يعرفها لعلى رضى الله عنه.

          لاهم إن الالحارث بن الصمه      كان وفـــــيا بـــنا ذا ذمــه

          أقــــبـل في مهــامه مهمــــــه      كلـــيـلـة ظلـــمـاء مـدلهمـه

         بين سيوف ورمــــاح جــمــه       يبغي رسول الله فيما ثمه

     وهكذا نرى ابن سلام يعالج ظاهرة الافتعال في الشعر العربي القديم، وينبه على ما في الأشعار المتداولة من زيف، ويبذل جهدا غير مسبوق في معالجة هذه الظاهرة.


      ثانيا: وضع الشعر للتكثر والافتخار:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

     لاحظ ابن سلام كذلك في مقدمة الطبقات أن من بواعث وضع الشعر على العرب الأقدمين رغبة بعض القبائل في تكثير موروثها الشعري لمطاولة القبائل الأخرى التي كان لها في الحقيقة شعر كثير، يقول ابن سلام:

          " وكان الشعر في الجاهلية ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون... قال عمر بن الخطاب: (كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه) .  فـجاء الإسلام فتشاغـلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدَّون، ولا كتاب مكتوب، وألفَوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير ".

            يقول ابن سلام: فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقـالــوا على ألسن شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار ".

    


         ثالثا: تزيد الرواة:

         ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

          وهو مدخل من مداخل اضطراب رواية الشعر القديم وانتحاله، وقد ميز ابن سلام بين نوعين من وضع الرواة: أحدهما خفيّ لا يدركه إلا من له دراية واسعة بالشعر القديم واتساع في روايته، وهذا النوع هو الذي يضعه الأعراب من أهل البادية كالذي حكوه عن داود بن متمم بن نويرة وغيره، يقول ابن سلام:

           " وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الإشكال " ثم يؤكد ابن سلام ذلك بقوله: "... أخبرني أبو عبيدة أن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة.. فأتيته أنا وابن نوح العطاردي فسألناه عن شعر أبيه متمم وقمنا له بحاجته، وكـفـيـنـاه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعلـه ".

          أمـا النوع الآخر فهو ما وضعه الرواة المحترفون في عصر التدوين


       من أمثال حماد الراوية وخلف الأحمر وخلاد وجناد وأضرابهم، وهؤلاء كانوا يقصدون إظهار المقدرة على محاكاة القدماء، ويهدفون إلى التكثر بما عندهم من الشعر القديم.

           وهكذا يرسم ابن سلام تصورا واضحا لظاهرة الانتحال محددا أسبابها ومداخلها، منبها العلماء على ضرورة الاحتياط في قبول المتداول من الشعر القديم إلا بعد عرضه على أهل الخبرة بالرواية الصحيحة، وهذه الخطوة هي أولى خطوات نقد النص وهي التي سماها الباحثون بعد ذلك " نقـد النسبة ".

      منهج ابن سلام في ترتيب الشعراء:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

          أوضح ابن سلام في مقدمة كتابه المنهج الذي سيسير عليه في ترتيبه للشعراء من حيث الجدارة والشاعرية، والطبقة التي تتناسب مع مستوى كل منهم ونتاجه، يقول في المقدمة:

            " ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين فنزلناهم منازلهم، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة وما قاله فيه العلماء ".

           سار ابن سلام على هذا المنهج ؛ فذكر من شعراء الجاهلية عشر طبقات تشتمل كل طبقة على أربعـة شعراء، ومن شعراء الإسلام مـثل


       ذلك العدد، وأفرد لأصحاب المراثي طبقة، ولشعراء القرى طبقة اشتملت على اثنين وعشرين شاعرا، ولشعراء اليهود طبقة تشتمل على ثمانية شعراء، وبذا يبلغ مجموع الشعراء الذين تناولهم في طبقاته كلها أربعة عشر ومائة شاعر (114 شاعرا).

      المقاييس النقدية في طبقات ابن سلام:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

      1- كثرة النتاج الشعري:

         ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

           وهو أهم مقاييس النقد في كتاب طبقات فحول الشعراء، وقد أخَّــر ابن سلام بسبب هذا المقياس كثيرا من الشعراء المجيدين لقلة ما بقي من أشعارهم، فقد قال وهوبصدد الحديث عن الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية: " وهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل، وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، وهم: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد، فأما طرفة فأشعر الناس واحدة وهي قوله:

               لخولة أطلال ببرقة ثهــمــد

                                       وقـفت بها أبكي وأبكي إلى الغـد

      وعبيد بن الأبرص قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب،


      لا أعرف له إلا قوله:

              أقفـر من أهــله ملحوب   فالقطبيات فالذنوب

      ولا أدري ما بعد ذلك.

     ولابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوفقهن شعر:

            ذهبت من الهجران في كل مذهب

                                     ولم يك حقا طول هذا التجنب

     والثانية:

          طحابك قلب في الحسان طروب

                                  بعـيـد الشباب عصر حان مشيب

    والثالثة:

        هل ما علمت وما استودعت مكتوم

                                   أم حبلها إذ نأتك اليوم مصـروم

   2- تعدد الأغراض الشعرية:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

           وهــو يـلـي مقياس الكثرة، وإن كان ابن سلام قدمه على الإجادة في الفن الواحد والتوفر عليه ؛ فقد قدم " كثيرا " على " جميل "، فوضع كثيرعزة في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام ووضع جميل بثينة في الطبقة السادسة وقال عنهما:


          " وكان لـ " كثير " في التشبيب نصيب وافر، و" جميل " مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب جميعا ؛ وله في فنون الشعر ما ليس لجميل، وكان جميل صادق الصبابة، وكان كثير يتقول ولم يكن عاشقا ".

