د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

دراسات نقدية قديمة

     صور النقد في عصر ما قبل الاســلام   

 محاضرة لد/ عبير عبد الصادق محمد بدوي 

أستاذ الأدب المشارك      

          أول ما يسترعى نظرنا ونحن نعرض للنقد في عصر ما قبل الاسلام  هو أن الروايات التى تناقلتها كتب الأدب حول هذا الموضوع قليلة جدا ربما لا تمثل حقيقة الاهتمام بالشعر في ذلك العصر ولا مقدار عناية العرب به. ونحن نعلم أن الشعر كان قد بلغ درجة كبيرة من النضج والارتقاء وكان مثار اهتمام القبائل العربية لما له من أهمية بالغة في حياتها فهو السبيل إلى اذاعة مناقبها  ومفاخرها والسجل الذي يحفظ أنسابها ومآثرها والسلاح الذي ينافح به عنها ويزاد بواسطته عن حياضها. وكانت القبيلة من العرب كما يقول ابن رشيق " اذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم وذب عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة بذكرهم".

          ومن الطبيعي أن يستتبع هذا الاهتمام الكبير بالشاعر والحفاوة البالغة بما يقول الـنظر في الشعر والمفاضلة بين الشعراء .

        


            ولعله من المقرر أن النقد في هذا العصر كان يعتمد أساسا على الإحساس والذوق الفطرى ويهتدى عن طريقها إلى مواطن الحسن والقبح ويشير إليها إشارات سريعة ويصدر على الأشعار أحكاما غير معللة أو مشروحة. وقد لا تعدو أن تكون مجرد استحسان للشعر أو استهجان له.

          والحقيقة أننا نتساهل حين نطلق على ذلك النوع من النظر في الشعر اسم النقد ولو أننا راعينا الدقة لكان علينا أن نعد معظم هذه الأحكام أحكاما أدبية ؛ ذلك لأن النقد بالمفهوم الصحيح يعتمد أساسا على تحليل النص الأدبى ثم الحكم عليه بالجودة أو الرداءة حكما مشفوعا بالدليل مشروحا بالأسباب والدواعي.

         ولا جدال في أن النقد بمعناه الأمثل يتطلب في الناقد أمرين مهمين:

        أولهما: أن تكون لديه الموهبة والاستعداد الأدبى اللذين يؤهلانه لتذوق     

                الأعمال الأدبية .

       ثانيهما : أن يكون ملـــما بالثقافات المختلفة التى تعـــــين على استنتاج الأحكام النقدية.

             وإذا أردنا أن نعرف مدى تحقق هذين المبدأين في نقاد عصر ما قبل الاسلام لاتضح لنا  أنه قد توافرت لهم سلامة الأذواق وجودة الـقرائح في حين لــم تتح لهم حياتهم الساذجة ومعارفهم البدائية ـ الثقافة


       التى تعين على التحليل والتفسير والشرح والتنظير.

          ونحن لا نريد بذلك أن نحكم على العرب بالتخلف في فن النقد أو نرميهم بالقصور وانما نقرر أنهم نظروا في الشعر وأصدروا عليه أحكاما تتناسب مع عقليتهم وما أتيح لهم من ثقافة ومعرفة ...

       صــور النقد في عصـر ما قبل الاســلام

      

       1 ــ قلنا إن الشعر كان محل عناية العرب في عصر ما قبل الإسلام وكان هو القالب الذي أفرغوا فيه كل ما حبتهم به بيئتهم من طاقات فنية ودفقات شعورية. وقد لمس الشعراء في هذا العصر اهتمام الجمهور بذلك النتاج الفنى المنغم فصرفوا عنايتهم إلى تجويده واستجمعوا كل ما يملكونه من جهد ومعرفة في سبيل تمحيص قصائدهم ومقطعاتهم التى يعرضونها عليه خاصة اذا كانت تتعلق بقضايا سياسية أو اجتماعية وتنشد في محافل عامة  وليست تعبيرا عن أحاسيس أو انفعالات ذاتية والروايات مستفيضة حول صنيع مدرسة " عبيد الشعر " في العصر الذي نتحدث عنه والتى كان أبرز زعمائها " زهير " صاحب الحوليات " والحطيئة " تلميذه وراويته.

