د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة الثانية ا

الفصل الأول

بدايات الفكر النقدي عند اليونان

مدخل:

      لليونان القدامى أثرٌ كبيرٌ في الفكر الإنساني والحضارة والمدنية على امتداد العالم القديم كله، وقد امتدت تأثيرات اليونان وريادتهم في العلوم والفنون والتشريعات إلى بقاع عديدة وشعوب كثيرة واتصلت هذه التأثيرات وتفاعلت مع الجهود الإنسانية في ميادين الفكر والحضارة لدى الرومان والعرب والأوربيين، ولا تزال بقايا هذه الأفكار التي طرحها علماء وفلاسفة اليونان في القرون السابقة على ميلاد المسيح باقيةً ومرعيةً حتى عصرنا الحاضر.

  وتأسيسا على ذلك أودُّ في هذا المدخل أن أشير الى طبيعة الأدب اليوناني وخصائصه وفنونه ليتسنى لنا أن نتابع ألوان الفكر النقدي الذي دار حوله وتتاح لنا من خلال تلك الإشارات الموجزة أن نضع فكرهم النقدي في مكانه الصحيح.

       " كان قدامى اليونان يتألفون من عدة قبائل تتفق فى أصولها وتجمعها صفات مشتركة كثيرة، ولكن يختلف مع ذلك بعضها عن بعض اختلافا غير يسير في التقاليد والنظم  الاجتماعية وكثير من شئـون الحياة. وقد ظهر هذا الاختلاف أوضح ما يكون بين مجموعتين


  منها كانا من أبرز مجموعــات القبائــل اليونانية وأعظمها أثراًفي التاريخ، وكانت نظم كلتيهما مثالا يحتذى في عدد كبير من القبائل والمدن اليونانية الأخرى، حتى لقد كانا يمثلان إلى حد كبير معظم الشعب اليوناني. إحداهما مجموعة القبائل الدورية التي كانت تسكن منطقة "لاكونيا " وقد اشتهرت بلادهم باسم عاصمتها " اسبرطة " كما اشتهروا هم أنفسهم باسم  " الاسبرطيين" وثانيتهـــما مجموعة قبائـل    "الأ كتيينوقد اشتهرت بلا دهم باسم عاصمتها  " أثيناكما اشتهروا هم أنفسهم باسم " الاثينيين " وكانت اسبرطة في معظم أدوار تاريخها خاضعة للنظم التي سنها مشرعها الشهير " ليكورغوس " في القرن التاسع قبل الميلاد، كما أن أثينا كانت خاضعة في أطول مرحلة من مراحل تاريخها القــــديم للنظم التى وضعها مشرعها وأديبها  "صولون " في القرن السادس قبل الميلاد " (1).

أدب اليونان وارتباطه بعقائدهم ونظمهم:

     تأثر الأدب اليوناني تأثرا قويا بعقائدهم وما شاع بينهم من أساطير  وما توارثوه من اعتقادات، وتدلــنا أساطــير اليونان وآدابهم أنهم كانوا

_________

 (1) الأدب اليوناني القديم. د/ علي عبد الواحد وافى ص 5،(بتصرف يسير)


  يعتقدون أن وراء الطبيعة أو الكون المرئى أربع قوى تسيطر على العالم  وتشرف على شئونه هى: القضاء، والآلهة، وأنصاف الآلهة، وأرواح الأبطال الأولين.

       أما القضاء فمفهومه لديهم القوة الغيبية المسيطرة على الآلهة  والبشر وكل ظواهر الكون،  وهى التي ترسم كل شئ  فيتحقق على وفق مشيئتها، ولا يستطيع مخـلوق أن ينقص أو يغيّر ما تقضي به تلك القوة. 

     وأما الآلهة فكان اليونانيــيــون يعتقدون فيهم أنهم يشبهون البشر في معظم صفاتهم بيد أنهم يتميزون بأمرين: الخلود ،  والقدرة على ما يعجز عنه البشر.

وكان اليونانيــيون وثنيين يزعمون أن لكل قوة من قوى الطبيعة إلها يتصرف في شئونها فللحرب إله،  وللشعر إله  وللنارإله، وللبحار إله ... وهكذا.

      وأما أنصاف الآلهة فهم في زعم اليونانيين يمثلون الحاشية أو المعاونين للآلهة.

      وأما الأبطال فهم أناس من البشر تروى عنهم الأساطير التى تصور بطولاتهم وجهودهم في الدفاع عن البلاد ورد غارات المغيرين عليها وتأسيس حضاراتها ونهضتها.


