د الهادي عبد الله

الأستاذ المشارك في الفقه المقارن كلية التربية الزلفي

مقال قراءة تأصيلية

بسم الله الرحمن الرحيم

مابين الاختلاف والخلاف والنزاع والشقاق(قراءة تأصيلية)

بقلم د. الهادي عبد الله

الاختلاف مصدر الفعل اختلف إذا تغاير  والخلاف مصدر خالف إذا عارض . والخلاف هو: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا، وكل ما لم يتساوَ  فقد تخالف واختلف،  قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[1].

فالخلاف والاختلاف في اللغة: ضد الاتفاق، قال الراغب الأصفهاني:  (الخلاف: أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين)[2] فهما بمعنى الضد والمغايرة والمعارضة ، وهي المعاني التي جاءت كثيرا لهما في نصوص القرآن الكريم ففي معنى التضاد للفظ الاختلاف ورد قوله تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا )

وعرفهما بعض العلماء اصطلاحا بقوله: أن ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله أو في قوله[4].

وعرفهما أ.د طه جابر علوان بقوله: الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف[5].

وعرف المناوي الاختلاف بقوله: تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه[6].

وغرف الجرجاني الخلاف بقوله : منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حق أو لإبطال باطل[7].

وعلى كل فإن اللفظين بينهما تغاير في المفهوم ولكن المحدثين أطلقوهما بمعنى واحد. قصدوا به التباين في الرأي قولا أو فكرا والمغايرة في الطرح.

والواضح أن هناك فرقا بين اللفظين.

فمن خلال  تدبر  آيات القرآن الكريم نجد أن لفظ الاختلاف جاء مقصودا من المعاني به التنوع المفضي إلى التكامل والتناغم    (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ) أما الخلاف فهو المغايرة والمضادة .

وهذا يوحي بأن الاختلاف يكون في الرأي والخلاف ينصب على الشخص والاختلاف قد لا تكون معه قطيعة والخلاف معه قطيعة .

وقد أكثر أبو البقاء الكفوي من الفرق بينهما في كتابه الكليات فقال :( الاختلاف في الأصول ضلال ، وفي الآراء والحروب حرام

والاختلاف في الفروع هو كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما ؛ والاتفاق فيه خير قطعا، ولكن هل يقال إن الاختلاف فيه ظلال ؟ كالأولين فيه خلاف.

والاختلاف : هو أن يكون الطريق مختلفا والمقصود واحدا.

والخلاف : هو أن يكون كلاهما مختلفا.

والاختلاف : ما يستند إلى دليل.

والخلاف : ما لا يستند إلى دليل.

والاختلاف من آثار الرحمة ، كما في الحديث المشهور. والمراد فيه الاجتهاد لا اختلاف الناس في الهمم بدليل. " أمتي " .

والخلاف من آثار البدعة

ولو حكم القاضي بالخلاف ورفع لغيره يجوز فسخه ، بخلاف الاختلاف ، فإن الخلاف هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد ، وهو ما كان مخالفا للكتاب والسنة والإجماع)[9]

ومن الألفاظ ذات الصلة لفظ النزاع ولفظ الشقاق وقد وردا في المأثور في معرض الذم ففي النزاع قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فتبين أن النزاع معه الفشل وهو عدم التوفيق  والفلاح ومعه ذهاب الريح والقوة  والأثر.

وإن كان المراد هنا التنازع وقت الحرب لكن النهي عام عن التنازع فإنه إن كان في الحرب أثر ،  ولا يمنع إن كان في مكان السلم أو وقته أن يؤثر ويكون سببا في تخلف النصر وتأخر الأمة  .

والتنازع شدة الاختلاف وعدم بنائه على أسباب شرعية :هو الخلاف المركوز على العصبية أو الجهوية أو القومية أو الشعوبية أو الطائفية التي يرمي به المنازع الانتصار لهواه . هو الخلاف الذي يتعدى فيه المسلم على أخيه قولا أو فعلا هو الخلاف الذي لا تضبطه أخلاق ولا قيم إنما يحكمه هوى النفس وشهوتها وتغول الشيطان .وهو الذي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم سالكيه بالكفر ونهى عنه نهيا شديدا فقال ((لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض »[11]. ويكون معظم الخلاف الواقع بين القيادات نزاعا ، لأنه عبر عن عواقبه بالفشل وذهاب الريح (القوة ، الأثر،وغيرها مما يحتمله اللفظ) وهي في القيادة ملحوظة .