       روى الجاحظ في البيان والتبيين قال:

          " كان أبو عبيدة يقول ويحكى ذلك عن يونس:  ومن تكسب بشعره


       والتمس به صلات الأشراف والقادة وجوائز الملوك والسادة في قصائد السماطين والطوال  التى تنشد يوم الحفل لم يجد بُدَّا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما ".

           ولنا أن نعد صنيع هؤلاء الشعراء بداية لتصور فن النقد عند عرب ما قبل الإســلام فالشاعر الذي يعاود النظر فيما يقول ويعرضه على ذوقه وفكره ناظرا اليه من زوايا مختلفة ووجهات متباينة يقوم ولا شك بمهمة نقدية لا غنى عنها في أى عمل فنى ناجح، وهذا اللون من النقد وإن كان غير ظاهر أو محس فهو على أى حال دليل على أن الشعراء كانوا حريصين على تفادى أى قصور من شأنه أن يفتح عليهم أبواب العيب أو الانتقاص.

2 ـ  وجدت صورة أخرى من صور النقد في هذا العصر وهو النقد غير المعلل ونرى فيه أن الناقد يستحسن الأثر الشعرى او يستهجنه وهو أستحسان أو استهجان لا تترجمه عبارة أو يوضحه مقال بل قد يظهر في صورة أعراض أو حركات جسدية ،  تدل على الإعجاب والسرور وقد يظهر في صورة منح وهبات تبذل للشاعر مكافأة له على اجادته وتقديرا لنبوغه. وروى صاحب الأغاني قال: قال حسان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغساني ومدحته فأذن لى فجلست بين يديه وعن يمينه رجل له ضفيرتان وعن يساره رجل لا أعرفه قال: أتعرف


هذين فقلت: أما هذا فأعرفه وهو النابغة وأما هذا فلا أعرفه فقال: هو عـلقمة بن عبدة ، فان شئت استنشدتهما وسمعت منهما ثم إن شئت أن  تنشد بعدهما أنشدتَ وإن شئتَ أن تسكتَ سكتَّ. قلت: فـذاك. قال: فأنشد النابغة:

        كلينى لهم ياأميمة ناصب     وليل أقاسيه بطىء الكواكب

قال: فذهب نصفى. ثم قال لعلقمة: أنشد. فأنشد: 

     طحابك قلب في الحسان طروب

                                بعيد الشباب عصر حان مشيب

قال: فذهب نصفى الآخر ! فقال لـى أنـت الآن بالخيارإن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت وان شئت أن تسكت سكت فتشددت ثم قلت: لا بل أنشد. قال: هات.. فأنشدته:

      لله در عصابة نادمتهـــم       يوما بجِلَّق في الزمـــان الأول

     أولاد جفنة عند قبر أبيهـم       قبر ابن مارية الكريم المفضل

     يسقون من كأس البريص عليهم

                                    كأسا تصفق بالرحيق السـلسل

     يغشون حتى ما تهر كلابهــم    لا يسألون عن الســــواد المقبل

     بيض الوجوه كريمة أحسابهم     شم الأنوف من الطراز الأول

فقال لى: ادنه لعمري ما أنت بدونهما ثم أمر لى بثلاثمائة دينار..وقال هذا لك عندنا في كل عام "


     وفي رواية أخرى أوردها صاحب الأغاني أيضا أن الغساني لما أنشده حسان الأبيات  " لم يزل يزحل عن موضعه سرورا حتى شاطر البيت وهو يقول هذا وأبيك الشعر لا ما تعللانى به منذ اليوم هذه والله البتارة التى بترت المدائح "

