د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

كتاب طبقات فحول ال

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : طبقات فحول الشعراء
المؤلف : ابن سلام الجمحي
مصدر الكتاب : موقع الوراق
http://www.alwarraq.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أسيد قال: قرئ على القاضي وهو الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة، قال محمد بن سلام الجمحي.
ذكرنا العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها إذا كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وسادتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يجهله عالم، ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب فبدأنا بالشعر.
وفي الشعر مفعول مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربية، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروى عن صحفي.
وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه.
وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان. من ذلك اللؤلؤ والياقوت، لا تعرفه بصفة ولا وزن، دون المعاينة ممن يبصره. ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم، لا تعرف جودتها بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها ومنه البصر بغريب النخل، والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده، مع تشابه لونه ومسه وذرعه، حتى يضاف كل صنف إلى بلده الذي خرج منه وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون في هذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ولا يجد واصفها مزيداً على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر فتى السن، نقى من العيوب، فيكون بخمسين دينار أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار وأكثر، وتكون هذه صفتها.
ويقال للرجل والمرأة، في القراءة والغناء: إنه لندى الحلق، طل الصوت، طويل النفس مصيب للحن ويوصف الآخر بهذه الصفة، وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له، بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه. وإن كثرة المدارسة لتعدي علي العلم به. فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به.
قال محمد: قال خلاد بن يزيد الباهلي لخلف بن حيان أبي محرز وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله: بآي شيء ترد هذه الأشعار التي تروى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال أفتعلم في الناس من هو أعلم في الشعر منك؟ قال: نعم. قال فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.
وقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك.
قال: إذا أخذت درهما فاستحسنته، فقال لك الصراف: إنه رديء! فهل ينفعك استحسانك إياه؟ وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه، محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير. قال الزهري: لا يزال في الناس علم ما بقى مولى آل مخرمة، وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول لا علم لي بالشعر، أتينا به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعاراً كثيرة، وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ومن أداه منذ آلاف السنين، والله تبارك وتعالى يقول: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " (سورة الأنعام: 45) أي لا بقية لهم، وقال أيضاً: " وأنه أهلك عادا الأولى، وثمود فما أبقى " (سورة النجم: 50،51)، وقال في عاد " فهل ترى لهم من باقية " (سورة الحاقة: 8) وقال: " ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " (سورة إبراهيم: 9).

(1/1)


وقال يونس بن حبيب: أول من تكلم بالعربية، ونسي لسان أبيه، إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما.
أخبرني مسمع بن عبد الملك، أنه سمع محمد بن علي يقول قال أبو عبد الله بن سلام: لا أدري أرفعه أم لا، وأظنه قد رفعه أول من تكلم بالعربية ونسى لسان أبيه إسماعيل ابن إبراهيم صلوات الله عليهما.
وأخبرني يونس، عن أبي عمرو بن العلاء قال: العرب كلها ولد إسماعيل، إلا حمير وبقايا جرهم. وكذلك يروى أن إسماعيل ابن إبراهيم جاورهم وأصهر إليهم ولكن العربية التي عنى محمد بن علي، اللسان الذي نزل به القرآن وما تكلمت به العرب على عهد النبي صلى الله عليه، وتلك عربية أخرى غير كلامنا هذا.
لم يجاوز أبناء نزار في أنسابهم وأشعارهم عدنان، اقتصروا على معد. ولم يذكر عدنان جاهلي قط غير لبيد بن ربيعة الكلابي في بيت واحد قاله، قال:
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد فلتزعك العواذل
وقد روى لعباس بن مرداس السلمي بيت في عدنان قال:
وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج حتى طردوا كل مطرد
والبيت مريب عند أبي عبد الله فما فوق عدنان، أسماء لم تؤخذ إلا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربي قط. وإنما كان معد بإزاء موسى بن عمران بن عمران صلى الله عليه، أو قبله قليلاً وبين موسى وعاد وثمود، الدهر الطويل والأمد البعيد.
فنحن لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، ولم يرو قط عربي منها بيتاً واحداً، ولا رواية للشعر، مع ضعف أسره وقلة طلاوته.
وقال أبو عمرو بن العلاء في ذلك: ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما علي عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه؟ فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما روى الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم.
وكان لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية.
وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدؤلي وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن جندل بن يعمر بن نفاثة بن حلس بن ثعلبة بن ثعلبة بن عدى بن الدئل، وكان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي وكان يونس يقول: هم ثلاثة الدول، من حنيفة ساكنه الواو، والديل: في عبد القيس، والدئل: في كنانة، رهط أبي الأسود وإنما قال ذلك حين اضطرب كلام العرب، فغلبت السليقية، ولم تكن نحوية، فكان سراة الناس يلحنون، ووجوه الناس، فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم.
وكان ممن أخذ عنه يحيى بن يعمر، وهو رجل من عدوان، وعداده في بنى ليث، وكان مأموناً عالماً يروى عنه الفقه. روى عن ابن عمرو، وابن عباس، وروى عنه قتاده، وإسحاق بن سويد، وغيرهما من العلماء، وأخذ ذلك عنه أيضاً ميمون الأقرن، وعنبسة الفيل، ونصر بن عاصم الليثي، وغيرهم.
قال ابن سلام: أخبرني يونس بن حبيب، قال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: الأمير أفصح الناس قال يونس وكذلك كان ولم يكن صاحب شعر قال: تسمعني ألحن؟ قال: حرفاً. قال: أين؟ قال: في القرآن. قال ذلك أشنع له! فما هو؟ قال: تقول: " قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله " (سورة التوبة: 24)، قرأها بالرفع، كأنه لما طال عليه الكلام نسى ما ابتدأ به. والوجه أن يقرأ: " أحب إليكم " بالنصب، على خبر كان وفعلها. قال: وأخبرني يونس قال: قال له: لا جرم، لا تسمع لي لحناً أبداً. قال يونس: فألحقه بخراسان، وعليها يزيد بن المهلب فأخبرني أبي قال: كتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو ففعلنا، واضطررناهم إلى " عرعرة الجبل " فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟ فقيل له: إن ابن يعمر هناك. فقال: فذاك إذاً! ثم كان من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وكان أول من بعج النحو، ومد القياس والعلل. وكان معه أبو عمرو ابن العلاء، وبقى بعده بقاء طويلاً وكان ابن أبي إسحاق أشد تجريداً للقياس، وكان أبو عمرو أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها.

(1/2)


وكان بلال بن أبي بردة جمع بينهما بالبصرة وهو يومئذ وال عليها، ولاه خالد بن عبد الله القسري، زمان هشام بن عبد الملك قال أبو عبد الله، قال يونس، قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز يومئذ، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه.
وكان عيسى بن عمر أخذ عن ابن أبي إسحاق، وأخذ يونس عن أبي عمرو بن العلاء، وكان معهما مسلمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهري، وكان ابن أبي إسحاق خاله، وكان حماد بن الزبرقان ويونس يفضلانه.
وسمعت أبي يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه قال: هو والنحو سواء أي هو الغاية. قال: فأين علمه من علم الناس اليوم؟ قال: لو كان في الناس اليوم من لا يعلم إلا علمه يومئذ، لضحك به، ولو كان فيهم من له ذهنه ونفاذه، ونظر نظرهم، كان أعلم الناس.
قال: وقلت ليونس: هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئاً؟ قال: قلت له: هل يقول أحد الصويق؟ يعني السويق. قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطرد وينقاس.
وسمعت يونس يقول: لو كان أحد انبغى أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد، كان انبغى لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله، ولكن ليس أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك.
قال: فأخذ على الفرزدق شيء في شعره فقال: أين هذا الذي يجر في المسجد خصييه ولا يصلحه؟ يعنى ابن أبي إسحاق.
أخبرني يونس: أن أبا عمرو كان أشد تسليما للعرب، وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم. كان عيسى يقول: أساء النابغة في قوله حيث يقول:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... الرقش في أنيابها السم ناقع
يقول: موضعها " ناقعاً " . وكان يختار السم والشهد، وهي علوية.
وأخبرني يونس، أن ابن أبي إسحاق قال للفرزدق في مديحه يزيد بن عبد الملك:
مستقبلين شمال الشأم تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف تزجى، مخها رير
قال ابن أبي إسحاق: أسأت، إنما هي رير، وكذلك قياس النحو في هذا الموضع. وقال يونس: والذي قال حسن جائز. فلما ألحوا على الفرزدق قال: " على زواحف نزجيها محاسير " . قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول.
وكان يكثر الرد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
رد الياء على الأصل. وهي أبيات، ولو كان هذا البيت وحده تركه ساكناً.
وكان مولى آل الحضرمي، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعي، يريد به غنياً، وهم حلفاؤهم:
جزى الله مولانا غنياً ملامة ... شرار موالى عامر في العزائم
وقال الأخطل:
أتشتم قوماً أثلوك بنهشل ... ولولاهم كنتم كعكل موالياً؟
يعنى حلف الرباب لسعد، وإنما قالها لجرير.
وقال الكلبي يحضض عذرة على فزارة:
وأشجع إن لاقيتموهم فإنهم ... لذبيان مولى في الحروب وناصر
وكان عيسى بن عمر إذا اختلف العرب نزع إلى النصب.
كان عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق يقرآن: " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " (سورة الأنعام: 27). وكان الحسن وأبو عمرو بن العلاء ويونس، يرفعون: نرد، ونكذب، ونكون. قلت لسيبويه: كيف الوجه عندك؟ قال الرفع. قلت: فالذين قرأوا بالنصب؟ قال: سمعوا قراءة ابن أبي إسحاق فاتبعوه.
وكان عيسى بن عمر يقرأ: " الزانية والزاني " (سورة النور: 2)، " والسارق والسارقة " (سورة المائدة: 38) وكان ينشد:
يا عديا لقلبك المهتاج
وكان يقرأ: " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " (سورة هود: 78) فقال له أبو عمرو بن العلاء: هؤلاء بنى هم ماذا؟ فقال: عشرين رجلا. فأنكرها أبو عمرو.
وكان أبو عمرو وعيسى يقرآن: " يا جبال أوبي معه والطير " (سورة سبأ: 11)، ويختلفان في التأويل. كان عيسى يقول: على النداء، كقولك: " يا زيد والحارث " لما لم يمكنه: " يا زيد يا الحارث " . وكان أبو عمرو يقول: لو كانت على النداء لكانت رفعاً ولكنها على إضمار: وسخرنا الطير، كقوله على إثر هذا: " ولسليمان الريح " (سورة سبأ: 12)، أى سخرنا الريح.
وقال يونس: قال ابن أبي إسحق في بيت الفرزدق:
وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجرف

(1/3)


ويروى أيضاً: مجلف، المجرف: الذى تجرفته السنة وقشرته، والمجلف: الذي صيرته جلفاً، للرفع وجه. قال أبو عمرو: ولا أعرف لها وجهاً. وكان يونس لا يعرف لها وجهاً. قلت ليونس: لعل الفرزدق قالها على النصب، ولم يأبه؟ فقال: لا، كان ينشدها على الرفع. وأنشدنيها رؤية على الرفع.
وتقول العرب: سحته وأسحته، يقرأ بهما في القرآن جميعاً، فمن قرأ " فيسحتكم بعذاب " (سورة طه: 61)، فهو من أسحت يسحت فهو مسحت، وهي التى قال الفرزدق. ومن قرأ: " فيسحتكم " ، فهو من سحت يسحت فهو مسحوت.
وأخبرني الحارث البناني، أخو أبي الجحاف، أنه سمع الفرزدق ينشد:
فيا عجباً حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع
كأنه جعله غاية فخفض.
ثم كان الخليل بن أحمد: وهو رجل من الأزد، من فراهيد يقال هذا رجل فراهيدي، ويونس يقول: فرهودي، مثل فردوسي فاستخرج من العروض، واستنبط منه ومن علله ما لم يستخرج أحد، ولم يسبقه إلى مثله سابق من العلماء كلهم.
رجع إلى قول الشعراء، وإلى قول العلماء فيه. ولكل من ذكرنا قول فيه.
قال: فنقلنا ذلك إلى خلف بن حيان أبي محرز، وهو خلف الأحمر، اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً. كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، أو أنشدنا شعراً، أن لا نسمعه من صاحبه.
وكان الأصمعي وأبو عبيدة من أهل العلم. وأعلم من ورد علينا من أهل البصرة: المفضل بن محمد الضبى الكوفي.
ففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام، والمخضرمين الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، فنزلناهم منازلهم، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة، وما قال فيه العلماء.
وقد اختلف الناس والرواة فيهم. فنظر قوم من أهل العلم بالشعر، والنفاذ في كلام العرب، والعلم بالعربية، إذا اختلف الرواة فقالوا بآرائهم، وقالت العشائر بأهوائها، ولا يقنع الناس مع ذلك إلا الرواية عمن تقدم. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً، فألفنا من تشابه شعره منهم إلى نظرائه، فوجدناهم عشر طبقات، أربعة رهط كل طبقة، متكافئين معتدلين.
وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون.
قال ابن سلام: قال ابن عون، عن ابن سيرين، قال: قال عمر بن الخطاب: " كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه " .
فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلو بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعو رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير. وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح هو وأهل بيته به، صار ذلك إلى بنى مروان أو صار منه.
قال يونس بن حبيب: قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير.
ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي منه بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما، فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك فلما قل كلامهما، حمل عليهما حمل كثير.
ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف. وذلك يدل على إسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع.
فمن قديم الشعر الصحيح قول العنبر بن عمرو بن تميم وكان جاور في بهراء، فرابه ريب فقال:
قد رابني من دلوي اضطرابها ... و النأي في بهراء واغترابها
إن لا تجئ ملأى يجئ قرابها
وقد قال قوم إنه كان من بهراء فجاور عمرو بن تميم، وأنه قال:
قد رابني من دلوي اضطرابها ... والنأي عن بهراء واغترابها

(1/4)


ولا نرى ذلك كما قالوا، بلا هو كما ذكر: العنبر بن تميم. وكان على عائشة محرر من ولد إسماعيل، فلما قدم سبى العنبر أمرها رسول الله صلى الله علية أن تعتق منهم، وهم أصحاب الحجرات.
أخبرني أبو محرز واصل بن شبيب المنافي، قال: كان سعد ومالك ابني زيد مناة بن تميم، فكان سعدا أسودهما، وكان مالك ترعية يعزب في الإبل، وأمهما: مفداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد، وخالتهما: ممناة بنت ثعلبة، أم ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل، أبي شيبان وقيس وذهل وتيم، وهو الحصن.
وقال أبو محرز: زار ثعلبة ابنته وهي حامل بسعد، فمخضت ليلاً، فاستحيت من أبيها وزوجها، فخرجت، فأعجلها الولاد، فطرقت على قرية نمل. فأدركها أبوها، وزجر، فقال: لئن صدقت الطير، ليملأن ابنك هذا الأرض من ولده.
قال أبو محرز: فتزوج مالك بن زيد مناة، النور بنت جل بن عدى بن عبد مناة بن أد وهم عدى وتيم، ويقال لتيم: تيم عدى، وهما من الرباب، وكانت امرأة زولة جزلة.
فلما اهتداها مالك، خرج سعد في الإبل فعزب فيها ثم أوردها لظمئها، ومالك في صفرة، وكان عروساً فأراد القيام، فمنعه امرأته من القيام، فجعل سعد وهو مشتمل يزاول سقيها ولا يرفق، فقال:
يظل يوم وردها مزعفرا ... وهي خناطيل تجوس الخضرا
فقالت النوار لمالك: ألا تسمع ما يقول أخوك؟ أجبه. قال: وما أقول؟ قالت: قل:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل
فولدت حنظلة الأغر، وفيه بيت تميم وشرفها. وقال حنظلة: ولدت لمالك وولد لى مالك. وقال جرير لعمر بن لجأ:
فلم تلدوا النور، ولم تلد كم ... مفداة المباركة الولود
ومما يروى من قديم الشعر قول دويد بن زيد بن نهد، قال حين حضره الموت:
اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحداً كفيته ... يا رب نهب صالح حويته
ورب غيل حسن لويته ... ومعصم مخضب ثنيته
وقال أيضاً: ألقى على الدهر رجلاً ويدا والدهر ما أصلح يوماً أفسدا يصلحه اليوم ويفسده غدا قال: وأوصى بنيه عند موته فقال: أوصيكم بالناس شراً، لا تقبلوا لهم معذرة، ولا تقيلوهم عثرة.
وقال أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، وهو منبه أبو باهلة وغني والطفاوة:
قالت عٌمَيرَةٌ: ما لِرأسِكَ بَعدَمَا ... نَفِدَ الزّمانٌ أتَى بِلونٍ مُنكَرِ
أعُمَيرَ إِنّ أباكِ شَيبَ رأسَهُ ... كَرّ الّليالي وَاختِلافُ الأعصُرِ
فبهذا البيت سُميَ أعصُرَ، وقد يقول قومٌ: يَعصُرُ، وليس بشيء.
ومنهم المُستَوغِر بن رَبِيعَة بن كَعب بن سَعد بن زيد مناة ابن تميم كان قديماً، وبقي بقاءً طويلاً حتى قال:
ولقَد سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وطُولِها ... وازددتُ من عدَدِ السّنِنَ مِئِينَا
مِئَةٌ أتَت من بَعدِها مِئتان لي ... وازددتُ من عَدَد الشهورِ سِنينَا
هَل ما بَقا إلاّ كما قد فاتنا ... يومٌ يكُر وليلةٌ تحدُونا
قوله بقا: يريد بقي، وفنا: يريد فَنِيَ، وهما لغتان لطيئ. وقد تكلمت بهما العرب، وهما في لغة طيئ أكثر، قال زهير بن أبي سلمى:
تَرَبّعَ صَارَةً حتّى إذا ما ... فنا الدّحلاَنُ عنهُ والإضَاءُ
أنشدنيها يونس. وأنشدني له عبد الله بن ميمون المرئ:
إذا ما المرءُ صمّ فَلم يُناجي ... وَأودَى سَمهُ إلاّ ندَايَا
وَلاعَبَ بِالعَشِيّ بنِى بَنِيهِ، ... كَفِعلِ الهرّ يَحترِش العَظَايَا
يُلاعبُهم، وَوَدوا لَو سَقوهُ ... من الذيفان مترعة ملايا
فلا ذاق النعيم ولا شرابا ... ولا يسقىِ منَ المرضِ الشفايَا
ومنهم زهير بن جناب الكلبي، كان قديماً شريف الولد، وطال عمره فقال:
أَبنِي إن أَهلِك فإني ... قد بَنَيتُ لكم بَنيه
وجعلتكم أبناء سا ... داتٍ زنادكم وريه
مِن كلّ ما نال الفتى ... قد نِلتُهُ، إلا التّحِيه
كم من مُحَيي لا يُوَا ... زيني،ولا يَهَبُ الرّعيّه

(1/5)


ولقد رأيتُ النارَ للسّلا ... فِ توقَدُ في طميه
ولقد رحلتُ البازلَ ال ... وجنَاءَ ليس لها وَلِيّه
ولقد غدَوتُ بمُشرِفِ ... الطّرَفينِ لم يغمز شظِيه
فأصَبتُ من حُمرِ القَنا ... نِ معاً ومن حُمُرِ القَفِيّه
ونطقتُ خُطبة ماجدٍ ... غير الضعيف ولا العَييه
والموت خيرٌ للفتى ... وليَهلِكَن وبه بقيه
من أن يُرَى الشيخَ البَجَا ... لَ، وقَد يُهادَى بالعَشيّه
وقال جذيمة الأبرش:
رُبما أوفَيتُ في علَمٍ ... تَرفعن ثَوبي شَمالاتُ
في فُتو أنا رابُئهم، ... من كلال غزوة ماتوا
ليتَ شِعرِي ما أماتَهُمُ؟ ... نَحنُ أدلَجنا وهم بَاتوا
وقال امرؤ القيس:
عُوجا على الطّلَلِ المُحِيل لعلنا ... نبكي الدّيارَ كما بكى ابن حذام
وهو رجل من طيئ لم نسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعراً غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس.
وكان أول من قصد القصائد وذكر الوقائع، المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب وائل، قتلته بنو شيبان، وكان اسم المهلهل عدياً، وإنما سمي مهلهلاً لهلهلة شعره كهلهلة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه، ومن ذلك قول النابغة:
أتاك بقولٍ هَلهَلِ النّسجِ كاذِبٍ ... ولم يأت بالحقّ الذّي هوَ ناصعُ
وزعمت العرب أنه كان يدعى في شعره، ويتكثر في قوله بأكثر من فعله.
وكان شعراء الجاهلية في ربيعة: أولهم المهلهل، والمرقشان، وسعد بن مالك، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة والحارث بن حلزة، والمتلمس، والأعشى، والمسيب بن علس.
ثم تحول الشعر في قيس، فمنهم: النابغة الذبياني وهم يعدون زهير بن أبي سلمى من عبد الله بن غطفان، وابنه كعباً ولبيد، والنابغة الجعدي، والحطيئة، والشماخ، وأخوه مزرد، وخداش بن زهير، ثم آل ذلك إلى تميم، فلم يزل فيهم إلى اليوم.
كان امرؤ القيس بن حجر بعد مهلهل، ومهلهل خاله، وطرفة وعبيد وعمرو بن قميئة والمتلمس، في عصر واحد.
فكان من الشعراء من يتأله في جاهليته ويتعفف في شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكم في الهجاء يقال: يتهكم ويتهكم. قال الفضل: ويقال: ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئاً ومنهم من كان ينعى على نفسه ويتعهر. منهم امرؤ القيس، قال:
وَمِلِك حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ ... فَألْيتُها عن ذي تمائِمَ مُحْوِلِ
وقال:
دَخَلْتُ وقَدْ أَلقت لِنَوْمٍ ثِيابها ... لَدَى السّتْرِ، إلاّ لِبْسَةَ المُتَفَضّلِ
وقال:
سَمَوْتُ إليها بَعْدَ ما نامَ أَهْلُها ... سُمُوّ حبابِ الماءِ حَالاً على حَالِ
ومنهم الأعشى، قال:
ظلِلْتُ أرْعاها وظَلّ يَحوطُها، ... حتى دَنَوْتُ إذِ الظّلامُ دَنَالَها
وقال:
وأقْرَرْتُ عَيْنِي مِنَ الغانِيا ... تِ، إمّا نكاحاً وإما أُزَنْ
وقال:
وقد أُخْرِجُ الكاعبَ المُسْتَرَا ... ةَ من خِدْرها، وأُشِيعُ القِمارَا
وقال:
ورَادِعَةٍ بالطّيبِ صَفْراءَ عنْدَنا ... لِجَسّ النّدَامى في يَدِ الدِرْع مَفْتَقُ
وقال:
وقَدْ أخالسُ رَبّ البيتِ غَفْلَتَهُ، ... وقد يُحاذِرُ منّي، ثُمّ ما يَئلُ
وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام في هذا الفن قال:
هُمَا دَلتَاني من ثمانِينَ قامةً ... كما انْقَضّ بَازٍ أقْتَمَ الّريشِ كاسرُهْ
فلَمّا اسْتوَتْ رِجْلايَ في الأرضِ نادتَا ... أحيّا يُرَجّى، أم قتيلاً نحاذِرُهْ
فقلتُ: ارْفعوا الأسبابَ لا يفْطُنوا بنا! ... ووليّتُ في أعجازِ لَيلٍ أُبادِرُهْ
وأصبحتُ في القوم الجُلُوسِ، وأصبحتْ ... مُغَلّقةً دُوني عليها دسَا كرُهْ
قالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة، فأجله ثلاثاً، ثم أخرجه عنها.
قال، وقال يونس: كان للفرزدق غلامان، أحدهما اسمه وقاع والآخر نقطة ولوقاع يقول الفرزدق:

(1/6)


تغَلْغَلَ وقّاعٌ إليها، فأصبحتْ ... تخوضُ خُداريّا من الليلِ أخضرَا
لطِيفٌ، إذا ما انغلّ أدركَ ما ابتغى، ... إذا هو للظّبي الغريرِ تقتّرا
وقال أيضاً:
فأبلغَهُنّ وحيَ القولِ عنّي ... وأدخلَ رأسه تحت القرامِ
أُسَيّدُ ذو خرَيّطةٍ نهاراً، ... من المُتلَقّطي قَرَدِ القُمامِ
فقلنَ له: نواعدُك الثرَيا ... وذاك إليه مُجْتَمَعُ الزّحامِ
ثلاثٌ واثنتانِ، فهنّ خمس ... وسادسةٌ تميلُ إلى الشّمامِ
الشّمامُ: المشامّةُ.
فبِتنَ بجانِبيّ مُصَرّعاتٍ ... وبتّ أُفض أغلاقَ الخٍتَامِ
وكان جرير مع إفراطه في الهجاء، يعف عن ذكر النساء، كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.
قال ابن سلام: فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم. وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلت. وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولاما وضعوا، ولاما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال.
قال ابن سلام: أخبرني أبو عبيدة أن ابن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها فلما توالى لك علمنا أنه يفتعله.
وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها: حماد الراوية وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار.
قال ابن سلام، أخبرني أبو عبيدة، عن يونس، قال: قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها، فقال: أما أطرفتني شيئاً! فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، قال: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى لا أعلم به، وأنا أروى شعر الحطيئة؟! ولكن دعها تذهب في الناس.
قال ابن سلام، أخبرني أبو عبيدة، عن عمر بن سعيد بن وهب الثقفي قال: كان حماد لي صديقاً ملطفاً، فعرض على ما قبله يوماً، فقلت له: أمل على قصيدة لأخوالي بني سعد بن مالك، لطرفة، فأملى علي:
إنّ الخليطَ أجدّ مُنْتَقَلهْ ... ولذاك زُمّتْ غُدوَةً إبلُهْ
عَهدي بهم في النقب قد سَنَدوا ... تهدي صعاب مطيّهم ذُلُلُهْ
وهي لأعشى همدان.
وسمعت يونس يقول: العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر.
ثم إنا اقتصرنا بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم إلى رهط أربعة، اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة، ثم اختلفوا فيهم بعد. وسنسوق اختلافهم واتفاقهم، ونسمي الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم وليس تبدئتنا أحدهم في الكتاب نحكم له، ولابد من مبتدأ ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى.
طبقات الشعراء الجاهليين
الطبقة الأولى
امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة.
ونابغة بني ذبيان، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، ويكنى أبا أمامة.
وزهير بن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رباح بن قرط بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة.
والأعشى، وهو ميمون بن يس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، ويكنى أبا بصير.
أخبرني يونس بن حبيب: أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيراً والنابغة.
وأخبرني يونس كالمتعجب: أن ابن أبي إسحاق كان يقول: أشعر أهل الجاهلية مرقش، وأشعر أهل الإسلام كثيّر. ولم يقبل هذا القول ولم يشيع.

