د الهادي عبد الله

الأستاذ المشارك في الفقه المقارن كلية التربية الزلفي

القواعد الفقهية

مقدمة في القواعد الفقهية

تعريف القواعد الفقهية

في اللغة :القواعد جمع والمفرد قاعدة وهي لغة  الأصل والأساس ومنه قوله تعالى : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

وقواعد البناء أساطينه(أعمدته) والمرأة التي قعدت عن الحيض والزواج قاعد وفي القرآن الكريم (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) ومن المرادف لها لغة الضابط والقانون والمسألة والقضية

القاعدة اصطلاحا: قضية كلية تنطبق على جميع جزئياتها. مثل قولهم الكل أكبر من الجزء . ويرادفها في هذا المعنى الضابط  كقولهم كل أذون ولود وكل صموخ  بيوض [1].

ويختلف تعريف القاعدة اصطلاحا بحسب ما تضاف  وتنسب إليه ؛ فهناك القاعدة الأصولية وهناك النحوية وهناك القاعدة الفقهية والضابط الفقهي.

الفقهية:نسبة إلى الفقه وهو اصطلاحا (الأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية)كما سبق وأن عرفت

تعريف القواعد الفقهية باعتبارها علما (اصطلاحا)

 اختلف الفقهاء في تعريفها اصطلاحا فمنهم من أجرى الاصطلاح الأصلي للقاعدة على القواعد الفقهية، فقال هي قضية كلية تنطبق على جزئيات فقهية تعرف منها أحكامها.

ومنهم من نظر إلى مدلولها بحسب ما تحويه من فروع  ولأن كليتها ليست مطلقة فقد تستثنى  منها بعض الجزئيات، فقال هي قضية أغلبية تعرف منها الأحكام الفقهية.

على أن الجزئيات المستثناة من الكلي لا تؤثر في كليته فتبقى القاعدة الفقهية كلية فيما يندرج تحتها من أحكام وفروع .

فيمكن القول بأن القاعدة الفقهية :أمر  فقهي كلي يصاغ في نصوص موجزة تتضمن فروعا تشريعية مندرجة تحت موضوعها.

مسميات هذا العلم

     يطلق عليه العلماء القواعد الفقهية وهو أكثر ما اشتهر به ، ومن المسميات التي عرف بها أيضا مسمى الأشباه والنظائر  وهي الفروع المتشابهة  المتماثلة المتناظرة التي تنضوي تحت أصل واحد يجمعها . واصل كلمة الأشباه :الأمثال والأقران. وكلمة النظائر  المتشابهات التي تكون بعضها لبعض نظيرا وشبيها ، وتسمى الوجوه إلا أنهم فرقوا بين الوجوه والنظائر  ببعض الفروق،  ولفظة الوجوه لم تطلق على القواعد الفقهية كإطلاق الأشباه والنظائر  ، وقد جاءت أسماء  بعص الكتب في القواعد الفقهية بهذا المسمى  (الأشباه والنظائر ) كالأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي ، والأشباه والنظائر للسيوطي، والأشباه والنظائر للسبكي.

    ومن المسميات التي أطلقت على هذا العلم وجاءت بعض الكتب موسومة به مسمى  (الفروق ) والمقصود بها الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية ، و الفوارق الدقيقة بين المتشابهات من النظائر الفقهية  . وقد ألف القرافي  المالكي كتابا سماه  أنوار البروق في أنواء الفروق . ونُعت بالفروق اعتمد فيه كثيرا من القواعد الفقهية . على أن هذا المسمى ليس مشاعا كسابقه.

ويطلق البعض عليها  المبادئ الفقهية ،غير أن هذا الإطلاق حديث ومشترك بينها وبين مقاصد الشريعة الإسلامية والقواعد الأصولية .

الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:

توصف القاعدة الأصولية بأنها أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته .

من الفروق الجوهرية بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية

1ـ أن القاعدة الأصولية شاملة وعامة لجميع جزئياتها التي تندرج تحتها وقد تكون من جزئياتها قاعدة فقهية ، أما القاعدة الفقهية فشمولها محدود فهي أغلبية في جزئياتها التي تندرج تحتها لأنه قد يكون  فيها مستثنيات .

2ـ القواعد الأصولية سبقت الفروع الفقهية ، بينما القواعد الفقهية وجدت بعد وجود الفروع الفقهية فكانت كالضابط لهذه الفروع المتشابهة .

