د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة السابعة ا

                         الفصل الثالث

                 النقد في القرن الأول الهجـري  

عـندما صدع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه وتسامع العرب بدعوته وسارت بأحاديثه الركبان ــ تركت هذه الأحداث آثارا هائلة في وجدان العرب وهزت فكرهم من الأعماق هزا غير رفيق ؛ إذ رأوا ما كانوا يؤمنون به ويصدرون في اعتقادهم عنه ينهار من أساسه ويتهاوى أمام المباديء التي جاء بها الإسلام وكان العقلاء منهم والحنفاء يتحرقون شوقا إليها ويرتقبون بزوغ أنوارها من دياجير الجهل وظلمات الأباطيل والأوهام.

    كانت تلك الأحداث الكبرى مستحوذة على اهتمام العرب في المرحلة التى صاحبت ظهور الدعوة إلى أن كتب الله لها السيادة ومكن لها في الأرض وأظلت رايتها الجزيرة العربية كلها في حقبة يسيرة من الزمن فأحدثت تحولا جذريا في حياة العرب، شمل عقائدهم، وجوانب حياتهم كلها.

    ومن البدهي  أن تقـلل هذه الأحداث من عناية العرب واهتمامهم بأمر الشعر ونقده ومع ذلك فلسنا نقطع بأن العرب في هذه المرحلة قد أهـمـلـوا الشعر والنقد كلية اذ أن دعوة الإسلام ذاتها كانت مثارا لحركة


شعرية صاحبت الدعوة في بعض مراحلها وكان الشعر فيها أحد الأسلحة التى لجأ اليها المتخاصمون ثقة منهم بفعاليتها البالغة وأثرها العميق في نفوس العرب جميعا.. وأكثر من ذلك هناك ما يشير إلى أن فريقا من العرب قبع بعيداً عن تلك الأحداث وكانت حياة هؤلاء وعوائدهم استمرارا لحياة عرب  ما قبل الإسلام. ففي الخبر الذي رواه صاحب الأغانى حول التقاء عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وعبدة بن الطيب. وتحاكمهم إلى ربيعة بن حذار والذي نقلناه منذ قليل ـ في هذا الخبر نص على أن ذلك اللقاء كان بعد مبعث النبى صلى الله عليه وسلم وقبل أن يسلم هؤلاء الشعراء، فان صحت هذه الرواية فهى دليل على اطراد الاهتمام بالشعر والنظر فيه بين طائفة من العرب كانت في عزلة عن أحداث تلك المرحلة.

طابع النقد في عصر صدر الاسلام:

    أصبح النقد في عصر صدر الإسلام يصطبغ بصبغة جديدة  ويصدر عن المبادىء التى أرساها الدين الحنيف فأصبحت معايير الشعر الجيد تتمثل في أن يكون متمشيا مع مبادىء الاسلام وملتزما بالنهج الذي أرساه وأقام دعائمه، وعلى هذا الأساس نفسر الروايات التى تناقــلتها كتب الأدب حــــول إعجاب الرسول صلى الله عليه وسلم


وكبار الصحابة بالأشعار التى تدور في فلك العقيدة السمحة وتلتزم بالإطار الخلقى لها.

   روى صاحب العقد الفريد قال:

  " سمع النبى صلى الله عليه وسلم عائشة وهى تنشد شعر زهير بن جناب تقول:

        ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه

                                 يوما فتدركه عواقب ما جــنى

        يجزيك أو يثنى عليك وان مــن

                                 أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

     فقال النبى صلى الله عليه وسلم صدق ياعائشة لا شكر الله من لا يشكر الناس وروى صاحب الأغاني بسنده عن عبد الله بن أنيس عن أمه وهى بنت كعب بن مالك:

  " أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج عليه وهو فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينشد فلما رآه كأنه انقبض فقال: ما كنتم فيه ـ فقال كعب: كنت أنشد. فقال رسول الله صلى الله عليو وسلم فأنشد فأنشد حتى أتى على قوله:

              * مُقاتَلُنا عن جذمنا كل فخمة *

  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقل عن جذمنا ولكن قل:   


" مقاتلنا عن ديننا ". "  وجاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك يارسول الله ـ قال: نعم فأنشده:

    تركت القيان وعزف القيان        وأدمنت تصــــــلية وابتهـــالا

    وكرى المشقّر في حومـــــة        وشنِّى على المشركين القتالا

    فيارب لا أغبنن صفقتـــــى        فقد بعت مالى وأهلى بـــدالا

  فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ربح البيع ! ربح البيع !.