(1/7)


وأخبرني شعيب بن صخر، عن هارون بن إبراهيم، قال: سمعت قائلاً يقول للفرزدق: من أشعر الناس يا أبا فراس؟ قال: ذو القروح، يعني امرأ القيس. قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:
وقاهم جدّهُمُ ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقابُ
وأفلتُنّ عِلْباءُ جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب
أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: سمعت رجلاً يسأل يونس عن قوله: صفر الوطاب، فقال: سألنا رؤبة عنه فقال: لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله، فصفرت وطابه من اللبن. وقال غيره: صفر الوطاب، أي أنه كان يقتل، فيكون جسمه صفراً من دمه، كما يكون الوطاب صفراً من اللبن.
وأخبرني شعيب بن صخر، قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد عامر بن عبد الملك لزهير أو النابغة، فقال: يا أبا عبد الله، هذا والله لأقول الأعشى:
لسنا نقاتلُ بالعِصِيّ ... ولا نُرَامي بالحجارهْط
وأخبرني أبان بن عثمان البجلي قال: مر لبيد بالكوفة في بني نهد، فأتبعوه رسولاً سؤولاً يسئله: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل فأعادوه إليه، قال: ثم من؟ قال الغلام القتيل وقال غير أبان: ابن العشرين، يعني طرفة قال: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل يعني نفسه فهذان امرؤ القيس وطرفة.
قال يونس: كل شيء في القرآن: فأتبعه، أي طالبه وأتبعه، يتلوه.
فاحتج لامرئ القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتبعته فيها الشعراء: استيقاف صحبه، والتبكاء في الديار، ورقة النسيب وقرب المأخذ، وشبه النساء بالظباء وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين المعنى.
كان أحسن أهل طبقته تشبيهاً، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرمة.
وقال من احتج للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً، كأن شعره كلام ليس فيه تكلف والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر، والشعر يحتاج إلي البناء والعروض والقوافي، والمتكلم مطلق يتخير الكلام وإنما نبغ بالشعر بعدما أسن واحتنك، وهلك قبل أن يهتر.
ويروى أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول:
فلست بمستبٍق أخاً لا تلُمّه ... إلى شعثٍ، أي الرجال المهذب؟
قالوا: النابغة. قال: هو أشعرهم وبنو سعد بن زيد مناة تدعى هذا البيت لرجل من بني مالك بن سعد يقال له: شقة، أنشدناه له حلابس العطاردي. وأخبرني خلف الأحمر أنه سمع من أعراب بني سعد لهذا الرجل.
وأخبرني خلف: أنه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزبرقان بن بدر، فمن رواه للنابغة قال:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقى مربِضَ المُستثفِرِ الحامي
وهي الكلمة التي أولها:
قالت بنو عامرٍ: خالوا بني أسد ... يا بؤسَ للجهل ضرّاراً لأقوام
ومن رواه للزبرقان بن بدر قال:
إن الذئاب ترى من لا كلاب له ... وتحتمي مربِض المُستَثفر الحامي
ويروى: وتتقي، وهذا البيت في قوله:
أبلغ سراة بني عوف مغلغلة
وسألت يونس عن البيت فقال: هو للنابغة، أظن الزبرقان استزاده في شعره كالمثل حين جاءه موضعه، لا مجتلباً له.
وقد تفعل ذلك العرب، لا يريدون به السرقة، قال أبو الصلت بن ربيعة الثقفي:
تلك المكارم لا قَعْبانِ من لبن ... شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا
وقال النابغة الجعدي، في كلمة فخر بها، ورد فيها على القشيري:
فإن يكن حاجبٌ ممن فخرت به ... فلم يكن حاجبٌ عمّاً ولا خالا
هلاّ فخَرتَ بيَومي رَحْرحان، وقد ... ظنت هوازن أن العِزّ قد زالا
تلك المكارمُ لا قعبانِ من لبنٍ ... شيبَا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
ترويه عامر للنابغة، والرواة مجتمعون أن أبا الصلت بن أبي ربيعة قاله.
وقال غير واحد من الرجاز:
عند الصباح يحمد القوم السّرى
إذا جاء موضعه جعلوه مثلاً، وقال امرؤ القيس:
وقوفاً بها صَحْبي على مَطِيّهُم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّلِ
وقال طرفة:
وقوفاً بها صَحبي علي مطيّهمُ ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
ويروى عن الشعبي، عن ربعي بن حراش، أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول:

(1/8)


فألفيتُ الأمانة لم تخُنْها ... كذلك كان نوحٌ لا يخونُ
وهذا غلط على الشعبي، أو من الشعبي، أو من ابن حراش. أجمع أهل العلم أن النابغة لم يقل هذا، ولم يسمعه عمر، ولكنهم غلطوا بغيره من شعر النابغة، فإنه قد ذكر لي أن عمر بن الخطاب سأل عن بيت النابغة:
حَلَفْتُ فلم أتركْ لنفسِك رِيبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
وحرىٌَ أن يكون هذا البيت، أو البيت الأول.
وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله. وقد تروى العامة أن الشعبي كان ذا علم بالشعر وأيام العرب، وقد روى عنه هذا البيت، وهو فاسدٌ. وروى عنه شيء يحمل على لبيد:
باتت تشكي إلى النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعين
فإن تعيشي ثلاثاً تبلغي أملاً ... وفي الثلاث وفاءٌ للثمانين
ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصي.
وكان قتادة بن دعامة السدوسي من رواة الفقه، عالماً بالعرب وبأنسابها، ولم يأتنا عن أحدٍ من رواة الفقه من علم العرب أصح من شيء أتانا عن قتادة.
أخبرنا عامر بن عبد الملك قال: كان الرجلان من بني مروان يختلفان في الشعر، فيرسلان راكباً فينيخ ببابه، يعنى قتادة بن دعامة، فيسأله عنه ثم يشخص.
أخبرني سعيد بن عبيد، عن أبي عوانة أنه قال: شهدت عامر بن عبد الملك يسأل قتادة عن أيام العرب وأنسابها وأحاديثها، فاستحسنته. فعدت إليه فجعلت أسأله عن ذلك.
ويروى عن بعض أصحابنا، قال: رأيت راكباً فدم من الشأم، فأناخ على باب قتادة فسأله: من قتل عمراً وعامراً التغلبين يوم قضة؟ قال جحدر: فأعادوا إليه الرسول: كيف قتلهما جميعاً؟ فال أعتوراه، فطعن هذا بالسنان وهذا بالزج، فعادى بينهما. ثم رحل مكانه.
وكان أبوالمعتمر الشيباني كثير الحديث عن العرب، وعن معاوية وعمرو بن العاص وزياد وطبقتهم، وكان يقول أخذته عن قتادة وكان أبو بكر الهذلي يروى هذا العلم عن قتادة.
أخبرني عيسى بن يزيد بن دأب بإسناد له، عن ابن عباس قال، قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت من هو يا أمير المؤمنين؟ قال زهير. قلت وكان كذلك! قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.
وأخبرني عمر بن موسى الجمحي، عن أخيه قدامة بن موسى، وكان من علماء أهل المدينة: أنه كان يقدم زهيراً. قلنا: فأي شعره كان أعجب إليه؟ قال: التي يقول فيها:
قد جعلَ المبتغون الخيرَ في هرِم ... والسائلون إلى أبوابه طُرُقَا
مَنْ يلقَ يوماً على علاته هرماً ... يلقَ الّسماحة منه والنّدى خُلُقا
وقال أهل النظر: كان زهير أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح،وأكثرهم أمثالاً في شعره.
وأخبرني أبو قيس العنبري ولم أرَ بدوياً يزيد عليه عن عكرمة بن جرير، قال: قلت لأبي: ياأبه، من أشعر الناس؟ قال: أعن أهل الجاهلية تسألني أم أهل الإسلام؟ قلت: ما أردت إلا الإسلام، فإذ ذكرت أهل الجاهلية فأخبرني عن أهلها. قال: زهير شاعرها. قال: قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر. قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني، فإني أنا نحرت الشعر نحراً.
وقال أصحاب الأعشى: هو أكثرهم عروضاً، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، وأكثرهم مدحاً وهجاء وفخراً ووصفاً، كل ذلك عنده.
وكان أول من سأل بشعره، ولم يكن له مع ذلك بيت نادر على أفواه الناس كأبيات أصحابه.
وشهدت خلفاً، فقيل له: من أشعر الناس؟ فقال: ما ننتهي إلى واحد يجتمع، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس. قلت: فأيهم أعجب إليك يا أبا محرز؟ قال الأعشى. قال: أظنه قال: كان أجمعهم.
وكان أبو الخطاب الأخفش مستهتراً به يقدمه. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: مثله مثل البازي، يضرب كبير الطير وصغيره. ويقول: نظيره في الإسلام جرير، ونظير النابغة الأخطل ونظير زهير الفرزدق.
وروى سليمان بن إسحق الربالي، عن يونس، أنه قال: الشعر كالسراء والشجاعة والجمال، ولا ينتهي منه إلى غاية.

(1/9)


أخبرني الميب بن سعيد، عن هشام بن القاسم، مولى بن غُبر - وقد رأيته، وكان علية أهل البصرة، وكان يصلى على جنائز بني غُبر - قال أول من سأل بشعره الأعشى.
ولم يقو من هذه الطبقة ولا من أشباههم إلا النابغة في بيتين، قوله:
أمِنَ آلِ ميَّة رائحٌ أو مُغتدِى ... عَجلانَ، ذا زادٍ وغيرَ مزوّدِ
زَعَم البوارحُ أنّ رحلتنا غداً ... وبذاك خبّرنا الغدافُ الأسودُ
وقوله:
سقطَ النّصيفُ ولم يرد إسقاطهُ ... فتناولتهُ واتقتنا باليدِ
بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقدُ
العنم: نبت أحمر يصبغ به، فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه لهما حتى أسمعوه إياه في غناءٍ - وأهل القرى ألطف نظراً من أهل البدو، وكانوا يكتبون، لجوارهم أهل الكتاب - فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلي. فلما قالت: الغداف الأسود ويعقد وباليد، علم وانتبه، فلم يعد فيه. وقال قدمت الحجاز وفي شعري صنعة، ورحلت عنها أشعر الناس.
قال يونس: عيوب الشعر أربعة: الزحاف، والسناد، والإقواء، والإيطاء، والإكفاء وهو الإ قواء. والزحاف أهونها وهو أن ينقص الجزء عن سائر الأجزاء، فينكره السمع ويثقل على اللسان. وهو في ذلك جائز. والأجزاء مختلفة فمنها ما نقصانه أخفى، ومنها ما نقصانه أشنع قال الهذلي:
لعّلك إما أمُّ عمرو تبدلت ... سواكَ خليلاً شاتمي تستخيرها
فهذا مزاحف في كاف سواك، وهو خفي، ومن أنشده:
لعلك إما أم عمرو تبدلت ... خليلا سواك شاتمي تستخيرها
فهذا أفظع، وهو جائز. والاستخارة: الاستعطاف. ويقال: تبغمت الظبية تستخير ولدها أي تستدعيه. ومنه قيل أستخير الله: أي أستعطفه.
وهو نحو قول الفرزدق:
فإن كان هذا الأمرُ في جاهليةٍ ... علمتَ من المولى القليلُ حلائبُهْ
ولو كان هذا غير دينِ محمدٍ ... لأديتَهُ، أو غصّ بالماء شاربُهْ
مزاحف خفي، ومن قال: " لأديت أو لغص بالماء شاربه " فهو أفظع. وهو أكثر من أن يعد.
وكان الخليل بن أحمد يستحسنه في الشعر إذا قل في البيت والبيتين، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج.
فإن قيل: كيف يستحسن منه شيء وقد قيل هو عيب؟ قال: يكون هذا مثل القبل والحول واللثغ في الجارية، قد يشتهى القليل منه الخفيف، وهو إن كثر عند رجل في جوار، أو اشتد في جارية، هجن وسمج. والواضح في الخيل يستطرف ويشتهى خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا كثر وفشا كانت هجنة ووهناً. وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط ولم أسمع به سابقاً.
والإقواء هو الإكفاء، مهموز وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة، وأخرى مخفوضة أو منصوبة، وهو في شعر الأعراب كثير، ودون الفحول من الشعراء، ولا يجوز لمولد لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر.
فقلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوي؟ قال: الإقواء خير منه يعني من فوقه من الشعراء يقوى غير أن الفحول قد استجازوا في موضع نحو قول جرير:
عرينٌ من عُرَينةَ ليس منّا ... بَرِءتُ إلى عُرَيْنة من عرينِ
عرفنا جعفراً وبني عُبيدٍ ... وأنْكرْنا زعانِف آخرين
وقال سحيم بن وثيل:
عَذَرْتُ البُزْلَ إن هي خاطرتْني ... فما بالي وبالُ ابن اللّبُونِ
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزتُ رأسَ الأربعينِ
فموضع هذه الأبيات له ولجرير، النصب، ولكنه كأنه سكت عند القافية.
ومنه الإيطاء، وهو أن تتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن كان أكثر من قافيتين فهو أسمج له، وقد يكون. ولا يجوز لمولد، إذ كان عنده عيباً. فإذا اتفق اللفظ واختلف المعنى، فهو جائز، نحو قولك: " محمد " تريد الاسم، و " جواد محمد " ، تريد الفعل. وتقول: " خيار " ، تريد: خيار من الله، وتقول: " خيار " ، أي خيار من قوم، فيجوز. ونحو هذا كثير، وأهل البادية لا ينكرونه. وأنشد سلمة ابن عياش أبحية النميري، كلمة طويلة جداً يقول فيها:
طَرِبتَ وما هذا بحِين تَطربِ ... ورأسُك مُبيض العذارين أشيبُ
قال له النميري: أرى فيها عيباً. قال: ما هو؟ قال: لم أرك أعدت قافية بعد قافية. عده عيباً. أظنه عابه إذ رأى أنه هرب منه.

(1/10)


والمواطأة في الأمر، يقال منه: واطأته على كذا وكذا، ومنه: " ليواطئوا عدة ما حرم الله " أي ليوافقوا.
كانت العرب تحرم أربعة أشهر من السنة، كما كان بأيديهم من إرث إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وكانت توالى عليهم ثلاثة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فيطول عليهم أن لا يغزوا ولا يحاربوا، وكان لهم نسأة من بني كنانة، تؤخر المحرم عاماً وترده عاما،و ذلك قول الله عز وجل: " إنما النسى زيادة في الكفر " (سورة التوبة: 37) وهي في الذين يريدون أن يجعلوا أربعة حرما. المحرم، عام حجة الوداع من النبي صلى الله عليه، الشهر الذي حرمه الله بعينه، فقال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " .
وكان الذي يسمع الناس عنه صلى الله عليه وسلم، ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، وكان في صوته رقاع. فأصاب بعد ذلك في عهد عمر بن الخطاب حداً بالشأم، فضرب فأدركته الحمية، فلحق بالروم، فهلك فيهم، فكره الناس بعد ذلك أن يقيموا حداً بأرض العدو.
وكانت العرب تسمى رجباً: الأصم، ويسمونه منصل الأسنة، وكانوا ينصلون أسنتهم فيه لموضع الحرب، قال دريد بن الصمة:
تَدَاركَهُ في مُنْصِلِ الألّ بعدما ... مضى غير دَأْدَاةٍ، وقد كاد يعطبُ
والدأداةُ: الليلة التي تكون في آخر الشهر يشك فيها.
والسّنَاد: وهو أن تختلف القوافي نحو: نقيبٌ وعيبٌ؛ وقريبٌ، وشيبٌ، منه قول الفضل ابن العباس اللهبي:
عبدُ شمْس أبي، فإن كنتِ غَضْبيَ ... فامْلئي وجهك الجميلَ خُمُوشَا
وقال:
وبنا سميت قريش قريشا
وقال:
..... ولا تمليت عيشا
وقال عدي بن زيد:
فناجاها، وقد جمعت فُيُوجا ... على أبوابِ حصْنٍ مُصْلتينا
فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا
قال المفضل: " كذباً مبيناً " ، فر من السناد، والرواية هي الأولى على قوله: " وميتا " .
وقال الفضل بن عبد الرحمن بن عباس، في مرثية زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم:
..... ليس ذا حين الجمود
ثم قال:
..... فوق العمود "
ثم قال:
وكيف جمود دمعك بعد زيد
ومنه قول العرب: خرج القوم برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهو من قولهم: " كانت قريش يوم الفجار متساندين " ، أي لا يقودهم رجل واحد.
وقال الحجاج، فأفرط وجاوز السناد، مع حذقه:
ثم رأى أهل الدّسِيعِ الأعظم ... خِنْدف، والجد الخِضَمّ المُخْضم
وعليةَ الناس وأهل الحُكّمِ ... ومستقر المصحف المرقم
عند كريم منهم مكرم ... معلم آى الهدى معلم
مباركٍ للأنبياء خاتمِ ... وخِنْدِفٌ هامة هذا العالمِ
فساند في بيتين سناداً فاحشاً أخذه الناس عليه.
وأخبرني سلمة بن عياش، قال قلت لرؤبة: أبوك أشعر منك. قال: أنا أشعر منه، هو يقول:
وخندف هامة هذا العالم
وقال العجاج:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وهي لغة لهم، سمعت أبا عون الحرمازي يقول: " ليت أباك منطلقاً، وليت زيداً قاعداً " . وأخبرني أبو يعلى: أن منشأه بلاد العجاج، فأخذها عنهم.
وقد تغلط مقاحيم الشعراء وثنيانهم والمقحم: الذي يقتحم سناً إلى أخرى، ليس بالبازل ولا المستحكم. والثنيان: العاجز الواهن، قال أوس بن حجر:
وقد رام بحري قبل ذلك طامياً ... من الشعراء كل عودٍ ومقحم
وقال أوس بن مغراء:
ثُنْياننا، إن أتاهم، كان بدأهُمُ ... وبدؤهم، إن أتانا، كان ثنيانا
فيغلطون في السين والصاد، والميم والنون، والدال والطاء، وأحرف يتقارب مخرجها من اللسان، تشتبه عليه. أنشدني أبو العطاف:
أرْمي بها مطالع النجوم ... رمىَ سليمان بذي غضونِ
وقال زغيب بن نسير العنبري:
نظرت بأعلى الصوقِ والبابُ دونَه ... إلى نَعَمٍ ترعى قوافي مسردِ
الصوق: السوق. ثم قال: " كحيل مخلط " ، فقلت له: قل " معقد " فيصح لك المعنى وتستقيم القوافي. قال: أجل! فاستعدته فعاد إلى قوله الأول. وقال أبو الدهماء العنبري:
فلا عيبَ فيها غير أن جنينها ... جهيضٌ، وفي العينين منها التخاوُصُ

(1/11)


ثم قال: " بالثياب الطيالس " ثم قال: " والماء جامس " . وكان يقول: " الصويق، وبر مكيول، وثوب مخيوط " . وقال أبو الدهماء يهجو شويعرا من عكل وكان أبو الدهماء أفصح الناس فقال يذكر جردانه:
ويلُ الحَبالى إذ أصاب الرّكَبَا ... يستخرجُ الصبيان منه خِذَما
واستحسن الناس من تشبيه امرئ القيس:
كأنّ قلوبَ الطّيرِ رطْباً ويابساً ... لدَى وَكْرِها العُنّابُ والحشفُ البالي
وقوله:
كأني بفَتْخَاءِ الجناحين لقوةٍ ... دفوفٍ من العِقبان، طأطأتُ شمْلالِ
وقوله:
بعِجِلزَةٍ قد أترَزَ الجَريُ لحمَها ... كميتٍ، كأنها هِرَاوةُ مِنْوَالِ
وصُم حوامٍ ما يقين من الوجى، ... كأن مكان الردفِ منها على رالِ
وقوله:
نظرتُ إليها، والنجوم كأنها ... مصابيحُ رُهبانٍ تُشبّ لقُفالِ
كأن الصّوَار، إذ تجاهَدْنَ غُدوةً ... على جمزَى خيلٌ تجول بأجلال
وقوله:
أيقتلني والمشرَفيّ مضُاجعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أغوالِ؟
وقوله:
كأني غداة البين حين تحملوا ... لدَى سَمُراتِ الحيّ، ناقفُ حنظلِ
وقوله:
مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً ... كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من علِ
وقوله:
له أيْطلاَ ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريبُ تتفُلِ
وقوله:
دَريرٍ كخُذْرُوفِ الوليدِ، أدَرّه ... تتابعُ كفّيه بخيطٍ موصّلِ
وقوله:
كُمَيْتٍ، يَزِلّ اللّبْدُ عن حالِ متْنِه ... كما زلّتِ الصّفواءُ بالمتنزّلِ
وقوله:
كأن دماءَ الهادياتِ بنحرِهِ ... عُصارةُ حِنّاءٍ بشيبٍ مُرَجّلِ
وقوله:
وليلٍ كموجِ البحرِ، أرخى سُدُوله ... عليّ، بأنواع الهموم ليبتلي
قوله:
فيالكَ من ليلٍ كأن نجومَهُ ... بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جندلِ
خيروا بينه وبين قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خِلتُ أن المُنتأى عنك واسع
فزعم بعض الأشياخ أن بيت النابغة أحكمهما وقوله:
ترائبها مصقولةٌ كالسّجنجلِ
هي المرآة بالرومية.
وقوله:
إذا ما الثّريا في السماء تعرّضت ... تعرّضَ أثناء الوشاح المفصّلِ
قال: فأنكر قومٌ قوله: " إذا ما الثريا في السماء تعرّضت " . وقالوا: الثريا لا تعرض. وقال بعض العلماء عني الجوزاء. وقد تفعل العرب بعض ذلك، قال زهير:
فَتُنتجْ لكمْ غِلمانَ أشأم، كلهم ... كأحمر عادٍ، ثم تُرضع فتفطم
يعني: أحمر ثمود. وقوله:
يظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحمٍ كهُداب الدّمَقسِ المُفتّلِ
وقال يصف فرساً:
بذي ميعه،كأن أدبي ساقطه ... وتقريبه،هوناً، دآليل ثعلب
عظيم،طويل مطمئن،كأنه ... بأسفل ذي مأوان،سرحه مرقب
له أيطلا ظبي وساقا نعامه ... وصهوة غير قائم فوق مرقب
له جؤجؤ حشر.كآن لجامه ... يعالى به في رأس جذع مشذب
وعينان كالماويتين،ومحجر ... إلى سند مثل الرياح المنضب
اذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... نقول هزيز الريح مرت بأثأب
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب
وقال أيضاً:
تروح كأنها مما أصاب ... معلقه بأحقيها الدلى
إذا ما قام حالبها أرنّتْ ... كأنّ الحيّ صبحهم نَعِيّ
أخبرني يونس بن حبيب، قال، قال ذو الرمة: من أحسن الناس وصفاً للمطر؟ فذكروا قول عبيد:
دانٍ مُسِفٍ فُوَيْقَ الأرض هيْدَبُه ... يكاد يدفعُهُ من قام بالراحِ
فمن بنجوته كمن بمَحفله ... والمستكِنّ كمن يمشي بقرواحِ
فجعلها يونس لعبيد، وعلى ذلك كان إجماعنا، فلما قدم المفضل صرفها إلى أوس بن حجر وذكروا قول عبد بني الحسحاس:
نَعِمْتُ به ظنّا، وأيقنتُ أنه ... يحُط الوُعولَ والصّخور الرّواسيا

(1/12)


وما حرّكتْه الريح حتى ظننته ... بحرّةِ ليلى أو بنخلة ثاويا
فدرّ على الأنهاء أول مُزْنِهِ ... فعنّ طويلاً يسكب الماء ساحيا
رُكامٌ يسُحُ الماء عن كل فيقةٍ ... ويغدر في القيعان رَنقاً وصافيَا
ومرّ على الأجبال أجبالِ طيئ ... كما سُقْتَ منكوبَ الّدوابر حافيا
أجشّ هزيمٌ سيْلُهُ مع ودْقِهِ ... ترى خُشُبَ الغُلاّن فيه طوافيا
بكى شجْوَه واغتاظ حتى حسبتُهُ ... من البعد لما جلجل الرعدُ حاديا
فقال ذو الرمة: بل قول امرئ القيس أجود حيث يقول:
ديمةٌ هَطْلاءُ فيها وطفٌ ... طبق الأرض تحرّى وتَدرّ
تُخرجُ الودّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تشتكرْ
وترى الضبّ خفيفاً ماهراً ... ثانيا بُرثنهُ ما ينْعَفِرْ
وترى الشجراء في ريقها ... كرؤوس قُطّعت فيها الخُمُرْ
ساعةً، ثم انتحاها وابلٌ ... ساقط الأكناف واهٍ منهمرْ
راحَ تمْريهِ الصبا، ثم انتحى ... فيه شؤبوبُ جنوبٍ منفجر
ثجّ حتى ضاق عن آذيه ... عرض خيمٍ فخفافٌ فيسر
قد غدا يحملني في أنفه ... لاحقُ الأيطلِ محبوكٌ ممر
الطبقة الثانية
أوس بن حجر بن عتاب بن عبد الله بن عدي بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم، وهو المقدم عليهم.
وبشر بن أبي خازم الأسدي وكعب بن زهير بن أبي سلمى.
والحطيئة، أبو مليكة، جرول بن أوس بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان.
وأوس نظير الأربعة المتقدمين، إلا أنا اقتصرنا في الطبقات على أربعة رهط.
وقال يونس، قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وكان زهير راويته.
وقال أبو على الحرمازي: كان أوس زوج أم زهير.
قلت لعمرو بن معاذ التيمي، وكان بصيراً بالشعر: من أشعر الناس؟ قال: أوس. قلت: ثم من؟ قال: أبو ذؤيب.
قال: فأوس شاعر مضر، والأعشى شاعر ربيعة.
... وكان أخوه بجير بن زهير أسلم، وشهد مع النبي عليه السلام فتح مكة وحنيناً، فأرسل إليه كعبٌ أبياتاً ينهاه عن الإسلام، وذكره للنبي عليه السلام فأوعده، فأرسل بجير إليه: " ويلك! إن النبي أوعدك، وقد أوعد رجالاً بمكة فقتلهم، وهو والله قاتلك أو تأتيه فتسلم " ، فاستطير ولفظته الأرض.
أنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، قال: وأخبرني محمد بن سليمان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: قدم كعب متنكراً حين بلغه عن النبي ما بلغه، فأتى أبا بكر، فلما صلى الصبح أتى به وهو متلثم بعمامته، فقال: يا رسول الله! رجل يبايعك على الإسلام. وبسط يده وحسر عن وجهه، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، أنا كعب بن زهير. فتجهمته الأنصار وغلظت عليه، لما ذكر به رسول الله، ولانت له قريش وأحبوا إسلامه وإيمانه. فأمنه رسول الله، فأنشد مدحته التي يقول فيها:
بانت سعادُ، فقلبي اليومَ متبولُ ... متيّم إثرها، لم يُشفَ، مكبولُ
حتى انتهى إلى قوله:
وقال كلّ خليلٍ كنتُ آمُلُه ... لا ألْفِينّكَ، إني عنك مشغولُ
فقلت: خلّوا سبيلي، لا أبالكم ... فكلّ ما وعَد الرحمن مفعولُ
كل ابنِ أنثى، وإن طالت سلامتُه ... يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
نُبّئتُ أن رسول الله أوعدَني ... والعفو عند رسول الله مأمول
إلى قوله:
إن الرسول لَسَيفٌ يستضاءُ به ... مهنّدٌ من سيوف الله مسلولُ
في فتنةٍ من قريشٍ قال قائلهم ... ببطن مكة، لما أسلموا: زولوا
زالوا، فمازال أنكاسٌ ولا كشفٌ ... يوم اللّقاء، ولاسودٌ معازيلُ
لا يقع الطّعنُ إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليلُ
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى من عنده من قريش، أي: اسمعوا! حتى قال:
يمشون مشْيَ الجمالِ الزّهرِ، يعصِمُهم ... ضربٌ، إذا عرّد السود التنابيلُ

(1/13)


