د الهادي عبد الله

الأستاذ المشارك في الفقه المقارن كلية التربية الزلفي

بيع التولية

بيع التولية

تعريفه

في اللغة من ولى يلي ولاء وتولية بمعنى جعله واليا ، والإقبال والتوجه ومنه قول الله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)[1] والإدبار  والانصراف ومنه قوله تعالى (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[2] وفي الحديث  (أنه سئل عن الإبل فقال أعنان الشياطين لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم)[3] أي أن من شأنها إذا أقبلت على صاحبها أن يتعقب إقبالها الإدبار وإذا أدبرت أن يكون إدبارها ذهابا وفناء مستأصلا،وولاه تولية وتولى إذا كلف والتولي الإعراض ومنه (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ )[4] والمناصرة والإتباع ومنه (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)[5] في البيع : أن تشتري سلعة بثمن معلوم ثم توليها رجلا آخر بذلك الثمن[6].

والتولية في البيع عند الفقهاء عرفت بتعريفات متعددة منها ما قاله ابن عرفة[7] في حدوده : تصيير مشتر ما اشتراه لغير بائعه بثمنه[8]

فهي بيع المشترى بثمنه بلا فضل [9] بمعنى : تمليك المبيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان[10]

حكم التولية

أجاز الفقهاء الأربعة باتفاق  التولية في البيع على الجملة مع اختلافهم في بعض تفاصيله[11].

واستدلوا على جوازه بعموم الأدلة في جواز البيع كقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)[12] فهو بيع توفرت فيه الأركان والشروط فكان جائزا.

واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب عن النبى  - صلى الله عليه وسلم -  قال : التولية والإقالة والشركة سواء لا بأس به)[13]

شروط التولية

1/أن يكون الثمن في البيع الأول معلوما للمشتري الثاني وذلك أن بيع التولية يتوقف على ثمن البيع الأول فهو من بيوع الأمانة والعلم بالثمن عموما مشترط في البيوع[14].

2/كون الثمن في المبيع من العدديات المتقاربة  أو المكيلات أو الموزونات [15].

3/واشترط فقهاء الحنفية أن لا يكون البيع صرفا فلو باع دنانير بدراهم لا تجوز فيه التولية ولا المرابحة؛ لأنهما في الذمة فلا يتصور فيه التولية [16].

4/اشترط فقهاء المالكية في التولية في الطعام قبل قبضه أن يكون الثمن معينا، وأما التولية في غير الطعام أو فيه بعد القبض فتجوز عندهم ولو كان الثمن غير معين[17].

ما تكون فيه التولية

التولية في بيع ما لم يقبض

قال فقهاء المالكية تصح التولية في بيع الطعام الذي لم يقبض ، بالشروط السابقة.

واستدلوا على ذلك بالآتي:

1/ مرسل سعيد بن المسيب الذي مر ذكره.

2/أن التولية  إنما يراد بها الرفق للمغابنة إذا لم يدخلها لا زيادة ولا نقصان[18]

3/أن التولية وشبيهاتها من المعاملات إنما هي من باب المعروف وقد لزمها اسم غير اسم البيع فيجوز فيها التوسع أكثر منه[19] .

4/بقول الله تعالى(وافْعلوا الخيْرَ)[20] ووجهه ما ذكره ابن عبد البر[21] :أن التولية وما شابهها من باب فعل الخير وصنع المعروف [22]

5/بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(كل معروف صدقة) [23]ووجه ما أشار إليه ابن عبد البر سابقا.

وقال فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة بعدم جواز التولية في بيع الطعام قبل قبضه وفي بيع كل ما لم يقبض من المنقولات[24] وإلى هذا ذهب الدردير[25] من المالكية وبعض فقهائهم [26]

واستدلوا على ذلك بالآتي

1/قوله تعالى (وأحل الله البيع ) والتولية بيع فتأخذ أحكامه

2/ نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه[27]،وقوله صلى الله عليه وسلم (ولا تبع ما ليس عندك)[28]

3/أن التولية بيع فيجوز فيها كل ما يجوز فيه ويمنع كل ما يمنع فيه[29]

الخيانة في التولية

وهي ضد الأمانة في التولية وتكون في الثمن وتكون الخيانة في حالتين

الحالة الأولى ::في مقدار الثمن بأن لا يعطيه الحقيقة فيزيد عليه الثمن  كمن اشترى بعشرة و ولاه بأحد عشرة فيرى فقهاء المالكية إن كان البائع الكاذب متعمدا أو غير متعمد والسلعة باقية وحط البائع من الثمن بأن تراجع فيلزم المشتري قبول البيع ،وإن لم يحط البائع فيخير المشتري بين رد المبيع وأخذ الثمن أو القبول بالبيع بالثمن الأول [30].