سمات الأدب اليوناني وفنونه:

________________

      يتسم الأدب اليوناني القديم بسمات مميزة تجعل منه نمطا فريدا له ملامحه الخاصة وله ارتباطه الوثيق بحياة اليونانيين وعقائدهم ومراحل تطورهم وقضايا المجتمع والإ نسان لديهم. فهو يمثل الأمة اليونانية وينبع من حاجاتها ويلبي مطالبها ويعايش مشكلاتها.

     كما أنه أدب ناضج في معظمه. لكل جنس من أجناسه قواعده ومعاييره التى تجعله متميزا عن غيره في خصائصه وغاياته، ويمكننا أن نلخص أبرزفنون الأدب اليوناني القديم التى تركت تراثا نقديا مهما يدور حولها ويضع لها الأصول والقواعد في فنين هما:

 1 - الشعر الملحمي  (الحماسي).

 2 - الشعر التمثيلي،  ويشمل لونين متميزين هما :

         ا - المأساة  (التراجيدا).

        ب - الملهاة  (الكوميديا).

أولا:  الشعر الملحمي

____________

      يمثل الشعر الملحمي عند اليونان أقدم ما لهم من فن وأعرق ما توارثوه من آثار أدبية،  وهو يتمثل في قصائد طويلة تدور حول قصة


  من قصص البطولة، وأشخاصها معرفون تاريخيا لليونان لكن الشاعر الملحمي يضفي على هؤلاء الأبطال هالات من الصفات المثالية والأعمال الخارقة التى تجعل منهم أناسا متميزيين يصلحون أمثلة عليا في البطولة والفروسية والشجاعة ونبل الخلق، ولعل الطور الذي ظهر فيه الشعر الملحمي عند اليونان كان أكثر قبولا لمثل تلك البطولات اذ تلتف حولها الشعوب في طورها البدائي حيث تشيع فيها الخرافات ويتوارى التفكير العقلي الناضج، فتستهويها أمثال تلك القصص وتلقى عندهم رواجا.

     وأشهر ما ذاع لدى اليونان ملحمتا هوميروس

          الإلياذة،  والأوديســـا.

والإلياذة  نسبة إلى " إليون " عاصمة مملكة طروادة التى كانت ميدانا للحرب بين الأثينيين والطرواديين،  وتتألف الإلياذة من نحو ستة عشر ألف بيت وتحكي جانبا محددا من حروب طروادة التى اتصلت عشر سنوات فتحكي فترة موجزة من السنة الأخيرة من سني تلك الحرب.  إذ تحكي غضب  " أخيلوس " أحد أبطال اليونان لما لحقه من إهانة على يد قائهم العام " أجا ممنون " في أثناء حصار اليونانيين لطروادة.

     وتبدأ أحداث الإليذة كما ألمحنا في السنة العاشرة والأخيرة من حصار طروادة، وسبب غضب البطل " أخيل " أن " أجاممنون " القائد


  أقدم على افتداء إحدى الأسيرات عنده بأسيرة كانت من نصيب" أخيل "

  دون رضاه، فأثار ذلك حفيظة البطل فاعتزم الانسحاب من الحرب، هو ومن معه من أتباعه، فأضعف ذلك من صفوف اليونانيين وتوالت عليهم الهزائم، بيد أن الأمور لم تدم على ذلك النحو ؛ إذ وقعت حادثة غيرت من موقف "أخيل" ؛ فقد استأذنه أحد أتباعه في المشاركة  مع جيش بلاده فأذن له، وشارك ذلك الفارس في إحدى المعارك فقتل، فحزن عليه "أخيل" حزنا شديدا، وشعر بالندم على موقفه واستسلامه للغضب من أجل الأسيرة، فتصالح مع " أجا ممنون "، وعاد الى المعركة، وشارك بقوة واستطاع أن يقتل ابن ملك طروادة وكان ذلك سببامهما في انتصار اليونانيين وهزيمة الطرواديين.

     وتمتليءالملحمة بالأحداث والبطولات والوصف ويكثر فيها الاستطراد والحوادث العارضة.