3ـ القواعد  الفقهية يتعرف منها أحكام الفروع الفقهية مباشرة بلا واسطة دليل تفصيلي. أما القواعد الأصولية فلا يتعرف منها أحكام الفروع مباشرة ، وإنما لابد من واسطة دليل تفصيلي فمثلا: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات  يؤخذ منها إباحة الإقدام على تناول المضطر  المحظور  ، وقاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة  يؤخذ منها إباحة عقد السلم نظرا للحاجة إليه  وكذا عقد الاستصناع ،بينما قاعدة (الأمر  للوجوب إذا تجرد عن القرائن الصارفة ) وهي قاعدة أصولية لا نعرف منها حكم الصلوات الخمس إلا بواسطة من دليل تفصيلي كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وكذا لا نعرف منها وجوب الحج إلا بواسطة دليل تفصيلي كقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقاعدة الأمر إذا اقترن بما يفيد الندب صرف إليه . لا نعرف منها حكم استحباب السواك إلا بواسطة دليل تفصيلي كقوله صلى الله عليه وسلم : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ) وهناك فروق غير هذه.

الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية

نشأ حديثا ما يسمى بالنظريات الفقهية وهي عبارة عن وحدة موضوعية تحوي كما من الأحكام الفقهية كنظرية الإثبات ونظرية العقد ونظرية البطلان ونظرية الشروط وغيرها ن النظريات ،

والفرق بينهما أن القاعدة الفقهية قضية أغلبية تندرج تحتها أحكام  فقهية متنوعة الأبواب  ،بينما النظرية العامة وحدة متكاملة لموضوع فقهي معين كالإثبات والعقد وغيره وتكون واسعة في مجالها قد تدخل تحتها جملة من الضوابط والقواعد الفقهية ، وتقوم النظرية على أركان وشروط وأسس ونظم ما تتناوله ولا تعرض إلى الأحكام بينما القاعد الفقهية تعرض إلى الأحكام ولا تقوم على أركان ولا شروط .

يقول الدكتور محمد الزحيلي (تقوم النظرية على أركان وشروط ومقومات أساسية، وكثيراً ما تخلو من بيان الأحكام الفقهية، أما القواعد فلا يوجد لها أركان وشروط، وتنطوي على عدد كبير من الأحكام الفقهية والفروع والمسائل.

مثال القواعد " الفقهية " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني " التي تفسر صيغة العقد، وموضوعه، لتحديد الآثار المترتبة عليه.

ومثال النظريات الفقهية (نظرية العقد) التي تتناول جميع العقود الشرعية في مختلف أحكامها وأطرافها من التعريف والأركان والشروط والآثار، وموقع العقد بين مصادر الالتزام الأخرى. والخلاصة: أن القواعد واسطة بين الفروع والأصول، أو هي واسطة بين الأحكام والنظريات.)[2]

الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط  الفقهي

عرفنا أن من مرادفات القاعدة لغة الضابط لكن ثمة فرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي ذلك أن القاعدة الفقهية أوسع شمولا للفروع الفقهية من الضوابط الفقهية فالقاعدة الفقهية تنتشر فروعها الفقهية في كثير من الأبواب الفقهية في العبادات والمعاملات والعادات بينما الضابط الفقهي يختص بباب فقهي واحد فمثلا قاعدة اليقين لا يزال بالشك لها من الفروع ما لا يحصى في أبواب الفقه عبادات ومعاملات بينما الضابط الفقهي : (التقرب بالصلاة المجبورة المرقعة خير من اضطراحها والشروع في غيرها ) خاص بباب الصلاة وهي مسألة إرقاع الصلاة ، وكذا (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ضابط خاص بالمحرمات بالرضاع . وقولهم (يحرم الجمع ولو في العدة بين كل امرأتين لو قدر أنهما ذكرا لحرم عليه الزواج بالأخرى) ضابط خاص بباب النكاح المحرمات بالجمع .و (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ضابط خاص بالطهارة ،وكقولهم :(تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها)ضابط خاص بالصلاة. وكقولهم (الجهل بالمماثلة حقيقة المفاضلة ) ضابط خاص ببيع الجنس بمثله مجهول المقدار(المزابنة والمحاقلة)

يقول الإمام ابن نجيم: (القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد)[3]

أقسام القاعدة الفقهية:

تنقسم القاعدة الفقهية باعتبارات متعددة إلى عدة أقسام

أولا:أقسامها باعتبار الكلية والفرعية . والشمول  قسمان

الأول:القواعد الكلية :وهي القواعد الأوسع انتشارا في الفقه وتندرج تحتها قواعد فقهية وأحكام شتى . ويسميها بعضهم القواعد الكبرى .