  وروى ابن سلام في طبقاته وهويترجم لعبد بنى الحساس قال:

   وأنشد عمر بن الخطاب قوله:

         عميرة ودع ان تجهزت غاديا

                              كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

   فقال: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه..فلما قال:

       فبات وسادانا إلى علــــجانة      وحقف تهاداه الرياح تهاديا

       وهبت شمالا آخر الليل قرة      ولا ثوب الا درعها وردائيا

       فما زال بردى طيبا من ثيابها  

                                  إلى الحول حتى أنهج البرد باليا

فقال له عمر: " ويلك أنك مقتول " !! (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات فحول الشعراء / 156.


     ولا ينبغى أن نفهم من هذه الرويات أن العرب في عصر صدر الإسلام لم يكونوا ـ يتعلقون من الشعر الا بالمضمون المؤيد لعقيدتهم الناشئة ؛ ذلك بأن القوم كانوا عربا فصحاء وكانت أذواقهم التى فطروا عليها تؤهلهم لإدراك المقومات الحقيقية للشعر الجيد والتمييز بين الغث والثمين. وقصارى ما تدل عليه هذه الروايات  ـ حسب اعتقادنا ـ هو أن تثبيت دعائم الدين الجديد وغرس مبادئه في نفوس العرب كان الشغل الشاغل للرسول صلى الله عليه وسلم وكبار صحابته في ذلك العصر فالتمسوا لها كافة الوسائل وحرصوا على تنميتها في المجالات المختلفة. ودليلنا على ذلك ما تناقلته كتب الأدب من إعجاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه بشعر زهير بن أبى سلمى وتعليله لهذا الإعجاب بما يدل على إدراكه لمقومات الإجادة والشاعرية. أورد صاحب الأغانى عن ابن عباس قال:

     " خرجت مع عمر في أول غزوة غزاها فـقـال لى ذات ليلة: ياابن عباس أنشدنى لشاعر الشعراء قلت من هو ياأمــير المؤمنين ؟ قال: ابن أبى سلمى. قلت : وبما صار كذلك ؟ قال: لأنه لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل من المنطق ولا يقول الا ما يعرف  ولا يمدح الرجل الا بما يكون فيه. أليس الذي يقول:

    اذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية

                                من المجد من يسبق اليها يسود


    ســبقت اليها كل طــلق مــــبرز

                                سبوق إلى الغايات غير مــزنـد

   كفعل جواد يسبق الخيل عفــــوه

                                السراع وان يجهد ويجهدن يبعد

  ولو كان حمد يخلد الناس لم تمت

                                ولكن حمد الناس ليس بمخـــلـد

أنــــشـدنى لــــه فأنشدتـــه حتى برق الفجر فقال حسبك الآن اقرأ القرآن " (1).

  فهذه الرواية تفيد أن عمر رضى الله عنه صدر في حكمه على شعر زهير عن ظواهر موضوعية معروفة في ذلك الشعر ؛ وهى ظواهر فنية تتعلق بالشعر من جوانبه المختلفة فزهير في رأى عمر أشعر الشعراء

_ لأن ألفاظه قريبـة سهلة يفهمها عامة العرب لأنه كان يتوخَّى في شعره اللغة الشائعة ويتجـنب وحشى الكلام وغريب الألفاظ.

ولأن أسلوبه واضح وعباراته ناصعة لا التواء فيهـا ولا جفاء  فهو لا يعاظل في المنطق أى لا تتداخل عباراته أو تتراكب بصورة تـــؤدى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 10/ 290.


إلى خفاء معانيها وغموض محتوياتها.

ولأن معانيه صادقة فهو لا يمدح الرجــــل إلا بما يكون فيه لا يتزلف ولا يتملق بل يؤمن بما يقول وينفعل به ومن هنا تأتى مدائحه مؤثرة لصدورها عن اقتناع وإعجاب بشخوص ممدوحية لما يمتازون به من صفات ويضطلعون به من جلائل الأعمال التى تقربهم من القلوب وتنتزع لهم الإعجاب والثناء.

     وتلك الدعامات الثلاثة التى علل بها عمر لجودة شعر زهير من أهم مقاييس النقد الأدبى بمفهومه الصحيح.

     وهكذا نرى أن عصر صدر الاسلام لم يخل من أفكار نقدية لها قيمتها في تاريخ النقد العربى فمع الاهتمام بالجوانب المعنوية المتبطة بالدين والأخلاق لم يغفل الناس في هذه المرحلة الجوانب الفنية التى تقرب النتاج الشعرى من الذوق العربى الذي يؤثر السهولة والوضوح والصدق في التعبير والتصوير. 