يعرض بالأنصار، لغلطتهم كانت عليه. فأنكرت قريش ما قال، وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم! ولم يقبلوا ذلك حتى قال:
من سرّهُ كَرَمُ الحياةِ، فلا يزل ... في مقنبٍ من صالحِ الأنصار
الباذلين نفوسهم لنبيهم ... يوم الهياج وسطوة الجبار
يتطهرون كأنه نُسُكٌ لهم ... بدماء من عَلِقوا من الكفار
صدموا علياً يوم بدر صدمةً ... ذلتْ لوقعتها جميع نزارِ
يعني بني علي بن مسعود، وهم بنو كنانة.
فكساه النبي صلى الله عليه بردة، اشتراها معاوية من آل كعب بن زهير بمال كثير قد سمي. فهي البردة التي تلبسها الخلفاء في العيدين. زعم ذلك أبان.
وكان الحطيئة متين الشعر شرود القافية، وكان راوية لزهير وآل زهير، واستفرغ شعره في بني قريع.
وقال لكعب بن زهير: قد علمت روايتي شعر أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً، فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع. فقال كعب:
فمن للقوافي؟ شانها من يَحوكها ... إذا ما ثوى كعبٌ وفوّز جرولُ
يقول، فلا يعيي بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل
كفيتك، لاتلقى من الناس واحداً ... تَنَخل منها مثل ما يتنخلُ
يُثقفها حتى تلينَ متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل
فاعترضه مزرد بن ضرار واسمه يزيد، وهو أخو الشماخ، وكان عريضاً أي شديد العارضة كثيرها فقال:
وباسْتِكَ إذ خلفتني خلف شاعر ... من الناس لم أكْفئ ولم أتنحلِ
فإن تجْشبا أجشب، إن تتنخلا ... وإن كنتُ أفتى منكما أتنخّلِ
ولستَ كحسّان الحسام بن ثابتٍ ... ولستَ كشمّاخ ولا كالمخبّلِ
وأنت امرؤٌ من أهل قدسِ أوارةٍ ... أحلّتك عبد الله أكنافَ مبهلِ
مبهل: جبل لعبد الله بن غطفان. وقدس أوارة: جبل لمُزينة. فعزاه إلى مزينة.
وكان أبو سلمى وأهل بيته في بني عبد الله بن غطفان،فبهم يعرفون، وإليهم ينسبون، فقال كعب بن زهير يثبت أنه من مزينة:
ألا أبلغا ها المعرّضَ آية ... أيقظان قال القول إذ قال أو حلمْ
يقال: حلم في المنام أي حلم من الحلم إلى قوله:
أعيرتني عزّاً عزيزاً ومعشرا ... كراماً بنوا لي المجد في باذخٍ أشم؟
هم الأصل مني حيث كنت وإنني ... من المُزنييّن المُصفين بالكرمْ
وقد كانت العرب تفعل ذلك، لايعزى الرجل إلى قبيلة غير التي هو منها، إلا قال: أنا من الذين عبتَ.
كان أبو ضمرة، يزيد بن سنان بن أبي حارثة، لاحى النابغة فنماه إلى قضاعة، فقال النابغة:
جمّع محاشك إلى يزيدُ، فإنني ... أعددتُ يربوعاً لكم وتميماً
ولحقْتُ بالنسب الذي عيرتني ... ووجدتُ نصرك يا يزيد، ذميماً
حدبَتْ عليّ بطونُ ضنّة كلها، ... إنْ ظالماً فيهم وإن مظلوماً
لولا بنو نهْد بن عوف أصبحت ... بالنّعف أمك، يا يزيد، عقيماً
ضنّة بن كبير بن عذرة.
وكان رهط الزبرقان بن بدر يخلجون إلى بني كعب بن يشكر، إلى ذي المجاسد، عامر بن جشم بن كعب، فقال الزبرقان:
فإن أَكُ من كعبِ بن سعدٍ، فإنني ... رضيت بهم من حيّ صدقٍ ووالدِ
وإن يك من كعب بن يشكر منصبي ... فإن أبانا عامرٌ ذو المجاسدِ
قال ابن سلام: ولقد أخبرني بعض أهل العلم من غطفان أنهم من بني عبد الله من غطفان، وأن اعتزاءه إلى مزينة كقول هؤلاء، وأما العامة فهو عندهم مزنيّ ولبس لزهير، ولا لبنيه صليبةً، شعر يعتزون فيه إلى غطفان ولا إلى مزينة، إلا بيت كعب ذاك، وقول بجير:
صبحناهم بسبعٍ من سُلَيْم ... وألفٍ من بني عثمانَ وافِ
وقد يجوز أن يكون غير قومه من المزنيين، فذكرهم كما ذكر سليماً.
ولم يزل في ولد زهير ولم يتصل في ولد أحد من فحول الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، ولا في ولد أحد من الإسلاميين ما اتصل في ولد جرير.
وكان الحطيئة قد عمر دهراً في الجاهلية، وبقي في الإسلام حيناً، وكان جشعاً سؤولاً

(1/14)


وكان مع علقمة بن علاثة حين نافر عامر بن الطفيل، فقال يفضل علقمة:
يا عام، قد كنت ذا باعٍ ومكرمةٍ ... لو أن مسعاة من جاريْتَهُ أمَمُ
جاريتَ فرعاً أجاد الأحوصان به، ... ضخم الدّسيعةِ في عِرْنِينِه شمَمُ
لا يُصْعِبُ الأمر إلا ريْثَ يركبُهُ، ... ولايبيتُ على مالٍ له قسمُ
وكان الأعشى مع عامر بن الطفيل ولبيد بن ربيعة.
وشهد الحطيئة نفار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، أحد بني عدي بن فزارة، وزبّان بن سيار بن عمرو بن جابر، أحد بني مازن بن فزارة، فقال يفضل عيينة على زبان:
أبى لك آباءٌ، أبى لكَ مجدُهم ... سوى المجد، فانظر صاغراً من تنافره
قبورٌ أصابتها السيوف ثلاثةٌ ... نجومٌ هوت في كل نجم مَرائِرُه
فقبرٌ بأجبال، وقبر بحاجرٍ ... وقبر القليب أسعر الحرب ساعِرُه
وَشَرُّ المَنايا هالِكٌ وَسطَ أَهلِهِ ... كَهَلكِ الفَتَاةِ أَيقَظَ الحَيَّ حاضِرُه
قبر بأجبالٍ: يريد قبر بدر بن عمرو، قتيل بني أسد بن خزيمة.
وقبر القليب، وهو الهباءة: قبر حذيفة بن بدر بن عمرو، قتيل بني عبس. وقبر بحاجر: يعني قبر حصن بن حذيفة بن بدر، قتيل بني عقيل بن كعب ونمير بن عامر.
قال: كان الحطيئة سؤولاً جشعاً، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا،والناس في سنة مجدبة، وسخطة من خليفة فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض،فقالوا قد قدم علينا هذا الرجل، وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأل، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها وإن حرمه هجاه. فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئاً معداً يجمعونه بينهم له فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين ديناراً، حتى جمعوا له أربعمئة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلان، وهذه صلة آل فلان فأخذها، فظنوا أ نهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلا ينادي بعد الصلاة فقال: من يحملني على نعلين وقاه الله كبّة جهنم.
أخبرنا أبو خليفة، أخبرنا ابن سلام، قال وأخبرني يونس النحوي، خرج الحطيئة مع ابنته مليكة، وامرأته أُمامة، على ذَودٍ له ثلاث، فنزل منزلاً وسرح زوده. فلما قام للرواح فقد إحداهن، فقال:
أذئبُ الفقر أم ذئبٌ أنيس ... أصاب البكْرَ، أم حدَثُ الليالي؟
ونحن ثلاثةٌ وثلاث ذودٍ ... لقد جار الزمان على عيالي!
وكان سبب هجائه الزبرقان، أنه صادفه بالمدينة وكان قدمها على عمر رضي الله عنه، فقال الحطيئة: وددت أني أصبت رجلاً يحملني وأصفيه وأقتصر عليه. قال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإني على إثرك. فقدم فنزل بحراه، وأرسل الزبرقان إلى امرأته أن أكرمي مثواه. وكانت ابنته مليكة جميلة، فكرهت امرأته مكانها، فظهرت لهم منها جفوة وبغيض بن عامر بن لأي بن شماس، أحد بني قريع بن عوف ينازع يومئذ الزبرقان الشرف؛ والزبرقان أحد بني بهدلة بن عوف، وبغيض أرسخ في الشرف من الزبرقان، وقد ناوأه الزبرقان ببدنه حتى ساواه بل اعتلاه فاغتنم بغيض وأخواه، علقمة وهوذة، ما فيه الحطيئة من الجوفة، فدعواه إلى ما عندهما، فأسرع. فبنوا عليه قبة، ونحروا له وأكرموه كل الإكرام وشدوا بكل طنب من أطناب خبائه جلة من برني هجر قال: والمخبل شاعر مفلق، وهو ابن عمهم يلقاهم إلى أنف الناقة، وهو جعفر بن قريع. قال: وقدم الزبرقان أسيفاً عاتباً على امرأته فمدح بني قريع، وذم الزبرقان فاستعدى عليه الزبرقان عمر، فأقدمه عمر، وقال للزبرقان: ما قال الزبرقان؟ فقال لي:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر لحسان: ما تقول؟ أهجاه؟ وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان، ولكنه أراد الحجة على الحطيئة قال: ذرق عليه! فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبساً، فقال الحطيئة:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... حُمْرِ الحواصلِ، لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيت كاسبهمْ في قعر مُظْلمةٍ ... فاغفر عليك سلامُ الله يا عمرُ

(1/15)


أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النّهى البشرُ
ما آثروك بها إذ بايعوك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثَرُ
وكان الزبرقان شاعراً مفلقاً، وكان يعاتبه ولم يكن يهجوهم، وكان حليماً وكانا في عداوتهما مجملين، وقد تقدم عليه المخبل بالهجاء، فقال:
لعمرك إن الزبرقان لدائبٌ ... على الناس يعدو نوكه ومجاهاه
ولما رأيت العزّ في دار أهله ... تمنيت، بعد الشيب أنك ناقله
ولما نرَ الأخفاف تمشي على الذرى، ... ولما يكن أعلى العِضاه أسافله
ولما يزُل عن رأس صهوة عصمها ... ولما يدع وِردَ العراق مناهله
وينْفِسُ في ما أورثتني أوائلي ... ويرغب عما أورثته أوائله
فإن كنتَ لا تُمْسي بحظك راضياً ... فدع عنك حظي إنني اليوم شاغله
أتيت امرءًا أحمى على الناس عرضَهُ ... فما زلت، حتى أنت مقعٍ، تناضله
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريماً فوقه لا يعادله
ومدح سعيد بن العاص، وكان سعيد لا تأخذه العين، كان يقال له: عكة العسل، فقال:
خفيفُ المِعَى، لايملأ الهمّ صدره ... إذا سمْته الزادَ الخبيث عيوف
وقال له أيضاً:
سعيدٌ، فلا يغْرُرك خفة لحمه؛ ... تخدّد عنه اللحم وهو صليب
وهو أحد من اتصل به الشرف من خمسة آباء، وابنه عمرو بن سعيد.
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي، بإجازته لي، يذكر عن محمد بن سلام: أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال:
إن اليمامة خير ساكنها ... أهل القرية من بني ذُهْلِ
قال: والقرية، منازلهم، ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء.
قال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء: دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكراً فلما قام الناس وبقي الخواص: أراد الحاجب أن يقيمه، فأبى أن يقوم فقال سعيد: دعه. وتذاكروا أيام العرب وأشعارها، فلما أسهبوا قال الحطيئة: ما صنعتم شيئاً. فقال سعيد: فهل عندك علم من ذلك؟ قال: نعم. قال: فمن أشعر العرب؟ قال الذي يقول:
قد جعل المبتغونَ الخيرَ في هَرِمٍ ... والسائلونَ إلى أبوابه طرُقا
قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:
فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
يعني زهيراً والنابغة، ثم قال: وحسبك بي إا وضعت إحدى رجلي على الأخرى: ثم عويت في إثر القوافي كما يعوى الفصيل في إثر أمه! قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحطيئة. فرحب به سعيد، وأمر له بألف دينار.
الطبقة الثالثة
أبو ليلى، نابغة بني جعدة: وهو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأبو ذؤيب الهذلي، وهو خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
والشماخ بن ضرار بن سنان بن أمامة، أحد بني سعد بن ذبيان.
ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر.
وكان النابغة قديماً، شاعراً مفلقاً، طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من النابغة الذبياني، ويدل على ذلك قوله:
فمن يكُ سائلاً عني فإني ... من الفتيان أيامَ الخُنانِ
أتت مئةٌ لعام ولدتُ فيه ... وعشرٌ بعد ذلك وحجّتان
وقد أبْقَتْ خُطُوبُ الدّهرِ مني ... كما تُبقي من السيف اليماني
تفلّلَ وهو مأثورٌ جُرَازٌ ... إذا اجتمعت بقائمه اليدان
وقوله:
ندَامايَ عند المنذر بن مُحَرّق ... فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا
وكان الذبياني مع النعمان وفي عصره، ولم يكن له قدم وكان الجعدي مختلف الشعر مغلباً، فقال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان: ترى عنده ثوب عصب وثوب خز، وإلى جنبه سمل كساء. وكان الأصمعي يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بواف ومطرف بآلاف. بواف: يعني بدرهم وثلث.
وإذا قالت العرب: مغلب، فهو مغلوب. وإا قالوا: غلب فهو غالب.

(1/16)


وغلبت عليه ليلى الأخيلية وأوس بن مغراء القريعي، ولم يكن إليه ولا قريباً منه. وغلب عليه عقال بن خالد العقيلي، وكان مفحماً، بكلام لا بشعر.
وهجاه سوار بن أوفى القشيري وفاخره، وهجاه الأخطل بأخرة.
حدثني إبراهيم بن شهاب قال، حدثنا الفضل بن الحباب قال، حدثني أبو الغراف قال، قال النابغة الجعدي: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتاً ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب على صاحبه. قال ابن سلام: وكانا يتهاجيان، ولم يكن أوس إلى النابغة في قريحة الشعر، وكان النابغة فوقه، فقال أوس بن مغراء:
فلستُ بعافٍ عن شَتِيمَةِ عامرٍ ... ولا حابسي عما أقول وعيدُها
ترى اللؤمَ ما عاشوا جديداً عليهمُ ... وأبقى ثياب اللاّبسين جديدها
لعمرُك ما تبلَى سرابيل عامرٍ ... من اللؤمِ، مادامت عليها جلُودها
فقال النابغة: هذا البيت الذي كنا نبتدر! وغلب الناس أوساً عليه.
نا ابن سلام قال، قلت ليونس: كيف تقرأ: " وجئتك من سبأ بنبأ يقينٍ " ؟ فقال: قال الجعدي، وهو أفصح العرب:
من سَبَأ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبْنُونَ من دون سيْلِه العَرِمَا
وهو على قراءة أبي عمرو ويونس فجعل يونس القصيدة للجعدي. وسمعت أبا الورد الكلابي سأل عنها أبا عبيدة فقال: لأمية. ثم أتينا خلفاً الأحمر فسألناه، فقال: للنابغة، وقد يقال لأمية.
نا ابن سلام قال، ذكر مسلمة بن محارب، عن أبيه قال: دخل النابغة على عثمان بن عفان، فقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين وأقرأ عليك السلام. قال: لِمَه؟ قال أنكرت نفسي، فأردت أن أخرج إلى إبلي فأشرب من ألبانها وأشم من شيح البادية.
وذكر بلده. فقال: يا أبا ليلى: أما علمت،أن التعرب بعد الهجرة لا يصلح؟ قال:لا والله ما علمت وما كنت لأخرج حتى أستأذنك.فأذن له، وضرب له أجلاً. فخرج من عنده فدخل على الحسن بن علي فودعه، فقال له الحسن: أنشدنا من بعض شعرك. فأنشده:
الحمدُ لله لا شريكَ لهُ، ... من لم يقُلْها فنفسَهُ ظَلَمَا
فقال له: يا أبا ليلى! ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت؟ قال: يابن رسول الله، والله إني لأول الناس قالها، وإن السروق من سرق أمية شعره.
وقال يونس: كان الجعدي أوصف الناس لفرس، أنشدت قوله رؤبة:
فإنْ صَدَقوا قالوا: جوادٌ مُجرّبٌ ... ضليعٌ، ومن خيرِ الجياد ضَلِيعُها
قال رؤبة: ما كنت أرى المرهف منها إلا أسرع. ولم يكن رؤبة والعجاج صاحبي خيل، ولكن كانا صاحبي إبل ونعتها.
نا ابن سلام، قال: أخبرني ابن دأب، قال: تزوج النابغة امرأة من بني المجنون، وهم عدد بني جعدة وشرفهم، فنازعته وادعت الطلاق، فكان يراها في منامه، فقال:
مالي وما لابنةِ المجنونِ تطْرُقُني ... بالليل؟ إن نهاري منك يكفيني
لا أجذَعُ البَوّ، بوّ الزُعمِ، أرأمُهُ ... ولاأقيمُ بدارِ العجزِ والهُونِ
وشرُّ حشوِ خِباءٍ أنتَ مولِجُهُ ... مجنونةٌ هُنَّباءٌ بنْتُ مجنونِ
تسْتَخنِثُ الوَطْبَ لم تَنْقُضْ مَريرتَه ... وتأكلُ الحبَّ صرفاً غير مطحونِ
قال ابن دأب: وكان النابغة علوي الرأي، وأخذ مروان ابنه وإبله بالمدينة، فخرج ومدح مروان بن الحكم بأبيات.
قال ابن سلام: وأنا منها في شك، ولكنه قال ما لا أشك فيه:
فَمَنْ راكبٌ يأتي ابن هندٍ بحاجتي ... ومروانَ، والأنباءُ تُنْمَى وتُجلَبُ
ويُخْبِرُ عني ما أقول ابن عامر ... فنعمَ الفتى، يُأوى إليه، المعَصَّبُ
فإن تأخذوا مالي وأهلي بِظِنَّةٍ ... فإني لحرابُ الرجال مُحرّبُ
صبورٌ على ما يكرهُ المرءُ كلهِ، ... سوى الظلم، إني إن ظُلِمْتُ سأغضبُ
أصيب ابن عفان الإمامُ، فلم يكن ... لذي حسبٍ بعد ابن عفان مغْضَبُ
وكان أبو ذؤيب شاعراً فحلاً لا غميزة فيه ولا وهن.
قال أبو عمرو بن العلاء: سئل حسان: من أشعر الناس؟ قال: حياً أو رجلاً؟ قال: حياً. قال أشعر الناس حياً هذيل وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب. قال ابن سلام: هذا ليس من قول أبي عمرو، ونحن نقوله.

(1/17)


أخبرني أبو خليفة قال، حدثنا محمد بن سلام قال، أخبرني عمرو بن معاذ المعمري، قال: في التوراة: أبو ذؤيب مؤلف زورا. وكان اسم الشاعر بالسريانية: " مؤلف زورا " .
فأخبرت بذلك بعض أصحاب العربية، وهو كثير بن اسحق، فأعجب منه، وقال: قد بلغني ذاك وكان فصيحاً، كثير الغريب، متمكناً في الشعر.
فأما الشماخ، فكان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة، ولبيد أسهل منه منطقاً.
وكان للشماخ أخوان، وهو أفحلهم،: مزرد، وهو أشبهما به، وله أشعار وشهرة وجزء، وهو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب:
جَزَى الله خيراً من أميرٍ، وباركتْ ... يد الله في ذاك الأديم الممزَّقِ
فمن يَسْعَ أو يركبْ جَنَاحَيْ نعامةٍ ... ليُدركَ ما حاولتَ بالأمس يُسْبَقِ
قضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدها ... بوائقَ في أكمامها لم تفتّق
وما كنتُ أخشى أن تكون وفاته ... بكَفَّيْ سَبَنْتَي أزرقِ العين مُطْرِقِ
أنا ابن سلام، قال: أخبرني شعيب بن صخر قال: كانت عند الشماخ امرأة من بني سليم، إحدى بني حرام بن سمال، فنازعته وادعت عليه طلاقاً، وحضر معها قومها فأعانوها، واختصموا إلى كثير بن الصلت وكان عثمان أقعده للنظر بين الناس، وهو رجل من كندة، عداده في بني جمح، ثم تحولوا إلى بني العباس، فهم فيهم اليوم، فرأى كثير عليه يميناً، فالتوى الشماخ باليمين، يحرضهم عليها، ثم حلف. وقال:
أتتْني سُلَيْمٌ قضُّها وقضيضها ... تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سِبالها
يقولون لي: يا احلِفْ! ولستُ بحالفٍ ... أخاتِلُهم عنها لكيما أنالها
ففرَّجْتُ همَّ النَّفسِ عني بحَلْفَةٍ ... كما شقَّتِ الشَّقراءُ عنها جلالها
وكان لبيد بن ربيعة، أبو عقيل، فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، وكان مسلماً رجل صدق.
قال: وكتب عمر إلى عامله: أن سل لبيداً والأغلب ما أحدثا من الشعر في الإسلام. فقال الأغلب:
أرَجَزاً سألتَ أمْ قصيدا ... فقد سألتَ هيِّناً موجودا
وقال لبيد: قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه، فبلغ به ألفين. فلما ولي معاوية قال: يا أبا عقيل، عطائي وعطاؤك سواء! لا أراني إلا سأحطك! قال: أو تدعني قليلاً، ثم تضم عطائي إلى عطائك فتأخذه أجمع.
قال وعمر عمراً طويلاً. وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه: يمدحهم، ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم. وكان يطعم ما هبت الصبا، وكان المغيرة بن شعبة إذا هبت الصبا قال: أعينوا أبا عقيل على مروءته.
الطبقة الرابعة
وهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة.
طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
وعبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر، أحد بني دودان بن أسد بن خزيمة.
وعلقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
وعدي بن زيد بن حمار بن زيد بن أيوب، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم.
فأما طرفة فأشعر الناس واحدة، وهي قوله:
لِخَوْلةَ أطلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمدِ ... وقفت بها أبكي وأُبكي إلى الغد
وتليها أخرى مثلها وهي:
أصحوتَ اليومَ أم شاقتْك هِرّ ... ومن الحُبّ جنونٌ مُستقر
ومن بعد له قصائد حسان جياد.
وعبيد بن الأبرص، قديم، عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحُوبُ ... فالقُطَبِيَّتُ فالذنوبُ
ولا أدري ما بعد ذلك.
وعلقمة بن عبدة، وهو علقمة الفحل وعلقمة الخصي من رهط علقمة الفحل ولابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر:
ذهبْتَ من الهِجْران في كل مذْهَب ... ولم يك حقاً كل هذا التَّجنُّبِ
والثانية:
طَحَا بك قلبٌ في الحسانِ طروبُ ... بُعَيْد الشَّبابِ عصرَحانَ مشيبُ
والثالثة:
هلْ ما علمتَ وما استودعتَ مكتومُ ... أم حبْلُها إذ نأتكَ اليوم مصرومُ
ولاشيء بعدهن يذكر.

(1/18)


نا أبو خليفة، أنا أبو عثمان المازني، عن الأصمعي، عن نافع بن أبي نعيم قال: مر رجل من مزينة بباب رجل من الأنصار، وقد كان يتهم بامرأته، فتمثل:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم
فاستعدى رب البيت عليه عمر، فقال له عمر: ما أردت؟ قال: وما علي في أن أنشدت شعراً! قال: قد كان له موضع غير هذا ثم أمر به فحد.
وعدي بن زيد كان يسكن الحيرة ويراكن الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلط فيه المفضل فأكثر.
وله أربع قصائد غرر روائع مبرزات، وله بعدهن شعر حسن، أولهن:
أرواحٌ مودعٌ أمْ بُكورُ؟ ... أنت، فاعلم، لأي حالٍ تصيرُ
نا أبو خليفة، أنا ابن سلام. قال: سمعت يونس وقد تمثل بهذا البيت:
أيها الشَّامتُ المُعَيَّر بالدهرِ ... أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهدُ الوثيقُ من الأيام ... بل أنت جاهلٌ مغرورُ
فقال: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلا هذه أو قال: مثل هذه. وقوله:
أتعرف رسم الدار من أم معْبَدِ ... نعم، فرماك الشوقُ قبلَ التجلُّدِ
وقوله:
ليس شيءٌ على المنونِ بباقٍ ... غير وجهِ المُسَبِّحِ الخلاَّقِ
وقوله:
لم أرَ مثل الفتيان في غبرِ الأيام ... ينسَوْنَ ما عواقبها
الطبقة الخامسة
وهم أربعة رهط: خداش بن زهير بن ربيعة ذي الشامة بن عمرو، وهو فراس الضحياء، بن عامر بن صعصعة.
والأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم.
وأبو يزيد، المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع.
وتميم بن أبي بن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن عبد الله بن ربيعة بن كعب بن عامر بن صعصعة.
فخداش شاعر. قال أبو عمرو بن العلاء: هو أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمة لبيد.
وكان يهجو قريشاً، ويقال إن أباه قتلته قريش أيام الفجار، وهو الذي يقول:
أبي فارسُ الضَّحياء عمرو بن عامر ... أبي الذَمَّ واختار الوفاءَ على الغدرِ
فيا أخوينا من أبينا وأمنا، ... إليكم إليكم، لا سبيل إلى جسرِ
وهو الذي يقول:
يا شدةً ما شدَدْنا غير كاذبةٍ ... على سخينةَ، لولا الليلُ والحرمُ
إذ يتَّقينا هشامٌ بالوليد، ولو ... أنا ثقفنا هشاماً، شالتِ الجذَمُ
سخينة: شيء تعير به قريش، فجعله اسماً لها. هشام والوليد: ابنا المغيرة المخزوميان.
وقال القصيدة المنصفة:
فأبلغ، إن عرضتَ، بنا هشاماً ... وعبد الله أبلغ والوليدا
أولئك، إن يكن في الناس خيرٌ ... فإن لديهم حسباً وجودا
همُ خيرُ المعاشر من قريشٍ ... وأوراها، إذا قدحتْ، زنودا
بأنا يوم شمْطةَ قد أقمنا ... عمودَ المجدِ، إن له عمودا
فجاؤوا عارضاً برداً، وجئنا ... كما أضرمْتَ في الغابِ الوقودا
فعانقنا الكماةَ وعانقونا ... عِراكَ النُّمْر واجهتِ الأسودا
فلم أرَ مثلهم هزموا وفلوا ... ولا كذيادنا عنقاً مجمودا
هشام والوليد: ابنا المغيرة، وعبد الله: ابن جدعان. وكان يعتمد على ابن جدعان بالهجاء، فزعموا أنه لما رآه ورأى جماله وجهارته وسيماه قال، والله لا أهجوه أبداً.
والأسود بن يعفر، يكنى أبا الجراح أخبرني يونس: أن رؤبة كان يقول: يعفر، بضم الياء والفاء، فقال يونس: يقال يُونُس ويُونِس، ويُوسُف ويُوسِف.
وكان الأسود شاعراً فحلاً، وكان يكثر التنقل في العرب يجاورهم، فيذم ويحمد، وله في ذلك أشعار. وله واحدة رائعة طويلة، لاحقة بأجود الشعر، لو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته، وهي:
نامَ الخَليُّ وما أحسُّ رُقادي ... والهمُّ مُحْتَضرٌ لديَّ وسادي
وله شعر جيد، ولا كهذه.
وذكر بعض أصحابنا أ نه سمع المفصل يقول: له ثلاثون ومئة قصيدة.
ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريباً منه. وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك بأكثرمن تجوزنا 0

(1/19)