وقال الحنفية: يحط قدر الخيانة ولا خيار للمشتري ويلزم العقد بالثمن الباقي ؛ لأن الخيانة في بيع التولية تخرج العقد عن كونه تولية وبهذا قال الشافعية والحنابلة[31]

الحالة الثانية:أن تكون الخيانة في صفة الثمن بأن اشترى شيئا نسيئة ثم باعه تولية على الثمن الأول ولم يبين أنه اشتراه نسيئة ثم علم المشتري فقال فقهاء الحنفية  والمالكية والشافعية إن شاء أخذ المبيع وإن شاء رده ؛ لأن التولية عقد مبني على الأمانة ، إذ أن المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن الثمن الأول ، فكانت صيانة البيع الثاني عن الخيانة مشروطة دلالة ، فإذا لم يتحقق الشرط ثبت الخيار كما في حالة عدم تحقق سلامة المبيع عن العيب .

وهذا إذا كان المبيع قائما ، وأما بعد الهلاك أو الاستهلاك فلا خيار له ، بل يلزمه جميع الثمن حالا ؛ لأن الرد تعذر بالهلاك أو غيره فيسقط خياره[32]

وقال الحنابلة : إن ظهر الثمن الذي أخبر به البائع المشتري مؤجلا وقد كتمه ، ثم علم المشتري تأجيله أخذ المبيع بالثمن مؤجلا بالأجل الذي اشتراه البائع إليه ، ولا خيار للمشتري فلا يملك الفسخ . وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما كان له ذلك إلى الأجل يعني وإن شاء فسخ ، وإن كان قد استهلك حبس المشتري الثمن بقدر الأجل وهذا قول شريح ؛ لأنه كذلك وقع على البائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك على صفته ، كما لو أخبر بزيادة على الثمن [33].



[1] سورة البقرة الآية 143

[2] سورة التوبة الآية25.

[3] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ،طبعة ثانية1403هـ/11/ص460

[4] سورة محمد الآية38.

[5] سورة المائدة الآية51.

[6] ابن منظور :لسان العرب ،طبعة أولى ،د ت،نشر دار صادر بيروت،ج15/ص405،الفيومي:المصباح المنير،نشر المكتبة العلمية بيروت،ج2/ص672.

[7] أبو عبد الله :محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي ،كان فقيها منطقيا فرضيا أخذ عن كبار العلماء ، له مؤلفات كثيرة منها مختصر المذهب الذي أطلق عليه حدود ابن عرفة ، توفي سنة 803هـ (ابن فرحون :الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ، تحقيق د:محمد الأحمدي أبو النور، د ط ، نشر دار التراث للنشر والطبع بيروت لبنان ،ج2/ ص 331

[8] الرصاع:شرح حدود ابن عرفة طبعة أولى1350هـ،نشر المكتبة العلمية ،ص280

[9] الجرجاني:التعريفات،طبعة أولى 1405هـ،نشر دار الكتاب العربي بيروت،ص98.

[10] السمرقندي:تحفة الفقهاء ،نشر دار الكتب العلمية ،1405هـ،ج2/ص105.

[11] السرخسي:المبسوط طبعة أولى،نشر دار الفكر 1421هـ،ج22/ص145 ،الكاساني:بدائع الصنائع،نشر دار الكتاب العربي،1982م،ج5/ص220،المازري:شرح التلقين الطبعة الأولى 2008م،نشر دار الغرب الإسلامي،ج2/ص205،القرافي:الذخيرة ،نشر دار الغرب1944م،بيروت ج5/ص150،النووي/المجموع شرح النهذب،نشر دار الفكر بيروت،ج10/ص168،الغزالي:الوسيط في المذهب،نشر دار السلام القاهرة 1417هـ،ابن قدامة :المغني،طبعة أولى1405هـ،ج4/ص239،ابن تيمية الحراني:المحرر في الفقه،طبعة ثانية1404هـ،نشر مكتبة المعارف الرياض،ص330.

[12] سورة البقرة الآية275

[13] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ج8/ص49،                    

[14] ابن نجيم :البحر الرائق شرح كنز الدقائق،نشر دار المعرفة ،ج6/ص116،القيرواني:النوادر والزيادات،طبعة أولى 1999م،نشر المكتب الإسلامي،بيروت،ج6/ص52،النووي :روضة الطالبين،نشر المكتب الإسلامي/1405هـ،ج3/ص535،البهوتي:شرج منتهى الإرادات،نشر عالم الكتب،1996م،ج2/ص52.