     وعلى أية حال فقد كان عصر صدر الإسلام مشحونا بالأحداث الفكرية المهمة التى لم يتح معها لعشاق الشعر أن يخلوا إلى النظر فيه والمفاضلة بين نصوصه الا في فترات وجيزة كانوا يشعرون فيها بالهدوء والاستقرار. ولعلنا نلاحظ ونحن نستقرىء الأطوار التى مر بـها الـنقــد عند العـــــرب أن فـــن الـنقـد لم يزدهر حقا الا في عصور


الاستقرار السياسى والاجتماعى ومصداق ذلك أننا لا نكاد نجد أثرا للنظر في الشعر في زمن الفتنة الكبرى التى اندلعت في خلافة عثمان رضى الله عنه وأعقبتها وامتدت بصورة  رهيبة مخلفة بين جماعة المسلمين مشاعر مؤلمة شغلتهم عن كل شىء واستمرت الأمور على هذه الحال إلى خلافة معاوية حيث هدأت بصفة عامة.  ومن هنا كان على المتتبع لأطوار النقد العربى أن ينتظر حتى تهدأ الأمور ويستعيد الناس صوابهم ويفيقوا من غمرة تلك الأحداث  الرهيبة التى رأوها أمام  أعينهم تعصف بكل القيم وتنتهك كافة الحرمات سعيا وراء مآرب سياسية وانسياقا في تيار العصبية البغيض.

النقـد في عصر بني أمية:

 

    وفي عصر بنى أمية برزت في أفق الحياة الأدبية  في المجتمع العربي ثلاث بيئات لكل بيئة منها اهتماماتها الخاصة ونزعتها التى تميزت بها عن غيرها. وتوزع النقد بين هذه البيئات الثلاثة متأثرا بكل منها وثقافة أهلها والذوق الغالب عليهم وهذه البيئات هى:

1 ـ  بيئــة الحجــاز.

2 ـ  بيئــة العـــراق.

3 ـ  بيئــة الشــــام .


     ونحن نفرد كل بيئة من هذه البيئات بالقول متتبعين اهتماماتها النقدية والنزعة الغالبة على نظرتها إلى الشعر ومقدار ما تتميز به من أصالة  وفنية.

بيئـــة الحجـــاز:

     وجد أهل الحجاز أنفسهم في عصر بنى أمية مجبرين على التخلى عن لواء الزعامة السياسية في الدولة الإسلامية الذي ظل بأيديهم منذ نجم من بينهم نور الدعوة وبعد أن كان أهل هذا الإقليم هم مصدر الهيبة والزعامة بين كافة الأمصار الإسلامية عكفوا على أنفسهم وانزووا في بيئتهم مشتغلين بشئونهم الخاصة مؤثرين حياة الدعة بعد أن طحنتهم الحروب وراح جِلَّتُهم ضحية للصراع السياسى المحتدم دون جدوى. ولقد ساعد خلفاء بنى أمية على إنماء هذه الروح المسالمة بين الحجازيين فأغدقوا عليهم المنح والهبات وضاعفوا لهم العطايا والأرزاق وأغرقوا الأقليم بالرقيق من سبى الفتوحات فاستنام الحجازيون إلى حياة الترف وعرفوا الطريق إلى التنعم ووجدوا في ذلك مسلاة تخفف عنهم وطأة الاحساس بالإخفاق والضياع .

     وكان من أثر ذلك أن شاع في إقليم الحجاز فن الغناء الذي توفر علـى نشره وإذاعــته جمـاعة من الموالى الـذين كانـوا قـــد تمرنوا عليه


وحذقوه، وقد تركت هذه الأحداث آثارها في أدب الحجازيين فظهر بينهم فن الغزل الذي كان لشعرائهم فيه مذاهب ومشارب وأفانين.

     وهذا الثراء الواسع وذلك الترف والتنعم ساعد على النهوض بشعر الغزل والافتنان في تلحينه والتغنى فيه، ولم يلبث أن أغرم عامة الحجازيين بهذا الفن الوليد وتعلقوا به، وطبعي أن يواكب هذا النشاط الفنى الذى بلغ مداه نشاط نقدى يقوِّم نتاج الشعراء ويفاضل بينهم ويميز مذاهبهم ويوازن بين معانيهم وأخيلتهم، فظهرت حول هذه النهضة الفنية حركة نقدية ناضجة اهتدت عن طريق الذوق المهذب والإحاطة بمذاهب العرب في التعشق والصبابة إلى كثير من مظاهر الإصابة في شعر الغزل، وتعقبت نواحى القصور التى ظهرت في شعر بعض الشعراء، وأبانت حقيقة الصواب فيها.

خصائص النقد في بيئة الحجاز:

1 ـ صدر النقد في بيئة الحجاز عن الذوق العربي الذي هذَّبه الترف ورققه الغنى والثراء، وتأثر بالحضارة فابتعد عن جفاء البداوة وشراستها، وتمثل ذلك في تعليقاتهم على شعر الغزل ذلك الفن الذي يظهر بجلاء خفىّ الأحاسيس، ويصور لواعج النفوس .

