د الهادي عبد الله

الأستاذ المشارك في الفقه المقارن كلية التربية الزلفي

السياسة الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم


المملكة العربية السعودية

وزارة التعليم العالي

جامعة المجمعة

كلية التربية بالزلفي

مقرر  السياسة الشرعية والأنظمة

رقم المقرر ISJ 425

شعبة 1019و1025

أستاذ المقرر د.الهادي عبد الله الحسن

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف السياسة الشرعية

السياسة الشرعية  كلمة مركبة من كلمتين السياسة والشرعية وصف لكلمة السياسة  وسنعرف لفظة السياسة مفردة وموصوفة

تعريف السياسة لغة

مصدر الفعل ساس يسوس ،أطلقها العرب على معاني كثيرة متعددة تدور حول القيام على الأمر والتدبير  والتصرف فيه بما يصلحه وحسن النطر [1] . يقال ساس النَّاسَ: إذا حَكَمهم، وتولّى قيادتَهم وأدار شئونهم "كان الخلفاء الرَّاشدون يسوسون النَّاسَ بالعدل". وساس الرعية إذا وُلي حكمها وقام فيها بالأمر والنهي وتصرف في شؤونها بما يصلحها  وساس الأمورَ: دبَّرها، وأدارَها، وقام بإصلاحها . وساس الدَّوابَّ: روّضها واعْتَنَى بها [2]

والسياسة بهذه المعاني تعتبر كلمة عربية استعملها العرب منذ القدم في كلامهم نثرا وش[3]عرا ؛حيث  قالت حرقة بنت النعمان  بن المنذر

: فبَيْنا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمرُ أمرُنَا ...

إذا نحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ

فَأفٍّ لدُنْيا لاَ يَدُومُ نَعِيمُها ...

تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنا وَتصَرَّفُ

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن  النبي صلى الله عليه و سلم قال ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي..)

وأحرج الشيخان عن عن ابن أبى مليكة أن أسماء قالت كنت أخدم الزبير خدمة البيت وكان له فرس وكنت أسوسه فلم يكن من الخدمة شىء أشد على من سياسة الفرس كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه. قال ثم إنها أصابت خادما جاء النبى -صلى الله عليه وسلم- سبى فأعطاها خادما. قالت كفتنى سياسة الفرس فألقت عنى مئونته فجاءنى رجل فقال يا أم عبد الله إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. قالت إني إن رخصت لك أبى ذاك الزبير فتعال فاطلب إلى والزبير شاهد فجاء فقال يا أم عبد الله إنى رجل فقير أردت أن أبيع فى ظل دارك. فقالت ما لك بالمدينة إلا دارى فقال لها الزبير ما لك أن تمنعي رجلا فقيرا يبيع فكان يبيع إلى أن كسب فبعته الجارية فدخل على الزبير وثمنها في حجري. فقال هبيها لي. قالت إني قد تصدقت بها)[4].

وأخرج البيهقي وغيره عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ : قدْ عَلِمْت وَرَبِّ الْكَعْبَةِ مَتَى تَهْلِكُ الْعَرَبُ , فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : مَتَى يَهْلِكُونَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : حِينَ يَسُوسُ أَمَرَهُمْ مَنْ لَمْ يُعَالِجْ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَصْحَبِ الرَّسُولَ صلى الله عليه)[5]

 تعريف السياسة اصطلاحا

قبل أن توصف بالشرعية اصطلح على تعريفها علماء الإسلام بعدة تعريفات

فقالوا عنها : القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال[6].

وقال أبو البقاء الكفوي: هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل.

وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم،  ومن السلاطين والملوك على كل منهم في ظاهرهم لا غير،  ومن العلماء ورثة الأنبياء على الخاصة في باطنهم لا غير.  والسياسة البدنية تدبير المعاش مع العموم على سن العدل والاستقامة[7]

وذكر الدكتور عبد العال أحمد عطوة في المدخل للسياسة الشرعية أن السياسة بهذا المصطلح تنقسم إلى الأتي

1ــ السياسة المطلقة وهي ماذكره أبو البقاء الكفوي. وسميت بالمطلقة لأنها تطبق على جميع الخلق في جميع الأحوال.

2ـ السياسة المدنية وهي تدبير شؤون الجماعة على وجه ينتظم به أمرها على أي وضع من الأوضاع بقطع النظر عن موافقة هذه الأوضاع للشرائع السماوية أو مخالفتها.وبقطع النظر عن كونها سببا في نجاة الأمة في الآخرة أو عدم نجاتها  .

بمعنى هي إدارة شئون المجتمع وترتيب أوضاعه وفق معطيات إنسانية سواء كانت موروثة من شرع أو من تقليد أو عرف بشري أو غيره.

3ـ السياسة النفسية وهي تهذيب نفوس الناس واستصلاح بواطنهم وهذا دور يقوم به العلماء المربون ورثة الأنبياء.

4ـ السياسة البدنية وهي تدبير أمور المعاش بإصلاح أحوال الجماعة على سنن العدل والاستقامة . وهذا النوع من السياسة يدخل ضمن أفرع السياسة المدنية .

وكل هذه الإطلاقات على السياسة إنما هي اصطلاحات عامة للفظ سياسة ولا يمكن تسميتها سياسة شرعية بالمفهوم الخاص للسياسة الشرعية الذي أطلقه فقهاء الشريعة .

تعريف السياسة الشرعية مركبة (موصوفة)

يمكن القول بالنظر في تعاريف الفقهاء لمصطلح السياسة الشرعية أن لها تعريفان خاص وعام.

أ/فبالتعريف الخاص هي :تغليظ العقوبة التي لم يرد فيها حد معين أو الزيادة على العقوبة الحدية بما يحسم الفساد ويقطع الشر نظرا لمصلحة راجحة إذا استشرى الفساد وكثرت المخالفة.

وهذا التعريف  قاله الطرابلسي والمرداوي وغيرهما ويطلق على الآتي:

1/ التعزير نفسه . والتعزير هو العقوبة الاجتهادية لجريمة أو معصية لم يرد فيها نوع عقاب معين أو تحديد لمقداره  .

2/ الزيادة في العقوبة الحدية إما من جنسها كعقوبة الجلد للقاذف تزاد سياسة جلدا وإما من غير جنسها كأن يعنف القاذف أو يطاف به في الأسواق ويشهر بجريمته.

3/الزيادة في العقوبة التعزيرية التي أقرها الحاكم مثال ذلك عند أبي حنيفة أن القاتل خنقا أو بمثقل لا قصاص عليه لعدم حصول القتل منه بمحدد ، وإنما عليه عقوبة شبه العمد ،ولكنه يقول إن تكرر منه يقتل سياسة ، ومثل من يرى أن التغريب في عقوبة الزاني غير المحصن يعتبر تعزيرا  ويزيد عليه التوبيخ أو السجن في البلد الذي غرب له.

لكن ثمة سؤال هل تجوز الزيادة في العقوبة التي حدد الشارع نوعها وكمها وهل يجوز التغليظ فيها بغير نص. بمعنى آخر ألا تعتبر هذه الزيادة منافية للشريعة الإسلامية؟

ويجاب عن هذا الاعتراض من وجهين

1/ أن الأحكام الشرعية من حيث ثباتها وتغيرها  نوعان أحكام ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان والأمكنة والأوضاع واختلاف المصالح فهذه لا تجوز الزيادة ولا يجوز النقص فيها ولا يجوز تغيرها ، وهناك أحكام تتغير بتغير الأزمنة أو الأوضاع أو الأماكن أو تختلف باختلاف المصالح فهذه محل تغير للأحكام تبعا للأحوال فالفساد الذي استشرى بعد الصدر الأول أوجب اختلاف الحكم بما لا يخرجه عن دائرة الشرع .

وإلى هذا المعنى أشار الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقال: (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور) ويقول العز بن عبد السلام : (تحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا من السيئات والمعاملات والاحتياطات).

2/هذا التغليظ في العقوبة إما أن يكون مبنيا على النص كمن يرى أن التغريب تعزير  وإما أن يكون مبنيا على المصلحة المرسلة كالسجن أو زيادة عدد الجلدات لمن سكر علانية أو في نهار رمضان ، والنص والمصلحة المرسلة كلاهما من الأدلة الشرعية فلا منافاة في هذا التغليظ للشريعة الإسلامية ،ثم إن هذا التغليظ له دوافعه الموضوعية والشرعية المتمثلة في نفي الضرر وهو أصل عظيم من أصول الشرع الحنيف.

ب/وبالتعريف العام هي رعاية المصلحة الشرعية في النظم المالية والأحوال الشخصية والقضاء والتنفيذ والإدارة ونظام الحكم وغير ذلك مما لم يرد فيه دليل تفصيلي من الشارع وإنما روعي فيه روح الشريعة وتحقيق المصلحة الشرعية.

ويلاحظ على الاستعمال العام لمصطلح السياسة الشرعية أنه نظر فيه للتدرج التاريخي لاستعمال لفظ السياسة الشرعية في التراث الإسلامي فالفقهاء الذين تناولوها  إنما نظروا إلى ممارسة الصحابة بما فيهم الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أجمعين والسلف الصالح وخلصوا لهذا المصطلح العام للفظة السياسة الشرعية.

فالذي يقصده فقهاء الأمة من لفظة سياسة شرعية هو بناء الحكم على ما تقتضيه مصلحة الأمة مما لم يرد بشأنه دليل تفصيلي خاص. وهو معنى أوسع من قصر السياسة الشرعية في شأن الحدود والتعزيرات.وهذا المعنى أشار إليه عالمان جليلان  من فقهاء الأمة

فقال زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي : (وظاهر كلامهم ـ أي الفقهاء ـ أن السياسة الشرعية : فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بهذا الفعل دليل جزئ)

وقال ابن عقيل الحنبلي : (السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ،وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي)

فالسياسة الشرعية إذن هي  :كل ما صدر عن أولي الأمر، من أحكام وإجراءات ، منوطة بالمصلحة ، فيما لم يرد بشأنه دليل خاصّ ، متعيّن ، دون مخالفة للشريعة .

الفرق بين السياسة الشرعية والأنظمة الوضعية والقانون.

الأنظمة الوضعية يقصد بها النظام السياسي غير الإسلامي والقانون والدستور الوضعي الذي لا تكون أصوله إسلامية ولا يكون مستمدا من الشريعة الإسلامية.

ولا مجال للمقارنة بين ما هو شريعة إسلامية مصدرها الوحي الإلهي وبينما هو فكر بشري مصدره البشر الذي يتأثرون بالعوامل والمؤثرات ،إلا من باب تمييز الشريعة وذكر محاسنها والتعريف بها.

فمن الفروق الجوهرية

1- أنَّ أصـول السياسـة الشرعية منشـؤها الوحي الإلهي ؛ أمَّا الوضعية فمنشؤها الفكر البشري عقليا كان أو طبعيا ، صحيحا كان أو سقيما .

أصول السياسة الشرعية منشؤها الوحي الإلهي ؛ ومجال العقل فيها منحصر في الكشف عن طرائق استنباط الأحكام من تلك الأصول ، وفق ضوابط حُدِّدَت من خلال أصول الشريعة ذاتها .

أمَّا أصول السياسات الوضعية فمنشؤها البشر ؛ فالوضع العقلي في إنشائها يكاد يكون مستقلاً ؛ لذا وصفت بالسياسات ( العقلية ) ، و ( الوضعية ) ، سواء كانت في شكل أعراف ، أو وثائق مكتوبة .

2- أنَّ أصول السياسة الشرعيـة ، تتميـز بخصائص الشريعـة ؛ أمَّـا الوضعية ، فتتصف بصفات واضعها القاصر .

أصول السياسة الشرعية ، تتميز بخصائص الشريعة – ذاتها ، مثل : الثبات ، والدوام مع المرونة ؛ وعليه فلا نسخ ولا تغيير فيها ، ولا إضافة عليها ، بعد انقطاع الوحي . وأمَّا ما يُعَلِّلُ به المجتهد لأحكامَ التي لم يُنصّ عليها ؛ فإنَّما هي طرائق استنباط ، وضوابط اجتهاد ؛ يؤكد بها صحة استنباطه من الوحي ، واستناده إليه فيما يُبَيِّنُه من أحكامٍ ، مستندها الكليات والقواعد الشرعية ، وقد سبق ذكر أسس السياسة .

أمَّا أصول السياسات الوضعية ؛ فهي وضعية تتصف بصفات واضعها ؛ فيعتريها ما يعتريه من قصور ؛ فلا دوام لها ولا ثبات ولا مرونة ؛ لذا فهي تقبل الإضافة والتعديل ؛ بل الإلغاء ، تبعاً للتطورات الزمانية والمكانية ، وغيرها من المؤثرات التي لا تستطيع الدساتير ( العرفية ) ولا ( المدونة ) مسايرتها ، دون تعديل أو تغيير ؛ إذ التعديل والتغيير طريقة مرونتها ! كيف لا ، وقد عُدَّ من خصائص الدستور الجيّد : " أن يتضمن الدستور طريقة تعديله ؛ فوجود طريقة قانونية لتعديل الدستور تجنب البلاد التعرض للثورات من أجل هذا التعديل … " كما يطلق على الدساتير التي تزيد شروط تعديلها أو إلغائها ، عن شروط أو إلغاء القوانين العاديـة ( غير الدستورية ) - الدساتيرُ الجامدة ! مع أنها تقبل التعديل والإلغاء ، لكن بشروط أشدّ ، وذلك في مقابل النوع الآخر من الدساتير ، وهي ( الدساتير المدونة ) ، أي : التي يتم تعديلها أو تغييرها باتِّباع إجراءات تعديلِ وإلغاءِ القوانين العادية ، وعن طريق السلطة التنظيمية ذاتها .

وهكذا يتضح أنَّ القواعد الدستورية - من حيث كونها أصولاً للسياسات الوضعية - تقبل التعديل ، والإلغاء ، بخلاف أصول السياسة الشرعية .

3- أنَّ أصول السياسة الشرعية ، هي أصول الشريعة في جميع المجالات ؛ أمَّا مصادر السياسات الوضعية ؛ فتختلف عن أصول بقية القوانين .

فأصول السياسة الشرعية ، ليست خاصة بها ، بل هي لجميع الأحكام ، في جميع المجالات ؛ لاتصاف الشريعة الإسلامية بوحدة النظام ؛ فليس هناك أصول خاصة بالسياسة الشرعية خارجة عن هذه الأصول .

أمَّا أصول السياسات الوضعية ؛ فإنها تختلف عن أصول بقية القوانين ؛ فمصادر القانون الدستوري تتميز في قيودها وعددها عن أصول بقية القوانين ، حيث يُرى أن مصادر القوانين العادية أقلّ شأناً .

4- أنَّ أصـول السياسة الشرعية تقريرية متبعة ، أمَّا مصادر السياسات الوضعية ، فهي في مجملها تقريرية تابعة .

أصول السياسة الشرعية تقريرية متَّبَعَة ؛ فهي تتميز بالتوجيه والتنظيم ، وهو المعبر عنه في تعريف السياسة الشرعية – بمدلولها العام – بأنَّها : " حمل الناس على مقتضى النظر الشرعي" ، أي الإلزام بالإصلاح ولو جبراً ؛ وهذا مبناه الصفة الدينية للشريعة .

أمَّا مصادر السياسات الوضعية ، فهي في مجملها تقريرية تابعة ؛ ذلك أنَّها ترصد الظواهر الاجتماعية ، ومن ثم تبني تلك السياسات على أساسها ، وما قد وجد من تقويم؛ فهو في حقيقته متأثر بالأصول المبنية على التقرير ، المتمثل في مضمون ( الدستور ) ، ثم هو قاعدة قد جاءت متأخرة عن التقويم - الذي تتميز به أصول السياسة الشرعية - بما يقارب ثلاثة عشر قرناً .