     أما الأوديسا فقد ألفت بعد الإلياذة  وموضوعها عودة "أديسيوس" أحد أبطال اليونان من حرب طروادة بعد انتهائها بعشر سنوات، وكان جميع من بقوا على قيد الحياة من أبطال اليونان وقادتهم وجندهم قد عادوا فور انتهاء المعركة الا " أديسيوساذ منعته آلهتم من مغادرة إحدى الجزر لمدة سبع سنوات. وفي أثناء تلك الحقبة كان على الجانب الآخر صراع وتنافس يدور بين أمراء جزيرة " اتاكا " في اليونان للفوز


  بزوجة أوديس التى تسمى " بينلوبولكنها كانت وفية لزوجها فظلت تتهرب منهم وتتعلل لهم مضيعة الوقت انتظارا لعودة زوجها، وعاونها ابنها الذي بذل جهودا في التجوال على العائدين من الحرب ليسألهم عن والده، وحاول المتنافسون على والدته وعلى عرش أبيه أن يمنعوه من العودة هو أيضا ولكنه نجح في النجاة من قبضتهم وفي تلك الأثناء كان أحد الآلهة قد أطلق سراح أوديس وعاونه بعض الحكام بإعطائه سفينة يبحر عليها وصادفته عوائق كثيرة حتى لقى ولده وأطلعه على ما يدور بجزيرتهم فدخلا متنكرين في زي تجار واستطاعا القضاء على الخونة من أمراء بلادهم الذين أرادوا الغدر بهم.

     والأوديسا كما رأينا تتناول جزءا محددا هو المتصل بعودة أوديسيوس والأخطار التى ألمت به والصراع الذي خاضه حتى ظفر في نهاية المطاف.

     وتعد الإلياذة  والأديسا  من أعظم ملاحم اليونان الأقدميين ومن أكثر ألوان الشعر الملحمى العالمى تأثيرا في شعراء اليونان والرومان وغيرهم ويعدها النقاد ومؤرخو الأدب الصورة المثلىللملحمة لما تحفل به من خيال وما تشتمل عليه من صراع وما تصوره من بطولة  وتلك الملامح هى أهم ما يميزها.

     وتجدر الاشارة إلى أن هذه الفنون الثلاثة التى ذكرنا خصائصها في


  إيجاز كانت تصاغ شعرا لــدى اليونان القدماء فهى من الأجناس الشعرية. ولكنها تطورت على مر العصور وبدأت في العصر الحديث تكتب نثرا وبخاصة المسرحية التراجيدية أو الكوميدية التى صارلكل منها شأن ذو بال في العصر الحديث ولعبتا دورا مهما في الاضطلاع بمهمة الاصلاح والتقويم والتوجيه وترقية الذوق.

     أما الملحمة فيبدو أن عصر رواجها قد ولَّى لأنها كانت تروج في العصور البدائية الأولى التى يتقبل فيها الناس ما يصنعه الشعراء في الملاحم من أحداث خارقة وحوادث غيبية ومغامرات غير مألوفة وهذه كلها أحداث لا تناسب عقلية الشعوب المتحضرة التى قطعت شوطا في الرقى والمدنية. 

  ثانيا:  الشعر التمثيلي :-

     بينا أن الشعر التمثيلي ينقسم الى قسمين : -

          ا - التراجيدي                 بالكوميدي

    أما التراجيديا فظهرت لدى اليونان مرتبطة بأعيادهم الدينية ومناسباتهم العديدة التي كانوا يقيمون فيها مهرجانات وأعيادا للآلهة المختلفة حسب اعتقادهم، وكان شعراءهم يتبارون في هذة المهرجانات  ويحرص النابهون من شعرائهم على المشاركة،  وكانت الأعمال المقدمة للجمهور يشاهدها عـدد مـن المحكَّمين، ويترتب علــيها إصدار


  أحكام على تلك الأعمال تحدد أجدرها وأعلاها شأنا فيحكم لصاحبها بالسبق ويمنح الجائزة المقررة لمرتبة العمل الذي قدمه، فكان لزاما على الشعراء أن يعنوا بهذه الأعمال التمثيلية ويتطلع كل منهم الى أن يحوز المركز الأول.

     وفي تاريخ الأدب اليوناني أخبار مستفيضة عن تلك الأعياد والأعمال التي قدمت في كل منها والشعراء الذين حققوا الفوز فيها. ولا ريب أن تلك المنافسة تركت أثرا كبيرا في ترقية هذا الفن المسرحي وتجويده والتفاف الجمهور حولــه.

     وتعد التراجيديا نمطا راقيا من الشعر يمثل مرحلة مزدهرة في الفكر والشعور لدى اليونان كما تمثل أرقى ما خلفوا من فنون الأدب وأعمقه وأبعده دلالة على نضجهم الفني وارتقاء حسهم النقدي وريادتهم في ميادين الأعمال الأدبية ذات الطابع الموضوعي الذي يعني فيه الأديب بفكر الأمة وأخلاقها وما تصلح به مسيرتها، ويضطرد معه رقيها وحضارتها. ومن أمارات ذلك ما وضعه نقاد اليونان وفلاسفتهم من قواعد لتلك الفنون، وما لها من وسائل عرض مسرحي لتحدث أثرها الفني في الجمهور وتتحقق به أهدافها.