   ونحن نلحظ من هاتين الروايتين إعجاب الغسانى بشعر حسان وثناءه عليه ولا شك أن قصيدة حسان هذه من أجود ما قال  وكذلك قصيدتا النابغة وعلقمة إلا أن إعجاب الغسانى  بهذه الأشعار واستحسانه لها لا يقترن بتعليل أو شرح، ولو أننا حاولنا أن نستخدم مقايسنا النقدية في عصرنا الحديث وننظر في هذه القصائد الثلاث على ضوئها لأمكننا أن نتحقق من وجود أسباب موضوعية وميزات بيانية رائعة اشتملت عليها هذه القصائد وجعلت الغسانى يشيد بها وينوه بمكانتها بدافع من ذوقه الفطرى وطبعه العربى الأصيل الذي يهتز للمدح الجيد والاطراء الذي يرضي نزعات السادة ويتناسب مع مقامات الشرف والسؤدد. وهذا يؤكد ما قلناه من أن النقد في هذا العصر قد توافرت له الأذواق التى تدرك وتميز الا أن هذه الأذواق كانت تفتقر إلى الثقافة التى تساعدها على التعليل والتفسير.

 3 ــ كانت الحاسة الفنية والطبع الفطري وراء نوع آخر من النقد المتعلق بموسيقى الشعر وتوافــق أنغامه،  فـقــد لاحظ أهل يثرب على


النابغة خللا في موسيقاه واضطرابا في أوزانه يقول ابن سلام في حديثه عن الطبقة الأولى من فحول الجاهلية:ولم يقو(1) من هذه الطبقة ولا من أشباهها أحد الا النابغة في قوله:

     أمن آل مية رائح أو مغتدى    عجلان غير ذا زاد وغير مزودِ

     زعم البوارح أن رحلتنا غدا    وبذلك خبرنا الغداف الأســــــودُ    

      وقوله :

    سقط النصيف ولم ترد إسقاطــه    فتناولــته واتقــتـنــــا باليــدِ

    بمخضب رخص كـأن بنانــــــه    عـنم يكـاد من اللطافة يعقدُ

فقـدم المدينة فعيب عليه فلم يأبه له حتى أسمعوه إياه في غناء ـ وأهل القرى ألطف نظرا من أهل البدو وكانوا يكتبون لمجاورتهم أهل الكتاب ـ فقالوا للجارية إذا صرت الى القافية فرتلي. فلما قالت: " الغداف الأسود.." و "يعقد" و "بالـيد" علم وانتبه ولم يعـد فيه، وقال: قـدمت الحجاز وفي شعري ضعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس " (2)

4 _ وتقــترب الأحكام النقـــدية عند العرب قبــل الإسلام من المفهــوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإقواء: عيب عروضي يتمثل في اختلاف حركة الروى.

(2) طبقات فحول الشعراء. ص 55.


الدقيق للنقد في المحافل والأسواق الأدبية التي اعتاد العرب أن ينشدوا فيها أشعارهم، وتذيع فيها شهرتهم بين مختلف القبائل، وكان هناك محكمون يفصلون بين الشعراء ويقدمون من يستجيدون قوله تأسيسا علىمعايير تواضعوا عليها، وارتضتها أذواقهم، وهؤلاء وجدوا لزاما عليهم أن يوضحوا للناس سبب تقديمهم لشاعر على غيره ممن يجتمعون في الموسم، ومن ثم كانت البدايات الأولى للنقد المعلل في التراث النقدي عند العرب.

     ويعد النابغة الذبياني صاحب الفضل في ذلك النوع من النظر النقدي ؛ فقد تضافرت الروايات على احتكام الشعراء اليه في سوق عكاظ. روى صاحب الموشح قال:

"... حدثنا عبد الملك بن قريب قال: كان النابغة الذبياني تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها.

قال فأول من أنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصاري:

      لنا الجفنات الغر يلمعن بالدجى

                             وأسيافنا يقطرن من نجدة دمــا

     ولدنا بني العنقاء وابني محـرق

                            فأكرم بـنا خالا وأكـرم بنا ابنـما 


فقال له النابغة: أنت شاعر. ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك ". قال الصولي: فانظر الى هذا النقد الجليل الذي يدل عليه كلام النابغة.. قال له: أقللت أسيافك لأنه قال: وأسيافنا، وأسياف جمع لأدنى العدد، والكثير سيوف، والجفنات لأدنى العدد والكثير جفان. وقال فخرت بمن ولدت لأنه قال: ولدنا بني العنقاء وابني محرق.. فترك الفخر بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه ".