وتختلف السياسة الشرعية عن البدعة ، وذلك أن البدعة ما أحدث في الشرع مما هو مناقض له أي ما أحدث في جانب التعبد والتعامل مما هو مناقض للشريعة ولم تشهد له نصوص الشريعة بالاعتبار ولم تشهد له كذلك روح الشريعة بالاعتبار ، فهو مناقض من كل وجه . وأما السياسة الشرعية فأحكامها وإن لم يشهد لها دليل تفصيلي فإنها ترجع في جملتها إلى الشريعة الإسلامية فترجع إلى المصلحة المرسلة وترجع إلى الاستحسان وترجع إلى سد الذرائع  وترجع أيضا إلى المبادئ العامة التي راعتها الشريعة في جميع أحكامها كمبدأ رفع الضرر وإزالته ومبدأ التخفيف واليسر ورفع الحرج الذي قامت عليه أحكام الشريعة ، وكثير من أحكام السياسة الشرعية إنما هي من باب الوسائل ومعلوم أن الوسائل يتوسع فيها ما لا يتوسع في الغايات.

علاقة السياسة الشرعية بعلم الفقه والأصول ومقاصد الشريعة

علم الفقه أحكام شرعية عملية  في العبادات والمعاملات موضوعه فعل المكلف ، والسياسة الشرعية جزء أصيل من علم الفقه في جانب المعاملات لا تنفصم عنه  فأحكامها أحكام فقهية ومنه تستمد .

أما علاقتها بأصول الفقه فتظهر في أن كثيرا من أحكام السياسة الشرعية مبنية على الأدلة الإجمالية  مستمدة منها ،كما أن الفقه كذلك مستمد منها .

أما علاقتها بعلم مقاصد الشريعة الإسلامية فالمقصود بالسياسة الشرعية إقامة الدين وإصلاح دنيا الناس وهذا الهدف عينه ما تهدف إليه المقاصد الشرعية،ثم إن السياسة الشرعية تبنى كذلك على مقاصد الشريعة الإسلامية وروحها وقواعدها العامة المتمثلة في اليسر ورفع الضرر وتحقيق العدل ورعاية مصالح الكافة وبهذا البناء كانت صالحة لكل زمان ومكان لا تختص بزمن أو إقليم أو بشر دون الآخرين.

علاقة السياسة الشرعية بالنظام السياسي الإسلامي

يقصد بالنظام السياسي الإسلامي الدستور الإسلامي والقواعد الإسلامية العامة للحكم  والإطار العام لنظام الحكم في الإسلام ، وأما السياسة الشرعية فهي مجموعة أحكام وإجراءات شرعية يقوم بها ولي الأمر لما لم يرد بشأنه دليل تفصيلي من الشرع ، وبهذا المفهوم تعتبر السياسة الشرعية فرعا عن النظام السياسي الإسلامي ، فيمكن القول أن بينهما عموم وخصوص ويتضح ذلك في أن السياسة الشرعية رافد أصيل للنظام السياسي الإسلامي ، من جهة أخرى تلتقي السياسة الشرعية والنظام السياسي الإسلامي في مصادرهما فهي مصادر الشريعة الإسلامية.

أهمية السياسة الشرعية

نخلص مما سبق أن للسياسة الشرعية أهمية كبرى في حفظ مصالح الفرد والمجتمع والأمة ورعاية الدين فمن هذه الأهمية ما يلي.

1ـ إن السياسة الشرعية هي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلك العبادة التي أمر الله بها أمة الإسلام.

2ـ إن غايتها ضبط السلوك الإنساني وتوجيهه بقواعد الشرع إقامة للشريعة الإسلامية وهو أمر رباني.

3ــ السياسة الشرعية جزء من الدين المتمثل في الفقه الإسلامي ومن أحاط بها وأحسن التعامل معها لم يحتج لسياسة غيرها.

4ـ إن أعظم مقاصد السياسة الشرعية إقامة العدل بين الناس وهي قيمة شرعية وتكليف رباني.

5 ـ إن السياسة الشرعية حماية للحقوق والمصالح العامة والخاصة.

ولهذا فإن علم السياسة الشرعية من أبواب العلم الشرعي والفقه في الدين  وفي قيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية والدنيوية ،وهو علم جليل القدر عظيم النفع ولذا تناوله علماء الأمة في مباحث الفقه والتفسير وشروح الحديث والتاريخ.

الأدلة على اعتبار السياسة الشرعية

تقوم أحكام السياسة الشرعية على الأدلة الشرعية النصيّة والاجتهادية والأصول الاستنباطية ؛ ولذلك فإنَّ من أهم أدلتها أدلّة أصولها ؛ إذ هي في حقيقة الأمر تنظيرٌ من تلك الأدلَّة تُرَاعَى فيه مقاصد الشريعة ، وتطبيقٌ تُرَاعَى فيه الظروف والأحوال والأعراف ؛ يتأكَّد ذلك بالنظر فيما ساقه العلماء من أدلَّة السياسة الشرعية بمدلولها الخاص وهو الذي سيركّز عليه في هذه الحلقات بشكل أظهر إن شاء الله تعالى ، وهي أدلَّة كثيرة جدّاً ؛ ويمكن إجمال ما استُدِل به في مناهج على النحو الآتي

النهج الأول : الاستدلال بشواهد السياسة الشرعيَّة من القرآن العظيم ، والسنَّة النبويَّة ، وسنَّة الخلفاء الراشدين ، وما جرى عليه عمل العلماء من أهل الفقه والدِّين ؛ وهذه من الكثرة بمكان ؛ لذا يكتفى بذكر بعضها :

فمن شواهد السياسة الشرعية من القرآن العظيم :

1- ما حكى الله تعالى في سورة الكهف ، من أعمال الخضر التي اعترض عليه بسببها موسى - عليهما الصلاة والسلام - لِمَا ظهر له من مخالفتها للشرع ؛ فلما نبَّأه بتأويلها وبين له ما قصده فيها من السياسة المبنيّة على المصلحة سلَّم له .

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله : " … قصة الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره ، … بل ما فعله الخضر هو مأمور به في الشرع بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر ؛ فإنَّه لم يفعل محرما مطلقا ، ولكن خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار ؛ فان إتلاف بعض المال لصلاح أكثره هو أمر مشروع دائما ، وكذلك قتل الإنسان الصائل لحفظ دين غيره أمر مشروع … فهذه القضية تدل على أنَّه يكون من الأمور ما ظاهره فساد ؛ فيحرِّمه من لم يعرف الحكمة التي لأجلها فعل ، وهو مباح في الشرع باطناً وظاهراً لمن علم ما فيه من الحكمة التي توجب حسنه وإباحته "

2- قول الله عز وجل في سورة يوسف : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } ؛ ففي هذه الآيات دلالة على صحة الاعتبار بالقرائن ، ودلالة الحال ، في القضايا السياسية الاستنباطية ؛ حيث ذكر الله عز وجل شهادة هذا الشاهد ، أي الشخص الذي شهد ليوسف صلى الله عليه وسلم بذكره شاهد الحال ، الذي هو قدّ القميص من دبر ؛ لأنَّ فيه تقديرا : شهد شاهد فقال أو ضمنت الشهادة معنى القول ؛ وذلك أنَّ العادة جرت في القميص أنَّه إذا جذب من جهة ( الخلف مثلاً ) تمزق من تلك الجهة ، ولا يجذب القميص من خلف لابسه إلا إذا كان مدبراً ؛ فكون القميص مشقوقاً من هذه الجهة دليل واضح على أنّه هارب عنها ، وهي تنوشه من خلفه ، ولم ينكر عليه ولم يَعِبْه ؛ بل حكى ذلك مقرِّراً له .

3- قــول الله عز وجل في سورة الأنبياء : { وَ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } ؛ فهـذان الحكمان صحيحان في الظاهر ؛ غير أنَّ الله تعالى أثنـى على الحكم المبني على السياسة الشرعية ، والفائدة الزائدة ؛ حيث قال الله عز وجل : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } .

4- قول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة : { وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) } ؛ فإنَّ عقاب الثلاثة بالهجر على تخلفهم عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك ، ومنعهم من قربان نسائهم وهو منع من أمور مباحة لهم في الأصل ، مع الاكتفاء بقبول اعتذار غيرهم من المتخلفين ، هو من مقتضيات السياسة   الشرعية .

قال ابن العربي : " فيه دليل على أنَّ للإمام أن يُعاقب المذنب بتحريم كلامه على النَّاس أدباً له … وعلى تحريم أهله      عليه " .

      ومن شواهد السياسة الشرعية في السنَّة النبوية :

1- قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : (( لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا )) متفق عليه ؛ فتأسيس البيت على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر مطلوب ، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ خوفاً من مفسدة أعظم من مصلحته ؛ وهذا من أحكام السياسة الشرعية .

2- تولي خالد بن الوليد رضي الله عنه إمرة المسلمين في غزوة مؤتة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُؤَمِّرْه فيها ، بل أثنى عليه ، مع ذكره تأمُّرَه من غير تأمير منه ، والحديث أخرجه البخاري ؛ وإنَّما مستند خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه من الصحب الكرام : اقتضاء السياسة الشرعية المبنية على المصلحة الشرعية لذلك ؛ إذ كانت السياسة الشرعية تقتضي وجود قيادة للجيش ، وليس ثَمَّ نص يُرجع إليه .

3- وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ )) متفق عليه ؛ وهذا من السياسة الشرعية .

4- قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استأذنه في قتل عبد الله بن أبي رأس المنافقين : (( دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ )) متفق عليه ؛ حيث مُنِعَ من قتل المنافقين في ابتداء الإسلام ؛ لأنَّ مصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل .

النهج الثاني : الاستدلال بـ( أدلَّة أصول السياسة ، ومستنداتها ) كالمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع ..الخ

النهج الثالث : الاستدلال بما ورد من النصوص في إثبات قاعدة ( رفع الحرج ) ؛ التي لها تعلق بجميع أصول السياسة الشرعية ، وسيُكتَفي بما يُنثر من أدلتها في الاستدلال لأسس السياسة الشرعية ، إذ إنَّها لا تنفك عنها .

النهج الرابع : الاستدلال بسنَّة الله عز وجل في التشريع منذ بدء الخلق ؛ من حيث مراعاتها في اختلاف الأحكام والشرائع ، واختلافَ الأزمان والأحوال ؛ فظهر أنَّها سنَّة الله عز وجل في سائر الأمم ؛ وأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم يرد شرعنا بخلافه ؛ فيكون في ذلك تنبيه إلى اختلاف الأحكام عند اختلاف الأحوال في زماننا ؛ وأنَّها من قواعد الشرع ، وأصول القواعد ؛ وليست بدعاً عما جاء به الشرع .

المنهج الخامس الاستدلال بأن عدم النص على حكم الواقعة ليس دليلا على عدم شرعيتها

شروط العمل بالسياسة الشرعية

الشرط الأول: الرجوع للدليل التبعي: المقصود بالأدلة التبعية هي الأدلة المختلف فيها كالمصلحة المرسلة والاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع والعرف والأخذ بأقل ماقيل وغير ذلك من الأدلة التي تتبع الأدلة الأصلية التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، فيشترط في الحكم الذي يراد أن يحكم بأنه سياسة شرعية أن ينطلق من تلك المصادر التبعية ويرجع إليها ، وذلك لأننا عرفنا السياسة الشرعية بأنها الأحكام التي تحقق مصلحة أو تدفع مفسدة مما لم يرد به نص تفصيلي وإنما مرجعه إلى الأدلة الإجمالية التبعية

وعلى هذا تكون من أمثلة السياسة الشرعية الأحكام التي يراها الحاكم مما لم يرد به دليل تفصيلي ولكنه يكون راجعا إلى عرف صحيح أو يحقق مصلحة أو يكون باستحسان صحيح فالتراتيب والإجراءات الصحية من حبس وحجر المصابين بأمراض وبائية وكذلك النظم التي تشرعها الدولة مما يخص دخول القادمين وترتيب حركة تنقلهم وكذلك إجراءات ولوائح السير والمرور وكل ما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة  فهو من هذا الباب

وينسحب على هذا الشرط أن لا يكون الحكم الذي يراد أن يوصف بأنه سياسة شرعية مخالفا لدليل تفصيلي أو إجمالي ، فالقول بجواز الربا لمسايرة البنوك العالمية لا يعتبر من باب السياسة الشرعية لمخالفته للنصوص  القاطعة الواردة بتحريمه ، وكذلك لا يعتبر من السياسة الشرعية القول بالاختلاط والقول بالتبرج وإباحة التفسخ وإتاحة مناخ للزنا والممارسات الفاضحة وإباحة خروج النساء متبرجات لمخالفته للنصوص  الناهية عن التبرج وعن الزنا وعن أسبابه ، وليس هذا كله من باب التمدن والحضارة كما يدعي بعض الأدعياء بل هو من باب التخلف والانحطاط إذ إن الإنسان بذلك يصبح لا فرق بينه وبين البهيمية .

وليس من السياسة الشرعية تولي المرأة الولايات العامة في الدولة كولاية الحكم وقيادة الجيوش وغيرها من الولايات العامة بحجة أنها مثل الرجل ،وذلك لمخالفته للنصوص الشرعية الناهية عن ذلك.

كما يشترط في الحكم الذي يوصف بأنه من السياسة الشرعية أن لا يخالف قاعدة عامة من قواعد الشريعة ومبدأ من مبادئها العظيمة التي قامت عليها كقاعدة رفع الحرج وقاعدة التيسير واليسر

الشرط الثاني:عدم المخالفة للأحكام الشرعية فيشترط في الحكم الذي يوصف بأنه سياسة شرعية أن لا يخالف حكما شرعيا قطعيا ثابتا بدليل شرعي لا يقبل التغير تبعا لتغير الأحوال والعادات أو تغير وجه المصلحة .

ولهذا نقول إن الأحكام الشرعية من حيث  الثبات وقابلية التغير نوعان :

النوع الأول: أحكام ثابة بأدلة قطعية الدلالة لا تتغير ولا تتبدل بزمن أو مكان أو وضع مثل وجوب الواجبات والفرائض  كالصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  وغيره من الأوامر وتحريم المحرمات كالشرك والظلم والقتل والسرقة وغيرها من المناهي وسواء كانت هذه الأحكام على جهة الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة فلا تتغير بتغير زمن أو مكان أو أوضاع .فهذه الأحكام لا يجوز تغيرها ولا تبدلها بحال من الأحوال وإن جاء حكما مناهضا لها فلا يعتبر من السياسة الشرعية فلا يعتبر من السياسة الشرعية المنع من صلاة الجماعة أو القول بإفطار رمضان بلا عذر وليس من السياسة الشرعية إسقاط الزكاة وليس من السياسة الشرعية الظلم  .

النوع الثاني : أحكام ثابة بأدلة تفصيلية لم يقصد بالحكم به أن يكون شريعة ثابة دائمة في كل حين ومكان ووضع بل قصد به أن يكون شريعة مؤقتة أو متعلقة بعرف في زمن معين أو مكان معين أو راعت مصلحة في زمن أو مكان تغير وجهها في زمان آخر  أو نظر إلى حال وسبب تغير في وقت آخر أو حدث ظرف جديد طارئ فهذه الأحكام يمكن أن تتغير تبعا لتغير الأزمنة والأحوال وتبدل الأعراف المتعلقة بها أو تغير الأسباب وتغيرها تبعا لهذه الأحوال يعتبر من السياسة الشرعية  ومن الأمثلة على ذلك

1/ يعتبر من السياسة الشرعية حرمان الجنود المجاهدين من أسلاب قتلى الحرب من الأعداء لأن محالفة هذا الحكم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) ليست مخالفة حقيقية ذلك لأن هذا النص لم يرد به أن يكون شريعة عامة وثابة  يجب العمل بها في كل حال وإنما سيق على سبيل التحريض على القتال والتحفيز عليه  فإذا حرم ولي الأمر المجاهدين من أسلاب القتلى لمصلحة من قطع طمعهم ونظرهم إلى تلك الملذات فحسب أو انشغالهم بها عن القتال والمقصد الأعظم منه فهذا يكون من السياسة الشرعية

وإذا رأى ولي الأمر بمحض الشورى أن الأمر يستدعي ذلك التحفيز عمل به ونفلهم الأسلاب.