[15] البابرتي:العناية شرح الهداية ،نشر دار الفكر،ج4/ص497،الدردير:الشرح الصغير،نشر دار المعارف،ج3/ص212.النووي:روضة الطالبين،ج3/ص526.

[16] الزيلعي :تبيين الحقائق ،نشر دار المكتب الإسلامي،القاهرة1313هـ،ج4/ص74

[17] القيرواني:النوادر والزيادات،ج6/ص47،ابن جزي:القوانين الفقهية،نشر دار الفكر،ص179.

[18] الرجراجي: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها،طبعة أولى1428هـ،نشر دار ابن حزم،ج6/ص223.

[19] ابن عبد البر :الاستذكار،نشر دار الكتب العلمية بيروت 2000م،ج6/ص498.

[20] سورة الحج الآية 77

[21] أبو عمر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي الإمام العلامة حافظ المغرب وشيخ الإسلام  حجة المذهب المالكي له مؤلفات عدة منها الاستيعاب في معرفة الأصحاب والتمهيد والاستذكار وجامع بيان العلم وفضله وغرها توفي سنة 463ه(الذهبي:سير أعلام النبلاء،مرجع سابق،ج18/ص153،الحميدي،جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ،د ط، نشر الدار المصرية للتأليف والنشر القاهرة 1966م،ص40)

[22] ابن عبد البر:الاستذكار،ج6/ص223.

[23] متفق عليه

[24] الكاساني:بدائع الصنائعج5/ص220،النووي:روضة الطالبينج3/ص535.،ابن قدامة:المغني:ج/4ص239

[25] أحمد بن محمد بن أحمد العدوي، أبو البركات الشهير بالدردير: فاضل، من فقهاء المالكية. ولد في بني عدي(بمصر) وتعلم بالازهر، وتوفي بالقاهرة.من كتبه :أقرب المسالك لمذهب الامام مالك ، و منج التقدير  في شرح مختصر خليل، وغيره توفي سنة1201ه (خير الزركلي:الأعلام  ،طبعة خامسة 1980م بيروت ،نشر دار العلم للملايين،ج1/ص244

[26] الدردير:الشرح الكبير’نشر دار الفكر بيروت،ج3/ص157.

[27] متفق عليه

[28] أخرجه أبوداوود في سننه في كتاب الإجارة باب الرجل يبيع ماليس عنده،برقم3503 عن حكيم بن حزام،السنن نشر المكتبة العصرية بيروت،ج3/ص283.

[29] ابن جزي:القوانين ىالفقهية،ص179.

[30] ابن عبد البر :الاستذكار،ج6/ص64،العبدري:التاج والإكليل،نشر دار الفكر1398،ج4/ص485.

[31] الكاساني:بدائع الصنائع،ج5/ص226،ابن عابددين :الحاشية،نشر دار الفكر بيروت،1421هـ،ج5/ص137،الجويني:نهاية المطلب،طبعة أولى1428هـ،نشر ددار المنهاج،ج5/ص310،البهوتي:كشاف القناع،ج3/ص331.

[32] الكاساني:بدائع الصنائع ،ج5/ص226،ابن عبد البر:الاستذكار،ج6/ص64،الشربيني:مغني المحتاج ،نشر دار الفكر،بيروت،ج2/79

[33] ابن قدامة :الكافي،طبعة أولى1414هـ،نشردار الكتب العلمية،ج2/ص57.

الملفات المرفقة

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء مكتب


الاعلانات


اعلان

تم رفع الواجب (2) لكل شعبة على نظام التعلم الإلكتروني (D2L) في نافذة مجلد التسليم

المطلوب المبادرة بحله



رابط مجلد التسليم :

http://el.mu.edu.sa/d2l/lms//


أرقام الاتصال

أرقام الاتصال 0500730752

البريد الالكتروني: [email protected]

                           [email protected]elha

                         [email protected]

تواصل معنا


                                     

التقويم الدراسي

في هذا الرابط التقويم الدراسي

http://www.mu.edu.sa/ar/%D8%A7%



الجدول الدراسي

أحوال الطقس

لمعرفة أحوال الطقس هنا

http://sa.arabiaweather.com/?gclid=CIit8LbjycICFU0njgodzRgAnA

القرآن الكريم

مشغل القرآن الكريم


الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء
مكتب

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد

مكتب

الثلاثاء

مكتب



إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 102

البحوث والمحاضرات: 87

الزيارات: 19657