" روى مصعب بن عبد الله الزبيرى عن عروة بن عبيد الله بن عروة


الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبى العقيق فسمعته ينشد:

        إن التى زعــمت فــؤداك مـــلَّها  

                                 خلقت هواك كما خلقت هوى لها

        فيك التى زعمت بها وكــلا كمـا

                                  أبدى لصاحبه الصبابة كلهـــــــا

        ولعمرها لو كان حبك فوقهـــــا

                                  يوما وقد ضحيت إذًا لأظلهـــــا     

        فاذا وجدت لها وساوس سلـــوة

                                  شفع الضمير إلى الفؤد فسلهـــا

        بيضاء باكرها النعيم فصاغهـــــا

                                  بلباقة فأدقهـــــا وأجلهـــــــــــــا

        لما عرضت مسلما لى حاجــــــة

                                  أخشى صعوبتها وأرجو ذلهــــــا

       منعت تحيتها فقلت لصـاحبـــــــــى

                                   ما كان أكثرها لنا وأقلهــــــــــا   

       فــــدنا وقــال لعلهــــــا معــــذورة

                                   في بعض رقبتها فقلت لعلهــا !!


قال: فأتانى أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب به ألك حاجة فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها فأنشدته الأبيات فلما بلغت قوله:

                فدنا وقال لعلها معذورة..

طرب وقال: هذا والله الدائم الصبابة، الصادق العهد !. لا الذي يقول:

   إن كان أهلك يمنعونك رغبة      عنى فأهلى بى أضن وأرغب

        لقد عدا هذا الأعرابى طوره وانى لأرجو أن يغفر الله لصاحب هذه الأبيات لحسن الظن بها وطلب العذر لها " (1).

2 ـ ميَّز النقاد في هذه البيئة بين المذاهب الشعرية وأقاموا أحكامهم النقدية استنادا اليها ؛ فشعراء الغزل يجمعهم فن له مقوماته وأساليب القول فيه، وكذلك شعراء المديح والهجاء والوصف.. وغيرها، فكل غرض من هذه الأغراض الشعرية له شعراؤه الذين أجادوا فيه وصرفوا اهتمامهم اليه ومن ثم فقد فطن النقاد في هذا العصر إلى خصائص كل شاعر والفـــن الغالب علـيه فـلم يوازنوا بين شاعرين من

ـــــــــــــــــــــــ

(1) زهر الآداب 1/149.


مذهبـين مختلفـيـن، بل كانت موازناتهم ومناظراتهم بين شعراء المذهب الواحد أو بين شعرين قيلا في غرض بعينه.    سئل نصيب عنه وعن أصحابه فقال للسائل: " جميل  إمامنا، وعمر بن أبى ربيعة  أوصفنا لريات الحجال  وكثير  أبكانا على الدمن وأمدحنا للملوك وأما أنا فقد قلت ما سمعت " (1). 

3 ـ كانت المجالس الشعرية التى عقدت في بيئة الحجاز وضمت شعراء من مختلف الأمصار الإسلامية والبوادي العربية خاصة في موسم الحج  ـ ميدانا خصبا للنقد الأدبى أسهمت به بيئة الحجاز في ترقية الفن الشعري وفسحت المجال لظهور الاتجاهات النقدية المختلفة والاطلاع على وجهات النظر المتباينة في الشعر والشعراء .

روى صاحب العقد قال:

     " قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة فأقبل اليه الأحوص بن محمد ونصيب فجعلوا يتحدثون ثم سألهم عن كثير عزة فقالوا: هو ها هنا قريب. قال: فلو أرسلنا اليه ـ قالا هو أشد بأوا من ذلك قال: فاذهبا بنا اليه. فقاموا نحوه، فأَلْـفَوْهُ جالسا في خيمة، فوالله ما قام للقرشى ولا وسَّع له، فجعـــلوا يتحـدثـون ساعة فالتفـت إلى عمر بن أبى ربيعة

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 1/ 355.