     فهذه الرواية تكشف لنا لونا جديدا من النقد في عصر ما قبل الإسلام فيه ينظر الناقد الى الشعر نظرة متأنية، ويلمح ما فيه من مظاهر الضعف أو التقصير، ويوضح ذلك للشاعر الذي ينقده أو لمن يحضر مجلس الحكم حول الشعر. وهذا بلا ريب نمط راق من النقد الأدبي في عصر صدر الإسلام ينظر فيه الناقد للنص الأدبي نظرة مستأنية يهتدي من خلالها إلى ما فيه من تقصير أو ضعف مبينا ذلك في عبارة موجزة وبيان مقتضب. وإدراك شاعركالنابغة لهذه الأمور لم يكن عسيرا كما يتوهم بعض الباحثين ؛ لأنه يصدر في هذا الحكم عن مألوف الطبع العربي والروح السائد بينهم، إذ يعنيهم في مقام الفخر والمطاولة أن يعرضوا المعنى مبالغا فيه مستوفيا النعوت التي يـــرتاح إليها الوجـدان العـــــربي، وتعـــــزز لــديـه الإحساس بالرفعة


والمجد، وهذا شيء اعتادوه وتطلبوه من شعرائهم المعبرين عنهم المدافعين عن مناقبهم المُعلــين من شأنهم. (1)      

     وشبيه بنقد النابغة لحسان ما أورته كتب الأدب حول احتكام امريء القيس وعلقمة بن عَبَدَة إلى أم جندب وقضائها في شعرهما.. روى صاحب الموشح قال:

" تنازع امرؤ القيس بن حجر وعلقمة بن عَبَدَة وهو علقمة الفحل ـ في الشعر أيهما أشعر.. فقال كل واحد منهما للآخر: أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد رضيت بامرأتك أم جندب حـكما بيني وبينك !. فحكَّماها..، فقالت أم جندب لهما قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما.. فقال امرؤ القيس:

   خليلي مرا بي على أم جندب    نـقض لبانـات الفؤاد المعذب

إلى أن يقول في وصف الفرس:

  فللسوط ألهوب وللـساق درة    وللزجر منه وقع أخرج مهذب         

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اعترض الأستاذ طه إبراهيم على هذه الرواية وزعم أنها من إضافات الرواة بزعم أن العربي في العصر الجاهلي لم يكن له ذهن علمي يجعله يفرق بين جموع القلة وجموع الكثرة، وقد دفع أستاذي الدكتور عبد الرحمن عثمان هذا الاعتراض بأن العربي وإن لم تكن له معرفة بتلك الاصطلاحات فهو كان يدرك بفطرته اللغوية ما يدل على الكثرة وما يشير الى القلة. راجع معالم النقد الأدبي / 89.


وقال علقمة:

  ذهبت من الهجران في كـل مذهب

                              ولـم يك حقا طول هذا التجنب

إلى أن قال في وصف فرسه:

  فأدركهن ثانيا من عنانه    يمر كمر الرائح المتحلب

    فلما فرغا من الإنشاد قالت لامريء القيس: علقمة أشعر منك !. قال: وكيف ؟ !. قالت: لأنك قلت: فللسوط ألهوب...، فجهدت فرسك بصوتك ومريته فأتعبته بساقك ـ وقال علقمة: فأدركهن ثانيا من عنانه.... فأدرك فرسه ثانيا من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه ". (1)

   فهذا نقد مبنى على المفاضلة بين شعر وشعر وقد فطنت فيه أم جندب الى تقصير امرىء فى صفة فرسه ومن ثم قدمت عليه علقمة لأنه أجاد في رسم الصورة المثلى للفرس العتيق ولسنا مع الذين يتشككون في صحة هذه الرواية ويرجحون أنها مفتعلة (2)  لابتعاد أن يتحاكم شاعران نابهان الى من لم يشتهر بالتفوق في الشعر أو الحكمة وسداد الرأى حين ذاك، ولأن الرواية جعلت من أم جندب ناقدة مثالية تضع قواعد للموازنة الشعرية باشتراطها الاتحاد في الموضوع والوزن

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ الموشح ص 18.

2ــ ذهب إلى هذا الرأى أستاذى الدكتور عبد الرحمن عثمان.