2/ ولا يعتبر مخالفا للسياسة الشرعية ما قام به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة ، وذلك لأنه نظر إلى أن الحكم شرع في وقت ووضع كان الإسلام حينها محتاجا لهذا التأليف فلما عز الإسلام وقوي أسقط ذلك السهم ، وإذا عاد الأمر  واحتيج إليه عاد ذلك السهم.

الشرط الثالث:تحقيق المقصد الشرعي بمعنى أن يكون الحكم الذي يوصف بأنه سياسة شرعية محققا لمقاصد الشريعة الإسلامية ، والشريعة جاءت لمقاصد سامية عظيمة وتعود هذه المقاصد للحفاظ على المصالح البشرية بحسب رتبها  الثلاثة : أولا:المصالح الضرورية وهي مالا بد منها لبقاء العالم ويحتاجها العالم وإذا لم تراع ويحافظ عليها حصل هلاك في الدنيا وفات النعيم المقيم في الآخرة ،وهذه المصالح هي :مصلحة الدين ،ومصلحة النفس ومصلحة العقل ومصلحة النسل أو العرض ومصلحة المال ، والمقصود بالأحكام الشرعية المحافظة عليها بدفع المفاسد عنها وبتحقيقها والإبقاء عليها.

ثانيا:المصالح الحاجية :ويقصد بها التي يحتاجها البشر وإذا لم تراع ويحافظ عليها حصل بالناس ضيق وحرج. كحل البيع وإباحة السلم

ثالثا:المصالح التحسينية أو الكمالية وهي المصالح التي يقصد بها محاسن العادات ومكارم الأخلاق وإذا فقدت لا يحصل هلاك ولا ضيق ولكن الحياة مستقبحة بدونها في نظر العقلاء. كاللبس والاغتسال

فينبغي أن يكون الحكم الذي يراد به  أن يكون سياسة شرعية أن يكون دائرا حول هذه المقاصد أو أحدها وحاميا ومحافظا عليها ، ومن الأمثلة على ذلك فيعتبر من السياسة الشرعية الحكم بزجر وحبس المفتي الماجن الذي يفتن الناس في دينهم محافظة على الدين ، وكذلك وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر بالسعي للجماعة وإغلاق المحال وقت الصلاة محافظة على الدين وكذلك رعاية إخراج الزكاة واستصدار الأوامر لإخراجها والعناية بها ورعاية أمر الصوم والحج وما يتعلق به من أوامر تنظيمية وغيره مما يقصد به المحافظة على الدين

ومن السياسة الشرعية النظم التي تلزم أفراد الأمة بالتطعيم للوقاية من الأمراض الوبائية ،ونظم الحجر الصحي التي تلزم القادمين إلى البلاد بالفحص والكشف الطبي حفاظا على النفوس ومنها أيضا النظم التي تتعلق بجودة المستوردات والمنتجات من المأكول والمشروب والمستعمل حفاظا على النفوس والأموال ، ومن السياسة الشرعية أيضا النظم التي تؤدب من يتعرض للنساء في الطرقات بالمضايقة والإيذاء والتي تؤدب المتبرجات من النساء في الطرقات وكذا النظم التي تزجر وتؤدب من يقف مواقف التهم والريب والشبهات من الرجال والنساء محافظة على الأعراض .

ويعتبر من السياسة الشرعية النظم التي تضبط التعليم ونوعه ، ومنها النظم التي توضع لمنع زراعة الحشيش والاتجار بالمخدرات وترويجها واستعمالها ، ومنع بيع العصير لمن يعلم أنه يتخذه خمرا حفاظا على العقول .

ويعتبر من السياسة الشرعية أيضا الأحكام واللوائح والأنظمة التي تلزم المماطل الممتنع عن دفع الحق الذي عليه لصاحبه وبدفع تبعاته ، ومنها أيضا النظم التي تضبط التعامل في المال دفعا واستثمارا وتحصيلا وإيداعا حفاظا على مصلحة المال.

ومنها أيضا وضع رجال الشرطة في الطرقات والأماكن العامة محافظة على الأمن والسلامة العامة نظرا لحاجة الناس إلى الأمن والسلامة وكذلك منها تنفيذ أوامر الحكومة ونظام اتخاذ جوازات السفر والبطاقات والهويات الشخصية التعريفية لحاجة الناس لذلك .

الشرط الرابع: العدل والتوازن . فينبغي أن تكون السياسة وسطا بين الإفراط والتفريط فإذا مالت لأحدهما كانت سياسة ظالمة مذمومة وخرجت عن نطاق السياسة الشرعية

والتفريط في العمل بالسياسة الشرعية معناه عدم الالتجاء إليها وعدم تطبيق أحكامها في الوقائع المستجدة والتقصير قي الأخذ بها فتبقى هذه الوقائع دون أحكام من الشريعة

ومن أمثلة التفريط في الأخذ بالسياسة الشرعية :ترك العمل بالقرائن واقتصار القاضي في نظره في اثبات الدعاوى والتهم على الشهادة والإقرار والنكول ولا يعمل بالقرائن ودلالة الأحوال فيما من شأنه أن يثبت بذلك (شرح للقرائن وأمثلة لها)

ومن التفريط فيها عدم الأخذ بالتدابير المصلحية التي تحفظ على الناس ضرورياتهم وحاجاتهم

والإفراط في السياسة معناه تجاوز العمل بها حدود ما تقتضيه المصلحة ويستقر به العدل والنظام.

ومن أمثلة الإفراط في الأخذ في السياسة أن يتجاوز ولي الأمر حدود عقوبة المجرم إلى معاقبة أهله وأقربائه ،أو يقبض على أقرباء المتهم فيحبسهم ليحمله على الإقرار بالجريمة فقد قال تعالى (و لاتزر وازرة وزر أخرى)

ومنها أن يحبس المتهم الذي لم يعرف بسوء السلوك بمجرد الاتهام الذي لم تقم عليه بينة

ومنها أن تفرض الدولة عند عدم الحاجة للمال ضرائب على الجميع، ومنها أيضا أن تساوي في فرض الضرائب بين الناس لا فرق بين فقير وغني .

السياسة العادلة والسياسة الظالمة

المقصود بالسياسة العادلة هي التي تسير على نهج الشريعة الإسلامية والتي تعنى بإسعاد الأمة وتهدف إلى تحقيق مصالحها في الوقائع المتجددة وفقا لقواعد الشريعة العامة غير متأثرة بالأهواء والشهوات وغير متجاوزة حدود المصالح الحقيقية للأفراد والجماعات .

والسياسة الظالمة هي التي تميل إلى الأغراض والأهواء والشهوات ولا تهتدي بهدي الشريعة الإسلامية .

يقول ابن القيم في موضوع الأخذ بالسياسة المعتدلة: (وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب ، فرطت فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق ،وجرؤا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن نافت مافهموه من شريعته باجتهادهم ،والذي أوجب لهم ذلك نوع من تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الأخر،فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بأمر وراء مافهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرا طويلا وفسادا عريضا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك.

وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله

وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع  الله ودينه ،والله سبحانه وتعالى أعلم و أحكم وأعدل أن يخص طريق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منه وأقوىدلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج به العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لمانطق به الشرع بل موافقة لما جاء به،بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم ،وإنما هي عدل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ظهر بهذاه الأمارات والعلامات فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة وعاقب لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم ،فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض وكثرة سرقاته وقال لا آخذه إلا بشاهدي عدل فقوله مخالف للسياسة الشرعية)

الشرط الخامس :شرط المشورة

إن  من أولى اعتبارات السياسة الشرعية المشورة التي يقوم بها ولي الأمر أيا كان وضعه وأولى من يشاور ويتخذ من أعيان الشورى وهم أولياء أمر العلم والمجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية لما يستجد من الحوادث وما يقع من الوقائع يقول ابن تيمية : (لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم}. وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي، من أمر الحروب، والأمور الجزئية وغير ذلك، فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة. وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون

* وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك ولا طاعة في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا. قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه، ووجه رأيه فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به، كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)

السياسة الشرعية في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم

تنقسم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من جانب علاقتها بالتشريع من عدمه إلى أربعة أقسام رئيسة.

القسم الأول: أفعاله صلى الله عليه وسلم الجبلية:

 كنومه وأكله وشربه ومشيه وكونه صلى الله عليه وسلم وقف في هذا المكان، أو ذهب إلى مكان وقضي فيه حاجته ونحو ذلك من الأمور التي كان يفعلها صلى الله عليه وسلم بصفته بشراً وليس على وجه التعبد، فهذه الأفعال لا تعتبر تشريعاً ولا يلزم إتباعها لأنها أمور متعلقة بصفته بشراً له خصوصيته الحسية والجسدية فيها.

 ولذا نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا ذلك فلم يكونوا يتعقبون النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأفعال على وجه التعبد، من ذلك حديث امتناعه صلى الله عليه وسلم من أكل الضب لما قُدِّم إليه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن خالد بن الوليد، الذي يقال له سيف الله، أخبره: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبا محنوذا، قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قلما يقدم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له، فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمتن له، هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: ( لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه ). قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي ) [8].

فامتناعه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليس دليلاً على تحريمه كما بيَّن وإنما لأجل أن نفس النبي  صلى الله عليه وسلم لم تقبله.

إلا أنه يجوز إتباع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الجبلية إذا كان من قبيل محبته صلى الله عليه وسلم بقوة الاستنان بسنته وإتباع منهجه شريطة ألا يتصور المتَّبع أن ذلك من الواجبات أو المستحبات وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يستن ببعض أفعاله الجبلية.

القسم الثاني: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم البلاغية:

 أي ما فعله صلى الله عليه وسلم بصفته مبلغاً، قال تعالى: { ا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[9]، فأفعاله صلى الله عليه وسلم بصفته مبلغاً رسالة ربه في العبادات والمعاملات والأحكام والحدود والجنايات ونحوها يجب التأسي بها والاستنان بسنته لأنها من التشريع، والتشريع كل ما أمر الله به  في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً وهذا القسم هو الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فلو شككنا في فعل من أفعاله هل هو من باب الأفعال الجبلية أم من باب الأفعال السياسية أو غير ذلك ولم يدل دليل على تحديده فإن الأصل أنه شرع من عند الله يلزم العمل به.

القسم الثالث: ما فعله صلى الله عليه وسلم بصفته مفتياً:

فالرسول إذا سئل عن مسألة ثم أفتى السائل عنها فإنه صلى الله عليه وسلم يكون قد أنزل الحكم الشرعي على سؤال هذا المستفتي مراعيا في ذلك حاله وما تؤول إليه الأفعال، مثال ذلك الرجل الذي أتي النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد معه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحي والداك، قال: نعم، قال ففيهما فجاهد )[10]، أي أنّ برهما هو الجهاد بالنسبة لك، فالرسول صلى الله عليه وسلم طبَّق الحكم الشرعي على هذه الواقعة التي كانت أمامه مراعياً في ذلك حال المستفتي حيث أن والديه في حاجة إليه فرأي النبي صلى الله عليه وسلم أن لزومهما له ورعايتهما خير له من الخروج معه وأعظم أجراً.

 وأفعاله صلى الله عليه وسلم على وجه الفتوى هي من باب التشريع إلا أنه يراعي فيها الأحوال والقرائن التي صحبت الفتوى في حال المستفتي وزمان ومكان الفتوى.

القسم الرابع: أفعاله صلى الله عليه وسلم بصفته قاضياً:

 فالرسول صلى الله عليه وسلم تولي مهمة القضاء في الخصومات بين الناس والقضاء مرحلة فوق مرحلة الإفتاء فهو: تنزيل الحكم الشرعي على الواقعة على وجه الإلزام، وأفعاله صلى الله عليه وسلم بصفته قاضياً هي من باب التشريع أيضاً إلا أنه يراعي فيها ما روعي في الفتوى تماماً بتمام.

 ومثاله حديث عائشة قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟. قال: ( خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف )[11].

وقد اختلف أهل العلم في بيانه هل هو على وجه الفتوى أو على وجه القضاء فمن قال إنه على وجه الفتوى أجاز للمرأة ومن في حكمها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها على الوجه المتعارف عليه شريطة أن يفتيها مفتٍ بذلك، ومن قال إن تصرفه صلى الله عليه وسلم على وجه القضاء اشترط لصحة أخذها من مال زوجها أن يقضي القاضي بذلك بعد أن ترفع الخصومة إليه.

القسم الخامس: أفعاله صلى الله عليه وسلم بصفته حاكماً:

 وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة وأرسى قواعد الدولة الإسلامية وتولى زمام الأمور فيها كان هو الحاكم لها يصدر أوامره بصفته إماماً للمسلمين مراعيا في ذلك مصلحة رعيته الذين يسوسهم، وأفعاله من هذا القبيل كثيرة وقد تختلط بأفعاله من قبل التبليغ إلا أن العلماء وضعوا قواعد يتبين بها تصرفه السياسي من غيره ولعل من أهم هذه القواعد ما يلي:

1- النظر إلى طبيعة الأمر والتصرف وموضعه، فإذا كان موضعه في أمور السياسة وإدارة الدولة والحرب ونحو ذلك فإنها من قبيل أفعاله السياسية، أما غير ذلك فإن الأصل أن تكون من قبيل التشريع.

2- أن تدل قرينه على صرف هذا الفعل من التشريع إلى السياسة أياً كانت هذه القرينة.

· أمثلة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية:

1- امتناعه عن قتل المنافقين وخاصة رأس الكفر عبد الله بن أبي بن سلول مع علمه صلى الله عليه وسلم أنه منافق فلم يقدم على قتله مبرراً ذلك بقوله لعمر رضي الله عنه حينما طلب منه الإذن بقتله: (دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه )[12].

2-قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بعد فتح مكة: ( ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا عن قواعد إبراهيم. فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)[13]، فالرسول صلى الله عليه وسلم امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - كما يعلم - مراعاة لحال أهل مكة الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم، ولذا صلى الله عليه وسلم ترك هدمها وأبقاها كما كانت خشية من كلام الناس فيه، أي راعى مآلات الأفعال.

3-حديث عبد الله بن واقد السعدي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق. سمعت عائشة تقول: دفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ادخروا ثلاثا. ثم تصدقوا بما بقي ) فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وما ذاك؟ ) قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: ( إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت. فكلوا وادخروا وتصدقوا )[14].

وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القسم ليست على وجه التعبد وإنما على وجه السياسة، فلا تلزم بها الدول أو الأفراد، فكونه صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً عشر سنوات اقتضتها طبيعة العقد وظروف المصلحة في وقته صلى الله عليه وسلم لا يدل على أن العهد مع الكفار مدته عشر سنوات لا تزيد ولا تنقص.

والرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأفعال لا يخطئ خطأً واضحاً بيناً وإنما قد يفعل خلاف الأولى فيصوَّب من الله عز وجل، ومثال ذلك قصة الأعمى ونزول سورة {عبس وتولى }[15]، وقصة أسرى بدر، وقصة أمره صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بأن يبقي زوجته معه وقصة التحريم.