فقال له: إنك شاعر لولا أنك تشبب بالمرأة ثـــم تدعــــها وتشبب بنفسك ! أخبرنى عن قولك:

    ثم اسبطرّت تشتد في أثرى     تسأل أهل الطواف عن عمر

   والله لو وصفت بهذا هرة أهلك لكان كثيرا !!، ألا قلت كما قال هذا (يعنى الأحوص):

    أدور ولولا أن أرى أم جعفــــر       بأبياتكم ما درت حيث أدور

    وما كنت زوَّارا ولكن ذا الهوى      وإن لم يزر لابد أن ســيزور

قال فانكسرت نخوة عمر بن أبى ربيعة ودخلت الأحوص زهوة، ثم التفت إلى الأحوص فقال: أخبرنى عن قولك: 

    فإن تصلى أصلك وإن تبينى      بهجرك بعد وصلك لا أبالى

 أما والله لو كنت حرا لباليت ولو كسر أنفك !!. ألا قلت كما قال هذا الأسود  وأشار إلى نصيب :

     بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب

                               وقل إن تَميلِّنا فما مَــلَّكِ القلب

قال فانكسر الأحوص ودخلت نصيب زهوة ثم التفت إلى نصيب فقال له: أخبرنى عن قولك:

            أهيم بدعد ما حييت فان أمت 

                                    فواكبدى من ذا يهيم بها بعدى


أهمك ويحك من يفعل بها بعدك ؟! ـ  فقال القوم الله أكبر استوت الفرق. قوموا بنا من عند هذا !!(1).

   وروى صاحب الأغانى قال:

  " اجتمع النصيب والكميت وذو الرمة فأنشدهما الكميت قوله:

          هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب..

حتى بلغ قوله فيها

          أم هل ظعائن بالعلياء نافعة

                                وان تكامل فيها الأنس والشنب

فعقد نصيب واحدة. فقال له الكميت: ماذا تحصى ؟. قال: خطأك. باعـــدت في القول ما الأنس من الشنب ؟ !. ألا قلت كما قال ذو الرمة:

         لمياء في شفتيها حوة لعس

                               وفي اللثات وفي أنيابها شنب

ثم أنشدهما قوله :

              أبت هذه النفس الا ادكارا...

حتى بلغ قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقد الفريد 5/ 373.


       اذا ما الهجارس غنينها         تجاوبن بالفلوات الوبارا

 فقال له النصيب:  والوبار لا تسكن الفلوات. ثم أنشد حتى بلغ منها:

       كأن الغطا مط من غليها       أراجيز أسلم تهجو غفارا

فقال: ما هجت أسلم غفارا قط، فانكسر الكميت وأمسك (1).

4 ـ  اشتهر في بيئة الحجاز في هذه المرحلة ناقدان كبيران تركا ثروة نقدية تعد من أبرز ما أسهمت به بيئة الحجاز فى التراث النقدى عند العرب، وهذان الناقدان هما: ابن أبى عتيق، وسكينة بنت الحسين. _ أما ابن عتيـق فهو من أحفـاد أبـى بكر رضى الله، وكان ذا بصر بالشعر وكلف بالغناء والطرب وكان مولعا بشعر ابن أبى ربيعة مُفِّضلا له مع أنه لم يسلم من نقده، فكانت له مآخذ على بعض أشعاره وقد أوردت لنا كتب الأدب فيضا من آراء ابن أبى عتيق ونظراته النقدية وهى تدل على سلامة ذوقه وسعة معرفته بالشعر ومذاهب الشعراء.

أورد  صاحب الأغانى قال:

   " ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمربن أبى ربيعة في مجلس رجــل من وُلْـد خالد بن العاص بن هشام فقال: صاحبنا (يعنى الحارث

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 1/ 348، والغطامط: صوت الغليان.


بن خالد) أشعرها فـقال له ابن أبى عتيق: بعض قــــــــولك ياابــن أخى !!. لشعر عمر بن أبى ربيعة نَوْطَةٌ في القلب، وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عصى الله عز وجل بشعر أكثر مما عصى بشعر عمر بن أبى ربيعة !!. فخذ عنى ما أصف لك: أشعر العرب من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه وتعطَّفـت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المُفضِّلُ  للحارث أليس صاحبنا الذي يقول:

     إنى وما نحروا غداة منىً       عند الجمار يئودها العقل

     لو بُدِّلـت أعلى مساكنهــــا       سُفْلا وأصبح سفلها يعلو

     فيكاد يعرفها الخبير بهــــا       فيـرده الإقواء والمحــــل 

     لعرفت مغناها بما احتملت       منى الضلــوع لأهلها قبلُ

     فقال له ابن أبى عتيق: ياابن أخى استر على نفسك واكتم على صاحبك ولاتشاهد المحافل بمثل هذا !. أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليها سافلها ؟  مابقى إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارة من سجيل !!. ابن أبى ربيعة كان أحسن صحبة للربع من              صاحبك وأجمل مخاطبة حيث يقول

    سائلا الربع بالبُـلَىّ وقـــــولا    هجت شوقا لي الغداة طويــلا

    أين حـي حلوك إذ أنت محفــــــوف بهم آهــل أراك جميـــــلا

  

    قال ساروا فأمعنــوا واستقلوا   وبرغمي لو استطعت سبيـــلا

    سـئمونا وما سئمنا مقاما        وأحـبـوا دمـــاثـة وسهــــــولا

قال فانصرف الرجل خجلا مذعنا !!.. (1).