وهذه القواعد خمسة :هي قاعدة  الأمور بمقاصدها. وقاعدة اليقين لايزال بالشك . وقاعدة الضرر يزال(لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة العادة محكمة . وهذه التي اتفق العلماء على انها قواعد كبرى . ويضيف بعض العلماء إليها قاعدة سادسة وهي قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله وهي محل خلاف بين العلماء في عدها من القواعد الكلية.

الثاني:القواعد  الفرعية ويسميها بعضهم الصغرى وهي قواعد فقهية أقل شمولا من تلك القواعد الكلية وأكبر من الضوابط الفقهية . وتنقسم إلى قسمين

أ/قواعد صغرى مندرجة تحت واحدة من القواعد الكلية الكبرى كقاعدة ماجاز لعذر بطل بزواله فإنها تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير .

ب/قواعد صغرى مستقلة بمعنى أنها ليست مندرجة تحت واحدة من القواعد الكلية الكبرى مثل قاعدة تصرف الراعي على الرعية منوط بالمصلحة .

ثانيا:أقسامها باعتبار الاتفاق والاختلاف عليها

قد تكون القاعدة الفقهية محل اتفاق بين المذاهب في الأخذ بها وقد تكون محل اختلاف حيث تأخذ بها بعض المذاهب ولا تعتبرها مذاهب أخرى، ولذا هي تنقسم إلى قسمين بهذا الاعتبار

الأول:قواعد متفق عليها (قواعد اتفاق) أي أن المذاهب الفقهية اتفقت على الأخذ بها واعتبارها . وهذه تكون صياغتها خبرية في الغالب، وبمعنى أدق هي من حيث الصياغة لا تصدر باستفهام .مثل قاعدة :العادة محكمة وقاعدة :الاجتهاد لا ينقض بمثله .

الثاني:قواعد مختلف فيها (قواعد اختلاف) بمعنى أت بعض المذاهب أخذت بها واعتبرتها وبعضها لم تعتبرها. وهي من حيث الصياغة تكون إنشائية فتصدر باستفهام مثل قاعدة العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني فقد صاغها ابن نجيم الحنفي بقوله هل العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني أم بالألفاظ والمباني. ومثل قاعدة : هل اليمين على نية الحالف أو على نية المستحلف.

مصادر القاعدة الفقهية

القواعد الفقهية بهذه الصيغ هي من  وضع الفقهاء جمعوها من النظر في الأحكام الجزئية فحصلت هذه الحصيلة من التراث الفقهي الثر ، وهي مستمدة من ثلاثة مصادر أساسة

الأول:القرآن الكريم

جاء القرآن الكريم بمبادئ عامة، وقواعد كلية، وضوابط شرعية، في آياته ونصوصه، لتكون مناراً وهداية للعلماء في وضع التفاصيل التي تحقق أهداف الشريعة، وأغراضها العامة، وتتفق مع مصالح الناس، وتطور الأزمان، واختلاف الببئات.

وقد حققت هذه المبادئ العامة في القرآن الكريم هدفين أساسيين.

الأول: تأكيد الكمال في دين الله تعالى الذي ورد في قوله تعالى:.

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .

والثاني: بيان ميزة المرونة في التشريع الإسلامي لمسايرة جميع العصور والبيئات، ليبقى صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان.

وهذه المبادئ العامة في القرآن الكريم كانت مصدراً مباشراً للأئمة والفقهاء في صياغة القواعد الكلية في الفقه الإسلامي.

الثاني: السنة

أعطي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، وكان عليه الصلاة والسلام ينطق بالحكمة القصيرة التي تخرج مخرج المثل، وتكون قاعدة كلية.

ومبدأ عاماً، ينطوي على الأحكام الكثيرة، والمسائل المتعددة، والفروع المتنوعة.

مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون على شروطهم ".وقوله: "إنما الأعمال بالنيات ".وقوله: (الدين النصيحة "، وقوله: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ "، وقوله: " الخَرَاج بالضَّمَان) .