السياسة الشرعية في العهد الراشدي

أولاً: أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

سار أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسي حيث نفَّذ الأوامر التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستجد في وقته أمور كثيرة تستدعي النظر والتأمل كما حصل بعد ذلك في عهد عمر من بعده، وذلك لقلة سنوات عهده، وكان من أهم الأمور السياسية العارضة في عهده التي ترتبط بموضوع السياسة الشرعية:

1- قتال مانعي الزكاة:

 ذلك أن العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد جزء منهم عن الإسلام واتبعوا المشعوذين وقسم لم يرتد وإنما منعوا من إعطاء الزكاة للدولة الإسلامية ممثلة بحاكمها أبو بكر الصديق وقد اختلف الصحابة في قتالهم فمنهم من رأي أنهم لا يقاتلون لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويقيمون الصلاة فقد عصموا دمائهم، ومنهم من رأي قتالهم، وكان أبو بكر الصديق على رأس من يرون القتال استدلالاً بأنهم قد سلموا الزكاة لرسول الله فيلزمهم أن يسلموها لخليفته فإذا تركوا ذلك جاز للدولة أن تقاتلهم لأنهم لن يقيموا بحق (لا إله إلا الله )، ثم أجمع أمرهم على قتالهم.

2ـ جمع القرآن الكريم في مصحف واحد: وبيان ذلك: أن رسول الله لم يجمع القرآن في مصحف واحد وإنما كان متفرقاً في الصدور وفي الصحف وفي الجلود والأحجار ونحوها من وسائل الكتابة في ذلك الزمان فلما كثر القتل في موقعة اليمامة خشي عمر رضي الله عنه أن يذهب القراء الذين حفظوا القرآن فلا يوجد أحد يتقن حفظه ثم أشار على أبي بكر الصديق أن يجمع القرآن في مصحف واحد وقد امتنع في بداية الأمر بسبب أن هذا الفعل لم يفعله رسول الله غير أن الفاروق أقنعه بأن في ذلك خير فالمصلحة تقتضي هذا الجمع، وبعد تداول الرأي بينهما رأي أبو بكر ما أشار به عمر وكلف لجنة تقوم بجمع القرآن في مصحف واحد، فوجه كون هذا العمل من السياسة الشرعية أنه فعل لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المصلحة تقتضيه وكان العمل به جائز ومشروع.

كانت الموارد المالية للدولة في عهده هي نفس الموارد التي كانت موجودة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من زكاة وغنائم وفيء وجزية, وقد سار أبو بكر على نفس السياسة المالية التي سار عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسوى -رضي الله عنه- في العطاء بين الناس, يروى عنه أنه قال: من كان له عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة فليأتِ, يعني: من كان قد وعده النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء من المال فليأت إلينا, من كان له عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة فليأت, فجاء جابر بن عبد الله فقال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا, فقال له أبو بكر: خذ فأخذ ما يكفيه, ثم عده فوجد خمسمائة, فقال: خذ إليها ألفًا, فأخذ ألفًا, ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعده شيئًا, وبقيت بقية من المال فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير, والحر والمملوك, والذكر والأنثى, فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان.
فلما كان العالم المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك فقسمه -رضي الله عنه- بين الناس فكان نصيب كل إنسان عشرين درهمًا, فجاء ناس من المسلمين, فقالوا: ياخليفة رسول الله، أنت قسمت هذا المال فسويت بين الناس, ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم في الإسلام, فلو فضلت أهل الثوابت والقدم والفضل بفضلهم, يعني: كأنهم يطلبون من أبي بكر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- ألا يسوي بين الناس في العطاء, يعني: شيء شبيه بالرواتب التي تعطيها الدولة للموظفين, يطلبون منه ألا يسوي بين الناس في العطاء, لكن يفاضل بينهم بحسب منزلة الإسلام في كونه سبق غيره في الإسلام أو كانت له منزلة في الإسلام فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل, فما أعرفني بذلك -يعني: أنا أعرف ذلك معرفة جيدة- وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه, وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة.

ثانياً: عمر رضي الله عنه:

يعتبر عهد الفاروق هو أوسع العهود تطبيقاً للسياسة الشرعية والأمثلة عليها كثيرة في عهده من أهمها : صلاة التراويح، والخراج، وعدم قطع يد السارق عام المجاعة، ومنع المسلمين من الزواج بالكتابيات، وعدم إعطاء المؤلفة قلوبهم الذين كان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبهم، وجعل الطلاق بالثلاث أي ثلاث طلاقات، وأمر الناس الإفراد بالحج، ونفيه نصر بن الحجاج وابن عمه إلى البصرة ، والجلد في الخمر ثمانين  وتحديده مدة الغزو بأربعة أشهر ، ولنمثل لبعضها

1ـ تدوين الدواوين، وتأتي الفكرة أنه لما كثرت موارد بيت المال فكر رضي الله عنه في وسيلة مناسبة لترتيب هذه الموارد وتدوينها ثم توزيعها على أهل الاستحقاق فأُخبر رضي الله عنه أن الفرس يدونون هذه الموارد ثم يوزعونها على حسب الاستحقاق فراقت له الفكرة وأمر بإنشاء الديوان وتعيين الموظفين فيه لتدوين الدواوين وجعله على قسمين: ديوان العطاء، ديوان الجند.

وفعله رضي الله عنه من الأمور الجديدة التي لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يرد بشأنها نص خاص فكان هذا الفعل من السياسة الشرعية، وهذا يدل على أنه لا مانع من أخذ الأنظمة من الدول الأخرى الكافرة إذا كانت غير معارضة للنصوص الشرعية.

2ــ تحديد مدة الغزو بأربعة أشهر: روى أنه رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد:

ألا طال هذا الليل وأسود جانبه * وأرقني أن لا حبيب ألاعبه

فو الله لولا الله تخشى عواقبه * لزعزع من هذا السرير جوانبه

مخافة ربى والحياء يكفني * وإكرام بعلى أن تنال مراكبه

فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها: أين زوجك ؟ فقالت: بعثت به إلى العراق ! فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها ؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد  صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين[16]

3ـ صلاة التراويح: صلى رسول الله صلاة التراويح وصلى معه بعض الصحابة ثم صلى في اليوم الثاني فلما كان اليوم الثالث وعلم أهل المدينة بها حضروا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يخرج لهم خشية أن تفرض عليهم فترك الصحابة رضي الله عنهم صلاة التراويح جماعة، فلما كان زمن عمر رضي الله عنه دخل على المصلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء وإذا بكل شخص منهم يصلى وحده فرأى أن يجمعهم على إمام واحد فدعى بأبي بن كعب وأمره أن يؤمهم وأن يصلى بهم مثني مثني أي يرتاحوا بين التسليم والتسليم فلما رآهم يصلون جماعة قال: ( نعم البدعة هذه )[17]، والمقصود من هذه المقولة أن هذا الأمر الجديد الذي رأيناه أمر جيد وأنسب من سابقه وهو أن كل شخص يصلى وحده، ووجه كون صلاة التراويح من السياسة الشرعية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة بعد أن بدأها خشية أن تفرض فلما زالت العلة بوفاته صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي رأي عمر أن المصلحة تقتضي جمع الناس على إمام واحد بدل أن يصلى كل فرد على حده فكان هذا الأمر من السياسة الشرعية.

4-الخراج: بعد أن فتحت العراق والشام ومصر طالب الفاتحون أن تقسم أراضيها بينهم مستدلين بما نصت عليه آية الأنفال، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[18]، فيخرج الخمس ويوزع الباقي على الفاتحين، إلا أن عمر أراد أن يتمهل في هذا واستشار الصحابة في ذلك مبيناً أن الذي يقسم هو المنقول أما العقار من الأراضي والبساتين فإنها موكلة لرأي ولى الأمر فقد يقسمها وقد لا يقسمها، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسّم في خيبر ولم يقسّم في الفتح، وقد عارض بلال ومن كان معهم عمر في هذا الرأي وطالبوا أن يقسم الجميع، وبعد مشاورة أهل الحل والعقد وتداول الرأي معهم اقتنعوا بوجهة نظر عمر رضي الله عنه، فلم يقسم وإنما أبقى الأراضي بأيدي أصحابها وفرض عليها الخراج يصرف في حاجات الدولة ونفقاتها. ووجه هذا الفعل من السياسة الشرعية أن مفهوم النص في القسمة، إلا أن عمر رضي الله عنه رأي أن هذا النص يستثني منه الأراضي بدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الأنسب في شأنها عدم القسمة وهو الذي تقتضيه المصلحة لأمور منها:

أ-أن قسمة الأراضي على الفاتحين تشغلهم بالزراعة ويتركون الجهاد الذي هو سنام الإسلام.

ب-أن نزع الأراضي من أصحابها بإعطائها لغيرهم يسبب المشكلة معهم ويكونوا عالة على الدولة الإسلامية.

جـ- أنها إذا وزعت الأراضي على الفاتحين سيتضرر بيت المال ويتضرر من يأتي بعد هذا الجيل من الأجيال القادمة.

د- أن أهل الأرض أدرى بزراعتها بخلاف المجاهدين فهم لا يجيدون الزراعة وبهذه الأسباب تركها عمر رضي الله عنه بأيديهم وفرض عليهم الخراج حسب الحاجة.

5ـ أسقط سهم المؤلفة قلوبهم لعلة أن الله أعز الإسلام حيث قال للاقرع بن حابس وعيينة بن محصن الذين جاءا يطلبان هذا السهم: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالإِسْلاَمُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ فَاذْهَبَا فَاجْهَدَا جَهْدَكُمَا لاَ أَرْعَى اللَّهُ عَلَيْكُمَا إِنْ رَعَيْتُمَا.

ثالثا: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:

1-جمع عثمان رضي الله عنه القرآن على حرف واحد: عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق[19]. فكان السبب الحامل لعثمان رضي الله عنه على جمع القرآن مع أنه كان مجموعا مرتباً في صحف في عهد  أبي بكر الصديق إنما هو اختلاف قراء المسلمين في القراءة اختلافا أوشك أن يؤدي بهم إلى أخطر فتنة في كتاب الله تعالى، وهو أصل الشريعة ودعامة الدين، فرأى عثمان أن جمع الأمة على مصحف واحد أسلم وأبعد عن وقوعمفسدة اختلاف الناس في الكتاب وتفرقهم وتنازعهم، بل وربما تكفير بعضهم بعضاً، التي هي أعظم من مصلحة التورع بإبقاء الحال على ما هو عليه في عهد صلى الله عليه وسلم" [20].

2- ضوال الإبل: روى مالك عن ابن شهاب قوله: (كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب إبلا مرسلة، لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها)[21] وكان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بترك ضوال الإبل حتى يأتي مالكها فيأخذها فهي مكتفيه بنفسها فقال: (ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها )[22]. وقد التزم الصحابة بهذا التوجيه حتى خلافه عثمان رضي الله عنه، ولكن أخلاق الناس تغيرت وبدأ بعضهم يمد يده على ضوال الإبل، فرأى عثمان رضي الله عنه أن تركها على حالها يعرضها للضياع فأمر بالتقاطها وتعريفها ثم بيعها فان جاء صاحبها أعطي ثمنها ليقطع الطريق على ضعاف النفوس وليحقق مصلحه حفظ حقوق الآخرين.

3-زيادة عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة: عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث[23] على الزوراء[24]"[25] فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن يزاد هذا الأذان لتنبيه الناس بقرب وقت صلاة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة، وأصبح كثير من المسلمين يسكنون بعيدا عن المسجد.

4-توسيع وإعادة بناء المسجد النبوي: كلم الناس عثمان بن عفان أول ما تولى الخلافة أن يزيد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يضيق بالناس في صلاة الجمعة بسبب امتداد الفتح وزيادة سكان المدينة زيادة عظيمة، فاستشار عثمان أهل الرأي فأجمعوا على هدم المسجد وبنائه وتوسيعه، فصلى عثمان الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله وأزيد فيه وأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  ( من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة )[26] وكان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله، فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه، فحسن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه[27].

5-الإنفاق على المؤذنين من بيت المال: كان عثمان t أول من رزق المؤذنين من بيت المال، فعن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: (أول من رزق المؤذنين عثمان )[28]وقد جعل عثمان رضي الله عنه  على الأذان جعالة ولا يستأجر استئجارا[29].

6-أول من أجاز الغزو البحري عثمان بن عفان رضي الله عنه: كان معاوية بن أبي سفيان وهو أمير الشام يلح على عمر بن الخطاب في غزو البحر، ويصف له قرب الروم من حمص ويقول: إن قرية من قرى حمص يسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى كان ذلك يأخذ بقلب عمر، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه، فإن نفسي تنازعني إليه، فكتب إليه عمرو: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق، فلما قرأ عمر بن الخطاب كتاب عمرو بن العاص كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمدا بالحق، لا أحمل فيه مسلما أبدا، وتالله لمسلم أحب إليَّ مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي، وقد تقدمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء مني، ولم أتقدم إليه في ذلك. ([30])

فلما تولى الخلافة عثمان عاود معاوية الحديث وألح به على عثمان، فرد عليه عثمان  قائلا: "إني قد شهدت ما رد عليك عمر -رحمه الله- حين استأذنته في غزو البحر"، ثم كتب إليه معاوية مرة أخرى يهون عليه ركوب البحر إلى قبرص فكتب إليه: "فإن ركبت معك امرأتك فاركبه مأذونا وإلا فلا"[31].كما اشترط عليه الخليفة عثمان رضي الله عنه أيضا بقوله: (لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم، خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه)[32]، فلما قرأ معاوية كتاب عثمان نشط لركوب البحر إلى قبرص، فكتب لأهل السواحل يأمرهم بإصلاح المراكب وتقريبها إلى ساحل حصن عكا، فقد رمه ليكون ركوب المسلمين منه إلى قبرص[33].

7-ترك عثمان رضي الله عنه القصر في السفر في منى: روي عن الزهري أنه قال: "إن عثمان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامئذ، فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع"[34]. وجاء في تاريخ الطبري: "في حج عام (29 هـ)صلى عثمان رضي الله عنه بالناس بمنى أربعا، فأتى آت عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلى بالناس أربعا، فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصلى في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عله وسلم ركعتين؟ قال: بلى، قال أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى، قال أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال بلى، قال ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين؟ قال بلى، قال عثمان رضي الله عنه: فاسمع مني يا أبا محمد أني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين. . . فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ما أخاف على الناس. . . . "[35].

فعثمان رضي الله عنه ترك قصر الصلاة في الحج مع أنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة للعامة إلى اعتقاد أن الصلاة ركعتان في جميع الأوقات والظروف، ولاسيما أن الأعراب يظنون أن الفريضة على كل حال في سفر وحضر ركعتان فأراد أن يصحح اعتقادهم فأتم ولم يقصر، فعثمان رضي الله عنه قدم تصحيح فهم الأعراب وان صلاة الحضر أربع ركعات على تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي القصر في السفر للحاجة والمصلحة في ذلك.

8-توريث المرأة المطلقة في مرض الموت: طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته وهو مريض فورَّثها عثمان منه بعد انقضاء مدة عدتها، وقد روى أن شريحا كتب إلى عمر بن الخطاب في رجل طلق امرأته ثلاثا وهو مريض، فأجاب عمر: أن ورِّثها ما دامت في عدتها، فإن انقضت عدتها فلا ميراث لها.

فبعد أن اتفقا على أن طلاق المريض مرض الموت لا يزيل الزوجية كسبب موجب للإرث، جعل عمر حدا لذلك وهو العدة، بينما لم يجعل عثمان حدا لذلك، وقال: ترث مطلقها سواء مات في العدة أو بعدها، وليس في المسألة نص يرجع إليه، والباعث على الحكم هو معاملة الزوج بنقيض قصده؛ لأن الزوج بطلاقه في مرض الموت يعتبر فارا من توريث زوجته[36].