     وروى صاحب الموشح.. قال: أنشد كثير ابن أبي عتيق قوله:

     ولست براض من خليل بنائل   قليل ولا راض لـه بقليل

فقال ابن أبي عتيق: هذا كلام مكافيء وليس بعاشق !. القرشيان أصدق منك وأقنع.....، قال عمر:  

       ليت حظى كطرفة العين منها      وكثير منها قـليل مُهَـنَّا                        

وقال ابن قيس:

     رُقَىَّ بعمركم لا تهجرينا         ومنينا المنى ثم امــطلينا

    عدينا فى غد ماشئت انا          نحب ولومطلت الواعدينا 

    فاما تنجزى عدتى واما          نعيش بما نؤمل منك حينا (2)

ولماأنشده ابن أبى ربيعة قوله:

  بــينـما ينعتنى أبصرننــى      دون قيد الميل بعدو بى الأغر

ــــــــــــــــ

  (1) الأغاني 1/ 108.  

  (2) الموشح / 237.


   قالت الكبرى أتعرفن الفتى     قـــالت الوسطى نعم هذا عمر

   قالت الصغرى وقد تيمتها     قـــد عرفناه وهل يخفى القمر

قال له ابن أبى عتيق: أنت لم تنسب بها، وانما نسبت بنفسك !! كان 

ينبغى أن تقول قلت لها. فقالت لى. فوضعت خدى فوطئت عليه!!.

    نحن اذا أمام نمط جديد من النقد يطلعنا                                                                                                                                                                            فيه ابن أبي عتيق  على تصوره لمقومات الإجادة في فن الشعر ويوازن بين النماذج الشعرية التى تدور حول معنى واحد أو معان متقاربة وهو في تفضيله لابن أبى ربيعة في الرواية الأولى لا يطلق مقالته جزافا وإنما يستند في حكمه على شعره  إلى مميزات فنية ماثلة في شعر عمر وهى التى تجعله محببا الى النفوس أثيرا لدى جمهور متذوقي الشعر لاجتذابه اياهم بتلك القصص التى يصطنعها في شعره ويتخذ منها قالبا للتعبير عن صبابته وهيامه. ثم إن شعر بن أبي ربيعة يتميز بخصائص أسلوبية ومعنوية ترفعه عن شعر غيره فهو أشعر قريش في رأى ابن أبي عتيق ؛ لدقة معانيه، ولطف مداخله، وسهولة مخارجه ومتانة حشوه، ووضوح معانيه...، وعندما يوازن ابن أبي عتيق بين شعر الحارث بن خالد وشعر عمر يطلعنا على تمكنه من فهم الشعر والتمييز بين المعانى الدقيقة فرغم أن أبيات الحارث رقيقة معبرة إلا أن ابن أبي عتيق لاحـــظ عليها تلك الملاحظة البارعة وذلك التقصير الذي


أخل بها وقعد بصاحبها حينما أراد أن يصور معناه الجميل فقاده خياله الكليل إلى تلك الصورة المشوهة التى لا يرضى فيها الشاعر الا بأن ينقلب مغنى حبيبه رأسا على عقب حتى يؤكد له أن قلبه سيدله عليه رغم خفاء معالمه على من طالت صحبتهم له وخبروا جهاته ونواحيه   وتلك بلا شك ملاحظة نقدية قيمة أدركها ابن أبي عتيق بذوقه اللماح وعقد مقارنة بين تلك الأبيات وأبيات ابن أبي ربيعة التى قالـــها في مساءلة الربع ليرينا النموذج الأمثل في هذا المقام...

     ولا ريب عندنا في أن الموازنة بين المعانى الشعرية بهذه الصورة تدل على ارتقاء الفكر النقدى في بيئة الحجاز في هذا العصر وتبين بوضوح مقدار التحول الذى حدث في المقاييس النقدية عند النقاد العرب، وأن الأحكام النقدية لم تعد ترسل دون تعليل أو تفسير كما كان يغلب على أحكام عرب ما قبل الإسلام، بل أصبح النظر في الشعر فنا له حذاقة والبصراء به، فكان الشعراء يفدون اليهم ينشدون الشعر ويتناقشون معهم في قضاياه كما دلت على ذلك بقية الروايات التى أوردناها.