     ويذكر المؤرخون للأدب اليوناني القديم أن التراجيديا قد تطورت عن صورة بدائـية هى قصائد دينـيــة كانت تنشد في تلك الأعيــاد وكان


  الجمهور يتأثر بها وهى تحكي ما وقع للآلهة من خطوب حسب ما شاع في عقائد اليونان ثم تطورت تلك الأناشيد الدينية شيئا فشيئا فظهرت الموضوعات والقطع المسرحية التي يتقمص الممثلون فيها صور الآلهة ويحاكون ما وقع لهم فيأتي ذلك التصوير المشاهد أوقع أثرا في نفوس المشاهدين، ومن هذه البدايات الساذجة نمت بذور التمثيل المسرحي حتى بلغت أوج نضجها وارتقائها في القرن الخامس قبل الميلاد (1).

     فالتراجيديا تحكي المآسي والفجائع وتصور المعاناة، وتعني بالأمور الجادة وتهدف الي غايات نبيلة تتصل في مجملها بمصير الإنسان وسلوكه وأخلاقه اذ تبين عاقبة السلوك الخير وما يصير اليه مآل الأخبار من الناس، كما تصور فضائل النفس الانسانية مثل الصبر والرضا بالقضاء، واحتمال المكروه، ومقاومة الشر، ونبذ الرذيلة، ومصاحبة الأخيار، ومجانبة الأشرار، الى غير ذلك من التوحيهات التربوية النافعة، كل ذلك تصوره التراجيديا في هيئة أحداث تتفاعل وأشخاص يتصارعون  أو قوى تتداخل لتؤثرفي مصير الأبطال، ويظل هؤلاء الأبطال  يصارعون  مصائرهم أو أعداءهم حتى يتم لهم الفوز، وتحمد لهم العاقبة. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأدب اليوناني القديم د / وافي ص 630 وما بعدها.


 

   ولا ريب أن هذا التوجه الانساني للأدب من أهم البواعث التي تساعد على تأصيل القيم السامية والأخلاق الفاضلة، وتقــاوم الضعف الإنساني، وتعدل من سلبيات السلوك ومرذول العادات.

     ولقد شمل التطور الطبيعي التراجيديا اليونانية فلم تعد مقصورة على ما يتصل بحياة الآلهة وصراعهم بل اتسعت آفاقها فصارت تعنى بتصوير حياة الأبطال وتهدف الى تأصيل القيم الانسانية عن طريق تصوير حياة أناس نبلاء بطبعهم ولكنهم تعرضوا لأخطاء ترتب عليها معاناة وصراع ومخاطر وفواجع ومن ثنايا تلك الأحداث الممثلة يطرح الشاعر رؤاه الناقدة وأهدافه النبيلة.

     وسنرى فيما نعرضه من صور النقد عند اليونان القدماء أن التراجيديا استحوذت على اهتمامهم ودار حولها جل ما لهم من عطاء في ميدان النقد اللأدبي بحسبانها في تقديرهم أسمى فنون الشعروأولاها بالعناية وأبعدها أثرا في الجمهور وأحفلها بالقيم الإنسانية وأقدرها على تحقيق  الغايات الإصلاحية والتربوية النافعة.

    أما الكوميديا أو الملهاة فقد نشأت لدى اليونان القدماء مرتبطة بالأعياد الدينية أيضا ولكنها اختطت لنفسها مسارا مختلفا، اذ كانت تلك الأعياد لا تقتصر على لون واحد من الفن المعروض للجمهور،  وإنما


  كانت تشتمل على مواقف عديدة وأيام متصلة، يتحلق الجمهور في بعضها حول الأعمال التراجيدية  المأساوية الجادة، ويلتفون في أيام أخرى في جماعات صاخبة حول الأعمال الكوميدية العابثة. ويتقمص فيها الممثلون أدوار بعض الأشخاص الهازلين. يردد كل منهم أناشيد هزلية ساخرة ينازل فيها غريمه أو منافسه ويعجب بتلك المهاوشات الجمهور فيصخب ويضحك، ثم تطورت تلك الأناشيد الهجائية الساخرة فنتجت عنها الملهاة التي يعني فيها مؤلفها برسم صورة لنموذج انساني في سلوكه اعوجاج وفي أخلاقه نقائص، يعرض هذه وتلك في اطار فكاهي هادف يستفيد منه المشاهدون ويفرغون ما لديهم من رغبة في الضحك والسخرية والتهكم دون ضرر أو إيلام ودون اثارة أحقاد شخصية أو عداوة واقعية.