رابعا: في عهد علي -رضي الله عنه -

جرت عادة الخلفاء الراشدين أن تبدأ خلافتهم بإلقاء خطبة جلية توضح منهجهم في الحكم وسياستهم مع الرعية حيث قال علي: " إن الله عز وجل أنزل كتاباً هادياً بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض أدوها إلى الله ــ سبحانه ــــ يؤدكم إلى الجنة أن الله حرم حرماً غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها. . . والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق. . . أنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله عز وجل ولا تعصوه. . . )[37] ولما كانت بيعة علي جاءت بعد فتنة مقتل الخليفة عثمان ــ رضي الله عنه ـــ فقد دعا المسلمين إلى الخير ونبذ الشر وأن حرمة المسلم فوق كل الحرمات. وقد جاءت محاور الخطبة حول جانب العقيدة، والعبادة، والأخلاق، ومقاصد الشريعة الإسلامية.

ومن تطبيقا علي رضي الله عنه التي سنها بناء على السياسة لشرعية، الأمثلة التالية:

أولا: في المؤسسة المالية:

1- أن علي رضي الله عنه رجع إلى ما كان عليه أبو بكر الصديق في التسوية في العطاء فلم يفضل أحدا على أحد، فأعطى الموالي كما أعطى السادة[38].

2- جعل الخراج موكولا إلى الولاة أنفسهم، وقد اشتهر عن علي رضي الله عنه تشديده في مراقبة عماله في جميع النواحي، وكان الخراج والشؤون المالية من الأمور المهمة التي كان يدقق فيها أمير المؤمنين، فكان يبعث العيون والأرصاد ليعلم أحوالهم[39].

3- فصل مال الدولة عن مال الحاكم[40].

4- استرداد الأرض التي أقطعها عثمان، فقد جعلها مردودة في بيت المال[41].

ثانيا: في المعاملات: تضمين الصناع:

روى البيهقي: ( أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- ضمن الغسال والصباغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذاك )[42].

الأصل: ألا يُضمن الصانع لضياع أو تلف ما في يديه من أموال الناس، لأنه أمين عليها، لما ثبت في السنة من قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــــ }لا ضمان على مؤتمن {[43]. وقد كان هذا الأصل يصلح للأحوال والظروف التي يغلب فيها على الناس الاستقامة وحفظ الأمانة، وأما مع تغير الأخلاق، وظهور الإهمال والتقصير؛ فلابد من علاج يتفق مع قواعد الإسلام في صيانة الأموال والمحافظة عليها[44].

ثالثا: سياسته الشرعية في القضاء:

1- عدم نقضه للأحكام الصادرة قبله: حرصاً على استقرار الأمور فإن عليا رضي الله عنه كان يرى أنه لا يحق للقاضي أن ينقض حكماً أصدره قاض آخر[45].

2-  ظهور بداية المحاماة: كان علي يوكل أخاه عقيلا ًفي المخاصمة، ثم وكل عبد الله بن جعفر عنه أمام القضاء وكان يقول: ما قضي لوكيلي فلي، وما قضي على وكيلي فعلي[46].

رابعاً: في التعزير:

1- الجلد دون الحد: وكان أكثر ما يعزر به، ومن ذلك جلده للنجاشي الشاعر الذي شرب الخمر وأفطر في رمضان، فجلده ثمانين جلدة عن شرب الخمر ثم حبسه. ثم أخرجه من الغد فجلده عشرين، فقال له:  ( إنماجلدتك هذه العشرين لجرأتك على الله، وإفطارك في رمضان )[47].

2 -التشهير: لجأ عليرضي الله عنه إلى التشهير بالعاصي وتعريف الناس به، كما فعل بشاهد الزور، وفي ذلك مصلحة للمجتمع، لئلا يستشهد فتضيع الحقوق[48].

3 -الحبس: كان علي يعاقب بالحبس أحيانا ومن ذلك حبسه للنجاشي الشاعر، الذي شرب الخمر، وأفطر في رمضان[49].

4 -التقييد في الحبس: كان علي  رضي الله عنه يقيد الدعار، بالحبس بقيود لها أقفال، ويوكل بهم من يحلها لهم وقت الصلاة[50].

5 ـ القتل: قد يصل التعزير عند علي رضي الله عنه  إلى القتل، إذا كانت الجريمة قد تعاظمت، وكان لها أثر بالغ الأهمية، كوضع الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم  لذا فقد كان  يقول: ( من كذب على النبي  صلى الله عليه وسلم  يضرب عنقه )[51].

6ـ إتلاف أداة الجريمة وما يتبعها: أثر عن علي رضي الله عنه بأنه نظر إلى قرية فقال: ما هذه القرية؟ قالوا قرية تدعى زرارة يلحم فيها ويباع فيها الخمر، فأتاها بالنيران فقال: ( أضرموها فيها، فإن الخبيث يأكل بعضه بعضاً، فاحترقت )[52]. فقد أحرق علي في هذه القرية الخمر وما يتبعه من مواد وأدوات تستخدم لصناعته[53].

خامساً: ولاية الشرطة:

كانت وظيفة الشرطة إحدى الوظائف المعروفة في الدولة، وكان لعلي أصحاب شرطة، وقد بنى سجنا ً بالكوفة سماه " نافعاً" لم يكن مستوثق البناء، فكان المسجونون يخرجون منه فهدمه وبنى بدلا منه سجناً آخرا سماه مخيساً. وقد أجرى على أهل السجون ما يقوتهم من طعامهم وأدمهم وكسوتهم في الشتاء والصيف[54].

سادساً: سياسته الشرعية مع موظفي الدولة:

1 ـ النهي عن الجمع بين الإمارة والتجارة: قال رضي الله عنه لأحد موظفيه يوصيه برعيته: " إذا قدمت عليهم فلا تبعن لهم كسوة شتاء، ولا صيف، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها "[55].

2 - إعطاء الموظفين ما يغنيهم من الأرزاق والأموال: أرسل علي رضي الله عنه  إلى أحد موظفيه يبين له كيفية اختيار الموظفين، وحقوقهم، ومحاسبتهم فقال: ". . . ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وأغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم. . . "[56].

3 - التوظيف يتم عبر الضوابط وليس عبر الروابط الشخصية.

4 - المشاركة في صنع القرار[57].

سابعاً: توزيع السلطات: امتنع علي رضي الله عنه عن تسليم جميع السلطات بيد شخص واحد، فكان مبدأه توزيع السلطات وتحديد الصلاحيات فقد نصب ابن عباس والياً على البصرة، ونصب زياد على الخراج وبيت المال، ولم يكتف بهذا بل أمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع، وهذا قمة الضبط الإداري فزياد يطيع ابن عباس في إطار ولايته على البصرة وابن عباس يطيع زياد في إطار عمله في بيت المال والخراج[58].

ثامناً: سياسته الشرعية مع العصاة في الاعتقاد: ظهر في عهد علي رضي الله عنه  بعض أهل البدع كالخوارج والزنادقة، ولقد سلك في دعوة هذه الأصناف ونحوهم من أهل المعاصي أساليب متعددة منها:

1 بيان المعتقد الصحيح: ومع بيان المعتقد الصحيح لصاحب البدعة فإنه أيضاً يبين للناس فساد معتقدات أهل البدع لئلا يغتر بهم الناس، ومن ذلك لما خرج علي لقتال الخوارج، لقيه في مسيره مُنجم، أشار عليه أن يسير في وقت النهار، وقال له: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرراً شديد. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، ثم قال علي: لو سرنا في الساعة التي أمرنا المنجم لقال الجهال: سار في الساعة التي أمره بها المنجم[59].

2 -المناظرة: سلك علي رضي الله عنه مع الخوارج أسلوب المناظرة وتفنيد المزاعم، ورد الدليل بالدليل. وتحقق لعلي النجاح الكبير في مناظرته للخوارج، حيث رجع منهم أربعة آلاف وفي رواية ألفان وقد أحسن في الاختيار لمن سوف يقوم بالمناظرة مع الخصوم، فاختار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  وهو حبر الأمة وترجمان القرآن فهو أولى الناس بمناظرتهم لأنه أدرى الناس بالقرآن وبتأويله[60].

3 ـ التهديد والوعيد: لما أصر القوم على ضلالهم، ولم تجد مع بعضهم المناظرات المتعددة، والنداءات المتكررة والرسائل المتنوعة من أمير المؤمنين علي  رضي الله عنه، كان لابد من أخذهم بالحزم، فكان التهديد والوعيد لهم من علي رضي الله عنه[61].

4-القتال: قرر علي  رضي الله عنه   منهجه مع الخوارج في بداية ظهورهم بقوله: ( أن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا )[62].

إلا أن الخوارج مصرون على ضلالهم وفسادهم، حتى عاثوا في الأرض فساداً وسفكوا الدماء وقطعوا السبيل واستحلوا المحارم. حتى خافهم الناس، فأشاروا على علي  رضي الله عنه  بالمسير وقتالهم واجتمع الرأي على هذا[63].

5 ـ حرق الزنادقة: "حرقهم في الأخاديد وهو يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرا عظيماً جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله، ولذلك قال:

لما رأيت الأمر أمراً منكراً       أججت ناري ودعوت قنبراً "[64]

مصادر السياسة الشرعية

المقصود بها الأدلة التبعية التشريعية كالمصلحة المرسلة والعرف والاستصحاب والاستحسان وسد الذرائع وغيرها من الأدلة الشرعية التبعية

ونقف على بعض هذه المصادر بشيء من التفصيل

الأول: المصلحة المرسلة

تعريفها :

المصلحة لغة من الصلاح وهو ضد الفساد، وهي المنفعة  وقد عبر عنها في القرآن الكريم بالحسنة والخير .

وضدها المفسدة .

المصلحة اصطلاحا مقصود الشارع من الأحكام.

فالشريعة الإسلامية جاءت في جملتها لإسعاد البشرية بتحقيق المصالح الأخروية والدنيوية ودفع المفاسد والأحكام الشرعية تدور حول هذا الأصل العام

ومعنى المرسلة :المطلقة غير المقيدة

والمصلحة المرسلة اصطلاحا: هي التي لم يشهد لها الشرع لا باعتبار ولا بالإلغاء .

أي هي المسكوت عنها  التي سكتت عنها أدلة الشريعة فلم تعتبرها ولم تلغها و لكنها تحقق نفعا بدفع فساد أو جلب صلاح.

أقسام المصلحة

للمصلحة أقسام متعددة باعتبارات كثيرة ونقصر الكلام هنا على أقسامها باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها ، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام

القسم الأول:المصلحة المعتبرة وهي التي قام الدليل الشرعي على اعتبارها .كمصلحة الدين بتشريع العبادات وتشريع الجهاد ،وهذه المصلحة المعتبرة تنقسم بحسب رتبتها وقوتها إلى ثلاثة أقسام:

أ/ المصالح الضرورية وهي التي تتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية ،وإذا لم ترع أو يحافظ علها  حصل بالناس هلاك في الدنيا وفات عليهم النعيم المقيم في الآخرة. وتنحصر في المحافظة على الدين ،والمحافظة على النفس ،والمحافظة على العقل،والمحافظة على النسل،والمحافظة على المال.والمحافظة على هذه الضرورات الخمسة مصالح معتبرة لأن الأدلة الشرعية دلت عليها.

ب/المصالح الحاجية:وهي ما يحتاجه الناس في رفع الضيق ودفع المشقة عنهم بحيث إذا فقدت حصل بالناس حرج ومشقة ،ومن أمثلتها في العبادات تشريع كثير من الرخص وفي المعاملات تشريع البيع وإباحة السلم والشفعة والعرايا.

ج/المصالح التحسينية وهي التي لم يقصد بها المحافظة على الحياة الدينية ولا الدنيوية ولا رفع الحرج ولكن يقصد بها الأخذ بمحاسن العادات وكمال الأخلاق وإذا فقدت لم يحصل هلاك ولا حرج ولكن الحياة بدونها تستقبح في نظر العقلاء،ومن أمثلتها اللباس والاغتسال .

وحكم المصلحة المعتبرة العمل بها

القسم الثاني:المصالح الملغاة وهي التي قامت الأدلة الشرعية على إلغائها وإهمالها وعدم اعتبارها. مثاله مصلحة التبتل والانقطاع فقد أخرج أحمد في مسنده عن أنس : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على فراش وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكن أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) فألغى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة ،ومن أمثلتها إلغاء مصلحة الجبان في القعود عن الجهاد حفاظا على نفسه، ومن أمثلتها مصلحة تأديب السلطان المظاهر من زوجته بحصره في الكفارة في خصلة الصيام فقط دون الإعتاق والإطعام ،وذلك لأن الشارع متشوف للإعتاق، ومن المصلحة الملغاة أيضا كل ما نهت عنه الشريعة الإسلامية وما كانت مفسدة راجحة أو فساده راجحا ، ومن أمثلتها أيضا المصلحة المتوهمة كالنشوة المتوهمة في الخمر وغيره من المحرمات

ويعتبر من المصلحة الملغاة المصلحة الخاصة إذا تقاطعت مع المصلحة العامة فإن الخاصة تلغى وتعتبر العامة ، والمصلحة الظنية إذا تقاطعت مع المصلحة القطعية .

وحكم المصلحة الملغاة عدم العمل بها

القسم الثالث:المصلحة المرسلة وهي التي لم يرد فيها دليل معين من الشرع على اعتبارها أو إلغائها ولكن يحصل من ربط الحكم بها جلب منفعة أو دفع مفسدة.

حجية العمل بالمصلحة المرسلة

اتفق الأئمة الأربعة وجماهير الأصوليين على العمل بالمصالح المرسلة بشروط، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: 1/أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أثر عنهم الكثير من الأحكام التي بنوها على المصلحة دون غيرها من غير أن يوجد لها شاهد بالاعتبار،كجمع المصحف ، وفرض الخراج ،توريث المرأة التي طلقها الفرار وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي بنوها على محض المصلحة وقد كان ذلك بتوافرهم ووجودهم ولم ينكر أحد منهم ذلك فكان إجماعا منهم على حجة العمل بالمصلحة المرسلة.

2/أن الوقائع متجددة غير متناهية والنصوص الشرعية متناهية فلو لم نقل بحجية المصلحة المرسلة وبناء الأحكام عليها لضاقت الشريعة عن الوفاء بمصالح البشر ووقفت جامدة لا تساير الأزمنة والأمكنة والبيئات وحاشاها ذلك إذ من شأنها وخاصيتها الصلاح لكل زمان ومكان.

شروط العمل بالمصلحة المرسلة

اشترط القائلون بحجيتها الشروط الآتية:

1/أن لا تعارض نصا شرعيا ولا إجماعا ولا حكما أو قاعدة ثبتت بالنص .

2/أن تكون  كلية عامة لا جزئية خاصة بحيث يكون النفع بها أو دفع الضرر بها عاما ليس مقصورا على  فرد أو جماعة محصورة .

3/أن تكون محققة لا متوهمة بحيث يكون من بناء الحكم عليها جلب مصلحة راجحة  أو دفع مفسدة .

4/أن تكون في ما يكون للاجتهاد فيه مجال ومسار.

أثر المصلحة في سياسة الأمة

يقول د عطوة (المصالح المرسلة  طريق مهم من طرق مسايرة السياسة للحياة في مطالبها المتجددة وحاجاتها المتعددة ،فعن طريق بناء الأحكام عليها يمكن الوصول إلى تنظيم الشئون الإدارية العامة ،ومصالح المجتمع :كفرض الضرائب على أهل اليسار والغنى إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي للإنفاق على المصالح العامة كتجهيز الجيوش وبناء الجسور والقناطر وإنشاء المدارس والمصانع والمستشفيات واستخدام النظم والأوضاع التي تحفظ كيان الدولة وأمنها وفرض العقوبات على المخالفين بحسب ما تقتضيه المصلحة ، وإحداث المؤسسات والوظائف حسب الحاجة إليها،وتقدير المصلحة لابد أن يكون موزونا بموازين الشريعة الدقيقة).