وأسمعني بعض أهل الكوفة شعراً زعم أنه أخذه عن خالد بن كلثوم، يرثى به حاجب بن زرارة. فقلت له: كيف يروى خالد مثل هذا، وهو من أهل العلم، وهذا شعر متداع خبيث؟ فقال: أخذناه من الثقات ونحن لا نعرف هذا ولا نقبله.
وقال يمدح الحارث بن هشام بن المغيرة وكانت أسماء بنت مخربة النهشلية عند هشام بن المغيرة، فولدت له أبا جهل والحارث، ثم تزوجها أبو ربيعة بن المغيرة فأولدها عبد الله وعياشاً، وكان الحارث بن هشام قام بغزوة أحد، وكان له فيها أثر. فقال:
إن الأكارم من قريش كلها ... قاموا، فراموا الأمر كل مرام
حتى إذا كثُر التحاول بينهم ... فصل الأمور الحارث بن هشام
وسما ليثرب لايريد طعامها ... إلا ليصلح أهلها بسُوام
وغزا اليهود فأسلموا أبناءهم، ... صمِّى، لما لقيت يهود، صَمامِ!
والمخبل شاعر فحل وهو أبو يزيد، وله يقول الفرزدق:
وهب القصائد النَّوابغ إذ مضَوا ... وأبو يزيد وذو القُرُوح وجرولُ
وللمخبل شعر كثير جيد؛ هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد. وشعره كثير.
وتميم بن أبي بن مقبل، شاعر مجيد مغلب، غلب: عليه النجاشي، ولم يكن إليه في الشعر، وقد قهره في الهجاء فقال:
إذا الله عادى أهلَ لُؤمٍ ودِقّةٍ ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبلِ
ثم هاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فغلبه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت.
وكان ابن مقبل جافياً في الدين، وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية ويذكرها، فقيل له: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم؟ فقال:
وماليَ لا أبكي الديار وأهلها، ... وقد زارها زوّار عكّ وحميرا
وجاء قطا الأجباب من كل جانب ... فوقَّعَ في أعطاننا ثم طيَّرا
الطبقة السادسة
أربعة رهط، لكل واحد منهم واحدة: أولهم عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب. وله قصيدة، التي أولها:
ألاهبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
والحارث بن حلزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر ابن وائل. وله قصيدة التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
وله شعر سوى هذا، وهو الذي يقول في شعره:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن مالك ابن غالب بن قطيعة بن عبس. وله قصيدة، وهي:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وله شعر كثير، إلا أن هذه نادرة، فألحقوها مع أصحاب الواحدة.
وسويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل، وله قصيدة، أولها:
بسطت رابعة الحبل لنا ... فمددنا الحبل منها ما اتسع
وله شعر كثير، ولكن برزت هذه على شعره. وهو الذي يقول:
جررت على راجي الهوادة منهم ... وقد تلحق المولى العنود الجرائر
قال، حدثني أبو بكر عبد الله بن مصعب قال: لما خلع ابن الزبير يزيد بن معاوية، والمنذر بن الزبير يومئذ بالبصرة، وعروة بن الزبير بمصر، شخصا إليه - ومسافتهما يومئذ غير متقاربة - فلما رآها تمثل ببيت سويد:
جررت على راجي الهوادة منهم ... وقد تلحق المولى العنود الجرائر
الطبقة السابعة
أربعة رهط محكمون مقلون، وفي أشعارهم قلة، فذاك الذي أخرهم.
منهم سلامة بن جندل بن عبد الرحمن بن عبد عمرو بن الحارث، وهو مقاعس، بن عمرو بن كعب بن سعد.
وحصين بن الحمام المريم، بن ربيعة بن مساب بن حرام بن وائلة بن سهم بن مرة، وهو فارس شاعر شريف.
والمتلمس، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله ابن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة، ويقال ضبيعة أضجم، والأضجم: الحارث الخير بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن، وبه ضجمت ربيعة، وكان سيدا. والمتلمس خال طرفة بن العبد، وإنما سمي المتلمس لقوله:

(1/20)


فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
والمسيب بن علس بن عمرو بن قمامة بن زيد بن ثعلبة بن عمرو بن مالك بن جشم بن بلال بن خماعة بن جلى بن أحمس بن ضبيعة. واسم المسيب: زهير، وإنما سمي المسيب حين أوعد بني عامر بن ذهل، فقالت بنو ضبيعة: قد سيبناك والقوم. وهو خال الأعشى، وهو الذي يقول في القعقاع بن معبد بن زرارة:
فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الذي زعمت معد أنه ... أهل التكرم والندى والباع
الطبقة الثامنة
أربعة رهط: عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
والنمر بن تولب بن أقيش بن عبد الله بن كعب بن عوف بن الحارث بن عدي بن عوف بن عبد مناة بن أد، وهو عكل.
وأوس بن غلفاء الهجيمي.
وعوف بن عطية بن الخرع، والخرع يقال له عمرو بن عيش بن وديعة بن عبد الله بن لؤي بن عمرو بن الحارث بن تيم ابن عبد مناة بن أد.
حدثني مسمع بن عبد الملك، وهو كردين، قال: قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
قال: صاحبه الذي ذكر، عمرو بن قميئة. وبنو قيس تدعى بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة، وليس ذلك بشيء.
والنمر بن تولب جواد لا يليق شيئا، وكان شاعراً فصيحاً جريئاً على المنطق. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه: الكيس، لحسن شعره.
وهو الذي يقول:
لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فأغضب
وإذا تصبك خصاصة فارج الغني ... وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب
وقال أيضاً:
عَلَيْهِنَّ يَوْمَ الوِرْدِ حَقٌ وحُرْمةٌ ... وهُنَّ غَداةَ الغِبِّ عندَكِ حُفَّلُ
وقال أيضاً:
أَقي حَسَبي بِه ويَعِزُّ عِرْضي ... عليَّ إذَا الحَفِيظَة أدْركَتْني
وأَعْلَمُ أنْ سَتُدْرِكُني المَنَايا ... فَإِلا أَتَّبِعْها تَتَّبِعْني
وقال أيضاً:
أَعاذِلَ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ ... بَعِيدٌ نَآني صاحبي وقَرِيبي
تَرَىْ أنَّ ما أنفقْتُ لم يَكُ ضَرّني ... وأنَّ الّذي أفْنَيْتُ كان نَصيِبي
وعمر عمرا طويلاً، فكان هجيراه: أصبحوا الراكب! أعبقوا الراكب! لعادته التي كان عليها.
قال: وخرفت امرأة من العرب - عرب كرام لا أبالي أن لا أسميهم - وكانت تقول: زوجوني. فقال عمر: ما لهج به أخو عكل أسرى مما لهجت به صاحبتكم.
وذكر خلاد بن قرة بن خالد السدوسي، عن أبيه، وعن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مطرف بن عبد الله قال: بينما نحن بهذا المربد جلوس، إذ أتى علينا أعرابي أشعث الرأس فوقف علينا. فقلنا: والله لكأن هذا ليس من أهل هذا البلد! قال: أجل والله! وإذا معه قطعة من جراب، أو أديم، فقال: هذا كتاب كتبه لي محمد رسول الله صلى الله عليه. فأخذناه فقرأناه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه، لبني زهير بن أقيش - قال الجريري: هو حي من عكل - إنكم إن شهد تم أن لا إله الله وأني رسول الله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم الخمس من الغنائم، وسهم ذي القربى، والصفي - وربما قال: وصفية - فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله " .
فقال لهم القوم: حدثنا، أصلحك الله، بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه0 يقول:صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر. فقال له القوم: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه؟ قال: ألا أراكم تخافون أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه؟ لا حدثتكم حديثا! ثم أومأ بيده إلى صحيفته، ثم انصاع مدبرا.
ففي حديث قرة عن يزيد،فقيل لي لما ولى: هذا النمر بن تولب العكلي الشاعر.
وعوف بن الخرع جيد الشعر، وهو الذي يرد على لقيط ابن زرارة قيله:
أَحَقُّ مالٍ فَكُلُوهُ بِأُكْلْ ... أَمْوالُ تَيْمٍ وعَدِيّ وعُكُلْ
ياضَبُّ كُنْ عَمّاً كَرِيماً واعْتَزِلْ ... ذَرْنا وتَيماً وعَدِيّاً نَنْتَضِلْ
وقال:

(1/21)


فأَمَّا الألأمانِ بنُو عَدِيّ ... وتَيْمً حِينَ تَزْدَحِمُ الأُمُورُ
فَلاَ تَشْهَدْ بهمْ فِتْيَانَ حَرْبٍ ... ولكن أَدْنِ مِنْ حَلَبٍ وَغِيرِ
إذا دَهَنُوا رِماحَهُمُ بزُبْدٍ ... فإنّ رِمَاحَ تَيْمٍ لاتَضِيرُ
فقال عوف بن الخرع:
هَلاغضبت على اُبن أُمِّكَ مَعْبَدٍ ... والعامِريُّ يَقُودُه بصِفادِ
أَذَكَرْتَ من لَبَنِ المُحَلَّق شَرْبَةً ... والخَيل تَعدُو في الصَّعِيد بَدَاد
هَلا فَوَارسَ رَحْرَحَان هَجَوْتُمُ؟ ... عُشَرٌ تَناوَحُ في سَرارَةِ وَادِ
لا تًأْكلُ الإِبِلُ الغِرَاثُ نَباتَهُ ... كَلاَّ وَلَيْسَ عِمادُهُ بِعماَدِ
وعوف يقول أيضا:
يَاقُرَّة بنَ هُبَيْرَةَ اُبنَ أُقَيْشِرٍ ... يا سَيِّدَ السَّلَمَات إنّك تَظْلِمُ!
وأوس بن غلفاء الذي يقول:
أَلا قالتْ أُمامةُ يومَ غَوْلٍ: ... تَقَطَّعَ بِاُين غَلْفاءَالحِبال!
ذَرِيني إِنَّما خَطَإِي وصَوْبي ... عَليَّ وَإنّ ما أهَلكْتُ مالُ
وهو الذي يرد علىيزيد بن الصعق قوله:
إذا مَامات مَيْتٌ من تَميمٍ ... فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِيءْ بزَادِ
وقوله:
أَلا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَني تميمٍ ... بِآيَةِ ما يُحِبُّون الطَّعامَا
فقال أوس بن غلفاء:
فَإِنّكَ من هِجاء بني تَميمٍ ... كٌمزْدَادِ الغَرَام إلى الغَرَام
هُمُ ضَرَبُوكَ أُمَّ الرّأس حَتَّى ... بدَتْ أُمّ الشُّؤُونِ عن العِظَامِ
إذا يَأسُونَها نَشزَتْ عَليْهِمْ ... شَرَنْبَثَةُ الأَصَابع أُمُّ هَامِ
وهُمْ تَرَكُوكَ أَسْلَحَ من حُبَارَي ... وهُمْ تَرَكوكَ أَشْرَدَ من نَعَامِ
وقال أيضا:
هُمُ قَتلُوا أباكَ فلَمْ تُبَيِّنْ ... لِحِقِّ: مَا الأَغَرُّ مِنَ البَهيمِ
وَهُمْ مَنُّوا عليْكَ فلَمْ تُثِبْهُم ... ثَوَابَ المِرْءٍ ذي الحَسَبِ الكرِيمِ
الطبقة التاسعة
أربعة رهط: ضابيء بن الحارث بن أرطاة بن شهاب بن عبيد بن خاذل ابن قيس القبيلة بن حنظلة بن مالك، من البراجم.
وسويد بن كراع العكلي.
والحويدرة، واسمه قطبة بن محصن بن جرول بن حبيب الأعظ بن عبج الغزي بن حزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
وسحيم، عبد بني الحسحاس بن هند بن سفيان بن غضاب بن كعب بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
قال: وكان ضابيء بن الحارث بذيا كثير الشر، وكان بالمدينة،وكان صاحب صيد وصاحب خيل، فركب فرسا به يقال له قيار، - وكان ضعيف البصر - ولقيار يقول:
فَمَنْ يَكُ أَمْسي بالمدينَةِ رَحْلُهُ ... فَإنّي وَقَيَّاراً بها لَغَرِيبُ
يقول: إني بها لغريب،وقياراً أيضا.
ثم إنه وطيء صبيا دابته فقتله، فرفع إلى عثمان بن عفان، فاعتذر بضغف بصره وقال: لم أره ولم أعمده. فحبسه عثمان ما حبسه، ثم تخلص.
وكان استعار كلب صيد من قوم من بني نهشل،يقال له قرحان،فحبسه حولا، ثم جاؤوا يطلبونه وألحوا عليه حتى أخذوه، فقال ضابيء:
تجشَّمَ دُوني وَفْدُ قُرْحَانَ خُطّةً ... تظَلُّ بها الوَجْناءُ وهي حَسِيرُ
فأرْدَفْتُهم كلباُ فراحُوا كأنَّما ... حَبَاهُمْ بتَاجِ المَرْزُبَانِ أميرُ
فأمَّكُمُ لا تَتْركوها وكَلْبَكُمْ ... فإِنَّ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ كبيرُ
إذا عَثَّنَتْ من آخرِ الليلِ دُخْنَةٌ ... يظلُّ لها فوقَ الفِراشِ هَرِيرُ
فاستعدوا عليه عند عثمان. فقال: ويلك! ما سمعت أحدا رمى امرأة من المسلمين بكلب غيرك! وإني لأراك لو كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه لأنزل فيك قرآنا، ولو كان أحد قبلي قطع لسان شاعر في هجاء لقطعت لسانك. فحبسه في السجن.
فعرض أهل السجن يوما، فإذا هو قد أعد حديدة يريد أن يغتال عثمان بها، فأهانه وركسه في السجن، فقال:
لا يُعْطِيَنْ بعدِي امرُؤٌ ضَيْمَ خُطَّةٍ ... حِذَارَ لِقَاءِ المَوْتِ والموتُ نَائِلُهْ

(1/22)


فلا تَتْبِعَنِّي إِنْ هَلَكْتُ مَلامةً ... فليس بعَارٍ قَتْلُ من لا تُقَاتِلُهْ
هَمَمْتُ ولَم أفْعلْ وكِدْتُ ولَيْتَني ... تَرَكْتُ على عُثْمان تَبْكي حَلائِلُهْ
وَمَا الفتْكُ ما آمَرْتَ فيه ولا الّذي ... تُخَبِّر مَنْ لاقَيْتَ أَنَّك فَاعِلُهْ
وقائلةٍ:لا يُبْعِد اللهُ ضابِئاً ... إِذَا القِرْنُ لم يُوجَدْ لَه مَنْ يُنَازِلُهْ
وقَائلةٍ: إنْ مات في السِّجْن ضَابيءٌ ... لَنِعْمَ الفَتَى تَخلُو بِه وتُداخلُهْ
وقائلةٍ: لا يُبْعِدِ الله ضَابئاً ... إِذَا اْحَمرَّ من حِسّ الشِّتَاءِ أَصَائِلُهْ
ولم يزل ضابيء في السجن حتى مات.
فلما قتل عثمان وثب عمير ابنه على عثمان بعد أن قتل فيقال إنه كسر صلبه، أو كسر ضلعا له.
فلما قدم الحجاج العراق، والمهلب بإزاء الأزارقة قد أرفض عنه أصحابه، فنادى الحجاج في بعث المهلب وأجلهم ثلاثا. فجاء عمير بن ضابيء، وقد كبر يومئذ، بابن له شاب إلى الحجاج، فقال: أيها الأمير، إني قد كبرت، وهذا ابني شاب جلد يقوم مقامي. فهم بقبوله، فقال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، هذا عمير، صاحب أمير المؤمنين عثمان! فقدمه فضرب عنقه. فذعر الناس، فخرجوا إلى المهلب. فلما تساقطوا عليه، قال: لقد قدم العراق أمير ذكر.
وقال في ذلك عبد الله بن زبير الأسدي:
تَجَهَّزْ فإمّا أَنْ تَزُورَ اُبنَ ضَابيءٍ ... عُمَيراً وَإمّا أَنْ تَزُورَ المُهَلبَّاَ
هُما خُطَّناَ خَسْفٍ نَجَاؤُكَ منهما ... رُكوبُك حَوْلِيَّ من الثَّلْجِ أَشْهبَا
وسويد بن كراع العكلي، وكان شاعرا محكما، وكان رجل بني عكل، وذا الرأي والتقدم فيهم.
قال: وكان بعض بني عدي تيم ضرب رجلا من بني ضبة ثم من بني السيد - وهم قوم نكد شرس، وهم أخوال الفرزدق - فتجمعوا حتى ألم أن يكون بينهم قتال. فجاء رجل من بني عدي، فأعطاه يده رهينة لينظر ما يصنع المضروب، فقال خالد بن علقمة بن الطيفان، أحد أحلاف بني عبد الله بن دارم:
أساَلِمُ إنِّي لا إخَالُكَ سالمِاَ ... أتيْتَ بني السِّيدِ الغُوَاةَ الأَشائِماَ
أسالِمُ إن أفْلَتَّ من شرِّ هذه ... فَنَحِّ فِراراً إنما كنْتَ حالمِاَ
أسَالم ما أعْطَى اُبنُ مَامَةَ مِثَلها ... ولا حاتمٌ فِيما بَلا النَّاسُ حاتِماَ
فقال سويد بن كراع - وعكل وتيم وعدي وضبة إخوة، وهم الرباب - يرد على ابن الطيفان دخوله بينهم:
أشَاعرَ عَبْدِ الله إِن كنْتَ لائِماًٍ ... فَإنِّي لمَا تَأْتي من الأَمْرِ لائِمُ
تُحَضِّض أفْناءَ الرِّبابِ سَفَاهَةً ... وعِرْضُك مَوتُورٌ ولَيْلُكَ نائمُ
وهَلْ عجَبٌ أن تُدْركَ السِّيدُ وتْرَها؟ ... وتَصْبرُ للحَقِّ السَّرَاةُ الأَكارِمُ
رأيُتكَ لم تَمْنَع طُهَيَّةَ حُكَمْها ... وأعْطَيتَ يَرْبوعاً وأنفُكَ راغمُ
وأنتَ امرُؤٌ لا تَقْبَل الصُّلح طائعاً ... ولكن متَى تُظأَ فَإنَّك رائِمُ
وقال أيضا:
خليليَّ قُومَا في عَطُاَلَةَ فانْظُرَا ... أناراً تَرى مِنْ ذِي أبا نينِ أم بَرْقَا؟
فإن يَكُ بَرْقٌ فهو بَرْقُ سَحابةٍ ... تُغادِرُ ماءً لا قليلاً ولارَنْقَا
وإن تَكُ نارٌ فهي نارٌ بمُلْتَقىً ... مِنَ الرِّيح تَزْهَاها وتَعْفِقُها عَفْقَا
لأُ عليّ أوْقَدتْها طَمَاعةً ... بأوبِة سَفْرٍ:أن تكونَ لهَا وَفْقَا
وهو الذي يقول:
فَإنْ تَزْجُراني يا ابنَ عَفَّان أَزْدَجِرْ ... وإنْ تَتْرُكاني أحْمِ عِرْضاً مُمنَّعا
وقوله: تزجراني، وتتركاني، وإنما يريد واحدا، وقد تفعل هذا العرب، قال الفرزدق:
عَشِيَّةَ سَال المِرْبَدَانِ كِلاهُما ... عَجَاجةَ مَوْتٍ بالسُّيوفِ الصَّوارِمِ
وقال أيضا:
أخَذْنا بآفاقِ السَّماءِ عليكُمُ ... لنَا قَمَراها والنُّجُوم الطَّوالعُ
وقال أبو ذؤيب:

(1/23)


وحتَّى يؤُوبَ القارِظَان كِلاهُما ... ويُنْشَر في القَتْلى كُلَيْبٌ الطَّوالعُ
وهو رجل واحد من عنزة، ذهب أن يجتني القرظ،فلم يثبت أنه رجع.
وقول بشر بن أبي خازم يدل على أنه واحد:
فرَجِّي الخَيْرَ واُنْتَظِري إِيَابي ... إذا مَا القَارظُ العَنَزِيُّ آبا
وقال العجاج: لا تحسَبنَّ الخَنْدَقَيْنِ والحَفَرْ وهو خندق واحد.
أخبرني يونس بن حبيب: أن رجلاً من بني السيد قتل رجلاً من قومه، فأتاهم الفرزدق، وهم أخواله،فعرض عليهم الدية وأن يرهنهم ابنه بذلك، فخافوا شره، وأن لا يستطيعوا الإقدام عليه، فأبوا. فقال الفرزدق:
ألَمْ تَرَني أَزْمَعتُ وَثْبةَ حازِمٍ ... لأَفديَ بابني مِنْ رَدَى المَوْتِ خَاليِاَ
وكنْتُ اُبنَ أشْياخٍ يُجيرون مَنْ جَنَي ... ويُحْيُون كالغَيْثِ العِظامَ البَوَاليا
ولمَّا دَعاني وهْوَ يَرْسُفُ لم أكنْ ... بَطِيئاً عن الدَّاعي ولا مُتَوانيِاَ
شَددْتُ على نِصْفي إِزارِي ورُبَّما ... شددْتُ لأَحْناءِ الأُور إزَاريا
وقلْتُ أَشِطُّوا يا بَني السِّيد حُكمَكُم ... عَلَىَّ فإني لا تَضِيقُ ذِراعيَا
عَرَضْتُ عَلى السِّيد الأَشَائِم مُوفِياً ... بمقَتْولِهم عند المقَادَةِ غالِيَا
غُلاماً أبوهُ المُسْتجارُ بقَبْرِه ... وصَعْصَعَةُ الفَكَّاكُ من كان عانِيا
إذا خُيِّر السِّيديُّ بين غَوايَةٍ ... ورُشْدٍ أتىَ السِّيديُّ ما كان غاويَا
فإِنْ تَنْجُ منها تَنْجُ من ذي عَظيمةٍ ... وإلاّ فَإنِّي لا إِخالُك ناجِيا
وقال بعد ذلك يفتخر بهم:
بنُو السِّيدِ الأَشائِمُ للأَعادِي ... نَمَوُنِي للعُلَى وبَنُو ضِرَارِ
حدثني حاجب بن يزيد، عن أبيه قال: إن جريراً كان ينشد هذه الأبيات وشيخ من ثعلبة بن يربوع، يقول له العقار بن النحار - أو النحار بن العقار - قاعد بالماء قد شد له حاجباه من الكبر، حين قال جرير - وضبه كلها ثعلبة وبكر ابنا سعد بن ضبة - فذكر أخوال الفرزدق:
أَثَعْلَبَ أُولي خَلْفَةً ما ذَكرتُكم ... بسُوءٍ ولكنِّي عَتَبْتُ عَلَى بَكْرِ
أَثَعْلبَ إنِّي لَم أزَلْ مُذْ عَرَفْتُكم ... أرَى لكُمُ سِتْراً فلا تَهْتِكوا سِترِي
فَلاَ تُوبِسُوا بَيْني وبَيْنَكُم الثرَى ... فَإنَ الذي بيني وبينَكُمُ مُثْرِي
فَما شَهِدَتْ يومَ النَّقَا خَيْلُ هَاجِرٍولا السِّيدُ إذْيَنْحِطْنَ في الأَسَلِ السُّمْرِ
وما شَهِدَتْ يومَ الغَبِيظِ مُجَاشِعٌ ... ولا نَقَلانَ الخَيْلِ من قُنَّتَيْ يُسْرِ
ويوم النقا: يوم قتل فيه بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، قتلته ثعلبة بن سعد بن ضبة دون بكر، والغبيط: أسرت فيه يربوع بسطاما.
قال حاجب في حديثه: فلما أنشد جرير:
وما شهدتْ يومَ ... الغَبيِطِ مُجاشعٌ
قال الشيخ الثعلبي: من المنشد؟ قالوا: أحد بني الخطفي. قال الشيخ: ولا كليب والأجل ما شهدت، ما كنا إلا سبعة فوارس من ثعلبة ابن يربوع.
وقال معاوية الضبي:
فَهذَا مكَاني أَوْ أَرَى القَارَ مُغْرَباً ... وحَتَّى أرَى صُمَّ الجبالِ تَكَلَّمُ
يريد أنه لا يبرحها أبدا، كما أن القار لا يكون مغريا، والجبال لا تكلم. وقد تقول العرب: حتى يكون كذا وكذا، لما لا يكون أبدا، فيقولون: " حتى تطلع الشمس من مغربها " و " حتى تقع السماء على الأرض " و " حتى يرجع الدر في الضرع " وهذا كله عندهم مما لا يكون. وقال الله عز وجل: " حتى يلج الجمل في سم الخياط " (سورة الأعراف: 40) لما لا يكون، وقال النابغة الذبياني لعامر بن طفيل:
وإنك سوفَ تَحْلُمُ أو تَنَاهي ... إِذا ما شِبْتَ أو شابَ الغُرَابُ
وقال النمر بن تولب:
وقَوْلي، إذا ما أطْلَقُوا عن بَعِيرِهمْ: ... يُلاقُونَه حَتَّى يَؤُوبَ المُنَخَّلُ
أي لا يلاقونه أبدا، وكذلك قول أبي ذؤيب:

(1/24)


وحتَّى يؤُوب القَارِظانِ كِلاهُما ... ويُنْشَرُ في القَتْلى كليْبٌ لوائلِ
وقال بشر بن أبي خازم:
فَرَجِّي الخيرَ وانْتَظِري إيَابي ... إِذَا ما القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا
فهذا عندهم مما لا يكون، لأن الغراب لا يشيب، ومن مات عندهم لم يرجع.
والثالث: الحويدرة، وهو شاعر، وهو يقول في كلمة له طويلة:
رَحَلتْ سُمَيَّةُ غُدوةً فتَمَتّعِ ... وَغَدتْ غُدوَّ مُفارقٍ لم يَرْبَعِ
وتَزوَّدت عَيْني غَدَاةَ لَقِيتُها ... بِلِوَي عُنيزةَ نظرةً لم تَنْقَعِ
وَتَصَدَّفتْ حتَّى اسْتَبَتْك بواضحٍ ... صَلْتٍ كمُنْتَصَبِ الغَزَال الأتْلَعِ
وَبمُقْلَةٍ حَوْراءَ تَحْسِبُ طرْفَها ... وَسْنَانَ حُرّةِ مُسْتَهَلِّ الأدْمُعِ
والرابع: عبد بني الحسحساس. وهو حلو الشعر، رقيق حواشي الكلام.
ذكروا عن عثمان بن عفان أنه أتى بعبد من عبيد العرب نافذ، فأراد شراءه، فقيل له: إنه شاعر. قال: لا حاجة لي به، إن الشاعر لاحريم له. ويقال إنه عبد بني الحسحاس، وذلك قبل خلافة عثمان.
وأنشد عمر بن الخطاب قوله:
عُمَيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِياَ ... كَفَى الشَّيْبُ الإسْلامُ للمرءِ نَاهِيَا
فقال: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه.فلما قال:
فَبَاتَ وِسَادَاناَ إلي عَلَجانَةٍ ... وحِقْفٍ تَهادَاهُ الرِّيَاحُ تَهادِيا
وَهَبَّت شَمالٌ آخِرَ الَّليْل قَرَّةٌ ... وَلا ثَوْبَ إِلا دِرْعُها ورِدَائيا
فما زَالَ بُرْدي طَيِّباً من ثِيابِها ... إِلى الَحوْلِ حتَّى أنْهَجَ الثَّوْبُ بَاليَا
فقال له عمر: ويلك! إنك مقتول! وقال أيضا:
ولقد تحَدَّرَ من كرِيمَةِ بَعْضِهمْ ... عَرَقٌ على مَتْنِ الفِرَاشِ وَطِيبُ
فأخذوه شارباً ثملاً، فعرضوا عليه نسوة، حتى مرت عليه التي يظنونها به، فأهوى لها، فأخذوه فقتلوه لما تحقق عندهم.
الطبقة العاشرة
وهي آخر الطبقات، وهم أربعة رهط: أولهم: أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله، سرابيل الموت - كان شاعراً سيداً - بن زهرة بن زيينة بن جندع بن ليث بن بكر عبد مناة بن كنانة.
وحريث بن محفظ.
والكميت بن معروف بن الكميت بن ثعلبة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
وعمرو بن شأس بن أبي بلي، واسمه عبيد بن ثعلبة بن ذويبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد ابن خزيمة.
وكان أمية بن حرثان بن الأسكر قديما، وعمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. وله شعر في الجاهلية، وشعر في الإسلام.
وكان ابناه كلاب وأخوه هاجرا إلى البصرة أيام عمر بعد ما كبر الشيخ وكف بصره فقال:
لِمَنْ شَيْخَانِ قَدْ نَشَدا كِلابَا ... كتابَ الله إِنْ حَفِظَ الكتَابَا؟
إِذا هَتَفَتْ حَمَامَةُ بَطْنِ وَجٍّ ... عَلَى بَيْضَاتِها ذَكَرَا كِلابَا
تَرَكْتَ أباكَ مُرْعَشَةً يَدَاهُ ... وأمَّك ما تُسِيغُ لَهَا شَرَابَا
وقال أيضا:
سَأَسْتَأْدِي على الفاروق رَبًّا ... لَهُ عَمَدَ الحَجيجُ إلى بُصَاق
إِنِ الفاروق لم يَرْدُدْ كِلاباً ... إلى شَيْخَيْن هامُهُما زَوَاقي
فكتب عمر إلى أبي موسى بإشخاصه، فلم يرع أمية إلا ببابه يقرع، فقال: إن كان كلاب في الناس حيا إنه لهو.
وخطة كلاب، البصرة، في بني سليم، يقال لها: مربعة كلاب، وتقول لها العامة: مربعة الكلاب، بلا علم.
ومر بأمية غلام له، وهو يحثو التراب على رأسه هرما ودلها، فقام ينظر إليه، فأفاق إفاقة فرآه قائما ينظر إليه، فقال:
أصْبَحْتُ فَنًّا لرَاعي الضَّأنِ أُعْجبُهُ ... ماذا يَرِيُكَ مِنّي رَاعِي الضَّانِ
إنْ تَرْعَ ضأْناً فإنِّي قَدْ رُزِئْتُهُمُ ... بِيضَ الوُجُوهِ، بني عَمٍّ وإِخْوانْي
ياَ ابَني أُمَيَّةَ؟ إِنِّي عَنْكُما غَاني ... وما غِنائيَ إِلا أنَّني فاني