والقافية، ولأن الإ جماع منعقد على أن أمرىء القيس كان ولا يزال هو المقدم في وصف الخيل من بين الشعراء جميعا (1).

    وردنا على الجانب الأول من الاعتراض يتلخص في أن الحكومة في الشعر في ذلك العصر لم تكن تصعب على من له حظ يسير من الذوق والفهم لتقارب الأذواق وتشابة الثقافات بين النقاد والجمهور ثم إن النبوغ في الشعر أو السبق فيه لم يكن من مقومات السيادة أو دعامات الزعامة والرياسة حتى يحتاط المتنافرون بشأنه ويبالغوا في اختيار الحَكَم... وسنرى بعد قليل في خبر التقاء المخبل السعدى والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وتذاكرهم للشعر ـ أنهم احتكموا إلى أول من يطلع عليهم فكان أول من طلع عليهم هو ربيعة بن حذار الأسدي فحكموه في شعرهم فالمسألة اذاً لم تتجاوز المصادفة والاتفاق  وأخيرا فان نقد أم جندب للأبيات التى معنا لا يتطلب إدراكه عناء كبيرا أو إحاطة بجوانب فنية دقيقة في الشعر.. أما الجانب الثاني من الاعتراض فيمكن دفعه بأن ما شرطته أم جندب على الشاعرين من اتحاد الموضوع والوزن والقافية ـ أمـــر بـديهى ـ يفطن اليه أى شخص

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـــ معالم النقد الأدبي ص 93 ،94.


توكل اليه مهمة الحكم في أي رهان بين متسابقين ..فأول ما يفعله الحكم كى يتأكد من أحقية أحدهما بالتقدم أن يطلب اليهما إنجاز عمن تكون كل فرص النجاح فيه متاحة لكليهما بالتساوى.. ثم إن المناقضات الشعرية كانت معروفة في عصر ما قبل الإسلام وقد قرر هذه الحقيقة الأستاذ: أحمد الشايب في كتابه تاريخ النقائض في الشعر العربي واورد مناقضات لامرىء القيس وعبيد بن الأبرص منها المناقضة المشهورة التى يقول فيها امرىء القيس:

   ألا يا لهف نفسى إثر قوم       هم كانوا الشفاء فلم يصابوا

   وقاهم جدهم ببنى أبيهـــــم        وبالأ شقين  ما كان العقاب

وقد قال عبيد في نقدها:

    أتوعد أسرتى وتركت حجرا     يريع سواد عينيه الغراب

    أبوا دين الملوك فهم لقـــــاح     إذا ندبوا إلى حرب أجابوا(1)

       ويلاحظ اتفاق الشعرين في الوزن والقافية.  أما إجادة امريءالقيس  في وصف الخيل فنحن لا نعترض عليها، ولكن الروايات متضافرة على أن أنعت شعراء العرب للخيل ثلاثة هم: طفيل

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ النقائض ص 43.


الغنوي وأبو داود الايادى والنابغة الجعدي.   قال أبو عبيدة: طفيل الغنوي والنابغة الجعدي وأبو دؤا د الإيادي أعلم العرب بالخيل وأوصفهم لها .

   ويقول صاحب الأغانى في ترجمته لطفيل: وطفيل شاعر جاهلى من الفحول المعدودين.. وهو من أوصف العرب للخيل ثم يروى صاحب الأغانى عن عبد الملك بن قريب قوله:

   قال لى عمى: ان رجلا من العرب سمع الناس يتذاكرون الخيل ومعرفتها والبصر بها فقال: كان يقال: أن طفيلا ركب الخيل ووليها لأهــله، وأن أبا دؤاد الإيادى ملكها لنفسه ووليها لغيره كان يليها للملوك. وأن النابغة الجعدى لما أسلم الناس وآمنوا اجتمعوا وتحدثوا ووصفوا الخيل فسمع ما قالوه فأضافه إلى ما كان سمع وعرف قبل ذلك في صفة الخيل وكان هؤلاء نُعَّات الخيل..

   وعل أية حال فنحن لا نرى في رواية أم جندب لأمرىء القيس وعلقمة ما