الثاني : سد الذرائع

تعريفه

السد :هو الإصلاح والتوثيق والإغلاق  والمنع ،والسد  بالضم الجبل

الذريعة  لغة :الوسيلة إلى الشيء والسبب إليه .

الذريعة اصطلاحا: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة

سد الذرائع اصطلاحا:منع وتحريم كل وسيلة تؤدي إلى المحرم

معنى فتح الذرائع:هو كما أن ما أدى إلى الحرام حرام فكذا ما أدى إلى الواجب واجب فوسيلة الواجب واجبة وكذا ما أدى إلى المندوب مندوب .

وعليه جاءت القاعدة : (الوسيلة تأخذ حكم الغاية ) ومثلها الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به .

تقسيم الذرائع

قسمه الإمام القرافي إلى ثلاثة أقسام

القسم الأول: متفق على سده ، ولم يقل أحد بفتحه مثل سب الأصنام ،والاختلاط ، وسب الإنسان أبا الإنسان والزنا

القسم الثاني: متفق على عدم سده ، كزراعة التمر والعنب وبيعهما كامتلاك سيارة وكحفر الآبار الخ مع احتمال وجود الخطر فيها .

القسم الثالث ما هو مختلف في سده ومثل له ببيوع الآجال وبيوع الآجال في الجملة بيع الإنسان السلعة إلى أجل بسعر أعلى ثم شراؤها ممن باعها إليه بأقل نقدا وتدخل فيه العينة

وقد قسمها ابن القيم إلى أربعة أقسام باعتبار ما يفضي إليه .

حجية القول بسد الذرائع

اختلف العلماء في النوع الثالث من الذرائع  فقال بسد الذرائع فيه مالك وأبو حنيفة وأحمد

وقال بعدم سد الذرائع فيه الشافعي

استدل القائلون بسد الذرائع بالآتي

1) قوله تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)

2)قوله تعالى (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)

3)قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

أثر سد الذرائع في سياسة الأمة

يقول د عطوة( سد الذرائع من أعظم القواعد والأصول التي تساير بها السياسة الشرعية ما يجد من وقائع وحوادث لا نص فيها فإن ولي الأمر إذا رأى شيئا من المباحات وقد اتخذه الناس قصدا وسيلة إلى مفسدة أو أنه بسبب فساد المجتمع أصبح يفضي إلى مفسدة 1أرجح مما يفضي إليه من مصلحة كان له أن يمنعه ويسد بابه ويكون هذا المنع من الشريعة لبنائه على قاعدة شرعية هي سد الذرائع التي أثبت ابن القيم شرعيتها بتسعة وتسعين وجها من الكتاب والسنة،فلولي الأمر أن يمنع زراعة الحشيش والأفيون وذلك لما تجره زراعتهما من مفاسد تخريب العقول ، وله منع بيع السلاح أيام الفتن لما تجره من مفاسد ،وله منع استيراد البضائع الأجنبية لما يجره الاستيراد من كساد البضائع الوطنية ,وله منع استئجار الدور والحوانيت لمزاولة الأعمال الضارة إلى غير ذل من منع كل مباح يؤدي إلى الضرر والفساد.

أمثلة لسد الذرائع

*النهي عن سب آلهة الكفار.

*النهي عن الاختلاط

*النهي عن شتم الإنسان أب الإنسان

*النهي عن بناء المساجد على القبور

*إتلاف أدوات الشرك

*إتلاف أدوات الجريمة

*قتل الجماعة بالواحد

*النهي عن بيع العينة والبيوع الذرائعية  للربا أو الغرر أو الضرر

الثالث: الاستحسان

تعريفه

لغة عد الشيء حسنا

وفي اصطلاح الأصوليين تعددت تعريفاته ومن أهمها : هو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي لدليل انقدح في عقله رجح لديه هذا العدول.

بمعنى أنه تقديم جزئي خفي على كلي جلي لدليل .

مثلا : دخول حمام السوق بأجرة فيستهلك المستأجر قدرا من الماء غير منضبط ويبقى فيه مدة غير منضبطة ، ومثل هذا العقد (الإجارة) تقتضي القواعد العامة(القياس العام) منعه لأنه أجرة على مجهول ولكن ترك ذلك وقالت الشريعة بإباحته استحسانا فأجمع العلماء على حله لحاجة الناس إليه

ومثله عقد الاستصناع والسلم فإنه عقد على معدوم والحكم الكلي منع العقد على المعدوم واستثني من الحكم الكلي هذا الجزئي استحسانا للحاجة ، ومنه بيع العرايا المستثنى من حرمة المزابنة.

حجية الاستحسان

ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أن الاستحسان حجة يعمل به قال أبو يوسف (إن العالم بالاستحسان مع باقي الأدلة يسعه الاجتهاد في كل شيء) وقال الإمام مالك (الاستحسان تسعة أعشار العلم)

وذهب الإمام الشافعي إلى عدم اعتبار الاستحسان وقال من استحسن فقد شرع .

استدل القائلون بالاستحسان بعدة أدلة منها

1/ثبت أن الشرع الحنيف عدل في بعض الوقائع عن موجب القياس أو عن تعميم الحكم جلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة كما في إباحة عقد السلم .وما ذلك إلا الاستحسان.

2/إن اطراد العمل بالقياس أو تعميم الحكم في بعض الوقائع قد يؤدي إلى تفويت مصلحة الناس والإضرار بهم فمن العدل والحكمة والتيسير بأن يفتح للمجتهد باب العدول عن حكم القياس إلى حكم جزئ يحقق المصلحة ويدفع المفسدة بما يتفق مع الشرع وما ذاك إلا الاستحسان.

واستدل مانعوا الاستحسان بالآتي

1/ إن الشرع بين الأحكام في القرآن الكريم والسنة ونبه على القياس فلا داعي للاستحسان.

2/أن الاستحسان لا ضابط له ولا معيار له .

أنواع الاستحسان

1/الاستحسان بالنص مثل بيع السلم ، العرايا ، والوصية.

 2/الاستحسان بالإجماع مثل إباحة الاستصناع، وإباحة أخذ أجرة الحمام .

3/الاستحسان بالقياس كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير قياسا على  طهارة سؤر البهائم مأكولة اللحم .

4/الاستحسان بالضرورة، مثل الحكم بطهارة آبار الصحراء رغم ما يقع فيها ضرورة  وكذا الحكم بطهارة الحبل الذي تنشر عليه الملابس اللينة للتجفيف.

5/الاستحسان بالعرف كالقول بجواز وقف الطعام ووقف آلات الحرب والقياس أن الوقف يكون على التأبيد وذلك لا يتحقق إلا في العقار.

6/الاستحسان بالمصلحة كتضمين الأجير المشترك والقياس أن لا يضمن إذ إنه أمين  وعدل عن هذا القياس نظرا للمصلحة وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع.

علاقة الاستحسان بالسياسة الشرعية

تظهر العلاقة بجلاء في الأنواع الثلاثة الأخيرة الاستحسان بالضرورة وبالعرف وبالمصلحة أما الأنواع الأولى فهي ترجع إلى الأدلة المتفق عليها ومعلوم أن السياسة الشرعية إنما تنطق فيما لم يثبت بدليل متفق عليه وإنما دليل تبعي.

وهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة تستند إلى نفي الحرج ودفع الضرر  وهما أصلان عظيمان في الشريعة فكلما أدى القياس العام أو القاعدة العامة أو إجراء الحكم وإمراره إلى حرج ومشقة في بعض المسائل فيكون الحل فيها هو العدول عن مقتضى القياس أو القاعدة الكلية إلى قاعدة أخرى ترفع الحرج وتنضوي تحت قواعد الشرع الحنيف ،وإنما يقدر ذلك العلماء المجتهدون .

نماذج من تطبيقات السياسة الشرعية في أبواب الفقه

أولا :السياسة الشرعية في العبادات.

يقصد بالعبادة حسب مفهومها الخاص: وهو : "ما أمر الله بفعله على وجه التعبد " كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتطهر والعقيقة والأضحية وغير ذلك.

والأصل في العبادات أنها توقيفية بمعني أن مصدر التشريع بشأنها ليس هو العقل والنظر والاجتهاد وإنما هو النقل، فالنص هو المصدر الوحيد للعبادات، وعلى ذلك فلا يجوز أن يُعبد الله إلا بما شرع الله لعباده إما بتحديده في القرآن كقوله تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }[65]،أو بفعله من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

 والأدلة على هذا الأصل كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )[66]، أي مردود على صاحبه غير مقبول، ومن الأدلة الخاصة على بعض العبادات قوله صلى الله عليه وسلم بشأن الصلاة: ( صلوا كما رأيتموني أصلى)[67]، وقوله صلى الله عليه وسلم بشأن الحج: (خذوا عني مناسككم )، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )[68].

 وعلى هذا فإن الأصل أن السياسة الشرعية لا ترد على ذات العبادة ومضمونها، ووجه ذلك أن السياسة الشرعية قائمة على دليل المصلحة والعبادات مبناها على النص وليس على المصلحة.

غير أنه في حالات معينة قد ترد السياسة الشرعية على العبادات وذلك في حالتين هما:

الحالة الأولى: إذا فُوض أمر العبادة إلى ولي الأمر:

 يفوض الشارع الحكيم بعض متعلقات العبادة لولى الأمر فيكون هو المسئول عن تنظيمها وضبطها بدءاً من الإذن بها حتى الانتهاء والانصراف منها، شريطة أن يكون ولى الأمر متمثلاً للنصوص التي وردت بشأن هذه العبادة.

ومن الأمثلة على ذلك:

- صلاة الاستسقاء: فإذا أحتاج الناس إلى المطر وأصابهم الجدب فإنهم يستأذنون ولي الأمر لإقامة صلاة الاستسقاء وعليه أن يراعي حالهم ويأذن لهم إذا وجد أن الحاجة متحققة.

- الجهاد في سبيل الله: فجهاد الطلب إنما يكون تحت راية ولي الأمر وهو الذي يأذن ببدئه ويقود الجيوش أو يوكل من يتولى ذلك كما أنه هو المسئول عن رجوع الجيش.

الحالة الثانية: وسائل العبادات:

تنقسم الأحكام المتعلقة بالعبادة إلى أحكام مقاصد وإلى وسائل

فأحكام المقاصد تقصد بذاتها ويتعين الإتيان بها وهذه لا تدخلها السياسة الشرعية، كصفة الصلاة وأركانها وواجباتها.

وأحكام الوسائل: وهي الأحكام التي شرعتها الشريعة الإسلامية للإتيان بالأحكام الأولى، فهذا النوع من الأحكام قد تدخله السياسة الشرعية لأنه متعلق بوسيلة العبادة وليس بذاتها.

ومن الأمثلة على ذلك:

· فعل عثمان رضي الله عنه حينما أضاف أذاناً أولاً يوم الجمعة على الزوراء وهو مكان مرتفع في المدينة، حيث إنه رضي الله عنه لما رأي الناس يتكاسلون عن التبكير لصلاة الجمعة أمر باستحداث أذان أول قبل الأذان المباشر للخطبة في مكان مرتفع في المدينة حتى إذا سمعه الناس تركوا أعمالهم وتجارتهم وانصرفوا استعداداً لصلاة الجمعة.

ففعله رضي الله عنه ليس معارضا لنص شرعي كما أنه ليس ابتداعاً في الدين لأن الأذان من أحكام الوسائل لا من أحكام المقاصد.

· بناء المنارات ورفعها، والمقصد من ذلك هو جعلها علامة للمساجد ورفع الأذان عليها حتى يصل إلى أقصى الحي الذي فيه المسجد.

· تحديد الوقت بين الأذان والإقامة كما هو حاصل في أنظمة أكثر الدول الإسلامية.

· تقييد عدد مرات الحج: فتكرار الحج أمر مستحب أمرت به الشريعة، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنها قال: قال صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد )[69].

 وعلى هذا فإنه يستحب الإكثار من الحج ولكن لما تيسر أمر الحج في هذا الزمن وكثرت الطرق من بحرية وجوية وبرية وكثر الحجاج مما جعل المشاعر لا تستوعب أعدادهم رأي ولاة الأمر في العالم الإسلامي تقييد هذا المستحب بخمس سنين فمن حج فإنه لا يرخص له مرة أخرى إلا بعد مضي خمس سنوات إلا إذا كان مرافقاً لمحرمّ وهذا القرار يعتبر من السياسة الشرعية يجب العمل به وهو قرار مشروع لا يجوز الطعن في مشروعيته بحجة مخالفة  النص بل يجب الأخذ به قدر الاستطاعة، ولعل لهذا التصرف من قبل ولاة الأمر في هذا الزمان مثال مشابه إلا أنه على العكس منه وذلك في زمن عمر بن الخطاب حينما أمر الناس بأن يفردوا في الحج ونهاهم عن التمتع وذلك بقصد ألا تبقي مكة خالية من الناس بعد أشهر الحج فيأتي إليها المعتمرون من كل مكان أما لو اعتمروا مع الحج فإن ذلك سيكون مدعاة إلى تكاسلهم وضمهم العمرة مع الحج.

ثانيا:السياسة الشرعية في النكاح

بيَّن الشارع الحكيم جلَّ الأحكام المتعلقة بالنكاح وتوابعه كالخطبة والمهر والحقوق الزوجية وفرقه كالطلاق والخلع والفسخ، ولعل السبب في ذلك أن هذه الأحكام ثابتة لا تتغير فبين الشارع أحكامها على وجه التفصيل، إلا أنه ترك مجالاً لولي الأمر ليتخذ الحكم المناسب في بعض مسائل النكاح وأكثر ما يرد ذلك في تقييد المباح الذي هو مكنة من الشارع لولي الأمر في تقييد المباحات إذا تحقق من هذا التقييد مصلحة أو ترتب عليه درء مفسدة.

 ومن الأمثلة على دخول السياسة الشرعية في النكاح:

· النهي عن نكاح الكتابيات، فقد أجازت الشريعة الإسلامية النكاح بالكتابيات قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ }[70]، فلما أتى عهد عمر رضي الله عنه وكثر الزواج من الكتابيات رأي رضي الله عنه أن ترك ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بأمن الدولة واستقرارها كما أنه قد يسبب العزوف عن نكاح المسلمات، فمنع الصحابة ومن رآه تزوج منهم من النكاح منهن وطلب الطلاق ممن نكح، وفعله رضي الله عنه ليس على وجه التشريع وإنما على وجه التنظيم حيث قيد النكاح من الكتابيات وهو تحقيقاً لمصلحة ودرءً لمفسدة، وعلى هذا فإن الحكم يبقي على أصله من جواز نكاح الكتابيات إلا إذا رأي ولى الأمر مفسدة تترتب على ذلك فله أن يقيد هذا الحكم إلى حين زوال المفسدة.

· تقييد نكاح المواطن بمواطنة: يجوز من حيث الأصل أن يتزوج المسلم بما يشاء من النساء سواءً تابعة كانت لدولته أو تحمل جنسية أخرى، ولكن رأت كثير من الدول تقييد هذه الحرية بوضع الضوابط والشروط لمن يرغب في الزواج من خارج البلد، ففي المملكة العربية السعودية يجب أن يكون الزوجين سعوديان وفي حالة رغبة السعودي في الزواج من دولة أخرى فإنه لابد أن تتوفر فيه شروط معينة وضعها نظام خاص لذلك، وذلك لأن في ترك من شاء أن يتزوج من الخارج سواءً على المستوى الأسري أو الدولة مع الدولة الأخرى فيه أضراراً كثيرة، وكذلك لعزوف السعودي عن الزواج من بنات البلد لأن الزواج في الخارج يتكلف مبالغ أقل من الزواج في الداخل.