سكينة بنت الحسين والنقد الأدبي:

     وأما سكينة بنت الحسين رضى الله عنهما فكـانت ذواقـــــة للشعر


وكانت كما يقول بن خلكان " سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا (1)

     ولسكينة نظرات نقدية وتعليقات أدبية على جانب كبير من الأهمية وقد كان الشعراء والرواة في ذلك العصر يعلمون بصرها بالشعر وحسن فهمها للأدب، فكانوا يذهبون اليها وينشدونها ويبتدرون آراءها وتعليقاتها، وقد حفظت لها كتب الأدب قدرا كبيرا من أخبار سكينة وآرائها النقدية وتعليقاتها على الشعر والشعراء في مجالسها وندواتها.

     روى صاحب العقد قال: دخل كثير عزة عل سكينة بنت الحسين رضى الله عنه فقالت له ياابن أبي جمعة أخبرنى عن قولك في عزة:

       وما روضة بالحزن طيبة الثرى

                                 يمج الندى جثجاجها وعرارها

     بأطيب من أراد ان عزة موهنــــا

                               وقد أُقدت بالمندل الرطب نارها

  ويحك ! وهل على الأرض زنجية منتنة الإبطـين توقد بالمندل نارها إلا طاب ريحها ؟ ألا قلت كما قال عمك امرؤ القيس:

     ألــم تريانى كلما جئت طارقـــا

                              وجدت بها طيبا وان لم تطيب ؟(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) العقـد الفريد 5/373.


     وروى صاحب الموشح  " أن سكينة بنت الحسين قالت لكثير عزة حين أنشدها قصيدته التى أولها:

       أشاقك برق آخر الليل واصب     

                                تضمنه فرش الجبا فالمسارب

       تألق واحمومى وخيم بالربـــى

                                أحم الذرى ذو هيدب متراكب

       إذا زعزعته الريح أرزم جانب

                                 بلا خلف منه وأومض جانب

       وهبت لسعدى ماءه ونباته

                             كما كل ذى ودّ لمن ودّ واهـــــب

       لتروى به سعدى ويروى صديقها

                                  ويغدق أعداد لها ومشــارب

    ـ أتهب لها غيثا عاما جعلك الله والناس فيه أسوة ـ فقال يابنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفت غيثا فأحسنته وأمطرته وأنبيّه وأكملته ثم وهبته لها. فقالت فهلا وهبت لها دنانير ودراهم ؟!" (1).

ــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الموشح/245.


     ونقـد سكينة يدور كما رأينا في هذه الروايات وكما رأينا في نقد ابن أبي عتيق أيضا حول شعر الغزل وهو الفن الذي أغرم به الحجازيون ؛ إذ كان أهم الأغراض الشعرية التي احتفوا بها وانصرفوا إليها ؛ لأنها تتلاءم مع ميولهم وطبائعهم، وتتفق مع واقعهم الاجتماعي والسياسي.

     ولعله قد اتضح لنا من خلال هذا العرض الذي ألمحنا فيه إلى الحركة النقدية في بيئة الحجاز ــ أن النقد اقترب في هذه البيئة من المفهوم الدقيق للفن النقدي ؛ فالنقاد يغوصون وراء المعاني الشعرية، ويفاضلون بينها، ويميزون بين دقائقها ودلالاتها، ويشيرون إلى أكثرها أصالة وأشدها لصوقا بطبيعة الذوق العربي، وتمشيا مع مذاهب العرب في التعبير والأداء.

                      *   *   *

خصائص النقد في بيئة الشام:

 

1- كان الفن الشعري الذي ازدهر في بيئة الشام هو فن المديح، وحول ذلك الفن قامت حركة نقدية في قصورخلفاء بني أمية وأنديتهم كتلك التي رأيناها تنمو في بيئة الحجاز حول فن الغزل..، وكان النقد في بيئة الشام يصـدر عن روح القبلية العربية التى سيطرت على عقلية


الأمويين بصفة عامة، فكان الشعر الجيد في نظرهم هو ما سار على نمط الشعر القديم واحتذى أمثلة القدماء وأساليبهم وطريقتهم في الفخر والتمدح بالسيادة والشرف وفضائل الفروسية والبطولة، ولم يتغير هذاالنهج أو يتبدل اللهم الا في خلافة عمر بن عبد العزيز الذي عرف بالورع  والزهــد، فـلم يكن للشعراء في بلاطه مكان سوى أولئك الذين

لبسوا مسوح الدين، وانتحلوا مذهب شعراء عصر صدر الإسلام في التغني بأمجاد الدين وفضائل  العقيدة السمحة.

     إلا أن النزعة الغالبة في النظر الىالشعر في أندية الأمويين كانت على النقيض من ذلك ؛ وأصدق دليل على ما نقول هو تلك الرواية التى أوردها صاحب الموشح عن عبدالملك بن مروان قال:

" حدثنا أبوعبيدة قال: لما أنشد الراعى عبد الملك بن مروان قصيدته فبلغ قولــــه:

    أخليفـــة الرحمن إنا معشر    حنفاء نسجد بكرة وأصيلا

    عرب نرى لله في أموالنا     حـــق الزكاة منزلا تنزيلا

فقال عبد الملك: ليس هذا شعرا هذا شرح وقراءة آية !!" (1).