(1/25)


يَا ابنَى أُمَيَّة إلاّ تَشْهدَا كِبَرِي ... فإنَّ نَأيَكُمَا والمَوْتَ سِيَّانِ
الثاني: حريث بن محفظ المازني، وهو جاهلي إسلامي له في الجاهلية أشعار. وهو الذي يقول:
ونحنُ طَرَدْنا الحيَّ بكرَ بنَ وائلٍ ... إلى سَنَةٍ مِثْلِ السِّنانِ ونارِ
ومُومٍ وطاعونٍ وحَصْبَةِ قاتِلٍ ... وَذِي لِبَدٍ يَغْشَى المُهَجْهِجَ ضارِي
وحُكْمِ عَدُوٍّ لا هَوادةَ عِنْدَهُ ... ومَنْزِلِ ذُلٍ في الحياةِ وعَارِ
يعني محل بكر بن وائل، وهو السواد، والسواد أوبأ البلاد على الرجال والإبل من البر. وقوله: " وحكم عدو " يعني حكما للعجم على بكر بن وائل، فذلك قوله: " وحكم عدو لا هوادة عنده " .
وقال أيضا:
تَقُولُ اُبنةُ الضبيِّ يوم لَقِيتُها: ... تغيَّرتَ حتى كِدْتُ مِنْك أُهالُ
فإن تَعْجَبي منّي عُميْرُ فَقد أتت ... ليالٍ وأيامٌ علىَّ طِوالُ
إنِّي لَمِنْ قَومٍ تَشِيبُ سَراتُهمُ ... كذاكِ وفيهِمْ نائلٌ وَفَعالُ
وقال:
أَلَمْ تَرَ قَوْمي إِنْ دَعاهُمْ أخُوهمأَجابُوا وإِن يَغْضَبْ عَلَى القَوْم يَغْضَبُوا
هُمُ حَفِظُوا غَيْبي كما كنْتُ حافظاً ... لِقَوْمي أُخرَى مِثْلَها إن تَغَيّبُوا
بنُو المَجْدِ لم تقْعُدْ بهم أُمَّهاتُهُمْ ... وآباؤُهم آباءُ صِدْقٍ فأَنْجَبُوا
قال ابن دأب: أدخل الحارث بن نوفل بن الحارث ابن المطلب على معاوية فتيانا من فتيان بني عبد مناف، فقال معاوية: هؤلاء كما قال أخو بني مازن:
بنُو المَجْد لم تقُعد بهم أمَّهاتُهُم ... وآباؤهم آباءُ صدْقٍ فأنجبوا
قال أبو عبد الله، قال الحجاج وهو على المنبر: أنتم والله يا أهل الشأم كما قال القائل:
بنو المجد لم تقُعد بهم أمَّهاتُهُم ... وآباؤهم آباءُ صِدْقٍ فأنجبُوا
وحريث تحت منبر،فقال: أنا قائلة أيها الأمير: فقال: كذبت، ذاك حريث بن محفظ. قال: أنا حريث! قال: فما جملك على الرد على هكذا؟ قال: ما ملكت حين تمثل الأمير بشعري أن أخبرته بمكاني.
والثالث: الكميت بن معروف، وهو شاعر - وجده الكميت بن ثعلبة شاعر - وكميت بن يزيد الآخر شاعر. والكميت ابن معروف الأوسط أشعرهم قريحة، والكميت بن زيد أكثرهم شعرا.
قال الكميت بن معروف:
أقُولُ لنَدْمانَيَّ والحَزْنُ بَيْننا ... وغُبْرُ الأعالي من خُفافٍ فَوَارِعُ:
أَنارٌ بَدَتْ بَيْنَ المُسَنَّاةِ والحمَى ... لعَيْنَيْكَ أم بَرْقٌ من اللَّيل لامعُ؟
فإن يك بَرْقاً فهو بَرْقُ مُخِيلةٍ ... لَها رَيِّقٌ لم يخُلْفِ الشَّيْمَ رائعٌ
وإن تَكُ نارٌ فَهي نارٌ تَشُبُّها ... قَلُوصٌ وتَزْهاها الرِيّاحُ الزَّعازعُ
وما مُغْزِلٌ أدْماءُ مَرْتَعُ طِفْلِها ... أرَاكٌ وسِدْرٌ بالمِرَاضَيْنِ يانِعُ
بأحْسَنَ منْها يوم قالتْ لِتِرْبِها: ... سَلِيه يُخَبِّرنا مَتى هو راجعُ؟
فقلتُ لها: واللّهِ ما مِنْ مُسافرٍ ... يُحيطُ لَهُ عِلمٌ بِما اللّهُ صانعُ
والرابع: عمرو بن شأس، كثير الشعر في الجاهلية والإسلام، أكثر أهل طبقته شعرا. وكان ذا قدر وشرف ومنزلة في قومه.
جاوره رجل من بني عامر بن صعصة،ومع العامري بنت له جميلة، فخطبها، فقال له العامري: أما ما دمت في جوارك فلا تنزل مني على الاقتسار والقهر، ولكن إذا رجعت إلى قومي فاخطبها. فغضب عمرو وآلى يمينا أن يتزوجها أبدا، إلا أن يصيبها سباء. فلما رجع الرجل إلى قومة أراد عمرو غزوهم، ثم قال: قد كان بيني وبين الرجل عهد وميثاق وجوار! فاستحيي وتذمم أن يفعل، وقال:
إذا نَحْنُ أدْلَجْنا وأنْتِ أمامَنا ... كَفَى لِمَطايانا بِرَيَّاكِ هادِيَا
ولولا اتِّقاءُ اللّهِ والعَهْدُ قد رَأى ... مُبَيِّنَةً مِنَّا تُثِيرُ النَّواديَا
ونَحنُ بنو خَيْر السِّباع أكِيلهً ... وأجْحِرَةً لَمَّا تَحفَّظَ عاديَا

(1/26)


لنا حاضرٌ لم يَحْضُرِ النَّاسُ مثلَهُ ... وبادٍ إذا عَدُّوا فأكرَمُ باديَا
قال: ونزل رجل من بني حنظلة بإبل له عظيمة في جوار بني سعد بن ثعلبة دودان بن أسد بن خزيمة، رهط عمرو بن شأس، فأقام فيهم سنوات ثم رحل عنهم. فأغارت طيء على إبله فذهبوا بها، فرجع إلى بني سعد بن ثعلبة، فقال: قد برئت ذمتكم، ولكني أصبت، وقد عدت على طيء: فركب معه بني سعد إلى طيء، فأخذوا أكثر إبله وأدوه إلى مأمنه، فقال عمرو بن شأس:
أبَأْنا لِقاحَ الحَنْظَليَّ بمثْلِها ... لِقاحاً وقُلْنا: دُونَك اُبْنَ مُكَدَّمِ
وَفاءٍ ولم تُشرِفْ عليه نُفوسُنا ... حَناجِرُها كأنَّها صَوْغُ حَنْتَمِ
وكان لعمرو ابن يقال له عرار، من أمة سوداء،وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال عمرو في كلمة له:
أرادَتْ عِرَاراً بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عَرَاراً لَعمْري بالهَوان فقد ظَلَمْ
وإنَّ عِراراً إِن يَكُنْ غيرَ وَاضِح ... فإنِّي أُحِبُّ الجَوْنَ ذا المَنكبِ العَمم
وإنَّ عِراراً إن يكُنْ ذا شكيمةٍ ... تلَّقيْتهِا منهُ فما أَمْلِكُ الشِّيَمْ
فإن كُنْتِ مِنّي أو تُريدين صُحْبَتي ... فكُوني له كالسَّمْنِ رُبَّتْ لّهُ الأَدَمْ
وَإلا فَسِيري مثلَ ما سارَ راكِبٌ ... تَعَجَّلَ خِمْساً لَيْسَ في سَيْرِهِ أَمَمْ
وقال عمرو في كلمة له طويلة:
مَتى تَعْرِفِ العَيْنانِ أَطْلالَ دِمنْةٍ ... لِلَيْلَي بأفلَى ذِي مَعارِكَ تَدْمعَا
عَلَى النَّحْرِ والسِّرْبَالِ حَتَّى تَبُلَّهرَشَاشاً ولم تَجْزع إِلَى الدَّار مَجْزَعَا
خَلِيلَيّ عُوجَا اليومَ نَقْضِ لُبانِةً ... وإلّا تَعُوجَا اليَوْمَ لا نَنْطَلِقْ مَعَا
وإِنْ تَنْظُرَ أني اليَوْمَ أَتْبَعْكُما غَداً ... أَذَلَّ قِياداً من جَنِيبٍ وَأطْوَعَا
وَقَدْ زَعَما أن قَدْ أَمَلَّ عليْهِمَا ... ثَوائي وقَوْلي كُلّما ارْتَحَلا اُرْبَعَا
وَما لَبَثٌ في الحيِّ يَوْماً وليلةً ... بِزَائِدِ ما قَدْ فاتَ صَيْفاً وَمَرْبَعَا
فَجُودَا لِهِنْدٍ في الكَرَامة مِنْكُمَا ... وإن شِئْتُما أَن تَمنْعَا بَعْدُ فَامْنَعَا
انقضى خبر العشر الطبقات.
طبقة أصحاب المراثي
قال: وصيرنا أصحاب المراثي طبقة بعد العشر الطبقات.
أولهم: متمم بن نويره بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، رثى أخاه مالكا.
والخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، رثت أخويها صخرا ومعاوية.
وأعشى باهلة - واسمه عامر بن الحارث بن رياح بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن - رثى المنتشر بن وهب بن عجلان بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو ابن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن.
وكعب بن سعد بن عمرو بن عقبة - أو علقمة - بن عوف بن رفاعة، أحد بني سالم بن عبيد بن سعد بن جلان بن غنم بن غني بن أعصر، رثى أخاه أبا المغوار.
والمقدم عندنا متمم بن نويرة، ويكنى أبا نهشل، رثى أخاه مالك بن نويرة، وكان قبله خالد بن الوليد بن المغيرة، حين وجهه أبو بكر، رضى الله عنه، إلى أهل الردة. فمن الحديث ما جاء على وجهه، ومنه ما ذهب معناه علينا، للاختلاف فيه. وحديث مالك مما اختلف فيه فلم نقف منه على ما نريد. وقد سمعت فيه أقاويل شتى، غير أن الذي استقر عندنا أن عمر أنكر قتله، وقام على خالد فيه وأغلظ له، وأن أبا بكر صفح عن خالد وقبل تأوله.
وكان مالك رجلاً شريفاً فارساً شاعراً، وكانت فيه خيلاء وتقدم، وكان ذا لمة كبيرة، وكان يقال له الجفول. وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه بني يربوع. فلما قبض النبي صلى الله عليه اضطرب فيها فلم يحمد أمره، وفرق ما في يديه من إبل الصدقة، فكلمه الأقرع ابن حابس المجاشعي والقعقاع بن معبد بن زرازة الدارمي، فقالا له: إن لهذا الأمر قائماً وطالباً، فلا تعدل بتفرقة ما في يديك. فقال:

(1/27)


أَرَانْي اللّهُ بالنَّعَمِ المُنَدَّى ... بِبُرْقَةِ رَحْرَحَانَ وقد أرَاني
تُمَشِّي يَا اُبنَ عَوْذَةَ في تَميمٍ ... وَصَاحُبك الأُقَيْرِعُ تَلْحَياني
حَمَيْتُ جَميعَها بالسَّيْف صَلْتاً ... ولم تَرْعَشْ يَدَايَ ولا بَنَاني
عوذة: يعني أم القعقاع، وهي معاذة: بنت ضرار بن عمرو .
وقال:
وقُاتُ: خُذُوا أَمْوَالكم غير خائفٍ ... ولا ناظرٍ فيما يَجِيءُ من الغَدِ
فَإن قامَ بالأمر المُخَوَّفِ قائِمٌ ... مَنَعْنا وقلنا: الدِّينُ دِينُ مُحَمَّد
فطرق خالد مالكاً وقومه - وهم على ماءٍ لهم يقال له البعوضة تحت الليل - ، فذعرهم، وأخذوا السلاح. فكان في حجة خالد عليهم، أنه أنظرهم إلى وقت الأذان فلم يسمع أذانا. وتقول بنو تميم: إنه لما هجم عليهم خالد قال: من أنتم؟ قالوا: المسلمون. قال: ونحن المسلمون، فما بال السلاح؟ قالوا: ذعر تمونا! قال: فضعوا السلاح.
والمجتمع عليه: أن خالداً حاوره وراده، وأن مالكاً سمح بالصلاة والتوى بالزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً، لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ قال:قد كان يقول ذلك صاحبكم! قال: وما تراه لك صاحباً؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك. ثم تحاولا، فقال له خالد: إني قاتلك. قال: وبذا أمرك صاحبك؟ قال: وهذه بعد! والله لا أقيلك.
فيقول من عذر مالكاً: إنه أراد بقوله: " صاحبك " أنه أراد القرشية. وتأول خالد غير ذلك فقال: إنه إنكار منه للنبوة. وتقول: بنو مخزوم: إن عمرو بن العاص قال لخالد - وقد كان لقيه وهو منصرف من عمان، وكان النبي صلى الله عليه وجهه إلى ابن الجلندي - فقال لخالد: يا أبا سليمان، إن رأت عينك مالكاً فلا تزايله حتى تقتله.
وكان خالد يحتج على مالك بأشعاره التي كتبنا. وكلم أبو قتاده الأنصاري خالداً في ذلك كلاماً شديداً فلم يقبله، فآلى يميناً أن لا يسير تحت راية أميرها خالداً أبدا. وقال له عبد الله بن عمر،وهو في القوم يومئذ: يا خالد، أبعد شهادة أبي قتادة؟ فأعرض عنه. ثم عاوده، فقال:يا أبا عبد الرحمن، اسكت عن هذا، فإني أعلم مالا تعلم. فأمر ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه، ففعل.
قال ابن سلام: سمعني يونس يوماً أراد التميمية في خالد وأعذره، فقال: يا أبا عبد الله، أما سمعت بساقي أم تميم؟ وصارت أم تميم إلى خالد بنكاح أو سباء، وعابه عليه عمر بن الخطاب قال: قتلت امرأ مسلماً ووثبت على امرأته بعقرباء، يوم بني حنيفة.
قال: ومن أحسن ما سمعت من عذر خالد، ما ذكروا أن عمر قال لمتمم بن نويرة: ما بلغ من جزعك على أخيك؟ - وكان متمم أعور - قال: بكيت عليه بعيني الصحيحة حتى نفد ماؤها، فأسعدتها أختها الذاهبة. فقال: عمر لو كنت شاعراً لقلت في أخي أجود مما قلت. قال أمير المؤمنين، لو كان أخي أصيب مصاب أخيك ما بكيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عنه بأحسن مما عزيتني.
وبكى متمم مالكاً فأكثر وأجاد، والمقدمة منهن قوله:
لَعمْرِي ومَا دَهْرِي بتَأبين هَالكٍ ... ولا جَزَعٍ ممَّا أصابَ وأوْجَعَا
قال ابن سلام: وأخبرني يونس بن حبيب: أن التأبين مدح الميت والثناء عليه، قال رؤبة:
فَامْدَحْ بِلالاً غَيرَ مَا مُؤَبَّنِ
والمدح للحي.
وبكت الخنساء أخويها صخراً ومعاوية. فأما صخر فقتلته بنو أسد، وأما معاوية فقتلته بنو مرة غطفان. فقالت في صخر كلمتها التي تقول فيها:
وإنّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه ... كأنّه عَلَمٌ في رَأْسه ناَرُ
وقالت في معاوية:
ألا مَا لِعَيْنِكِ أمْ مَالَهَا؟ ... لَقَدْ أَخْضَلَ الدَّمْعُ سِرْبَالَها
وقالت في صخر الكلمة الأخرى:
أمِنْ حَدَثِ الأَيَّام عَيْنُك تَهْمُلُ ... وتَبْكي على صَخْرٍ وفي الدّهْر مَذهَلُ
وأعشى باهلة، رثى المنتشر بن وهب الباهلي، قتيل بني الحارث بن كعب فقال في كلمته:
لا يَأمَنُ الناسُ مُمْسَاهُ ومُصْبَحَهُ ... مِن كلّ أَوْبٍ وإنْ لم يَغْزُ يُنْتَظَرُ
لا يَغْمِزُ السَّاقَ من أَيْن ولا وَجَعٍ ... ولا يَزَالُ أمامَ القوْمِ يَقْتَفِرُ

(1/28)


إنّي أَشُدُّ حَزِيمي ثُمّ يُدْرِكني ... مِنْك البَلاَءُ ومِنْ آلائِك الذِّكَرُ
فإن جَزِعْنا فمثْلُ الشَّرِّ أَجْزَعَنَا ... وإنْ صَبَرْنَا فَإنَّا معْشَرٌ صُبُرُ
إمَّا سَلَكْتَ سبيلاً كُنْتَ سالِكَها ... فَاذْهبْ فَلاَ يُبْعِدَنْك الله مُنْتَشِرُ
لا يُصْعِبُ الأَمْرَإلا رَيْثَ يَرْكَبُه ... وكُلَّ أمْرٍ سِوَى الفَحْشاءِ يأتَمِرُ
والرابع: كعب بن سعد الغنوي، رثى أخاه أبا المغوار بكلمة قال فيها:
فَخبَّرتُماني أَنَّما الموتُ بالقُرَى ... فكيفَ وهذي رَوْضَةٌ وكَثِيبُ!
وماءُ سَماءِ كان غَيْرَ مَحَمَّةٍ ... بِدَاويَّةٍ تَجْري عليه جَنوبُ
ومَنْزِلَةٍ في دَارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ... وما اُقتْاَلَ في حُكْمٍ عَلَىَّ طَبِيبُ
فلو كانَتِ الَموْتَى تُباعُ اُشْتَريتُه ... بما لم تَكُنْ عنه النُّفُوس تَطِيبُ
بِعَيْنِيَّ أو كِلْتَا يَدَيَّ وقيل لي ... هُوَ الغانِمُ الجَذْلانُ حين يَؤُوبُ
ودَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدَى؟ ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاك مُجِيبُ
فَقُلْتُ: ادْعُ أُخْرَى وارْفَع الصَّوْتَ دَعْوةًلعلَّ أبَا المِغْوارِ مِنْكَ قَرِيبُ
شعراء القرى العربية
وهي خمس: المدينة، ومكة، والطائف، واليمامة، والبحرين. وأشعرهن قرية المدينة.
شعراؤها الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج، واثنان من الأوس.
فمن الخزرج، من بني النجار: حسان بن ثابت. ومن بني سلمة: كعب بن مالك. ومن الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة. ومن الأوس: قيس بن الخطيم، من بني ظفر. وأبو قيس بن الأسلت، من بني عمرو بن عوف.
أشعرهم حسان بن ثابت. وهو كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضدت قريش واستبت، وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تنقى. وكان أبوه ثابت بن المنذر بن حرام، من سادة قومه وأشرافهم. والمنذر الحاكم بين الأوس والخزرج في يوم سميحة - وهو يوم من أيامهم مشهور - ، وكانوا حكموا في دمائهم يومئذ مالك بن العجلان بن سالم بن عوف، فتعدى في مولى له قتل يومئذ، وقال: لا آخذ فيه إلا دية الصريح. فأبوا أن يرضوا بحكمه، فحكموا المنذر بن حرام، فحكم بأن هدر دماء قومه الخزرج، واحتمل دماء الأوس، فذكره حسان في شعره في قصيدته التي قال فيها:
مَنَع النّوْمَ بالعِشاءِ الهُمُومُ
وأسرت مزينة ثابتا، أبا حسان، فعرض عليهم الفداء فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس! - ومزينة تسب بالتيوس - فأبي وأبوا. فلما طال مكثه، أرسل إلى قومه: أن أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم.
وحدثني يزيد بن عياض بن جعدبة أن النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: رد عني. فذهب في قديمهم وأولهم، فلم يصنع في الهجاء شيئا. فأمر كعب ابن مالك، فذكر الحرب، كقوله:
نصِلُ السُّيوفَ إذا قَصُرنَ بخَطْونا ... قُدُماً ونُلْحِقُها إذا لم تَلْحَقِ
فلم يصنع في الهجاء شيئا. فدعا حسان بن ثابت فقال: أهجهم وائت أبا بكر يخبرك - أي بمصائب القوم - . وكان أبو بكر علامة قريش، وكان جبير بن مطعم أخذ العلم عن أبي بكر.
أخبرنا شعبة، عن عدي بن ثابت الأنصاري: أنه سمع البراء بن عازب الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه: أهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك.
قال ابن جعدبة في حديثه: وأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله يا رسول الله، ما أحب أن لي به مقولا في العرب. فصب على قريش منه شآبيب شر، فقال رسول الله صلى الله عليه: اهجهم، كأنك تنضحهم بالنبل.
ومن شعره الرائع الجيد، ما مدح به بني جفنة من غسان، ملوك الشام في كلمة:
للّه دَرُّ عِصابةٍ نادَمْتُهُمْ ... يوماً بِجِلِّقَ في الزَّمانِ الأوَّلِ
يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عليهمُ ... بَرَدَى يُصَفَّق بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
يُغشَوْن حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُمْ ... لا يَسْألون عن السَّوَادِ المُقْبِلِ

(1/29)


أوْلادُ جَفْنةَ عِنْدَ أبِيهِمُ ... قَبْرِ اُبن مَارِيَة الكَريمِ المُفْضِلِ
وقال في الكلمة الأخرى الطويلة:
لنا الَجفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسْيافُنا يَقْطُرْن من نَجْدَةٍ دَمَا
أبَي فِعْلُنا المعروفِ أن نَنْطِقَ الخَنا ... وقائِلُنا بالعُرْفِ إلا تَكلُّمَا
وقوله:
وإن اُمْرىً أَمْسَى وأَصْبَح سَالمِاً ... من الناس إِلا مَا جَنى لَسَعيدُ
ولما قال للحارث بن عوف بن أبي حارثة المري:
وأًمَانَةُ المُرِّيِّ حَيثُ لَقِتَه ... مثلُي الزُّجاجةِ صَدْعُها لم يُجْبَرِ
قال الحارث: يا محمد، أجرني من شعر حسان، فو الله لو مزج به الماء البحر مزجه.
وأشعار حسان وأحاديثه كثيرة.
وكعب بن مالك، شاعر مجيد. قال يوم أحد في كلمة:
فَجِئْنَا إلى مَوْجٍ من البَحْر وَسْطَه ... أَحابِيشُ منهم حَاسِرٌ ومُقَنَّعُ
ثلاثةُ آلافٍ ونحنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلاَثُ مِئِينَ إن كَثُرْنا وأَرْبَعُ
وكانوا سبعمئة.
فَرَاحُوا سِراعاً مُوجِفينَ كأنَّهُمْ ... جَهَامٌ هَرَاقتْ مَاءهُ الرِّيحُ مُقْلِعُ
ورُحْنَا وأُخْرَانا تَطَانَا كأنَّنا ... أُسُودٌ على لَحْمٍ بِبِيشهً ظُلَّعُ
وقال كعب في أيام الخندق:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بْعضُه ... بَعْضاً كمْعَمَعةِ الأَباءِ المُحْرَقِ
فَلْيَأتِ مَأْسَدةً تُسَلُّ سُيوفُها ... بَيْن المَذَادِ وبَيْنَ جِزْعِ الخَنْدَقِ
وقال بعد ذلك في كلمة أيضا:
قَضَيْنا من تِهامَةَ كلَّ رَيْبٍ ... وخَيْبَرَ ثُمّ أجْمَمْنَا السُّيُوَفَا
نُخَيِّرها ولو نَطقت لَقَالتْ ... قَوَاطِعُهنَّ: دَوْساً أو ثَقِيفَا
فَلَسْتُ لِحَاصِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... بساحَةِ دَارِكم مِنَّا أُلُوفَا
فنَنتَزِعُ العُروشَ ببَطْن وَجٍّ ... ونَتْرُكُ دَارَكم مِنَّا خُلُوفَا
ونُرْدي الَّلاتَ والعُزَّي ووَدْا ... ونَسْلُبُها القَلاَئِدَ والشُّنوفَا
حدثني عمر بن معاذ التيمي المعمري وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه لكعب بن مالك: أترى الله نسي لك قولك:
زَعَمَتْ سَخِينةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ
وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك، هو وهلاك ابن أمية ومرارة بن الربيع، فتاب الله عليهم، كما قص في سورة براءة.
ويروي أن قومه قالوا في ذلك: لو اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه ببعض ما يعتذر به الناس، عذرك. قال: إني لأصنعهم لساناً وأقدرهم على ذلك، ولكن والله لا أعتذر إليه بكذب وإن عذرني فيطلعه الله عليه. فيقال: إن الله عز وجل أنزل فيه: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " (سورة التوبة 119). وشهد العقبة ولم يشهد بدرا.
وعبد الله بن رواحة، عظيم القدر في قومه، سيد في الجاهلية، ليس في طبقته التي ذكرنا أسود منه. شهد بدراً. وكان في حروبهم في الجاهلية يناقض قيس بن الخطيم. وكان في الإسلام عظيم القدر والمكانة عند رسول الله صلى الله عليه.
وقال عبد الله بن رواحة، وهو آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه في غمرة القضاء، يقودها، وقد اجتمع أهل مكة وغلمانهم ينظرون إليه، وهو يقول:
خَلُّوا بَني الكُفَّار عن سَبِيِلِهِ ... خَلُّوا فكلُّ الخَيْرِ مَعْ رَسُولِهِ
نَحنُ ضَرَبنا كُمْ على تَأْوِيِلِهِ ... كما ضَربنَا كُمْ على تَنْزِيلِهِ
ضَرْباً يُزِيلُ الهَامَ عن مَقِيلِهِ ... ويُذْهِلُ الخليلَ عن خَلِيلِهِ
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة منصرفة من العمرة، فخرص على أهل خيبر، فقال لهم لما شكوا الخرص:
فنحنُ نأخذُها بذلك قالوا ... بهذا قامتِ السَّموات والأرضُ