· توثيق عقد النكاح: لم يرد في القرآن ولا في السنة نص يلزم بكتابة عقد النكاح، فعقد النكاح قد يكون شفويا وهذا هو الأكثر ويجوز أن يكون كتابة إلا أن ولاة الأمر في الدول الإسلامية راعوا ضرورة توثيق عقد النكاح حتى لا تكون مدعاة إلى التلاعب، ويعتبر هذا القيد شرطاً إضافياً من ولاة الأمر يجب العمل به ولا يجوز التساهل وإهماله، وقد يتحمل المهمل التبعات المترتبة على الإهمال.

· الطلاق: جعل الشارع الحكيم الطلاق بيد الرجل ولم يشترط أن ترضي بذلك المرأة أو يسجل في الجهات المختصة فما دام الرجل قد طلق فإنه يحصل الطلاق ولو لم ترض المرأة ولم تسجل في جهات معينة، ومن هنا يأتي السؤال هل يجوز تقييد هذا الحق وجعل الطلاق لا يكون صحيحاً إلا بعد تدوينه في جهات معينة كوزارة العدل؟ ، فهل يعتبر هذا التقييد داخلاً في السياسة الشرعية؟.

والجواب أنه لا حاجة لهذا التقييد فالشارع قد جعل الحق في هذا الأمر للزوج وحمله المسئولية، لذلك يبقي الحق له ولا يجوز تقييده أو إضافة شرط آخر لصحة الطلاق كالقيد في سجلات وزارة العدل لأن ذلك فيه شيء من الاعتداء على حق الزوج وهو مخالف لمنطوق الآيات التي جعلت الطلاق من مسئولية الزوج، فإذا كان الزوج غير أهل للطلاق بأن كان يستعجل مثلا فإن الشريعة قد قبلت زواجه فكذلك الطلاق متعلق به، وكان الواجب عليه أن يتثبت لا أن يستعجل فإذا استعجل تحمل نتيجة استعجاله، ولذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)[71]، مما يعني أن أمر النكاح والطلاق من مسئولية الزوج وكان الواجب عليه أن يكون كفأً لهذه المسئولية.

ما حكم تحديد المهر وتقليل نفقات الزواج إن كان الغلو فيهما سببا في عزوف الشباب عن الزواج ؟ منا قشا اكتب ورقة بحثية.

ثالثا:السياسة الشرعية في النظام المالي

تقوم السياسة المالية في الدولة الإسلامية على ثلاثة أركان:

1. إيرادات عامة تفرضها الدولة.

2. نفقات عامة توجهها الدولة لمصلحة الرعية.

3. إدارة الدولة لإيراداتها ونفقاتها العامة.

أولا: الإيرادات العامة: كانت الإيرادات العامة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم على: الزكاة وخمس الغنائم وخراج الأرض وما تطوع به المسلمون من أموال للجهاد في سبيل الله، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحقق للدولة ايراد جديد كالخراج وفرض عشور التجارة، وفيما يلي تفصيل لهذه الإيرادات:

1. فرض الزكاة على الخيل والرقيق: فرضت الزكاة بالقرآن الكريم، فحدد النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيلها فأوضح فئاتها والأموال الخاضعة لها وشروط استحقاقها وحدود وحالات الإعفاء منها ومواعيد أدائها وطرق تحصيلها وعقوبات المتخلفين عن سدادها، وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فالتزموا في أمور الزكاة بما ورد بالقرآن وبسنن رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر أراد بعض المرتدين أن يوقفوا مسار فريضة الزكاة بدعوى أنها إنما كانت تؤدى للرسول صلى الله عليه وسلم فوقع خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم في قتال ما نعي الزكاة إلى أن أجمع أمرهم على قتالهم، فلما انتصر أبي بكر عليهم لم يكن أمام عمر إلا البت في مشاكل التطبيق التي كانت تأتيه فيفتي بعلمة، من أمثلة ذلك: أن عمر رضي الله عنه أخذ زكاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعفى من زكاة الخيل والرقيق، وقد يكون إعفاء النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حينما كانت الخيول قليلة وكانت جيوش المسلمين في حاجة إلى الفرسان، فلما كان الفتح وأقبلت الدنيا وكثر المال، جعل المسلمون يتخذون الخيل تجارة ومالا وبذلك يستحق عليها الزكاة إذا توفرت شروطها.

2. تقسيم خمس الغنائم: فرض الله الجهاد وأحلّ الله لهم الغنائم ينالونها من الأعداء وتوزع عليهم بعد النصر على أساس أربعة أخماس للفاتحين وخمس لبيت المال ليوزعه رئيس الدولة طبقاً لآية الخمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقد ألحق النبي صلى الله عليه وسلم بالغنائم الركاز وهو ما يوجد في باطن الأرض من المعادن فإذا غنمها المسلم وجب فيها الخمس لبيت المال وسار الخلفاء على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفتوا به.

3. تحديد مقدار الجزية: فرضت الجزية في السنة التاسعة من الهجرة حين نزلت سورة التوبة: :{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[72]، فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم من أهل الكتاب يدعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فالجزية، فإن استجابوا لأداء الجزية أصبحوا في ذمة المسلمين لهم الأمان على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم. وقد أعفى النبي صلى الله عليه وسلم من الجزية الأعمى والشيخ الكبير الذي لا شيء له فلم تكن فئات الجزية واحدة فقد اختلفت في عهد الخلفاء الراشدين فجعلها عمر بن الخطاب على ثلاث فئات طبقا لدرجة يسار الرجال من أهل الكتاب فجعلها 12 درهما على الشخص العادي، 24 درهما على المتوسط، 40 درهما على الغني.

4. الخراج: هو ما يوضع من الضرائب على الأرض الزراعية للدولة بعد الفتح وبقي عليها أصحابها.

في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نصره الله على يهود خيبر وآلت أرضهم للمسلمين فقسمها صلى الله عليه وسلم بين المقاتلين من المسلمين ودفعها إلى أهل خيبر لا ليمتلكوها ولكن ليعملوا فيها ويؤدون النصف من الزرع والثمر كخراج.

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتصر المسلمون في فتوحات كثيرة وحصلوا على غنائم كثيرة. منها أراضي زراعية، فرأى عمر رضي الله عنه عدم تقسيمها واعتبرها ملكاً عاماً للدولة الإسلامية ويفرض الخراج عليها للإنفاق من حصيلته على متطلبات الدولة الجديدة كحراسة ثغورها التي امتدت واتسعت بعد الفتح.

5. عشور التجارة: هي ضريبة فرضها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على التجار غير المسلمين الذي يمرون بالدولة الإسلامية، ويستدل على أول العمل بها في الإسلام إلى مكاتبة أبي موسى الأشعري إلى عمر رضي الله عنه: " إن تجاراً من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر "، فكتب إليه عمر: " خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً – أي ربع العشر - وليس فيما دون المائتين – من الدراهم – شيء ". وكتب أهل منبج[73] – وهم قوم من أهل الحرب – إلى عمر: " دعنا ندخل أرضك تجاراً وتعشرنا "، فشاور عمر الصحابة فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشر من أهل الحرب.

· النفقات العامة: النفقات العامة للدولة الإسلامية إما أن تكون مخصصا لها بعض الموارد العامة وهي: الانفاق من الزكاة ومن خمس الغنائم ، وإما أن تكون عامة تموّل من باقي الموارد العامة للدولة، ونوضح فيما يلي هذه الأنواع:

- سياسة توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية: بيّن الله سبحانه وتعالى مصارف الزكاة في آية: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ }[74] ، فقد عمل النبي صلى الله عليه بهذا فأعان الفقراء والمساكين وأثاب العاملين على الزكاة وألف منها القلوب للإسلام وأعتق العبيد وأعان الغارمين وأنفق منها في سبيل الله وعلى ابن السبيل. وقد سار الخلفاء الراشدين على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في وجوه الإنفاق من الزكاة، إلا أن عمر رضي الله عنه رأى أن لا محل للإنفاق من الزكاة على سهم المؤلفة قلوبهم بعد أن قويت الدولة الإسلامية في عهده وأصبحت في غير حاجة للتأليف. واقترض عثمان رضي الله عنه من أموال الزكاة لينفق على فتوحات الإسلام على أن يردها حين ميسرة، وفي عهده أيضا زاد غنى الأغنياء فقام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه بمطالبة الأغنياء بالإنفاق على الفقراء من أموالهم فوق الزكاة المفروضة.

- سياسة الإنفاق من خمس الغنائم: كان صلى الله عليه وسلم يأخذ الخمس لبيت المال ويعطي المحاربين أربعة أخماس الغنيمة فيجعل للفارس سهمين وللراجل سهما واحدا وفي غزوة حنين جعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما واحدا، وكان يقسم الخمس بين المذكورين للآية : {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}[75]. وقد سار الخلفاء الراشدون على ما كان يسير عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم وجهوا سهمه وسهم ذي القربى للإنفاق على الكراع والسلاح في سبيل الله.

- السياسة في النفقات العامة لاحتياجات الدولة: مصدرها الإيرادات العامة غير المخصصة وهي الجزية والخراج وعشور التجارة وتشمل الإنفاق على أجور العاملين بالدولة الذين يقومون بأداء وظائفها وتأدية خدماتها العامة والإنفاق على الأماكن والدواوين التي يعملون بها كما تشمل الانفاق على المشروعات العامة التي تقيمها الدولة. وقد تعددت النفقات العامة واتسعت باتساع الدولة الإسلامية، فقد بدأت ضئيلة القدر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أن مسجده بالمدينة وكان مقر الحكومة الإسلامية الأولى بُني بالجهود الذاتية، ثم زادت نفقات العامة بعد فتناولت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنواعا عديدة كمرتب أمير المؤمنين ومرتبات العاملين بالدولة والإنفاق على مرفق القضاة والمساهمة في أعباء الفتوحات الإسلامية وتوسعة المسجد الحرام وإنارة المسجد ليلا وإنشاء مدينتي البصرة والكوفة ومما ساعد على التوسع في الانفاق العام زيادة الموارد العامة بزيادة من يدفعون الجزية ويؤدون الخراج من أهل البلاد المفتوح.

ثانيا: إدارة المالية العامة: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدير المالية العامة للدولة، فحدد بعض الموارد العامة وخطط طريق النفقات العامة حينما أمر بأن لا يتولى السفهاء إدارة الأموال، ولم يعين أقاربه في المناصب العامة إلا علي بن أبي طالب وذلك لتقواه وكفاءته وحكمته وعلمه، كما نهى عن هدايا الولاة أثناء ولايتهم إلى غير ذلك من مقومات الإدارة المالية الناجحة.

وقد سار الخلفاء الراشدون من بعده، إلا أن هذه الإدارة تطورت في عهد عمر بن الخطاب لتطور أمور الدولة وزادت مواردها المالية وفاضت، فقد استجدت كثير من الأمور منها:

- أنشأ أول جهاز إداري مالي هو ديوان الخراج لحفظ موارد الدولة وتنظيم توزيعها، فقد قام بتسجيل كل قبائل جزيرة العرب من الرجال والنساء والأطفال، وقال: " ابدؤا بقرابة رسول الله الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله "[76]، كما كانت تسجل فيه الأموال الواردة من الغنائم والجزية والخراج وتحديد وجوه صرفها.

- فرض عمر رضي الله عنه للأطفال الرضع من بيت المال عندما علم أن الأمهات يسارعن في إجبار أطفالهن على الفطام وأن ذلك يؤدي إلى التأثير على الصحة الجسدية والعقلية والنفسية لأطفال المسلمين الذين سيكونون رجال الإسلام في المستقبل، فلم يتمسك بالقواعد المالية التي لا تفرض للأطفال ولكنه طوع القواعد المالية لدواعي المصلحة العامة، وفرض للأطفال الرضع.

- ومن ذلك أيضا إعفاء بعض اليهود من دفع الجزية، كالشيخ اليهودي الذي كان يسأل الناس الفاقة والجزية فوجد عمر أنه من غير العدل أن يسأل هذا الشيخ الذمي الناس الجزية ليسددها لبيت المال ورأى أن في ذلك مخالفة لواجب رعاية الدولة خصوصا وقد قام الذمي في شبابه بأداء الجزية المستحقة عليه لبيت المال، فآثر عمر تطبيق العدل وأعفى الرجل من دفع الجزية بل أعانه من بيت المال.

رابعا:السياسة الشرعية في الجنايات

الجناية لغة: اسم لما يكتب من الشر تسمية بالمصدر؛ إذ هي في الأصل مصدر جنى يجني، ويسمى مكتسب الشر جانياً، والذي وقع الشر عليه[77].

الجناية شرعا: كل فعل محرم من الشرع، سواء كان في صورته الإيجابية كارتكاب ما نهى عنه الشرع. أو في صورته السلبية كعدم الإتيان بما وجب الإتيان به. . يصدر عن الإنسان يسمى جناية، سواء وقع هذا الفعل على آدمي، أو على أرض أو على دين، أو على غير ذلك مما يعاقب عليه الشرع.

إلا أن أكثر الفقهاء قد تعارفوا على أن الجناية هي التعدي على الإنسان بما يوجب قصاصاً أو مالاً أو كفارة، وأما ما عدا ذلك من الجنايات فإنها تسمى حدوداً أو تعازير[78].

إلا أن إطلاق الجناية على الجراح أو الدماء لا يشمل ما كان من الجنايات بغير جرح وبغير إسالة دماء كالقتل بالكهرباء والسم أو الخنق أو المثقل؛ فهو أيضاً لا يتلاءم مع ما يقابله من الجنايات وهو الحدود، لأن الحد هو العقوبة والتعزير هو العقوبة، وأما الجرح أو الجناية فهو ذات الفعل غير المشروع. والذي يترجم والله أعلم هو أن  يظل الإصطلاح الشرعي للجناية على عمومه فيندرج تحته كل أنواع الجنايات سواء أوجبت قصاصاً أو مالاً أو كفارة أو أوجبت حداً أو تعزيراً[79].

أ: ما جاء في الحدود:

حد الحرابة: إذا كان المحاربون جماعة، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردء له. فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر لهم من يجيء؛ لأن المباشر إنما تمكن من القتل بقوة الردء ومعونته[80].

إثبات حد الزنا بالحَبَل: ما جاء في المرأة إذا وجدت حبلى، ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحبل، فالمأثور عن الخلفاء الراشدين أنها تحد ولا يلتفت إلى الاحتمالات النادرة. فهنا عمل الخلفاء الراشدين من السياسة الشرعية، فإثبات حد الزنا لا يكون إلا بإقرار أو بأربعة  شهود وهنا لم يوجد إلاّ أن وجود الحمل دليل قوي ولا يلتفت إلى الاحتمالات النادرة، كاحتمال كذبها[81].

تنفيذ عقوبة اللواط: جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)[82]. ولم يختلف الصحابة في قتله ولكن تنوعوا فروي عن الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه، وعن غيره قتله بالسيف وقال يرجم وعليه أكثر السلف تشبيهاً له بالزان[83].

فالحديث إنما ورد في قتله دون بيان لكيفيته، وتعيين نوع معين للقتل من قبل الصحابة كان من باب السياسة الشرعية.

حد شرب الخمر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين[84]، وضرب أبو بكر رضي الله عنه  أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين، وقد كان عمر رضي الله عنه لما كثر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه[85]. فالجلد ثابت بالسنة الشريفة، وما فعله عمر رضي الله عنه من زيادة النفي وحلق الرأس إنما كان من باب السياسة الشرعية وذلك لردع الناس عن هذا الفعل.