     وقد قامت الكوميديا في الشعر اليوناني بدور مهم في حياتهم  وكان لها وقعها المؤثر لذا ووجهت من الحكام بالتوجس وكثيرا ما فرضوا عليها القيود وحظروا أن تعرض لتصوير بعض الفئات الحاكمة وعندما كانت تطلق لشعراء الكوميديا الحرية كانوا ينقدون رجال الحكم ويسخرون من بعضهم، ويصورون أخطاءهم وطرائقهم  في ادارة شئون البلاد، وتلك مهمة تدل على نضج الوعي السياسي لدى شعراء الكومــيديا وتصور ما بلغه اليونان القدامى من سبق، وما نعموا به من


  حرية التعبير، وما تحلوا به من جرأة، وما حققوه لمجتمعاتهم من ديمقراطية.

     وعلى الرغم من أن مكانةالتراجيديا فى نظر نقاد اليونان أرفع وأسمى من  الكوميديا فأن للكوميديا فضل الريادة في نشأة النقد الأدبي عندهم إذ يؤكد الباحثون أن بدايات  الفكر النقدي عند اليونان تعود الي مسرحية " الضفادع" لأرستوفانيس رائد الفن الكوميدي عندهم كما سيتضح لنا من استعراض مسيرة النقد عندهم في الفقرة التالية.

ملامح النقد اليوناني وأبرز نظرياته:

----------------------

     كان الأدب لدى اليونانيين القدامى  مزدهرا شأنه شأن غيره من نتاجهم الفكري والفني  واستتبع ذلك نهضة نقدية تساير هذا النتاج الأدبى وتضع له المعايير وتضبط له القواعد والأسس. وكان الجنس الغالب على الأدب عندهم هو الشعر التمثيلى والملحمى ثم الخطابة  وكان أدبهم في نشأته وتطوره مرتبطا بعقائده ومثالياتهم ومواضعاتهم الفكرية والاجتماعية، ومعبرا عن مرئياتهم وما تضطرب حياتهم وتطمع اليه نفوسهم ويتحرك معه وجدانهم.

      ومن دلائل نضج الحياة الفكرية لدى اليونان القدامى أن النقد عندهم دعا منذ بواكــــير ظهوره أن تستهدف الأعمال الأدبية ترقيـــــة مستوى


  الأفراد خلقيا وسلوكيا، كما قرر نقادهم أن العمل الأدبى يقوم بمقدار ما فيه من تأثيرات على عقول الناس ومشاعرهم، واصلاح ما يشوب طبائعهم من طيش أو جشع أو تهور أو غير ذلك من النقائص المعيبة، كما استهدف النقد في العمل الأدبى أن يعنى برسم صورة محببة للشخصية السوية التى تتصف بالنبل والمروءة والصدق والسخاء وغيرها من كريم الشيم والخصال المحمودة.

     وضع فلاسفة اليونان الكبار: سقراط وافلاطون وأرسطو أسسا لها أهميتها للنقد الأدبي، وترك أرسطو بصفة خاصة نظريات في نقد الشعر والخطابة ظلت قروننا عديدة لها سطوتها وتأثيرها على الفكر النقدي العالمى، بل إن تأثيرها لا يزال ممتدا حتى عصرنا الحاضر.

    ويهمنا في هذا الفصل أن نعطى تصورا وجيزا عن معالم تلك النظريات التى وضعها فلاسفة اليونان للنقد الأدبى  ففيها يتمثل جهد اليونان عموما وسبقهم في ميدان الفكر النقدي المؤصل.

      بدأت المحاولات الأولى للنقد عند اليونان الأقدمين في القرن الرابع قبل الميلاد ويربط المؤرخون للنقد اليونانى بداية الفكر النقدى عندهم بمسرحية " الضفادعلأرستوفانيس والتى يسخر فيها من شاعر المآسي " يوربيدس  "  فيصور أرستوفانيس في مسرحيته رحلة خيالية للعالم الآخر يقوم فيها إله الشعر عند اليونان بإعادة يوربيدس إلى الحياة


  ـ وكان قد مات قبل ظهور مسرحية الضفادع ـ  ويقيم مناظرة أدبية بينه وبين شاعر آخر من شعراء اليونان القدماء هو " اسخيلوس ".

     ومن خلال تلك المناظرة الخيالية في هيكلها تظهر أراء لها قيمتها في تقدير أعمال " اسخيلوس " ذات الطابع الملتزم بالفضائل المرعية لدى اليونان في حين تتكشف عيوب " يوربيدس " في هدم مبادىء الإعتقادات اليونانية وتصوير أبطاله في صورة مشوهة في <