(1/30)


وقد روى عمر بن أبي زائدة قال: سمعت مدرك بن عمارة ابن عقبة بن أبي معيط يقول: قال عبد الله بن رواحة: مررت بمسجد رسول الله صلى الله عليه وهو في نفر من أصحابه، فأضب القوم: يا عبد الله بن رواحة! يا عبد الله بن رواحة! فعرفت أن رسول الله صلى الله عليه دعاني، فانطلقت إليهم مسرعا، فسلمت، فقال: ههنا. فجلست بين يديه فقال - كأنه يتعجب من شعري - : كيف تقول الشعر إذا قلته؟ قلت: أنظر في ذلك ثم أقول. قال: فعليك بالمشركين. قال: فلم أكن أعددت شيئا، فأنشدته، فلما قلت:
فَخبِّرُوني أَثْمانَ العَبَاءِ متَى ... كُنْتُم بَطَاريقَ أو دَانتْ لكم مُضَرُ؟
قال: فكأني عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه الكراهة إذ جعلت قومه أثمان العباء فقلت:
نُجَالِدُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ فَنَأْسِرُهمفِينَا النَّبيُّ وفينَا تُنْزَلُ السُّوَرُ
وقد عَلمتم بأنًّا ليسَ غَالِبَنَا ... حيُّ من الناس إنْ عَزُّوا وإن كَثُروا
يَا هَاشِمَ الخَيرِ إنَّ الّله فَضَّلكم ... عَلَى البَرِيَّة فَضلاً مَالَهُ غِيَرُ
إنّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخيرَ أعرِفُهُ ... فِراسةً خَالفتْهُمْ في الّذي نَظَرُوا
ولوْ سألتَ أَو اسْتَنْصَرتَ بَعْضَهُمُ ... في جُلِّ أَمْرِكَ ما آوَوْا اوَما نَصَرُوا
فَثَبَّتَ الّلهُ مَا آتَاكَ من حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْراً كالّذي نُصِرُوا
فأقبل على بوجهه متبسماً. ثم قال: وإياك فثبت الله.
وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مؤته ثالث ثلاثة أمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وابن رواحة. فلما قتل صاحباه، كأنه تكره الإقدام فقال:
أقْسَمتُ يا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... طَائِعَةً أوْلا لتُكْرَهِنَّهْ
وَطَالما قَدْ كُنْت مُطْمَئِنَّهْ ... مَا لي أرَاكِ تَكْرَهِينَ الجنَّةْ؟
فقتل يومئذ.
وأبو قيس بن الأسلت، وهو شاعر مجيد، وهو الذي يقول في حرب بينهم وبين الخزرج:
قَدْ حَصَّتِ البَيضَةُ رأْسي فَما ... أَطْعَمُ نَوْماً غَيْرَ تَهْجَاعِ
أَسْعَى عَلَى جُلِّ بَني مَالكٍ ... كُلُّ امرئ في شَأنِهِ سَاعِ
وهو يقول في قصيدة:
فَلَسْتُ لَحِاصِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْنَا ... نُجالِدُ كُمْ كَأَنَّا شَرْبُ خَمْرِ
مَلَكْنْا النَّاسَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... فَلَمْ نُغْلَبْ وَلَمْ نُسْبَق بِوِتْرِ
هَمْمنَا بِالإقامَةِ ثُمَّ سِرْنَا ... مَسِيرَ حُذَيْفَةِ الخَيْرِ بْنِ بَدْرِ
وذكروا أنه أقبل يريد النبي صلى الله عليه، فقال له عبد الله ابن أبي: خفت والله سيوف الخزرج! قال: لا جرم، والله لا أسلم حولاً. فمات في الحول.
قيس بن الخطيم شاعر، فمن الناس من يفضله على حسان شعراً - ولا أقول ذلك - .
وهو الذي يقول يوم بعاث:
أتعْرِفُ رَسْماً كاُطِّرادِ المّذَاهِبِ ... لِعَمْرَةَ قَفْراً غيرَ مَوْقِفِ رَاكبِ
عمرة: بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، وهي أم النعمان ابن بشير الأنصاري:
دِيارُ التَّي كادتْ ونَحنُ على مِنيٍ ... تَحُلُّ بنا لَوْلا نَجاءُ الرّكائبِ
تَراءَت لنَا كالشَّمْسِ تحتَ غَمامةٍ ... بَدَا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحَاجِبِ
ولَمْ أَرَهَا إلا ثَلاثاً عَلَى مِنيٍ ... وعَهْدي بها عَذْرَاءَ ذَاتَ ذَوائِبِ
ومَثْلِكِ قَدْ أصْبَيْتُ لَيستْ بكَنَّةٍ ... ولا جَارةٍ ولا حَليلَةٍ صَاحِبَ
أَرِبْتُ بدَفْع الحَرْب حتّى رأيتُها ... عَلَى الدَّفْع لا تَزْدَادُ غيرَ تَقارُب
فلمَّا رأيْتُ الحرْبَ حرْباً تَجَرَّدتْ ... لَبِسْتُ مع البُرْدَيْنِ ثَوْبَ المُحَاربِ
مُضَاعَفةً يَغْشَى الأَنامِلَ رَيْعُها ... كأَنَّ قَتِيرَهَا عُيُونُ الجَنادِبِ
إذَا ما فَرَرْنَا كان أَسْوَأَ قَرِّنا ... صُدودُ الخُدودِ وازوِارُ المناكبِ
وهو الذي يقول:

(1/31)


تَرَاءَتْ لنا يومَ الرَّحِيل بِمُقْلَتَي ... غَرِيرٍ بمُلتَفٍّ مِنَ السِّدْرِ مُفْرَدِ
وَجِيدٍ كجِيدِ الرِّئْم حَالٍ يَزِينُهُ ... عَلَى النَّحْرِ مَنْظومٌ وفَصْلُ زَبرْجَدِ
وكأَنَّ الثُّرَيَّا فوقَ ثُغْرةِ نَحْرِها ... تَوَقَّدُ في الظلَّماءِ أيَّ تَوَقُّدِ
وإنِّي لاغْنَى النَّاسِ عَنْ مُتَكلِّفٍ ... يَرَى النَّاسَ ضُلالاً ولَيْسَ بمُهْتَدِي
أُكَثِّر أهْلي من عِيالٍ سِوَاهُمُ ... وأَطْوِي على الماءِ القَرَاحِ المُبَرَّدِ
وقال:
طَعَنْتُ اُبنَ عَبْدِ الْقَيْسِ طَعْنَة ثائرٍلَهَا نَفَذٌ لَوْلا الشَّعَاعُ أَضَاءَهَا
وكان قيس مقيماً على شركه، وأسلمت امرأته، وكان يقال لها حواء، فكان يصدها عن الإسلام ويعبث بها، يأتيها وهي ساجدة فيقلبها على رأسها. وكان رسول الله صلى الله عليه وهو بمكة قبل الهجرة، يسأل عن أمر الأنصار وعن حالهم، فأخبر بإسلامها، وما تلقى من قيس. فلما كان الموسم، أتاه صلى الله عليه في مضربه، فلما رأى النبي صلى الله عليه رحب به وأعظمه. فقال له النبي صلى الله عليه: إن امرأته قد أسلمت، وإنك تؤذيها، فأحب أن لا تعرض لها.
قال: نعم وكرامة يا أبا القاسم، لست بعائد في شيء تكرهه. فلما قدم المدينة قال لها: إن صاحبك قد لقيني، فطلب إلى أن لا أعرض لك، فشأنك وأمرك.
شعراء مكة
وبمكة شعراء، فأبرعهم شعرا: عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
وأبو طالب بن عبد المطلب، شاعر.
والزبير بن عبد المطلب، شاعر.
وأبو سفيان بن الحارث، شاعر.
ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، شاعر.
وضرار بن الخطاب الفهري، شاعر.
وأبو عزة الجمحي، شاعر، واسمه عمرو بن عبد الله.
وعبد الله بن حذافة السهمي، الممزق.
وهبيرة بن أبي وهب بن عامر بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
قال، حدثني شعيب بن صخر وأبو بكر الزبيري المصعبي، قال: أصبح الناس يوما بمكة وعلى دار الندوة مكتوب:
أَلْهَي قُصَيّاً عن المَجْدِ الأَسَاطِيرُ ... ورِشْوَةٌ مثل ما تُرْشَي السَّفَاسِيرُ
وأَكْلُها الَّلحْمَ بَحْتاً لا خَليطَ لَهُ ... وقَوْلُها: رَحلَتْ عِيرٌ مَضَتْ عِيرُ
فأنكر الناس ذلك، وقالوا: ما قالها إلا ابن الزبعري! أجمع على ذلك رأيهم، فمشوا إلى بني سهم - وكان مما تنكر قريش وتعاقب عليه، أن يهجو بعضها بعضاً - فقالوا لبني سهم: ادفعوه إلينا نحكم فيه بحكمنا. قالوا: وما الحكم فيه؟ قالوا: نقطع لسانه قالوا: فشأنكم، واعملوا والله أنه لا يهجونا رجل منكم إلا فعلنا به مثل ذلك. والزبير ابن عبد المطلب يومئذ غائب نحو اليمن، فأنتجت بنو قصي بينهم فقالوا: لا نأمن الزبير إن بلغه ما قال هذا، أن يقول شيئا، فيؤتي إليه مثل ما نأتي إلى هذا! وكانوا أهل تناصف، فأجمعوا على تخليته، فخلوه. فقال له الناس، وحملوه على قومه: أسلمك قومك ولم يمنعوك، ولو شاءوا منعوك! فقال:
لَعَمْرُكَ ما جاءَتْ بنُكْرٍ عَشِيرتي ... وَإنْ صَالَحَتْ إخْوَانَهَا لااُلومُها
بِوُدِّ جُناةِ الغَيِّ أنّ سُيُوفَنَا ... بأَيْمَانِنَا مَسْلُولةً لا نَشِيمُهَا
وقال في يوم أحد قصيدة يقول فيها:
كُلُّ بُؤْسٍ ونَعِيمٍ زَائِلٌ ... وبَنَاتُ الدّهْرِ يَلْعَبْنَ بكُلّْ
وَالعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بيْنَنَا ... وسَوَاءٌ رَمْسُ مُثْرٍ ومُقِلّْ
لَيْتَ أشْيَاخي بَبدْرٍ شَهدُوا ... ضَجَرَ الخَزْرَج من وَقْعِ الأَسَلْ
حِين أَلْقَتْ بقَنَاةٍ بَرْكَهَا ... وَاُسْتَحَرَّ القتلُ في عَبْدِ الأَشَلّْ
فقَبِلْنَا النِّصْفَ من سَادَتِهِمْ ... وعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعتَدَلْ
وزعم ابن جعدبة أنه سمع هشام بن عروة ينشد هذا الشعر، وسمعته قال:عنه رويته.
وقال ابن الزبعري لبني المغيرة بن عبد الله المخزوميين وكان لهم بلاء في الفجار، وأمهم: ريطة بنت سعيد بن سعد ابن سهم، فقال:
أَلا لِلّه قَوْمٌ وَلَدَتْ أُختُ بني سَهْمِ
هِشَامٌُ وأبُو عَبْدِ مِدْرَهْ الخَصْمِ

(1/32)


وذُو الرُّمْحَينِ أَشْبَاكَ من القُوَّةِ والحَزْمِ
فَهذَانِ يَذُودَانِ وذَا مِنْ كَثَبٍ يَرْمي
وَإنْ أحْلِفْ وبَيْتِ الّلهِ لا أَحْلِفْ عَلَى إثْمِ
لَمَا إنْ إخْوَةٌ بَيْنَ دُ ... رُوبِ الرُّومِ والرَّدْم
بِأَزْكَى مِنْ بَنِي رَيْ ... طَةَ أَوْ أَوْزَنَ في حِلْمِ
همُ يَوْمَ عُكاظٍ ... مَنَعُوا النَّاسَ من الهَزْمِ
وقال: كان الفزاري ينشدها: هشاماً وأبا عبد مناف أي ولدت. وأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة. وذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، أبو: عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة.
ثم أسلم ابن الزبعري، ومدح النبي صلى الله عليه واعتذر إليه فأحسن، فقال:
يَا رَسُولَ المَلِيكِ إِنَّ لِسَاني ... رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ
إذْ أُجَارِي الشَّيْطانَ في سَنَن الغَ ... يِّ ومَنْ مَال مَيْلَه مَثْبُورُ
آمَنَ الَّلحْمُ والعِظَامُ بما قُلْ ... تَ فنَفْسي الفِدَى وأنْتَ النَّذيرُ
وقال أيضا:
مَنعَ الرُّقَادَ بَلابلٌ وهُمُومُ ... والَّليلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ
مِمَّا أتاني أنّ أَحْمَدَ لامَني ... فِيه فَبِتُّ كأنَّني مَحْمُومُ
يَا خَيْرَ من حَمَلَتْ على أَوْصَالِهَا ... عَيْرَانَةُ شُرُحُ اليَدَينِ رَسُومُ
إِنِّي لمُعْتَذِرٌ إِليكَ مِنَ الَّذي ... أَسْدَيْتُ إِذْ أنَا في الضَّلالِ أَهِيمُ
أياَّمَ تأمُرُني بِأَغْوَى خُطَّةٍ ... سَهْمٌ وتأمُرُني بها مَخْزومُ
فاُغفِرْ فِدىً لك وَالِدايَ كِلاَهُما ... ذَنْبي فإنَّك رَاحِمٌ مَرْحُومُ
وعَليكَ من أَثَر المَلِيكِ عَلامَةٌ ... نُورٌ أضَاءَ وخَاتَمٌ مَخْتُومُ
مَضَتِ العَدَاوَةُ فَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا ... وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وحُلُومُ
وحدثني ابن جعدبة قال: قدم ضرار بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبعري المدينة أيام عمر بن الخطاب، فأتيا أبا أحمد بن جحش الأسدي - وكان مكفوفاً، وكان مألفاً يجتمع إليه ويتحدث عنده، ويقول الشعر - فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان بن ثابت فنناشده ونذاكره، فإنه كان يقول في الإسلام ويقول في الكفر.
فأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد! أخواك تطربا إليك! ابن الزبعري وضرار، يذاكرنك ويناشدانك. قال: نعم، إن شئتما بدأت، وإن شئتما فأبديا! قالا: نبدأ. فأنشداه، حتى إذا صار كالمرجل يفور، قعدا على رواحلهما. فخرج حسان حتى تلقى عمر بن الخطاب، وتمثل ببيت ذكره ابن جعدبة لا أذكره، فقال عمر: وما ذاك؟ فأخبره خبرهما، قال: لا جرم، لا يفوتانك. فأرسل في إثرهما فردا. وقال لحسان: أنشدهما. فأنشد حاجته، قال: أكتفيت؟ قال: نعم قال: شأنكما الآن، إن شئتما فارحلا،وإن شئتما فأقيما.
وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه:
وَأبْيَضُ يُسْتَسْقَي الغَمَامُ بِوَجْهِه ... ربيعُ اليَتَامَى عَصْمَةٌ للأَرَامِلِ
وقد زيد فيها وطولت. ورأيت في كتاب يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مئة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، ولا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها، فقلت صحيحة جيدة! قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا! وأشعار قريش أشعار فيها لين، فتشكل بعض الإشكال.
وأجمع الناس على أن الزبير بن عبد المطلب شاعر. والحاصل من شعره قليل، ومما صح عنه قوله:
وَلَوْلا الُحْبشُ لَمْ تَلْبَسْ رِجَالٌ ... ثِيَابَ أَعِزَّةٍ حَتّى يَمُوتُوا
وقال قوم: ولولا الحمس وليس هذا بشنئ، إنما هي الحبش يعني أنهم أخذوا ثيابهم ومتاعهم، وذاك حين جاؤوا يريدون هدم البيت، فرماهم الله، وكانت أم أيمن منهم، غنمتها قريش وهي أم أسامة بن زيد.
وهذه الأبيات للزبير بن عبد المطلب.
وقلت لخلف: من يقول؟:
إذا كُنْتَ في حَاجَةٍ مُرْسِلاً ... فَأَرْسِلْ حَكِيماً ولا تُوصِهِ

(1/33)


قال: يقال للزبير بن عبد المطلب. فقلت: فالخليل يقول: هذا خطأ في بناء القوافي حين يقول:
وَإِنْ بَابُ أَمْرٍ عَلَيْكَ الْتَوَى ... فشَاوِرْ لبيباً ولا تَعْصِهِ
لقوله: " ولا توصه " كان يقول: لا يتفق هذا. فقال خلف: أخطأ الخليل، نراها جائزة.
ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية، فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل.
ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق ولا لغيره شعرا، ولأن لا يكون لهم شعر، أحسن من أن يكون ذاك لهم.
قال أبو سفيان:
لَعَمْرُكَ إنَّي يَوْم أَحْمِلُ رَايةً ... لِتَغْلِبَ خيلُ الَّلات خَيْلَ مُحَّمدِ
لكَالُمدْلِجِ الحَيْرَانِ أظْلَمَ لَيْلُه ... فهذا أَوَانُ حِينَ أَهْدي وَأهْتَدي
هَدَاني هَادٍ غَيْرُ نَفْسي وقَادَنْي ... إلى الّله مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
قال فبلغني أن رسول الله صلى عليه قال له: أنت طردتني كل مطرد؟! كأنه ينكرها، يردد ذلك.
وقال أبو سفيان في يوم أحد يرد على حسان بن ثابت - وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه أصابوا في عقب بدر عيرا لقريش فيها فضة، فكانوا تنكبوا بعد طريق الشام، وأخذوا طريق العراق - فقال حسان:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَها ... جِلادٌ كأفواهِ المَخَاضِ الأوارِك
بِأَيْدي رِجَالٍ هاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهُم ... وأَنْصَارِهِ حَقاً وأَيْدي الملائِكِ
إِذَا سَلَكَتْ حَوْرَانَ من أَرضِ عَالجٍ ... فَقُولا لَها: إنَّ الطَّرِيقَ هُنَالِكِ
فلما كان يوم أحد، قال أبو سفيان بن الحارث يرد عليه:
شَقِيتُمْ بِهَا وغَيْرُكُم أَهْلُ ذِكُرِهَا ... فَوَارِسُ من أَبْنَاءِ فِهْرِ بن مَالِك
حَسِبْتُمْ جِلاد البِيضِ حَوْلَ بُيُوتِكُمْ ... كأَخْذِكُمُ في العِيرِ أَرْطَالَ آنُكِ
فقال أبو سفيان بن حرب لأبي سفيان بن الحارث: يا ابن أخي، لم جعلتها آنك!! إن كانت لفضة بيضاء جيدة.
ويروي الناس لأبي سفيان بن الحارث، يقول لحسان:
أبُوكَ أَبُو سَوْءٍ وخَالُكِ مِثْلُه ... ولَسْتَ بِخَيرٍ من أَبِيكَ وخَالِكا
وَإنَّ أحقَّ النَّاس أنْ لا تَلُومَهُ ... عَلَى اللُّؤْمِ مَنْ أَلْفَى أبَاهُ كَذَلِكا
فأخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامه بن موسى ابن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالها ونحلها أبا سفيان. وقريش ترويه في أشعارها، تريد بذلك الأنصار والرد على حسان.
وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس، من محارب بن فهر، من ظواهر قريش، وكان لا يكون بالبطحاء إلا قليلا. وكان جمع من حلفاء قريش ومراق كنانة ناسا، وكان يأكل بهم ويغير ويسبى ويأخذ المال.
والحارث بن فهر بطحاوية.
وكان ضرار خرج في الجاهلية في ركب من قريش، فمروا ببلاد دوس، وهم يطالبون قريشا بدم أبي أزيهر - قتله هشام بن الوليد ابن المغيرة - فثاروا بهم وقتلوا فيهم. ودوس تدعى شيئا كثيرا من القتلى، وليس ذلك بمعلوم. فقاتلهم ضرار، ثم لجأ إلى امرأة منهم يقال لها: أم غيلان - مقينة تقين العرائس، يقال إنها مولاة لهم - فأدخلته بين درعها وجلدها، ودافعت عنه هي وبناتها، وصرخت ببنيها فجاءوا، فخرج معهم ضرار فجالد أشد الجلاد، فقالت أم غيلان: ما رأيت شدة أفكل أقرب إلى حسن جلاد منه. وقال ضرار:
جَزَى الّلهُ عَنَّا أمَّ غَيْلانَ صَالحاً ... ونِسوَتَها إذْهُنَّ شُعْثٌ عَوَاطِلُ
فَهُنَّ دفَعْنَ الموتَ بَعْدَ اقْتِرابِه ... وقَدْ ظَهَرَتْ لِلثَّائرينَ مَقَاتِلُ
فَجَرَّدْتُ سَيْفي ثم قُمْتُ بَنصْلِه ... وعَنْ أَيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسي أُقَاتِلُ
ولقي ضرار بن الخطاب يوم أحد عمر بن الخطاب في الجولة التي جالها المسلمون، وكان قد آلى يومئذ أن لا يقتل قرشيا، فضربه بعارضة سيفه، وقال: انج يا ابن الخطاب! فضرب الدهر ما ضرب، وولى عمر بن الخطاب، فسمعت أم غيلان بذكر ابن الخطاب فظنته ضرارا، فقدمت عليه فقال لها قوم: قدمت وهو غائب! فأتت عمر فأخبرته بالذي جاءت له، فأثابها.

(1/34)


وحدثني أبان الأعرج بحديثها، فقال: جاءت فلقيت ضرارا فقالت: قد عرفت بلائي ويدي، وقد وليت ما وليت. قال: ما أعرفني بذلك! ولست أنا بالذي تولى ما توهمت، ذاك عمر بن الخطاب، ولئن كان لك عندي يد وبلاء، إن لي عنده ليدا وبلاء - يعني بلاءه يوم أحد - فاذهبي بنا إليه. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين! هذه أم غيلان، وقد عرفت ما كان من أمرها، سمعت بولايتك فظنتني الوالي، فأتتني تطلب النوال. قال: فتريد ماذا؟ قال: تعجل عطائي فأكافئها به. فأعطاها نصف عطائه، ونصف عطاء عمر.
وكان ضرار على بني محارب يوم الفجار.
وكان أبو عزة شاعرا، وكان مملقاً ذا عيال، فأسر يوم بدر كافرا، فقال: يا رسول الله، إني ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك. فقال: على أن لا تعين على! - يريد شعره - قال: نعم. فعاهده وأطلقه، فقال:
أَلا أَبْلِغَا عَنِّي النبَّي مُحَّمداً ... بأَنَّك حَقٌ والمَلِيكَ حَمِيدُ
وأنْتَ اُمْرُؤٌ تَدْعُو إلى الرُّشْد والتُّقَى ... عَلَيْكَ من الّلهِ الكَرِيم شَهِيدُ
وأنتَ امرُؤٌ بُوِّئْتَ فينا مَبَاءَةٌ ... لها دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وصُعُودُ
وإنّك مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ ... شَقِيٌّ ومَنْ سَالَمْتَهُ لسَعِيُد
ولكنْ إذا ذُكِّرْتُ بَدْراً وأَهْلَها ... تَأَوَّبُ ما بي حسرةٌ وتَعُودُ
فلما كان يوم أحد، دعاه صفوان بن أمية بن خلف الجمحي - وهو سيدهم يومئذ - إلى الخروج، فقال: إن محمدا قد من على وعاهدته أن لا أعين عليه. فلم يزل به، وكان محتاجا، فأطعمه، والمحتاج يطمع. فخرج فسار في بني كنانة فحرضهم، فقال:
يَا بَني عَبْدِ مَنَاةَ الرُّزَّامْ ... أَنْتُمْ حُمَاةٌ وأبُوكمْ حامْ
لا تَعِدُوني نَصْرَكم بَعْدَ العَامْ ... لاَ تُسْلِمُوني لاَ يَحِلُّ إسْلامْ
أنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، قال، حدثني أبان بن عثمان - وهو قول ابن إسحاق - أن أبا عزة أسر يوم أحد، فقال: يا رسول الله من على! فقال النبي عليه السلام: لا يلسع المؤمن من جحر مرتين. وقال أبان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدا مرتين! فقتله.
فذكرت ذلك لابن جعدبة فقال: ما أسر يوم أحد هو ولا غيره، ولقد كان المسلمون يومئذ في شغل عن الأسر، ولم ينكر قتله، وكان ينكر قتل النضر بن الحارث في يوم بدر صبرا، فقال: أصابته جراحة فارتث منها، وكان شديد العداوة، فقال: لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا ما دمت في أيديهم، فمات.
فأخبرت أبي - سلاما - بقول ابن جعدبة في أبي عزة فقال: قد قيل إن النبي صلى الله عليه لم يقتل أحد صبرا إلا عقبة بن أبي معيط يوم بدر.
قال ابن جعدبة: برص أبو عزة بعد ما أسن، وكانت قريش تكره الأبرص وتخالف العدوى، فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه، فكبر ذلك عليه، فقال: الموت خير من هذا! فأخذ حديدة وصعد إلى جبل حراء يريد قتل نفسه، فطعن بها في بطنه،فضعفت يده لما وجد مسها، فمارت الحديدة بين الصفاق والجلد، فسال ماء أصفر، وذهب ما كان به. فقال:
لا هُمَّ رَبَّ وَائِلٍ ونَهْدِ ... والتَّهَمَاتِ والجِبَالِ الجُرْدِ
ورَبَّ مَنْ يَرْمي بَيَاضَ نَجْدِ ... أصبحْتُ عَبْداً لك وابنَ عَبْدِ
أبرأتَني من وَضَحٍ بِجلْدِي ... من بَعْدِ ما طَعَنْتُ في مَعَدّي
المعد: موضع رجلي الراكب من الفرس وكان هبيرة بن أبي وهب شاعرا من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه، وهو الذي يقول في يوم أحد:
قُدْنَا كِنَانةَ من أَكْنَافِ ذي يَمَنٍ ... عَرْضَ البِلاَد على ما كان يُزْجِيها
قَالَتْ كِنَانة: أَنَّي تَذْهَبُونَ بِنا؟ ... قُلْنَا: النَّخِيلَ! فأَمُّوها ومَا فِيهَا
وله شعر كثير وحديث.
شعراء الطائف

(1/35)