الثالث: الاجتهاد

وذلك باستنباط القواعد الكلية من الأصول الشرعية السابقة، ومن مبادئ اللغة العربية، ومسلمات المنطق، ومقتضيات العقول، وتجميع الفروع الفقهية المتشابهة في علة الاستنباط، فالعالم الفقيه يرجع إلى هذه المصادر، ويبذل جهده فيها، ويجمع بين الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، ويستخرج قاعدة كلية منها، تشمل كل ما يدخل تحتها أو أغلبه، وكما فعل علماء الأصول في وضع القواعد الأصولية، سار الفقهاء في القواعد الفقهية.

مثل قاعدة "الأمور بمقاصدها" المأخوذة من مجموعة أحاديث في النية، أهمها

حديث "إنما الأعمال بالنيات "، ومثل قاعدة "الضرر يزال " المأخوذة من حديث " لا ضرر ولا ضرار"، ومثل قاعدة "المرء مؤاخذ بإقراره "

المأخوذة من قوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) .

ومثل قاعدة "السؤال معاد في الجواب " المأخوذة من مبادئ اللغة العربية، ومثل قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة "

المأخوذة من اللغة العربية، وقاعدة "التابع تابع " المأخوذة من مسلمات المنطق، ومثل قاعدة "إذا تعذر إعمال الكلام جهل ".

وقاعدة "إذا زال المانع عاد الممنوع " المأخوذة من لوازم التفكير ومبادئ العقل.

الاستدلال بالقاعدة الفقهية: (حجية القاعدة الفقهية)

يمكن القول أن العلماء اتجهوا اتجاهين في الاستدلال بالقواعد الفقهية حيث منع بعضهم من ذلك ورأى البعض أنه يمكن أن تجعل القاعدة مستندا ودليلا . وفي تقدير أن  المسألة تحتاج إلى تفصيل :

فكثير من القواعد الفقهية يصلح للاستدلال به على أحكام شرعية مستجدة، أو الاستئناس به في مسألة من المسائل؛ فبعض هذه القواعد تعتبر نصاً تشريعياً مستقلاً، قرآنا أو سنة، فيكون الاستدلال بها استدلالاً بالكتاب والسنة بطريق غير مباشر. مثل قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) فهي نص حديث ،وقاعدة (الخراج بالضمان) حديث ، وقاعدة (البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر) حديث كذلك. ومثل قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)، فإنها مستفادة من جملة من الآيات لقوله تعالى: "إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ" (البقرة:173)، وغيرَها. فمثل هذه القواعد يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام، وإصدار الفتاوى.

أما إذا كانت المسألة المستدل عليها اجتهادية بحتة لا تعتمد على نص شرعي كاعتمادها على دليل عقلي مُجرَّد، أو كانت من مسائل النوازل المستجدة وَرَأَى الفقيه دخولها تحت قاعدة من تلك القواعد المقررة، فيمكن عندئذ الاستدلال عليها بالقاعدة، ويكون دليل المسألة عندئذ هو دليل القاعدة نفسها، أيْ يُقاس حُكم هذه المسألة المُستَدَل عليها عَلَى حُكم تلك المسائل الاجتهادية الأخرى التي تدخل في القاعدة، مع ضرورة ملاحظة المسائل المستثناة من القاعدة المُستَدَل بها.

و من منع مَنْ الاستدلال بالقواعد الفقهية وحدها، ما لم تستند إلى دليل آخر يُسندها فيحمل قصده  على  أنّ القاعدة الفقهية لا تصلح دليلاً على الحوادث التي يوجد فيها نص شرعي يمكن الاستناد إليه.  وهذا لا يتعارض مع إمكانية صلاحية بعض القواعد الفقهية للاستدلال الشرعي المطلق بها على حكم من الأحكام.

نبذة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية وتطورها واهم المؤلفات فيها  

لم تكن القواعد الفقهية في الصدر الأول من الإسلام إلى عصر التدوين وبداياته معروفة يضمه مؤلف معين ولكنها كانت مسطورة في صدور العلماء منتشرة في استعمالهم سائرة بها ألفاظهم  شأنها شأن كثير من العلوم التي لم تدون ، من ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه حيث يقول : ( مقاطع الحقوق عند الشروط ) أو عند مفاصل الشروط ، وقبل ذلك ما جاء من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم حيث إن كثيرا من النصوص الحديثية تحمل أحكاما متنوعة .