     فابن سلام يقدم " كثـيـِّرًا " على الرغم من أنه يقرر أن " جميلا " يفوقه في النسيب وصدق الصبابة وأن كثيرا كان متقولا وليس عاشقا أوصادق الصبابة كجميل ولم يفعل ابن سلام ذلك إلا لأن كثيرا له في فنون الشعر ما ليس لجميل.

     3- جــودة الشعر.

       ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

        وهذا ثالث المقاييس التى رتب ابن سلام الشعراء بالنظر اليها وان كان أخَّره عن الكثرة وتعدد الأغراض ومقياس الجودة هذا مبهم في كتاب ابن سلام لأنه مقياس عام يحتاج إلى إيضاح وتمييز ؛ فقد حكم على بعض الأشعار بأنها جيدة أومحكمة ولم يوضح لنا أبعاد الجودة فيها.

          تلك هى المقاييس الرئيسية في طبقات ابن سلام وتبقى بعد ذلك عدة مقاييس أخرى نراه يستخدمها أو ينقلها عن غيره ومنها:

        1 -  ابتكــار المذهب الشعرى:

         ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

              بمعنى أن يسبق الشاعــــر إلـى اختراع تقاليد فنية في صياغته


       الشعرية يستحسنها الجمهور المتذوق وتستهوى الشعراء فينهجون نهجه وبذلك تشيع طريقته وتصير مذهبا شعريا راسخا.  يقول ابن سلام في الاحتجاج لأسبقية أمرىء القيس وهو على رأس الطبقة الأولى من فحول الــجاهلية:

        " فاحتج لامرىء القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء منها استيقاف صحبه والبكاء في الديار ورقة النسيب وقرب المأخذ وشبَّه النساء بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقيان والعصى وقيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى " .

      2 -  الجـــزالة :

       

           وهذا مقياس شائع في نقد علماء اللغة  في تلك المرحلة وقد رأيناه ضمن المقاييس التى نظر القدماء في الشعر على ضوئها ونراه هنا في طبقات ابن سلام ضمن مقومات الإجادة والحكم على الشاعر بالتفوق.  يقول ابن سلام عن النابغة:

           "  وقال من احتج للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر وأكثرهم رونق كلام وأجزلهم بيتا " .


  

       ملاحظات عامة على طبقات ابن سلام :

      ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

          من السمات والملاحظات العامة التى لاحظناها على طبقات ابن سلام ما يأتى:

      أولا:  كان ابن سلام ناقلا لكثير من الأحكام النقدية التى أصدرها على الشعراء وكان كتأثرا في ترتيبه لهم بالآراء الشائعة في بيئة البصرة بحيث يمكن أن نعد كتاب الطبقات ممثلا للاتجاه النقدى العام في بيئة البصرة حتى العصر الذي أُلّف فيه وهو بداية القرن الثالث الهجري ففي حديث ابن سلام عن الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يقول:

        " أخبرنى يونس أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر وأهل الكوفة يقدمون الأعشى وأهل الحجاز يقدمون زهيرا وأخبرنى يونس كالمتعجب أن ابن أبي اسحاق  كان يقول: أشعر أهل الجاهلية مرقش  وأشعر أهل الاسلام كثير ولم يقبل هذا القول ولم يشع. وعندما يتحدث عن أفضلية كل شاعر ممن عدهم في الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يقول:

         " فاحتج لامرىء القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنهاالعرب واتبعته فيها الشعراء "

       " وقال من احتج للنابغة كان أحسنهم ديباجة شعر واكثرهم رونق كلام


        وأجزلهم بيتا. وقال أهل النظر كان زهير أحصفهم شعرا وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح "

         " وقال أصحاب الأعشى: هو أكثرهم عروضا وأذهبهم في فنون الشعر وأكثرهم طويلة جيدة. "

       وبعد أن يورد ابن سلام آراء العلماء وأقوالهم في الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يمضى دون أن يطلعنا على رأيه هو أو وجهة نظره في الشاعر المقدم منهم ومع أنه بدأ بامرىء القيس فقد ذكر نصا فى نهاية مقدمة الطبقات يقطع بأنه لا يقدم من ابتدأ به. يقول: " وليس تبدئتنا واحدا في الكتاب نحكم له ؛ ولا بـد من مبتدأ ".

           وكان على ابن سلام ألا يطوي الحديث عن هذه الطبقة حتى يطلعنا على رأيه هو مادام قد وضح أن العلماء مختلفون حول المقدم من شعرائها.

      ثانيا: استخلص ابن سلام من استعراضه لتراث العرب الشعري جملة من الظواهر الأدبية فتحدث عنها وكان له فضل السبق إلى استنباطها والتنبيه عليها. من ذلك:

      تعليله لقلة شعر بعض الحواضر وكثرة الشعر في البادية.

      تأثر لغة الشعر بالبيئة المحيطة بالشاعر. لــذلك يقــــول ابن سلام عن 


       عدي بن زيد: كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه، وسهل منطقه ؛ فحمل عليه شعر كثير ".

    ثالثا:  لم تخل ترجماته للشعراء من الإشارة إلى ما برع فيه كل منهم من فنون الشعر.

    رابعا: لم يدخل ابن سلام في طبقاته أحدا من شعراء عصره، وهو