قال ابن سلام: وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما كان يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس الخزرج، أو قوم يغيرون ويغار عليهم. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة، ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان. وأهل الطائف في طرف، ومع ذلك كان فيهم: أبو الصلت بن أبي ربيعة.
وابنه أمية بن أبي الصلت، وهو أشعرهم.
وأبو محجن عمرة بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.
وغيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف.
وكنانة بن عبد يا ليل.
وكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة، في كلمة قال فيها:
للّه درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غرا جحاجحة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا
من مثل كسرى وسابور الجنودلة ... أومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دار منك محلالا
واضطم بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا تعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وكان أمية بن أبي الصلت كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب.
أنا ابن سلام قال، فحدث سفيان وابن دأب: أن أمية مر بزيد بن عمرو بن نفيل، أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو وورقة بن نوفل. فقال له أمية: يا باغي الخير، هل وجدت؟ قال: لا. قال: ولم أوت من طلب. قال: أبي علماء أهل الكتاب إلا أنه منا أو منكم أو من أهل فلسطين.
وناح أمية على قتلى بدر فقال:
ماذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح
هلا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح
وقال أمية:
وما يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له أم رؤوم
تبيت الليل حانية عليه ... كما يخرمس الأرخ الأطوم
تصدى كلما طلعت لنشز ... وودت أنها منه عقيم
الغفر: ولد الوعل. والأرخ: ولد البقرة. ويخرمس: أي يتصمت. والأطوم: الضمام بين شقتيه.
ومدح أمية عبد الله بن جدعان التيمي، فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
وأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لهم سماء
قال ابن سلام: وأنشدنيها أبو بكر بن محمد بن واسع السلمي وأنشدنيها أيضا أبو بكر، وذكرتها لخلف فعرفها.
وقال أمية:
عطاؤك زين لامرئ بذل وجهه ... بخير وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
نا ابن سلام قال: وذكر عيسى بن عمر عن بعض أهل الطائف، عن أخت أمية بن أبي الصلت، قالت: إني لفي بيت فيه أمية نائم، إذا أقبل طائران أبيضان فسقطا على السقف، ففرح السقف فسقط أحدهما عليه، فشق بطنه وثبت الآخر مكانه. فقال الأعلى للأسفل: أوعى؟ قال: أقبل؟ قال: أبي - ويقال قال: زكا. قال: خسا - فرد عليه قبله وطار، والتأم السقف. قالت: فلما استيقظ قلت: له يا أخي! أحسست شيئا. قال: لا! وإني لأجد توصيبا، فما ذاك؟ فأخبرته. قال: يا أخية! أنا رجل أراد الله بي خيرا فلم أقبله. قالت: فلما مرض مرضته التي مات فيها، قالت: فإني عنده، إذ نظر إلى السماء وشق بصره ثم قال:
لبيكما لبيكما ... ها أناذا لديكما
لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر. ثم أغمي عليه، ثم شق بصره ونظر، وقال:
لبيكما لبيكما ... هاأنا ذا لديكما
وقال: لا ذو عشيرة تحميني، ولا ذو مال يفديني. ثم أغمي عليه، فقلنا: قد أودى! ثم شق بصره ونظر إلى السماء فقال:
لبيكما لبيكما ... هاأنا ذا لديكما
بالنعم محفود، من الذنب مخضود. ثم أغمي عليه، ثم شق بصره وقال:

(1/36)


إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
ثم أغمي عليه، ثم أفاق فقال:
ليتني كنت قبل ما قد بد لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
كل عيش وإن تطاول دهرا ... قصره مرة إلى أن يزولا
ثم خفت فمات.
قال ابن سلام: وأبو محجن رجل شاعر شريف. وكان قد غلب عليه الشراب، فضرب فيه مرارا، ثم حبسه سعد بالقادسية في القصر معه، والناس يقتتلون، فجال المسلمون جولة وهو ينظر، فقال:
كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا على وثاقيا
إذا قمت غناني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخاليا
أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب ما تزداد إلا تماديا
وكان مقيداً يومئذ عند زبراء، أم ولد سعد بن أبي وقاص، فقال لها: أطلقيني، فلك الله، لئن فتح الله على المسلمين وسلمت، لأرجعن حتى أضع رجلي في القيد. فأطلقته، وحملته على، فرس لسعد، فأخذ الرمح فخرج فقاتل، فحطم المشركين، وكان سبب الهزيمة. فقال سعد: لولا إن أبا محجن محبوس لقلت: الفارس أبو محجن! فلما فتح الله على المسلمين رجع إلى محبسه،فقال له سعد: لا ضربتك في الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدا.
قال ابن سلام: ولغيلان بن سلمة شعر، وهو شريف. وكان قسم ماله كله بين ولده، وطلق نساءه. فقال له عمر: إن الشيطان قد نفث في روعك أنك ميت، ولا أراه إلا كذلك، لترجعن في مالك، ولتراجعن نساءك، أو لآمرن بقبرك أن يرجم كما يرجم قبر أبي رغال. ففعل.
شعراء البحرين
قال ابن سلام: وفي البحرين شعر كثير جيد وفصاحة، منهم: المثقف، وهو عائذ بن محصن بن ثعلبة بن واثلة بن عدي بن عوف بن دهن بن عذرة بن منبه بن نكرة - وهي القبيلة - ابن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. وإنما سمي المثقف لبيت قاله:
رددن تحية وكنن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون
وقال أيضا:
ظعائن لا توفي بهن ظعائن ... ولا الثاقبات من لؤي بن غالب
ولا ثعلبيات حللن عباعبا ... لا أسرة القعقاع من رهط حاجب
وتميم تنشد:
ولا نهشليات أبوهن دارم ... ولا أسرة القعقاع من رهط حاجب
والمثقف العبدي هو الذي يقول:
أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألتك أن تبيني
ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت: بيني! ... كذلك أجتوي من يجتويني
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني؟
أكل الدهر حلا وارتحالا؟ ... أما يبقى على ولايقيني!!
فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين
وهذه الأبيات بعض القصيدة، وإنما انتخبنا أجودها أبياتاً.
ومنهم: الممزق العبدي، واسمه: شأس بن نهار بن أسود، وإنما سمي الممزق ببيت قاله:
فإن كنت مأكولا فكن خيرا آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
قال: وبلغني أن عثمان بن عفان بعث به إلى علي بن أبي طالب رحمة الله عليهما ورضي عنهما، حين بلغ منه وألح عليه.
ومنهم: المفضل بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان بن سود بن عذرة بن منبه بن نكرة. فضلته قصيدته التي تقول لها: " المنصفة " وأولها:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
وقد اختلف في القائل:
هل للفتى من بنات الدهر من واقي؟ ... أم هل له من حمام الموت من راقي!
ورجلوني وما رجلت من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق
ورفعوني وقالوا: أيما رجل! ... وأدرجوني كأني طي مخراق
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا في ضريح الترب أطباقي
خفض عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي

(1/37)


ولا أعرف باليمامة شاعراً مذكوراً.
شعراء يهود
وفي يهود المدينة وأكنافها شعر جيد، منهم: السموال بن عادياء، من أهل تيماء، وهو الذي كان امرؤ القيس استودعه سلاحه، فسار إليه الحارث بن أبي شمر الغساني فطلبه، فأغلق الحصن دونه. فأخذ ابنا له خارجا من القصر، وقال: إما أن تؤدى إلى السلاح، وإما أن أقتله. قال: أقتله، فلن أؤديها. ووفى فضرب به الأعشى المثل، فقال:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
إذا سامه خطتي خسف فقال له: ... قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
والسموأل بن عادياء يقول في كلمة له طويلة:
إن حلمي إذا تغيب عني ... فاعلمي أنني عظيما رزيت
ضيق الصدر بالخيانة لا ين ... قض فقري أمانتي ما حييت
كم فظيع سمعته فتصامم ... ت وغي تركته فكفيت
ليت شعري! وأشعرن إذا ما ... قربوها منشورة فقريت!
ألى الفضل أم على إذا حوس ... بت؟ إني على الحساب مقيت
ميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتب رهن بأن سأموت
ومنهم الربيع بن أبي الحقيق، من بني النضير، وهو الذي يقول:
سائل بنا خابر أكفائنا ... والعلم قديلفى لدى السائل
لسنا إذا جارت دواعي الهوى ... واستمع المنصت للقائل
واعتلج القوم بألبابهم ... بقابل الجور ولا الفاعل
إنا إذا نحكم في ديننا ... نرضى بحكم العادل الفاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلط دون الحق بالباطل
نخاف أن نسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
ويروى: فنحمل الذم مع الحامل وكعب بن الأشرف، وهو من طيء، وأمه من بني النضير. وكان في أخواله سيدا، وبكى قتلى بدر، وشبب بنساء رسول الله صلى الله عليه ونساء المسلمين فأمر رسول الله صلى الله عليه محمد بن مسلمة ورهطا معه من الأنصار بقتله، فقتلوه. وهو يقول في كلمة:
رب خال لي لو أبصرته ... سبط المشية أباء أنف
لين الجانب في أقربه ... وعلى الأعداء سم كالذعف
ولنا بئر رواء جمة ... من يردها بإناء يغترف
ونخيل في تلاع جمة ... تخرج التمر كأمثال الأكف
وصرير في محال خلته ... آخر الليل أهازيج بدف
وشريح بن عمران، الذي يقول في كلمته:
آخ الكرام إن استطع ... ت إلى إخائهم سبيلا
واشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السم الثميلا
أأسيد إن مال ملك ... ت فسر به سيرا جميلا
أأسيد إن المال لا ... يبكي إذا فقد الخليلا
إن الكريم إذا تؤا ... خيه وجدت له فضولا
وسعية بن العريض، القائل في كلمة له:
بل ليت شعري حين أندب هالكا ... ماذا يؤبنني به أنواحي؟
أيقلن: لا تبعد فربت كربة ... فرجتها بيسارة وسماح
ومغيرة شعواء يخشى درؤها ... يوما رددت سلاحها بسلاح
ولرب مشعلة يشب وقودها ... أطفأت حد رماحها برماح
وكتيبة أدنيتها لكتيبة ... ومضاعن صبحت شر صباح
وإذا عمدت لصخرة أسهلتها ... أدعو بأفلح مرة ورباح
لا تبعدن فكل حي هالك ... لا بد من تلف فبن بفلاح
إن امرأ أمن الحوادث جاهلا ... ورجا الخلود كضارب بقداح
ولقد أخذت الحق غير مخاصم ... ولقد دفعت الضيم غير ملاح
وأبو القيس بن رفاعة، وهو يقول في قصيدته:
إذا ذكرت أمامة فرط حول ... ولو بعدت محلتها غريت
أكلفها ولو بعدت نواها ... كأني من تذكرها حميت

(1/38)


طليح لا يؤوب إلى جسمي ... كأني سم عاضهة سقيت
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيت
وسيفي صارم لا عيب فيه ... ويمنعني من الرهق النبيت
متى ما يأت يومي لا تجدني ... بمالي حين أتركه شقيت
ألين لهم وأفديهم بنفسي ... مقارشة الرماح إذا لقيت
وأرهن في الحوادث كف بكري ... لجاري في العظيمة إن دهيت
أراه ما أقام على حقا ... شريكي في بلادي ما بقيت
وأبو الذيال، يقول في كلمة أولها:
هل تعرف الدار خف ساكنها ... بالحجر فالمستوى إلى الثمد؟
دار لبهنانة خدلجة ... تبسم عن مثل بارد البرد
أثت فطالت حتى إذا اعتدلت ... ما إن يرى الناظرون من أود
فيها فأما نقا فأسفلها ... والجيد منها لظبية الجرد
لا الدهر فان ولا مواعدها ... تأتي فليت القتول لم تع؟د؟
وعدا محاصيله إلى خلف ... ذاك طلاب التضليل والنكد؟؟؟!
هيفاء يلتذها معانقها ... بعد علال الحديث والنجد
تمشي إلى نحو بيت جارتها ... واضعة كفها على الكبد
نعم شعار الفتى إذا برد اللي ... ل وآضت كواكب الأسد
كأن ماء الغمام خالطة ... راح صفا بعد هارد الزبد
والمسك والزنجبيل على به ... أنيابها بعد غفلة الرصد
دع ذا ولكن بل رب عاذلة ... لو علمت ما أريد لم تعد
هبت بليل تلوم في شرب ال ... خمر وذ كر الكواعب الخرد
فقلت: مهلا فما عليك أن أم ... سيت غويا غيي ولا رشدي
إني لمستيقن لئن لم أمت ... مل يوم إني إذن رهين غد
هل نحن إلا كمن تقدمنا ... منا؟ ومن تم ظمؤه يرد
نحن كمن قد مضى وما إن أرى ... شحا يزيد الحريص من عدد
فلا تلومنني على خلقي ... واقني حياء الكريم واقتصدي
ودرهم بن زيد، يقول:
هجرت الرباب وجاراتها ... وهمك بالشوق قد يطرح
يمانية نازح دارها ... تقيم بغمدان لا تبرح
لعمر أبيك الذي لا أهي ... ن إني لأعطي وأستفلح
وأدلج بالقوم شطر الملو ... ك حتى إذا خفق المجدح
أمرت صحابي لكي ينزلوا ... فناموا قليلا وقد أصبحوا
أجدوا سراعا فأفضى بهم ... سراب بدؤية أفيح
طبقات الشعراء الإسلاميين
عشر طبقات: كل طبقة أربعة رهط متكافئين معتدلين.
الطبقة الأولى
جرير بن عطية بن الخطفي، واسم الخطفي حذيفة، بن بدر ابن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع.خطفه بيت قاله:
يرفعن لليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاما رجفا
وعنقاً، بعد الرسيم، خيطفا
والفرزدق، واسمه همام، بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. وإنما سمي الفرزدق لأنه شبه وجهه بالخبزة، وهي فرزدقة .
والأخطل، واسمه غياث، بن غوث بن الصلت بن طارقة ابن السيحان بن عمرو بن فدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب. خطله قول كعب بن جعيل له: إنك لأخطل يا غلام! وراعي الإبل، واسمه عبيد بن حصين بن جندل بن قطن ابن ظويلم بن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير. سمي راعي الإبل، لكثرة صفته للإبل وحسن نعته لها، فقالوا: ما هذا إلا راعي الإبل! فلزمته .
فاختلف الناس فيهم أشد الاختلاف وأكثره. وعامة الاختلاف، أو كله،في الثلاثة ومن خالف في الراعي قليل، كأنه آخرهم عند العامة .
سمعت يونس بن حبيب يقول: ما شهدت مشهداً قط ذكر فيه جرير والفرزدق، فأجمع أهل ذلك المجلس على أحدهما.
وكان يونس يقدم الفرزدق بغير إفراط، وكان المفضل الراوية يقدمه تقدمة شديدة.
وأخبرني أبو قيس العنبري ، عن عكرمة بن جرير: أن جريراً قال: نبعة الشعر الفرزدق.

(1/39)


وقال ابن دأب، وسئل عنهما فقال: الفرزدق أشعر عامة، وجرير أشعر خاصة .
وكان الأشهب بن رميلة يفاخر الفرزدق، فكان الفرزدق يذكر فقيماً مع بني نهشل، فاستعدوا عليه زياداً، فهرب من زياد.
فحدثني جابر بن جندل الفزاري قال: أتى الفرزدق عيسى بن خصيلة السلمي فقال: يا أبا خصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني، وقد لفظني جميع من كنت أرجو . قال: فمرحباً يا أبا فراس. فكان عنده ليالي، ثم قال له: إني أريد أن أخرج إلى الشام. فقال له: إن قمت ففي الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها وألف درهم . فركب الناقة وخرج من عنده ليلاً وأرسل معه عيس بن خصيلة من أجازه من البيوت ، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث، فقال يمدحه:
تَخَطَّى بِيَ البَهْزِيُّ حُمْلاَنَ مَنْ أَبَىمن النَّاسِ،والجَاني تُخافُ جَرَائِمُهْ
فَتَى الجُودِ عِيسَى والمكارمِ والعُلَى، ... إذا المالُ لم تَرْفَعْ بَخيلاً كرَائِمُهْ
ومَنْ كانَ يا عِيسَى يُؤَنِّبُ ضَيْفَهُ، ... فَضَيْفُكَ مَحْبُورٌ هَنِيٌّ مَطَاعِمُهْ
وقَالَ: تَعَلَّمْ أَنَّها أَرْحَبِيَّةٌ، ... وأنّ لَها الَّليلَ الَّدِي أنْتَ جَاشِمُهْ
فَأَصْبَحْتُ، والمُلْقَى وَرَائي وحَنْبَلٌ،ومَا صَدَرَتْ حتّى عَلاَ النَّجْمَ عَاتِمُهْ
تَزَاوَرُ عَن أَهْلِ الحُفَيْرِ، كأَنَّها ... ظَلِيمٌ تَبَارَيِ جُنْحَ ليلٍ نَعائِمُهْ
رَأَتْ بَيْنَ عَيْنَيْها رُوَيَّةَ، وانْجَلىلَهَا الصُّبْحُ عن صَعْلٍ أَسِيلٍ مَخَاطِمُهْ
وقال أيضاً فيه:
تَدَارَكَنيِ أَسْبَابُ عِيسَى من الرَّدَى، ... ومن يَكُ مَوْلاهُ فليْسَ بِوَاحِدِ
نَمَتْهُ النَّواصِي من سُلَيْمٍ إلى العُلَى، ... وَأَعْرَاقُ صِدْقٍ بين نَصْرٍ وخالِدِ
سَأُثْنِي بما أَوْلَيْتنِي وأَرُبُّه،إِذَا القَوْمُ عَدُّوا فَضْلَهُمْ في المَشَاهِدِ
فلما بلغ زياداً شخوصه، أتبعه على بن زهدم الفقيمي فلم يلحقه، فقال الفرزدق:
فَإِنَّكَ لوْ لاَقَيْتَنِي يَا ابْنَ زَهْدَمٍ ... لأُبْتَ شَعُاعِيّاً على شَرِّ تِمْثَالِ
فأتى بكر بن وائل فأجاروه، فأمن ، فقال:
وقَدْ مَيَّلَتْ بَيْنَ المَسيِرِ، فَلَمْ تَجِدْ ... لِعَورْتِها كالحَيِّ بَكْر بن وَائِلِ
وسَارتْ إلى الأحْفَارِ خَمْساً، فَأصْبَحَتْ ... مَكَانَ الثُّرَيَّا مِنْ يَدِ المُتنَاوِل
والحصن: ثعلبة بن عكابة، أبو شيبان وقيس وذهل وتيم .
فأتى من وجهه ذلك سعيد بن العاص بالمدينة، وهو واليها ، فمدحه وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل، فآمنه سعيد، فبلغه أن زياداً قال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فقال في كلمة:
دَعَانِي زِيادٌ للعَطاء، ولَمْ أَكُنْ ... لآِتِيَهُ، ما سَاقَ ذُو حَسَبٍ وَفْرَا
وعِنْد زيادٍ، لو يُريدُ عَطاءَهُم، ... رِجالٌ كثيرٌ قد يَرَى بِهِمُ فَقْرَا
قُعُودٌ لَدَى الأبْوَاب: طَالبُ حَاجَةٍ ... عَوانٍ من الحاجَاتِ، أو حاجةٍ بكْرَا
فَلمَّا خَشِينَا أَن يكُونَ عَطَاؤُهُ ... أَدَاهِمَ سُوداَ أو مُحَدْرَجَةً سُمْرَا
نَمَيْتُ إلى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنَيِّهاسُرِى البِيدِ واسْتِعْراضُهَا البَلَدَ القَفْرَا
يَؤُمُّ بها الآفَاقَ مَنْ لاَ يَرى لَهُ ... لَدَى ابنِ أبي سُفْيان جَاهاً ولا عُذْرَا
فلما اطمأن عند سعيد قال:
أَلاَ مَنْ مُبْلغٌ عَنّي زِياداً ... مُغَلْغَلِةً يَخُبُّ بها بَرِيدُ
بِأَنِّي قد فَرَرْتُ إلَى سَعيدٍ ... ولا يُسْطَاعُ ما يَحْوِي سَعِيدُ
فَرَرْتُ إليهِ مِن لَيْثٍ هِزَبْرٍ ... تَفَادَى مِنْ فَريسَتِه الأُسُودُ
فإن شِئْتُ انْتَسَبْتُ إلى النَّصَارَى ... وناسَبنَي وناسَبْتُ اليَهودُ
وإن شِئْتُ انتَسَبْتُ إلى فُقَيْمٍ ... وناسَبَني وناسَبْتُ القُرودُ
وأَبْغَضُهُم إليَّ بَنُو فُقَيْمٍ ... ولكنْ سَوْف أَ فْعَلُ ما تَكِيدُ

(1/40)


وكان يدخل على القيان بالمدينة، فقال في قينة :
إذَا شِئْتُ غَنَّانِي من العَاجِ قَاصِفٌ ... على مِعْصَمٍ رَيَّانَ لَمْ يَتَخَدَّدِ
لِبَيْضَاءَ منْ أَهْلِ المدِينةِ، لم تَعِشْ ... ببُؤْسٍ، ولَم تَتْبَع حَمُولَةَ مُجْحِدِ
نَعِمْتُ بها لَيْلَ التِّمامِ، فلم يَكَدْيُرَوِّي اسْتِقَائي هَامَةَ الحائِم الصَّدِى
وَقامتْ تُخَشِّينِي زِياداً، وَأَجْفَلتْ ... حَوَاليَّ في بُرْدٍ يَمَانٍ ومُجْسَدِ
فقلْتُ: دَعِيني منْ زِيادٍ فإنَّني ... أَرى الموْتَ وقَّافاً عَلَى كُلِّ مَرْصَدِ
وقال:
أَلَمْ يَأْتِه أنِّي تَخَلَّلُ ناقَتِي ... بنَعْمَانَ أَطْرافَ الأَرَاكِ النَّواعِمِ
مُقيَّدَةً تَرْعَى الأَرَاكَ، ورَحْلُها ... بمكَّةَ مُلْقىً عَائِذٌ بالمَحارِمِ
فَدَعْني أَكُنْ، ما كُنْتُ حَيًّا، حَمَامَةًمن القَاطِنَات البَيْتَ غَيرِ الرَّوَائِمِ
فأنشدها زياد فرق له، وقال عند ذلك: لو أتاني لآمنته.
وفي ذلك يقول البكري :
لَيالِي تَمنَّى أَنْ تكُونَ حَمامةً ... بمكَّةَ يُؤْوِيكَ السِّتَارُ المُحَرَّمُ
فلما هلك زياد، رثاه مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو ابن عمرو بن عدس الدارمي ، فقال:
رَأَيْتُ زِيادةَ الإسْلامِ وَلَّتْ ... جِهَراً حين وَدَّعَها زِيادُ
فقال الفرزدق:
أَمِسْكِين، أَبْكى الله عَيْنَكَ، إِنَّما ... جَرَى في ضَلاَلٍ دَمْعُها فَتحدَّرَا
بَكَيْتَ امْرَأً فَظّاً غَليظاً مُبَغَّضاً ... ككِسْرَى، عَلَى عِدَّائِهِ، أوْ كقَيْصَرَا
أَقُولُ لَهُ، لمَّا أَتاني نَعِيُّهُ: ... بِهِ لا بِظَبْيٍ بالصَّرَائِمِ أَعْفَرَا
فأجابه به مسكين فقال، وهي أبيات:
أَلا أَيُّها المَرْءُ الَّذِي لَسْتُ قائماًولا قَاعَداً في القَوْم إلآَّ انبَرَى لِيَا
فَجِئْنِي بِعَمٍّ مِثْلِ عَمِّيَ، أوْ أَبٍ ... كَمِثْل أَبِي، أو خَالِ صِدْقٍ كَخَالِيَا
كَعْمرِو بْن عمرٍو، أَوْ زُرَارَةَ ذِي النَّدىأَوِ البِشْرِ، من كُلٍّ فَرَعْتُ الرَّوابِيَا
البشر: يعني خاله من النمر بن قاسط.
وقد مدحه مسكين فقال:
شُرَيْحٌ فارسُ النُّعْمانِ عَمِّي، ... وخالِي البِشْرُ بِشْرُ بَنِي هِلاَلِ
وقاتِلُ خَالِهِ بِأَبيهِ مِنّا: ... سَمَاعَةُ، لم يَبِعْ حَسَباً بمَالِ
حدثني الحكم بن محمد، قال: كان تميم بن زيد، رجلاً من قضاعة، من بلقين، فكان على الهند، وفي جيشه رجل يقال له: خنيس أو حبيش، طالت غيبته على أهله، فأتت أمه قبر غالب بكاظمة، فأقامت عليه حتى علم الفرزدق مكانها. ثم أتته فطلبت إليه، فكتب إلى تميم بن زيد:
فَهَبْ لِي حُبيْشاً، وَاتَّخِذْ فيهِ مِنَّةً ... لِغُصَّةِ أُمّ ما يَسُوغُ شَرَابُها
أَتَتْني فَعاذَتْ، يا تَمِيمُ، بِغلِبٍ ... وبالحُفْرَةِ السَّافِي عَلَيْهِ تُرَابُها
تَميِمَ بن زَيْد، لا تكُونَنَّ حَاجَتيِ ... بظَهْرٍ، فلاَيَخْفَى عَلَيْك جَوَابُها
فلما أتاه كتابه لم يدر: أخنيس أم حبيش، وفي جيشه عدة: خنيس وحبيش، فأطلقهم جميعاً له.
أبو يحيى الضبي قال: ضرب مكاتب لبني منقر قبة على قبر غالب، فقدم الناس على الفرزدق فأخبروه أنهم رأوا على قبر غالب بناء، ثم قدم عليه وهو بالمربد فقال :
بقَبْرِ ابنِ لَيْلَى عُذْتُ بَعْدَمَاخَشِيتُ الرَّدَى، أَوْ أَنْ أُرَدَّ عَلَى قَسْرِ
فأَخْبرَني قَبْرُ ابنِ لَيْلَى فَقالَ لِي: ... فِكاكُكَ أَنْ تَلْقَى الفَرَزدقَ بالمِصْر
فقال الفرزدق: صدق أبي، أنخ أنخ. ثم طاف له في الناس، فجمع له مكاتبته وفضلا .
وكان ذو الأهدام - وهو نفيع، أحد بني جعفر بن كلاب - توثب على الفرزدق فهجاه، فجاءت أمه إلى قبر غالب فعاذت به، فقال الفرزدق:
نُبِّئْتُ ذَا الأَهْدَامِ يَعْوِي، ودُونَهُ ... مِنَ الشَّام زَرَّاعاتُها وقُصُورُها
عَلَى حِينِ لم أتْرُكْ مِنَ الأَرْضِ حَيَّةً ... ولاَ نابِحاً إلاّ اسْتَسَرَّ عَقُورُهَا

(1/41)