ب: ما جاء في التعازير:إن المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل المرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يقذف الناس بغير زنا ونحو ذلك فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتأديباً بقدر ما يراه الوالي حسب كثرة ذلك الذنب وقلته وعلى حال حسب المذنب.

وليس لأقل التعزير حد معين، بل هو بكل ما فيه إيلام للإنسان من قول أو فعل فقد يعزر الإنسان بتوبيخه والإغلاظ له وهجره ومن أمثلة ذلك.

1- هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. . الثلاثة الذين خلفوا. . وهم ثلاثة من الصحابة كانوا قد تخلفوا عن غزوة تبوك ولم يكن لهم عذر في تخلفهم فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بهجرهم زجراً وتوبيخاً لهم[86].

2- قد يعزر بعزله عن ولايته. فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات في الخمر فعزله[87].

ج: ما جاء في القصاص:إن القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة فإذا قطع يده اليمنى من مفصل فله أن يقطع يده كذلك.

لذا فقد قال جماعة من العلماء في مسألة القصاص في الضرب باليد أو بالعصا أو بالسوط مثل أن يلطمه أو يلكمه، أو يضربه بعصا، ونحو ذلك أنه لا قصاص فيه، بل فيه التعزير؛ لأنه لا يمكن المساواة فيه[88].


المبحث الخامس

السياسة الشرعية في الأحكام السلطانية

الأحكام السلطانية: لفظ مركب من نعت ومنعوت.

الحكم  كما جاء في كتب اللغة: يفيد المنع ومنه حكمت الرجل تحكيما أي منعته  مما أراد[89].

أما في الاستعمال القرآني فلم يرد بمعنى التحكم في الناس  وإنما ورد بصيغة  الحكم بينهم الفصل في أمورهم والبت في قضاياهم وهذا يفيده المصدر من قولك حكم يحكم أي قضى[90].

السلطة في اللغة: القهر وقد سلطه الله عليهم فتسلط والسلطان الوالي[91].

فلفظ  الأحكام إذا وصف بالسلطانية أصبح معناه: الأحكام القاهرة والشديدة  والتسلطية والمانعة  من التصرف[92]فالزاوية التي انطلق منها الفقهاء يتعارض تعارضا مطلقا مع المبادئ والقيم التي جاءت بها الشريعة

الأحكام السلطانية مصطلح اتخذه الفقهاء عنوانا لدراسة باب الإمامة والوزارة والقضاء والإمارة وقد فَصّل الفقهاء الأحكام الفقهية المتعلقة بالسلطان والشروط التي يجب أن تتوفر فيه، لذلك أطلقوا عليها الأحكام السلطانية؛ لأنها تتعلق بالسلطان في الدولة الإسلامية

تعريف الأحكام السلطانية[93]: الأحكام التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله وسلطان الحاكم على الرعية وحقوق وواجبات كل فريق.

والسياسة الشرعية في الأحكام السلطانية تتناول ما يأتي :

(أ‌) دور الإمام في سن الأنظمة:

للإمام سن قوانين إجرائية في الدولة تشمل أمرين هما:

1- إقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة مثل إقامة الجهاد والإنفاق على ذوي الحاجة.

2- تنظيم المباحات المتعلقة  بالأمور التالية:

رعاية شؤون الدولة الخاصة وذلك مثل أن يسن الإمام بوصفه المسؤول عن موظفي الدولة والجيش قانونا إجرائيا وأن يحدد تفصيل أعمال موظفي الدولة وأن يضع تشكيلا معينا للجيش.

ويشمل  تنظيم المباحات منع ما يؤدي إلى الضرر  أو المحرم ويمثل لمنع الضرر بمنع زواج مرضى الإيدز، ويمثل لمنع المحرمبما تضعه الدولة من قوانين تحدد  من خلالها  شروط صناعة الأدوية التي  يدخل الكحول في تركيبها حتى لا ينجم عن ذلك تصنيع الخمور المحرم صنعها.

(ب) تنظيم الأموال العامة والمرافق العامة:

وذلك مثل مناجم المعادن والغابات ومجرى السيول ومرافق الجماعة فللإمام أن يسن قانونا للمرور يحدد كيفية السير وتنظيم الشئون الإدارية[94].

(ج‌) التخطيط للتنمية:

على ولي الأمر وضع مخططات مدروسة تقود النتاج من حالة التخلف إلى حالة  التقدم عن طريق الاستفادة  من جميع الطاقات البشرية والمادية والموارد الطبيعية.

(د)  الإشراف على الثروات الطبيعية: ويقصد بها  النفط والغاز والفوسفات  وغير ذلك من الثروات الكامنة في أعماق الأرض والبحر.

ومسؤولية الإمام والدولة هي رسم سياسة واضحة المعالم تستطيع من خلالها  أن تسهم في حماية  الثروة  الوطنية  والاستفادة منها في رفع مستوى دخل الفرد والدولة.

(ه) إشراف ولي الأمر على المؤسسات النقدية والمصرفية الأساسية

تختلف البنوك المركزية عن البنوك التجارية فالبنوك المركزية  تشرف عليها الدولة إشرافا مباشرا  وتقدم هذه البنوك المشورة للإمام وللدولة بالنسبة لمعاملاتها المالية وتشرف على الأموال العامة كما تشرف على البنوك التجارية.

ويجب على الإمام أن يتدخل في سياسة البنوك و المصارف لتحقيق التنمية الاقتصادية وذلك مثل إيجاد نوع من التنظيم المصرفي يحقق أهداف التنمية الاقتصادية من امتصاص المدخرات من الإفراد و توجيهها نحو المؤسسات الاستثمارية عن طريق اعتماد سياسة استثمارية تقوم على المشاركة بين المدخر و المستثمر في الأرباح و الخسائر و أن تقوم العلاقة بين المدخر و المستثمر على أساس من التوازن في الحقوق و الواجبات[95].

(و) السياسة الشرعية في العلاقات الخارجية منها:

1- بيان فقه السياسة الشرعية المنبثق من أصل علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين حيث تقوم العلاقة بين الدولة الإسلامية بغير المسلمين على أساس مقصدي، هو تبليغهم رسالة الإسلام (الدعـوة)، والتعامل معهم وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية، التي تراعي بخاصيتها ظروف متغيرات الزمان والمكان والحال[96].

2- إقامة التحالفات والتعهدات السياسية:

3- إيجاد التحالفات والتعهدات بين الدول مما لا ضير فيه  وإيجاد منظمات سياسية بين الدول تجمعهم وتوحدهم من السياسة الشرعية مثل:

(أ‌) منظمة المؤتمر الإسلامي: ومن أهدافها تعزيز التعاون والتضامن بين الدول الإسلامية

(ب‌) مجلس التعاون الخليجي ويعمل على تطوير العلاقات بين الدول الأعضاء[97].

4- الاكتفاء والاستغناء عن الآخرين:الواجب على الحكومة الإسلامية أن تسعى للاكتفاء بنفسها  ويذل جهدها لتنمية اقتصاد الدولة [98].

ومن السياسة الشرعية توقف وجوب الجهاد على فئة من المسلمين دون فئة، إن اقتضته



[1] الجوهري:الصحاح ، تحقيق  أحمد عبد الغفور عطار ،ط رابعة 1407 هـ‍ - 1987 م،نشر دار العلم للملايين – بيروت،ج2ص932.

[2] ابن مطور:لسان العرب ،نشر دار صادر،ج6ص6،د أحمد مختار عبد الحميد عمر : معجم اللغة العربية المعاصرة ،ط أولى،ج2ص1132.

[3] قالتها حرقة في معرض ذكر ملك أبيها الذي تمزق وانظر القصة  في المرزوقي:شرح ديوان الحماسة ،نشر دار الكتب العلمية بيروت، ص845، وذكرها الزبيدي في تاج العروس ج34/415 عن حرقة وذكرها كذا ابن منور عن حرقة  في لسان العرب ج9ص330، وذكر ابن الهمام في فتح القدير  أن هند بنت النعمان بن المنذر لما أراد المغيرة بن شعبة الزواج بها قالت هذه الأبيات انظر بن الهمام شرح فت القدير ج3ص230 نشر دار الفكر.

[4] متفق عليه

[5] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ج3ص36،وأخرجه عبد الرزاق

[6] التهانوي:كشاف اصطلاحات الفنون ،نشر مكتبة لبنان،ج1ص993.

[7] الكفوي:الكليات نشر مؤسسة الرسالة ص808.

[8]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 5391 " .

[9]- سورة المائدة " 67 " .

[10]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 3004 " .

[11]- سبق تخريجه .

[12]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 4905 " .

[13]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقنم "1583" .

[14]- أخرجه مسلم في صحيحه ، حديث رقم " 1971 " .

[15]- سورة عبس " 1 " .

[16] القرطبي جامع البيان،ج3/108

[17]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 2010 " .

[18]- سورة الأنفال " 41 " .

[19]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 4987 " .

[20]- الأدلة على اعتبار المصالح والمفاسد في الفتاوى والأحكام ص26.

[21]- أخرجه مالك في الموطأ ، حديث رقم " 2810 " .

[22]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 91 " .

[23]- باعتبار الأذان والإقامة ،فإذا حذفنا الإقامة صار ثانيا ،ينظر فتح الباري (3/394)

[24]- الزوراء :موضع بالمدينة عند السوق ،وقيل أرفع دار بالمدينة قريب السوق (ينظر: فتح الباري :3/394)

[25]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم "912 " .

[26]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 450 " .

[27]-  البداية والنهاية 7/60، تاريخ الطبري 5/267.

[28]- أخرجه عبد الرزاق في المصنف ، حديث رقم " 1857 " .

[29]- موسوعة فقه عثمان بن عفان ،قلعجي ص 14.

[30]- تاريخ الطبري 5/258.

[31]- الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية،سليمان بن صالح 2/538.

[32] - تاريخ الطبري 5/260.

[33]- الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية 2/538.

[34]-أخرجه أبو داود في سننه ، حديث رقم " 1964 " .

[35]- تاريخ الأمم والملوك 2/606 .

[36]- تاريخ التشريع الإسلامي للخضري، ص118. نشأة الفقه الاجتهادي، السايس، ص 27 . الاجتهاد في الفقه الإسلامي، ص142.

[37]- تاريخ الطبري 5/ 458،459.

[38]- ينظر : الاستيعاب، ابن عبد البر(3/11) .سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، الصلابي ، ص243 .

[39]- ينظر :سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص243 .

[40]- ينظر :السياسة المالية للخليفة علي بن أبي طالب ، قطب إبراهيم ،ص31.

[41]- ينظر :السياسة المالية للخليفة علي بن أبي طالب ، ص113.

[42]- أخرجه البيهقي في الكبرى حديث رقم " 11664 " .

[43]- أخرجه الدار قطني في سننه، حديث رقم " 2961".

[44]- سد الذرائع في الشريعة الإسلامية ، ص 539.

[45]- سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص251 .

[46]- أصول المحاكمات الشرعية ،ص70. سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص251.

[47]- أإخرجه عبد الرزاق في المصنف ، حديث رقم " 13556 " .

[48]- موسوعة فقه علي بن أبي طالب ، ص148 .

[49]- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، حديث رقم " 28624 " .

[50]- موسوعة فقه علي بن أبي طالب ، ص154  .سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص279.

[51]- أإخرجه عبد الرزاق في المصنف، حديث رقم " 9708 " .

[52]- الأموال لابن زنجويه 1/ 273 .

[53]- سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص280.

[54]- ولاية الشرطة في الإسلام ، د. نمر الحميداني ، ص 108 . سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص242.

[55]- الخراج ، لأبي يوسف ص 16 . الأموال ، لأبي عبيدة  ، ص 236.

[56]- الإدارة الإسلامية في عز العرب ، ص 59.

[57]- سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص329ـــ 330.

[58]- سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ص 318.

[59]- تاريخ الطبري 3/ 119،120، البداية والنهاية ، ابن كثير  7/288 .

[60]- منهج علي بن أبي طالب في الدعوة إلى الله ، سليمان العيد، ص330 ـــ 337 .

[61]- المرجع السابق ، ص 339.

[62]- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف حديث رقم "  37930 " .

[63]- تاريخ الطبري  3/119 . البداية والنهاية ،  7/288 .

[64]- الطرق الحكمية ، ابن القيم  1/27 .

[65]- سورة البقرة " 187 " .

[66]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 2697 " .

[67]- أخرجه البخاري في صحيحه ، حديث رقم " 631 " .

[68]- أخرجه النسائي في السن ، حديث رقم " 1578 " .

[69]- أخرجه النسائي في سننه ، حديث رقم " 2630 " .

[70]- سورة المائدة " 5 " .

[71]- أخرجه أبو داود في سننه ، حديث رقم " 2194 " .

[72]- سورة التوية "29" .

[73]- هي مدينة قديمة افتتحت صلحا، صالح عليها عمرو بن العاص من قبل أبي عبيدة بن الجراح وهي على الفرات الأعظم، وهي بلدة خصبة. البلدان لليعقوبي 1/ 207 .

[74]- سورة التوبة " 60 " .

[75]- سورة الأنفال " 41 " .

[76]- تاريخ الطبري 3/278 .

[77]- لسان العرب 14/154.

[78]- الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون 1/23 .

[79]- الجنايات في الفقه الإسلامي 1/25.

[80]- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 1/63.

[81]- المرجع السابق 1/38.

[82]- أخرجه الترمذي في سننه ، حديث رقم "1456 " .

[83]- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 1/83.

[84]- أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، «فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة» ، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها أنزلت: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ) حديث رقم " 2691 " .

[85]- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 1/85.

[86]- أضواء البيان 5/251.

[87]- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 1/86.

[88]- السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 1/119.

[89]- انظر : الصحاح للجوهري 5/1902 .

[90]- المرجع السابق – فقه الأحكام السلطانية .

[91]- انظر : الصحاح 3/1133.

[92]- انظر : فقه الأحكام السلطانية.

[93]- مناهج تأليف الفقهاء في التراث السياسي الإسلامي  للدكتور عبدالعزيز الضويحي موقع الشبكة الفقهية والرابطhttp://www.feqhweb.com/articles.php?ID=52&IDS=52&do=view&cat=29

[94]- انظر: السياسة الشرعية  وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة 87-95 والسياسة الشرعية لأبي عمر السيف  440-442  .

[95]- انظر: السياسة الشرعية  وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة 87-95 .

[96]- مجالات السياسة الشرعية د. سعد العتيبي  والرابط هو http://www.alukah.net/Web/alotaibi/10593/23957/

[97]- انظر : أحكام التحالف السياسي في الفقه الإسلامي 121 لمحمد عنيني

[98]- انظر : السياسة الشرعية لأبي عمر السيف  440-442


الملفات المرفقة

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء مكتب


الاعلانات


اعلان

تم رفع الواجب (2) لكل شعبة على نظام التعلم الإلكتروني (D2L) في نافذة مجلد التسليم

المطلوب المبادرة بحله



رابط مجلد التسليم :

http://el.mu.edu.sa/d2l/lms//


أرقام الاتصال

أرقام الاتصال 0500730752

البريد الالكتروني: [email protected]

                           [email protected]elha

                         [email protected]

تواصل معنا


                                     

التقويم الدراسي

في هذا الرابط التقويم الدراسي

http://www.mu.edu.sa/ar/%D8%A7%



الجدول الدراسي

أحوال الطقس

لمعرفة أحوال الطقس هنا

http://sa.arabiaweather.com/?gclid=CIit8LbjycICFU0njgodzRgAnA

القرآن الكريم

مشغل القرآن الكريم


الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء
مكتب

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد

مكتب

الثلاثاء

مكتب



إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 102

البحوث والمحاضرات: 87

الزيارات: 18639