ولما دونت الأحكام الفقهية وتميز علم الأصول عن علم الفقه واستقل كل مذهب من مذاهب العلماء بمؤلفاته وعلمائه ومنظريه وبدأت المقارنات بين تلبك المذاهب وكثرت الفتاوى والمخرجات من الأحكام لا سيما في القرن الرابع الهجري جاءت الحاجة إلى تأليف القواعد الفقهية بداية بتلك المسميات (فروق،أشباه،ألغاز وما إليه )

ومما يشهد له التاريخ ويظهر ذلك بالتتبع والنظر، أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولعل ذلك للتوسع عندهم في الفروع، وأخذ بعض الأصول عن فروع أئمة مذهبهم، ومن ثم ترى الإمام محمد رحمه الله، في كتاب الأصل يذكر مسألة فيفرع عليها فروعاً قد يعجز الإنسان عن وعيها والإحاطة بها.

وكل ذلك جعل الطبقات العليا من فقهاء المذهب يصوغون القواعد والضوابط التي تسيطر على الفروع الكثيرة المتناثرة وتحكمها.

وأقدم خبر يروي في جمع القواعد الفقهية في الفقه الحنفي مصوغة بصيغها الفقهية المأثورة، ما رواه الإمام العلائي الشافعي (761 هـ) ، والعلامتان السيوطي (911 هـ) وابن نجيم الحنفي (970 هـ) ، في كتبهم: أن الإمام أبا طاهر الدبَّاس من فقهاء القرن الرابع الهجري قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر رحمه الله ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس، وذكروا أن أبا سعيد الهروي الشافعي قد رحل إلى أبي طاهر، ونقل عنه بعض هذه القواعد، ومن جملتها القواعد الأساسية الخمسة المشهورة ،ولم تعرف باقي تلك القواعد السبعة عشر لكن يقال إن الإمام الكرخي  الذي هو من أقرانه ربما جمع عنه هذه القواعد وضمها إلى رسالته المشهورة التي حوت تسعا وثلاثين قاعدة وجاء بعده الإمام أبو زيد الدبوسي ( من فقهاء القرن الخامس ) وتقل عنه هذه القواعد وأفاض عليه في كتابه تأسيس النظر. وفي القرن السابع انتشر التأليف في القواعد بصورة ملحوظة وتتابع في  القرن الثامن حتى عده بعض المنظرين قرن بداية التأليف في القواعد الفقهية حيث ظهر فيه عناية فقهاء الشافعية بهذا الفن  وتتابع التدوين والكتابة في القرون الأخرى في كل المذاهب .

ومن المؤلفات فيها ما يلي

1/ المُذهب في ضبط قواعد المذهب للعلامة محمد بن عبد الله بن راشد البكري المالكي (السابع)

2/ الأشباه والنظائر: لابن الوكيل الشافعي (716 هـ) .

3/. كتاب القواعد: للمقرَّي المالكي  (758 هـ) .

4/ المجموع المذهب في ضبط قواعد المذهب: للعلائي الشافعي (761 هـ) .

5/ الأشباه والنظائر: لتاج الدين السبكي  الشافعي(771 هـ) .

6/ الأشباه والنظائر: لجمال الدين الإسنوي  الشافعي(772 هـ) .

7/ المنثور في القواعد: لبدر الدين الزركشي الشافعي (794 هـ) .

8/القواعد في الفقه: لابن رجب الحنبلي (795 هـ) .

9/ القواعد في الفروع لعلي بن عثمان الغزّي (799 هـ) .

10/كتاب القواعد: لتقي الدين الحصني (829 هـ) .

11/ نظم الذخائر في الأشباه والنظائر: لعبد الرحمن بن علي المقدسي المعروف بشُقير. (876 هـ) .

12/ الكليات الفقهية والقواعد: لابن غازي المالكي (901 هـ) .

13/ القواعد والضوابط لابن عبد الهادي (909 هـ)  

14/ الأشباه والنظائر للسيوطي (911هـ) وغيرها . ومن المؤلفات الحديثة

15/قواعد الفقه للبركتي   .      16/القواعد الفقهية للندوي . 17/شرح القواعد الفقهية للزرقا

18/الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية للبرنو. 19/ موسوعة القواعد الفقهية د.محمد صدقي البورنو.