كِلاَبٌ نبَحْنَ اللَّيْثَ منْ كلِّ جانبٍ ... فعادَ عُوَاءٍ نَبحٍ هَريُرهَا
عَجُوزٌ تُصَلِّي الخَمْسَ عَاذَتْ بغَالبٍ ... فَلاَ وَالّذِي عَاذَتْ بهِ لا أضِيرُهَا
لَئِنْ نافِعٌ لم يَرْعَ أرْحَامَ أُمِّه ... وكانتْ كدَلْوٍ لا يَزالُ يُعِيرُهَا
لَبِئْسَ دَمُ المَوْلُود مَسَّ ثِيَابَها ... عَشِيَّةَ نَادَي بِالغُلاَمِ بَشيرُهَا
وإِنِّي عَلَى إِشْفَاقِها من مَخافتي، ... وَإنْ عَقَّها بِي نَافِعٌ، لمُجيرُهَا
وَلَو أنَّ أُمَّ النَّاسِ حَوَّاءَ حَارَبتْ ... تَميمَ بن مُرٍ، لم تَجِدْ من يُجِيرُهَا
ويقال: إن هذا البيت ليس فيها.
قال: قدم الفرزدق من اليمامة، ودليله رجل من بلعنبر، فضل به، فقال:
وما نَحنُ، جَارتْ صُدُروُ رِكابِنا، ... بأَوَّلِ مَنْ غَرّتْ دِلالةُ عاصِم
أرادَ طَرِيقَ العُنْصَليْنِ، فَياسَرَتْ ... بهِ العِيسُ في وَادِي الصُّوَى المُتَشَائِمِ
وكيفَ يَضِلُّ العَنْبَرِيُّ بِبَلْدَةٍ ... بها قُطِّعَتْ عَنْهُ سُيُورُ التَّمائمِ
وجَاءَ بجُلْمُودٍ لَهُ مثلِ رَأْسِهِ ... لِيَشْرَبَ ماءَ القَوْمِ بَيْنَ الصَّرَائمِ
فلَمَّاتَصَافَنَّا الإدَاوَةَ أجْهَشَتْ ... إلَىَّ غُضُونُ العَنْبَرِيِّ الجُرَاضِمِ
فَآثَرْتُه، لَمَّا رَأيْتُ الَّذِي بِهِ ... مِن الشَّرِّ أخْشَى لاَحقَاتِ المَلاَوِمِ
عَلَى سَاعةٍ، لَوْ أنّ في القومِ حَاتماً ... عَلَى جُودِه، ضَنَّتْ به نَفْسُ حَاتِم
فأجابه عاصم:
وكَيْفَ يَضِلُّ الحَنْظَلِيُّ ببَلْدَةٍ ... بهَا وَلَدَتْهُ أُمُّه غَيرَ قائمِ
وزَوْرَاءَ ناءٍ ماؤُها من فَلاَتِها ... كَفَيْنا سُرَاها القَيْنْ والقَيْنُ نائِمُ
سرَينْا بهِ لَيْلَ التَّمامِ، فَصَبَّحَتْ ... بهِ العِيسُ مَروْىً من جِمَامِ الخَضَارِمِ
وأنشد يونس للفرزدق حين طلق النوار:
نَدِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا ... مَضَتْ مِنِّي مُطَلَّقةً نَوَارُ
وَكانَتْ جَنَّةً فَخَرجْتُ مِنْهَا، ... كآدَمَ حِينَ أخْرَجهُ الضِّرَارُ
وَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيْه عَمْداً ... فأصْبَحَ مَا يُضِئُ به النَّهَارُ
وَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بهَا ونَفْسِي ... لَكَان عَلىَّ لِلقَدَرِ الخِيَارُ
ومَا فَاَرْقتُها شِبَعاً، ولكِنْ ... رأيْتُ الدَّهرَ يَأْخُذُ ما يُعارُ
وكان خالد بن عبد الله القسري حبس الكميت بن زيد، أبا المستهل، الأسدي، فحدثني سلام أبو المنذر القاري: أن خالداً حبس الكميت بن زيد، وكان قال لخالد:
فَإنّي وتَمْدَاحِي يَزيدَ وخالِداً ... ضَلاَلاً، لَكالحادِي ولَيْسَ لَهُ إِبْلُ
فكانت أم المستهل تدخل عليه، حتى عرف أهل السجن وبوابوه ثيابها وهيئتها. فدخلت عند غفلة منهم، فلبس ثيابها وتهيأ بهيئتها، ثم خرج، فقال:
خَرَجْتُ خُروجَ القِدْحِ قِدْحِ ابن مُقْبلِعَلَى الرَّغْمِ منْ تِلك النَّوابِح والمُشْلِى
علَىَّ ثيابُ الغَانياتِ، وتَحْتَها ... عَزِيمةُ أَمْرٍ أشْبَهَتْ سَلَّةَ النَّصْلِ
ولذلك قالت القيسية لهشام، حين كلموه في أمر الفرزدق حين حبسه خالد: كلما كان في مضر ناب أو شاعر حبسه. يعنون الكميت والفرزدق.
وأخبرنا يونس، قال: لما قدم المهدي، أتاه ابن الكميت مدلاً بطول مدح الكميت بني هاشم، فقال له المهدي: أليس أبوك الذي يقول:
فالآنَ صِرْتُ إلَى أُمَيَّةَ،والأُمُورُ لها مَصَائِرْ
اذهب فليس لك عندنا شيء.
وقال الفرزدق يعاتب قومه:
جَزَى اللهَ عَنِّي في الخُطُوب مُجَاشعاً ... جَزَاءَ كَرِيمٍ عَالمٍ كَيْفَ يَصْنَعُ
يُرِقُّونَ عَظْمِي ما اسْتطَعُوا، وإِنَّني ... أَشِيدُ لَهُمْ بُنْيَانَ مَجْدٍ وأرْفَعُ

(1/42)


وإنِّي لَتَنْهَانِي عنِ الجَهْلِ فيهمُ، ... إِذا كِدْتُ، خَلاَّتٌ من الحِلْم أَرْبَعُ
حَيَاءٌ، وبُقْيَا، وانتظارٌ، وأَنَّنِي ... كريمٌ، فأُعْطِي ما أشَاءُ وَأمْنَعُ
فإنْ أعفُ أسْتَبْقِي ذُنُوبَ مُجاشعٍ ... فإنَّ العَصَا كانَتْ لِذي الحِلْمِ تُقْرَعُ
؟أخبرني أبو يحيى الضبي قال: لما هرب الفرزدق من زياد حين استعدى عليه بنو نهشل في هجائه إياهم، أتى سعيد بن العاص - وهو على المدينة أيام معاوية - فاستجاره فأجاره، وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي، فأنشده الفرزدق مدحته إياه التي يقول فيها: ؟تَرَى الغُرَّ الجَحَاجِحَ من قُرَيْشٍ إذَا ما الأمْرُ فِي الحَدَثَانِ عَالاَ
بَنِي عَمِّ النَّبِي، ورَهْطَ عمرٍو، ... وعُثْمَانَ الأُلى غَلَبُوا فَعالاَ
قِياماً يَنْظُرُونَ إلى سَعيدٍ ... كأنَّهُمُ يَرَوْنَ بهِ هِلاَلاَ
فقال الحطيئة: هذا والله هو الشعر، لا ما تعلل به منذ اليوم أيها الأمير، فقال له كعب بن جعيل: فضله على نفسك ولا تفضله على غيرك. قال: بل والله أفضله على نفسي وعلى غيري. يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك. ثم قال له الحطيئة: يا غلام لئن بقيت لتبرزن علينا. يا غلام، أنجدت أمك؟ قال: لا، بل أبي. يريد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت فإني أصبتها فأشبهتني. فألفاه لقن الجواب .
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟فنعاه عليه الطرماح حين هجاه ، فقال:
فاَسأَلْ قُفَيْرَةَ بالمَرُّوتِ: هَلْ شَهِدَتْسَوْطَ الحُطَيْئَةِ بَيْنَ السَّجْفِ والنَّضَدِ؟
أمْ كان في غَالِبٍ شِعْرٌ، فيُشْبِهُهُ ... شِعْرُ ابْنِها، فيُقالَ: الشِّعْرُ من صَدَدِ؟
جَاءَتْ به نُطْفَةً من شَرِّ ما اتَّسَقَتْ ... مِنْهُ، إلى شَرِّ وَادٍ شُقَّ فيَ بَلَدِ
قال: وأول شعر قاله الفرزدق، أن بني فقيم خرجوا يطلبون دماً لهم في قوم، فصالحوا منه على دية، فقال حين رجعوا:
لَقَدْ آبَتْ وُفُدُ بني فُقَيْمٍ ... بآلَمِ ما تَؤُوبُ به الوُفُودُ
فشكوه إلى أبيه واستعدوه منه، فقال: هو أوغد من ذاك، ليته يقول شعراً فقال الفرزدق:
تَعذَّرْتُ من شَتْمِ العَشيرةِ مُؤْلِياً ... وَلا بُدَّ للمَظنونِ أَنْ يتَعَذَّرَا
فلما سمعه أبوه قال: أنت صاحب الأول ؟ وكان يرعى غنماً لأهله - يعني في صغره - فذهب الذئب منها بكبش، فقال:
تَلُومُ على أنْ صَبَّحَ الذِّئبُ ضَأْنَها ... فألْوَى بكَبْشٍ وَهْوَ في الرِّعْيِ رَاتِعُ
وقدْ مَرَّ حَوْلٌ بعد حوْلٍ وأشهُرٌ ... بِعَوْصٍ عَلَيهِ، وَهْوَ ظَمْآنُ جَائِعُ
فلَمَّا رَأى الإقْدامَ حَزْماً، وأنَّه ... أَخُو الموْتِ مَنْ سُدَّتْ عليهِ المَطَالِعُ
أَغارَ عَلَى خوْفٍ وصَادَف غِرَّةً ... فَلاقَى الَّتي كانتْ عَليها المَطَامِعُ
ومَا كُنْتُ مِضْيَاعاً، ولكنّ هِمَّتي ... سِوَى الرَّعْيِ مَفْطُوماً ومُذأَنَا يافِعُ
أَبيِتُ أَسُومُ النَّفْسَ كلَّ عَظيمةٍ، ... إذَا وُطِّنَتْ للمُكْثِرِين المَضَاجِعُ
فكان ذلك أول ما علم به من شعره وكان راعي الإبل يفضله، وفي ذلك هجاه جرير.
حدثني أبو بكر محمد بن واسع، وعبد القاهر بن السري السلميان قالا: كان منا - من بني حرام بن سمال - شويعر هجا الفرزدق، فأخذناه فأتيناه به فقلنا، ها هو ذا بين يديك، فإن شئت فاضرب، وإن شئت فاحلق، لا عدوى عليك ولا قصاص، قد برئنا إليك منه. فخلى عنه وقال:
فمنْ يَكُ خائفاً لأَذَاةِ شِعْرِي ... فقد أَمِن الهِجَاءَ بنو حَرَامِ
هُمُ قَادُوا سَفِهَهُمُ، وخافُوا ... قَلائِدَ مثلَ أطْوَاقِ الحمامِ
وحدثني عبد القاهر السلمي قال: مر الفرزدق بمجلس بني حرام، ومعنا عنبسة مولى عثمان بن عفان، وهو جد عبد الكريم ابن روح، فقال: ياأبا فراس، متى تذهب إلى الأخرة قال: وما حاجتك إلى ذلك يا أخي قال: أكتب معك إلى أبي قال: أنا لا أذهب إلى حيث أبوك، أبوك في النار، أكتب إليه مع دبالويه واصطفانوس .

(1/43)


حدثني عمر بن السكن الصريمي قال: مر الفرزدق ببني ربيع، وهو على بغلة، فوقف عليهم وفيهم ابن محكان، شاعرهم، وقد كان قال: من الفرزدق؟ غضباً لبني منقر حين هجاهم الفرزدق، وكان قال:
سِوَى أنَّ أعْرافَ الكَوادِنِ مِنْقراً ... قَبِيلةُ سَوْءٍ بارَ في النَّاسِ سُوقُهَا
وأعْيَبُ مَا فِي المِنْقَرِيَّةِ أنَّها ... شَدِيدٌ ببَطْنِ الحَنْظَليِّ لُزُوقُهَا
رَأَتْ قَوْمَهَا سُوداً قِصَاراً، وأَبْصَرَتْفَتىً حَنْظَلِيّاً، كاَلهِلالِ، يَرُوقُهَا
وقال الفرزدق يهجو ربيعاً:
كأَنَّ رُبَيْعاً مِنْ عَمَايَةِ مِنْقَر ... أَتَانٌ دَعَاهَا، فاسْتَجَابَتْ، حِمَارُهَا
تُرَجِّي رُبَيْعٌ أنْ يَجِئَ صِغَارُها ... بخَيْرٍ، وقَدْ أعْيَى رُبَيْعاً كِبارُهَا
فلما قال البعيث لجرير:
تُرَجِّى كُلَيبٌ أن يَجِئَ حديثُهَا ... بخَيْرٍ، وقَد أعْيَى كُلَيْباً قَدِيمُهَا
قال الفرزدق:
إذَا مَا قلْتُ قَافِيةً شَرُوداً ... تَنَحَّلَهَا ابنُ حَمْرَاءِ العِجَانِ
فقال عمر بن سكن في حديثه: فقال له بنو ربيع: مرحباً بسيدنا وشاعرنا قال: أير البغل في حرم سيدكم ؟! يعني ابن محكان.
حدثني أبو الغراف قال: أتى الفرزدق عبد الله بن مسلم الباهلي، فثقل عليه الكثير، وخشيه في القليل، وعنده عمرو بن عفري الضبي، راوية الفرزدق، وقد كان جرير هجاه لروايته للفرزدق، فقال:
وَنُبِّئْتُ جَوَّاباً وسَكْناً يَسُبُّنِي ... وعَمْرَو بن عِفْرَى، لا سَلاَمٌ على عَمْرٍو
فقال عمرو بن عفري لعبد الله بن مسلم، وهو الذي يلقب الفقير: لا يهولنك أمره، أنا أرضيه عنك! بدون ما كان هم له به، فأعطاه ثلاث مئة درهم، فقبلها ورضي. ثم بلغه صنيع ابن عفري فقال:
تَفَوَّقْتَ مالَ الباهِليِّ، كأنّما ... تَهِرُّ عَلَى المَالِ الَّذي أنْتَ كاسِبُهْ
فَلو كُنْتَ ضَبِّيّاً صَفَحْتُ، ولو سرَتْ ... عَلَى قَدَمِي حَيّاتُهُ وعقَارِبُهْ
وَلكنْ دِيَافيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُهْ
فقال له ابن عفري - وأتاه في نادي قومه - : أجهد جهدك، فهل هو إلا هذا؟ فو الله لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبته، ولا تنهى عن شيء إلا ركبته. فقال: إنك لا تدوم! إنك ترجع! فأكد عليه فقال: فاشهدوا أني أنهاه أن يفعل بأمه كذا وكذا.
حدثني شعيب بن صخر قال: تزوج ذبيان بن أبي ذبيان العدوي، من بلعدوية، مولاة لهم، فدعا الناس في وليمته، فدعا ابن أبي شيخ الفقيمي فألفى الفرزدق عنده، فقال: يا أبا فراس، انهض فقال: إنه لم يدعني! فقال: إن ذبيان يؤتى وإن لم يدع. ثم قال: لا تخرج من عنده إلا بجائزة. فقام معه، فلما دخل على ذبيان قال:
كَم قال لِي ابنُ أبِي شَيْخٍ وقلتُ لَه: ... كيفَ السَّبيلُ إلى مَعْرُوفِ ذُبيْانِ؟
إِنّ القَلُوصَ إذا أَلْقَتْ جَآجِئَها ... بِمِثْل بابِكَ لم تَرْحَلْ بِحِرمْانِ
قال: أجل يا أبا فراس، فادخل! فدخل فأعطاه ثلاث مئة درهم.
وحدثني أبو بكر المدني قال: قدم الفرزدق المدينة، فوافق بها موت طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، وكان سيداً سخياً شريفاً، فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم! قالوا: وما ذاك يا أبا فراس؟ قال: غلبكم الموت على طلحة حتى أخذه من بينكم.
قال: وأتى مكة، فأتى عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وهو سيد أهل مكة يومئذ، وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع عطيته وعطية ولده. فقال: والله يا أبا فراس، ما وافقت عندنا نقداً، ولكن عروضاً إن شئت، فإن عندنا وصفاء فرهة، فإن شئت أخذتهم. قال: نعم فأرسل إليه بوصفاء من بنيه وبني أخيه، وقال: هم لك عندنا إلى أن تشخص. وجاءه العطاء فأخبره الخبر، وفداهم. فقال الفرزدق، ونظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان سيداً، يطوف بالبيت يتبختر:
تَمْشِي تَبَخْتَرُ حَوْلَ البَيْتِ مُنْتَحِياًلَوْ كُنْتَ عَمْرَو بنَ عبدِ الله لم تَزِدِ

(1/44)


وتزوج الفرزدق النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي، فادعت عليه طلاقاً ، ونازعته........ حتى قدمت على ابن الزبير في خلافته، وأتبعها، واتهم رجلاً من قومه يعينونها، فقال الفرزدق:
أطَاعَت بَنِي أُمِّ النُّسَيْرِ، فأصْبَحَتْ ... عَلَى قَتَبٍ يَعْلُو الفَلاَةَ دَلِيلُها
تَأَمَّلْ أمِيرَ المُؤْمِنينَ، فَإِنَّها ... مُوَلِّهةٌ يُوهِي الحِجَارَةَ قِيلُها
فلجأت إلى أم هاشم بنت منظور بن زبان الفزاري،امرأة ابن الزبير، ولجأ الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير، وأمه تماضر بنت منظور، فكان حمزة إذا أصلح شيئاً من أمر الفرزدق، قلبت أم هاشم رأي عبد الله إلى النوار، فقال الفرزدق:
أَمَّا البَنُونَ فلمْ تُقْبَلْ شَهَادتُهُمْ، ... وشُفِّعَتْ بنتُ مَنْظورِ بنِ زَبَّانَا
لَيْسَ الشَّفِيعُ الذِي يَأتِيكَ مُنَّزراًمِثْلَ الشَّفِيعِ الَّذِي يأتِيكَ عُرْيَانَا
أخبرني إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن أبيه قال، قال له ابن الزبير: ما حاجتك بها وقد كرهتك! كن لها أكره، وخل سبيلها، فخرج وهو يقول: ما أمرني بطلاقها إلا ليثب عليها! فبلغ ذلك ابن الزبير، فخرج وقد استهل هلال ذي الحجة، ولبس ثياب الإحرام يريد البيت ليحرم، فألفى الفرزدق بباب المسجد عند الباعة، فأخذ بعنقه فغمزها، حتى جعل رأسه بين ركبتيه فقال:
أَلاَ أَصْبحَتْ عِرْسُ الفَرَزْدقِ نَاشِزاًولَوْ رَضِيتْ رُمْحَ اسْتِهِ لاَسْتَقَرَّتِ
والبيت لجعفر بن الزبير، فيما ذكر عبد الله بن مصعب.
وكان الفرزدق إذا أصاب دراهم أتى بها النوار، فتحرز بعضها وتعطيه يعضها، وكانت مسلمة تأله، فكانت تزعم أنه طلقها، ويجحدها، فاحتاج يوماً فقالت: أعطيك كذا وكذا درهماً على أن تشهد على طلاقي الحسن قال: نعم. فاعطته. فقال: أيها الشيخ، إني قد طلقت النوار. قال: قد سمعنا ما قلت. فلما حضرها الموت أوصته، وهو ابن عمها، أن يصلي عليها الحسن، فأخبره فقال: إذا فرغتم فأعلموني.وأخرجت، وجاء الحسن فسبقهم الناس، فانتظروهما، فأقبلا والناس ينظرون، قد استبطؤوهم. فقال الحسن: ما للناس؟ فقال الفرزدق: يرون خير الناس وشر الناس! قال: لست بخير الناس ولست بشرهم! وقال له الحسن، وهو على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ سبعون سنة.
حدثني عامر بن أبي عامر - وهو صالح بن رستم الخراز - قال: أخبرني أبو بكر الهذلي، قال: إنا لجلوس عند الحسن، إذ جاء الفرزدق يتخطى حتى جلس إلى حنبه، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد! الرجل يقول في كلامه: لا والله، بلى والله! ولا يريد اليمين! فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ فقال الحسن: ما كل ما قلت سمعوا!، وما قلت؟ قال: قلت:
ولَسْتَ بمأخُوذِ بشَيءٍ تَقُولْهُ ... إذَا لم تَعَمَّدْ عَافِداتِ العزائِمِ
قال: ثم لم يلبث أن جاء رجل آخر فقال: يا أبا سعيد! إنا نكون في هذي المغازي، فنصيب المرأة لها زوج، أفيحل غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن ما كل ما قلت سمعوا! فما قلت في ذلك؟ قال: قلت:
وذَاتِ حَليلٍ أَنْكَحتْنَا رِمَاحُنا، ... حَلاَلاً لِمَنْ يَبْنِي بِها لم تُطَلَّقِ
أخبرني محمد بن جعفر الزيبقي قال: أتى الفرزدق الحسن فقال: إني قد هجوت إبليس فاسمع. قال لا حاجة لنا فيما تقول. قال: لتسمعن أو لأخرجن فأقول للناس: الحسن ينهي عن هجاء إبليس. فقال الحسن: اسكت، فإنك عن لسانه تنطق.
وقال رجل لابن سيرين: وهو قائم مستقبل القبلة يريد أن يكبر: أتوضأ من الشعر؟ فانصرف بوجهه فقال:
أَلاَ أَصْبحَتْ عِرْسُ الفَرَزْدقِ نَاشِزاًولَوْ رَضِيتْ رُمْحَ اسْتِهِ لاَسْتَقَرَّتِ
ثم توجه إلى القبلة وكبر.
أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز الماجشوني، عن يحيى ابن زيد قال: دخل رجل على الحسن فسمعه يقول: والله الذي لا إله إلا هو لتموتن، والله الذي لا إله إلا هو لتبعثن. ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو لتحاسبن. قال: فقلت: هذا حلاف! فخرجت من عنده، فأتيت ابن سيرين، فإذا عنده جرير ينشده ويحدثه، هذا صاحب باطل! فتركتهما، فندمت.

(1/45)


حدثني شعيب بن صخر، عن محمد بن زياد - وكان في ديماس الحجاج زماناً، حتى أطلقه سليمان حين قام - قال: انتهيت إلى الفرزدق، وهو ينشد بمكة بالردم مديح سليمان بن عبد الملك، وهو يقول:
وَكَمْ أطلقَتْ كَفَّاكَ من قَيْدِ بائسٍ، ... ومِنْ عُقْدَةٍ ما كان يُرْجَى انْحِلالُهَا
كَثِيراً مِنَ الأَيْدِي الَّتي قدْ تَكَنَّعَتْوفَكَّكْتَ أعْنَاقاَ عَلَيْها غِلاَلُهَا
فقلت: أنا والله أحَدُهم! قال: فأخَذَ بيدي وقال: أيّها الناس! سلوه، فو الله ما كذبت قط.
وسمعت الحارث بن محمد بن زياد، قال: كتب يزيد بن المهلب حين فتح جرجان، إلى أخيه مدركة أو مروان: احمل الفرزدق ليقول في آثارنا، فإذا شخص فأعط أهله كذا وكذا. قال: أحسبه قال: عشرة آلاف درهم، فقال الفرزدق: ادفعها إلي. قال: اشخص وأدفعها إلى أهلك. فأبى، وخرج وهو يقول:
دَعَانِي إلى جُرْجَانَ والرَّيُّ دونَهُ ... لآِتِيَهُ إنّي إِذَنْ لزَؤُورُ
لآِتِيَ من آل المُهَلّبِ ذَائِراً ... بأعْرَاضِهمْ والدَّئراتُ تَدُورُ
سَآبَى وتأْبَى لِي تَميمٌ ورُبَّما ... أبَيْتُ فلمْ يَقْدِرْ علىَّ أمِيرُ
أنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: سمعت سلمة بن عياش قال: حبست في السجن، فإذا فيه الفرزدق - حبسه مالك بن المنذر بن الجارود - فكان يريد أن يقول البيت، فيقول صدره فأسبقه إلى القافية، ويجيء بالقافية فأسبقه إلى الصدر. قال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش! من أيهم أنت؟ قلت: أفلا أخبرك بأذل منهم وألأم؟ قال: بلى! قلت: بنو مجاشع. قال: ويلك! ولم؟ قلت: أنت شاعرهم وسيدهم وابن سيدهم، جاءك شرطي مالك حتى أدخلك السجن، لم يمنعوك! قال: قاتلك الله! أنا أبو خليفة نا ابن سلام قال: فأنشدني يونس النحوي وعبد القاهر السلمي للفرزدق، حين عزل يزيد مسلمة عن العراق، بعد قتله يزيد بن المهلب، واستعمل عمر بن هبيرة:
وَلَّتْ بمَسْلَمَةَ الرَّكابُ مُوَدَّعاً ... فَارْعَىْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ
فَسَدَ الزَّمَانُ وبُدِّلَتْ أعْلامُهُ ... حتَّى أُمَيَّةُ عن فَزَارَةَ تَنْزِعُ
ولَقَدْ علِمْتُ إِذَا فَزَارَةُ أُمِّرَتْ ... أَنْ سَوْفَ تَطْمَعُ في الإمارةِ أشْجَعُ
ولَخَلْقُ رَبِّكَ مَا هُمُ ولَمِثْلُهُمْ ... في مِثْلِ ما نالَتْ فَزَارةُ تَطْمَعُ
تُزِعَ ابنُ بِشْرٍ وابنُ عمْرٍو قبلهُ ... وأخُو هَرَاةَ لِمِثْلها يتَوَقَّعُ
ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان مسلمة أمره على البصرة. وابن عمرو: سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان على خراسان. وأخو هراة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص .
وقال إسماعيل بن عمار الأسدي، حين عزل ابن هبيرة وأمر خالد القسري:
عَجِبَ الفرزْدَقُ من فَزَارةَ أنْ رَأى ... عَنْها أُمَيَّةُ في المَشَارِقِ تَنْزِعُ
فلقد رَأَى عَجَباً وأُحْدِثَ بَعْدهُ ... أَمْرٌ تَطِيرُ لَه القُلُوبُ وتَفْزَعُ
بَكَتِ المَنَابِرُ من فَزَارةَ شَجْوَها ... فاليَوْمَ من قَسْرٍ تَضِجُّ وتَجْزَعُ
وبنُو أُمَيَّةَ أَضْرَعُونَا للعِدَى ... لِلهِ دَرُّ مُلُوكِنا! ما تَصْنَعُ؟
كانُوا كتَاركةٍ بَيِنَها جَانباً ... سَفَهاً وغيْرَهُمُ تَصُونُ وتُرْضِعُ
وقال قوم إن هذا البيت للفرزدق، ومن أنشده له قال:
ومُلُوكُ خِنْدِفَ أضْرَعُونَا للعِدَى
ويروى للفرزدق في ابن هبيرة:
أَأَمِيرَ المُؤْمِنينَ! وأَنْتَ عَفٌّ ... كَريمٌ لَسْتَ بالطَّبِعِ الحَرِصِ
أَوَلَّيْتَ العِراقَ ورَافِدَيْه ... فَزَارِيّاً أحذَّ يَدِ القَمِيصِ؟!
تَفنَّقَ بِالِعرَاقِ أَبُو المُثَنَّى ... وعَلَّم أَهْلَهُ أَكْلَ الخَبيصِ
وَلَمْ يَكُ قَبْلَها رَاعِي مَخَاضٍ ... لِيَأمَنَهُ على وَرِكَىْ قَلُوصِ
وأنشدني له يونس:
جهز فإنك ممتاز ومبتعث ... إلى فزارة عيراً تحمل الكمرا

(1/46)


إن الفزاري لو يعمى فأطعمه ... أير الحمار طبيب أبرأ البصرا
إن الفزاري لا يشفيه من قرم ... أطايب العيرحتى ينهش الذكرا
لما أتوه بما في القدر أنكره ... واسترجع الضيف لما أبصر الكمرا
يقول لما رأى ما في إنائهم: ... لله ضيف الفزاريين ما انتظرا
فلما قدم خالد بن عبد الله القسري والياً على ابن هبيرة حبسه في السجن، فنقب له سرب فخرج منه، فهرب إلى الشام، فقال فيه الفرزدق يذكر خروجه:
لما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم تر إلا بطنها لك مخرجاً
دعوت الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا
خرجت ولم يمنن عليك شفاعة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا
أغر من اللحق اللهاميم إذ جرى ... جرى بك محبوك القرا غير أفحجا
جرى بك عريان الحماتين ليلة ... به عنك أرخى الله ما كان أشرجا
وما احتال محتال كحيلته التي ... بها نفسه تحت الصريمة أولجا
وظلماء تحت الأرض قد خضت هولها ... وليل كلون الطيلساني أدعجا
هما ظلمتا ليل وأرض تلاقتا ... على جامع من همه، ما تعرجا
أنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني جابر بن جندل قال، قيل لابن هبيرة: من سيد أهل العراق؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكاً ومدحني سوقة.
وقال لخالد بن عبد الله حين قدم العراق أمير لهشام:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تخطي من دمشق بخالد
كيف يؤم الناس من كانت أمه ... تد