     فهذا الحكم الذى أصدره عبد الملك على شعر الراعى يمثل لنا

ــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الموشح/ 249.


بوضوح الاتجاه الغالب على النقد في بيئة الشام والنزعة السائدة في النظر الى الشعر، وستتأكد لنا هذه النزعة خلال المروريات النقدية التى أثرت من هذه البيئة. فعبد الملك في هذه الرواية التى معنا يرى أن الشعر ليس من مهامه أن يقرر المسائل الخلقية أو الدينية و إنما الشعر شعور وإحساس يظهران في عبارة منغمة و نسق بديع، أما هذا الذي يقوله الراعي فليس شعرا ؛ لأنه لا شعور فيه ولا عاطفة و إنما هو تقرير لحقائق معروفة لعامة الناس.

2-   كان شعر القدماء هو النموذج الأمثل في نظر الأمويين و كانت أوصافهم ومدائحهم  وغزلهم و إفتخارهم مناط إعتداد خلفاء بني أميـة   وتقديرهم، وكثيرا ما كان يحتدم الجدل في مجالس الأمويين حول الشعراء القدماء أيهم أسبق، فقد تشاجر الوليد بن عبد الملك و مسلمة أخوه في شعر امريء القيس والنابغة الذبياني في وصف طول الليل أيهما أشعر، فرضيا بالشعبي فأحضر فأنشده الوليد:

  كليني لهـــم يا أمــيـمة ناصب     ولـــيـــل أقــــاسيــه بطئ الكواكب

  تطاول حتى قلت ليس بمنقض    ولــيس الـــذي يرعى الـنجوم بآيب

  وصدر أزاح الليل عازب همه    تضاعف فيه الحزن من كل جانب 

وأنشده مسلمة قول امرىء القيس:

    وليل كموج البحر أرخى سدوله    عـــــلي بأنــــواع الهموم ليبتلي


    فقلت لـــــه لـما تمطى بصلبــه     وأردف أعجــازا ونــاء بكـلـكل

    ألاأيها الليل الـطويل ألا انجلي      بصبح وما الإصباح منك بأمثل

    فيالك من ليــل كأن نجـومـــه      بكـل مغار الفـــتل شـدت بـيذبل

    كأن الثريا علقت في مصمها       بأمـراس كــتان الى صم جنـدل

قال فضرب الوليد برجله طربا.. فقال الشعبى بانت القضية !! " ().

3-  صدر النقد في هذه البيئة عن الذوق المتأثر بالمزاج العربي وبالمأثور من شعر القدماء واهتم النقاد بمراعاة مناهج العرب في التعبير، وأساليبهم في التخييل والتصوير، لما بلغ الوليد بن عبد الملك قــول جرير:

   هذا ابن عمي في دمشق خليفة

                             لـــو شئت ساقكم الى قطينا

" قال الوليد: أما والله لو قال لو شاء ساقكم لفعلت ذاك به !! ولكنه قال لو شئت فجعلني شرطيا له (1).

     وقال عبد الملك لو قال "كثـير" بيته:

    فقلت لها يا عز كل مصيبة

                              إذا وطنت يوما لها النفس ذلت       

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الكامل 2/ 105.


في حرب لكان أشعر الناس. ولو أن القطامي قال بيته الذي يصف فيه مشية الإبل بقوله:

   يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلــة

                            ولا الصدور على الأعجاز تـتكل

في النساء لكان أشعر الناس (1).

4 - اشتهر من نقاد هذه البيئة عبد الملك بن مروان ؛ فقد أوردت له كتب الأدب كثيرا من التعليقات النقدية التي كان يرسلها في الشعر والشعراء، وهي في مجموعها تـدل على بصره بالشعر، وثقافته الأدبية الأصيلة وإلمامه بمذاهب الشعراء القدامى وروائع ما عبروا عنه من معنى رائق وأداء متميز، فهو يعتد في المديح بشعر زهير ويقول:

     " ما يضر من مُـدِح بما مَـدَح به زهير آل أبي حارثة من قوله:

     على مكثريهم فضل من يعتريهم

                              وعنـد المقلين السماحة والبذل

ألا يملك أمور الناس (يعني الخلافة).. ما ترك منهم زهير غنيا ولا فقيرا إلا وصفه ومـدحه " (2).

ــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الموشح /233.

  (2) الأغاني 11/ 7.


     وفي الاعتذار