20/القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الفقهية .د محمد الزحيلي وغيرها.

مناهج العلماء في التأليف في القواعد الفقهية

اتخذ التأليف فيها أشكالا متعددة ففي القرن الرابع حيث بدأ جمع القواعد الفقهية بواسطة بعض العلماء كما سبق وما تلاه من قرون  كان بعضهم يدمجها مع الفقه فترد في ثناياه وبعضهم يجمعها مستقلة وبعضهم بخص مؤلفه بقواعد مذهبه ويبني عليها فروعه  وبعضهم شرح  قواعد غيره ، وبعضهم نظمها في منظوم ، وبعضهم اختصر مؤلف سابقه ، وسبقت الإشارة إلى أن علم القواعد الفقهية وسم بتسميات متعددة ولكل تسمية مجالها من التأليف، وقد حظيت القواعد الفقهية كغيرها من العلوم بالخدمات الكتابية المتعددة ، ويمكن القول باختصار أن التأليف اتخذ منهجين منهج الدمج مع الفقه ومنهج التفريق والاستقلال .

أهمية دراسة القواعد الفقهية وفائدتها :

يقول الإمام السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره ويتمهر في فهمه واستحضاره ويقتدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان): وتتلخص فوائدها فيما يأتي

1/ لا بمكن الإحاطة بكل أحكام الفقه ، وبواسطة القواعد يمكن الإطلاع +على كم هائل من الفقه ،إذ إنها تختصر وتعتصر الأحكام المتنوعة في عبارة موجزة

2/تسهل على رجال التشريع غير المختصين بالشريعة فرصة الاطلاع على الفقه بروحه ومضمونه وأسسه وأهدافه وتمدهم دوما بالمعلومة.

3/تكون لدى الدارس ملكة فقهية ثرة وتمكنه من الأحكام في كل وقت.

4/ يحتاجها الفقيه في فتواه وأحكامه ،والمجتهد في اجتهاده ، والمشرع  والقاضي في قضائه ،

5/ تساعد القواعد الكلية في إدراك مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة؛ لأن مضمون القواعد الفقهية يعطي تصوراً واضحاً عن المقاصد والغايات.

6/علاوة على ذلك فصياغتها الموجزة وعبارتها السلسة تجعلها سهلة الحفظ والاسترداد .

تضبط المسائل الفقهية، وتنسق بين الأحكام المتشابهة، وترد الفروع إلى أصولها.

مميزات القواعد الفقهية"

1/ كثرتها وانتشارها في كتب الفقه كما ذكر ذلك القرافي

2/ إيجاز عبارتها مما بسهل حفظها واستحضارها.

3/ ضبطها للأحكام الفقهية المتناثرة يقول الأستاذ مصطفى الزرقا: (لولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعاً مشتتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها وتبرز من خلالها العلل الجامعة)[4].

 

 



[1] الأذون هو ماله أذن من الحي فتكاثره عن طريق الولادة  والصموخ ما ليس له أذن ظاهرة فتكاثره عن طريق البيض

[2] د. محمد مصطفى الزحيلي.: لقواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ط الأولى، 1427 هـ - 2006 م، نشر دار الفكر – دمشق،ص26.

 

 

[3] ابن نجيم :الأشباه والنظائر ،نشر دار الكتب العلمية ،ص 166.

[4] البرنو :الوجيز ص23

الملفات المرفقة

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء مكتب


الاعلانات


اعلان

تم رفع الواجب (2) لكل شعبة على نظام التعلم الإلكتروني (D2L) في نافذة مجلد التسليم

المطلوب المبادرة بحله



رابط مجلد التسليم :

http://el.mu.edu.sa/d2l/lms//


أرقام الاتصال

أرقام الاتصال 0500730752

البريد الالكتروني: [email protected]

                           [email protected]elha

                         [email protected]

تواصل معنا


                                     

التقويم الدراسي

في هذا الرابط التقويم الدراسي

http://www.mu.edu.sa/ar/%D8%A7%



الجدول الدراسي

أحوال الطقس

لمعرفة أحوال الطقس هنا

http://sa.arabiaweather.com/?gclid=CIit8LbjycICFU0njgodzRgAnA

القرآن الكريم

مشغل القرآن الكريم


الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء
مكتب

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد

مكتب

الثلاثاء

مكتب



إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 102

البحوث والمحاضرات: 87

الزيارات: 19942