ثم إن الخلاف بين القيادات يجعل كل واحد ينزع إلى مجموعته ويتقوى بها على الآخر مما يحدث شرخا في المجموعة ويجعلها كتلا متنافرة وهو فشل وذهاب قوة ؛ ولذا جاء الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الإمارة والحكم والقيادة : (وأطيعوا من ولاه الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله وإن كان عبدا أسود وعليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ)[12] والمتتبع للفظة في السنة يجد أنها تعبر عن الخلاف الذي يكون بين مجموعات في شيء ما ، وأنها غلب ورودها فيها في التنازع على أمر الدنيا والحكم تنافسا فيها يحدث القتل والهلاك . وقد فسر بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم (ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها كما تنافسها من كان قبلكم فتهلككم )بأن التنافس في الدنيا التنازع فيها والرغبة فيها على وجه المعارضة والمغالبة.

أما الشقاق فأصله :كل شق في جلد عن داء ، والخلاف والعداوة فيه ومفارقة الجماعة .  ومنه شق فلان عصا الطاعة أي فارق الجماعة واتخذ بهذا شقا وسبيلا آخر .

وغالب وروده في القرآن الكريم في مخالفة الكفار والظالمين وخلافهم للدعوة الإسلامية ، وقد وصف بالبعد وهو مطلق المغايرة وبعيدها . واستقيت  هذا المعنى من أربع آيات من جملة خمسة آيات وردت بها لفظة شقاق  في القرآن الكريم . قال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهنا توعد من تولى بعد وصفه أنه في شقاق بأن الله كاف عبده المؤمن المطيع ورسوله الأمين الكريم الكليم من شقاقهم فلما لم يؤمنوا وصفوا بالشقاق فكانت مخالفتهم مخالفة كفر لما وقعوا في الشقاق ولم يهتدوا .

وقال تعالى  : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)وقال ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)[15] وقال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) [16] والآيات واضحة في وصف الشقاق وأهله.

وجمع في الدعاء والاستعاذة منه مع النفاق وسوء الأخلاق وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ)[17] وهذا الجمع قد يعطي مؤشرا أن الشقاق من أخلاق غير المسلمين كالمنافقين والكفار وأن الشقاق قرين ورصيف في العاقبة لسوء الخلق والنفاق فإنه يستعاذ منه كما يستعاذ منهما . وعلى هذا المعنى يكون المستعيذ منه صلى الله عليه وسلم الشقاق عليه ؛لأنه صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق .وعلى معنى تعليم أمته يكون المستعاذ منه الشقاق منهم والمشاقة عليهم.

ووردت  اللفظة في خلاف الزوجين وكأن الخلاف الواقع بينهما أشبه أن يكون مثل ذلك النوع من الخلاف فسمي شقاقا زيادة في التنفير وشدة  في التحذير منه ، وهذا يعطي أن الشريعة قصدت لاستدامة الإلفة والمحبة بين الزوجين والتنفير والتشنيع من الخلاف (الشقاق) بينهما. ولذا طلب له من التدبير ما يمنع وقوعه فعبر عنه بالخوف قال تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) [18]

اللهم اعصمنا من الزلل والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق والنزاع والخلاف.



[1] سورة الأنعام الآية141

[2] الراغب: مفردات القرآن الكريم ، د ط ، نشر دار القلم بيروت، ج1/ص315.

[3] سورة النساء الآية82

[4] عبدالوهاب بن محمد الحميقاني:الخلاف مفهومه وآدابه (ورقة) ص

[5] أ.د.طه جابر علوان:أدب الاختلاف في الإسلام،ص6.

[6] المناوي :التوقيف على مهمات التعاريف ،ص42.

[7] الجرجاني:التعريفات ، ص135.

[8] سورة فاطر الآية27

[9] أبو البقاء الكفوي:الكليات ص61.

[10] سورة الأنفال الآية46

[11] متفق عليه

[12] أخرجه الطبراني في الكبير

[13] سورة البقرة الآية137

[14] سورة البقرة:الآية ١٧٦

[15] سورة الحج: ٥٣

[16] سورة فصلت: ٥٢

[17] أخرجه النسائي في سننه الكبرى

[18] سورة النساء: ٣٥

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء مكتب


الاعلانات


اعلان

تم رفع الواجب (2) لكل شعبة على نظام التعلم الإلكتروني (D2L) في نافذة مجلد التسليم

المطلوب المبادرة بحله



رابط مجلد التسليم :

http://el.mu.edu.sa/d2l/lms//


أرقام الاتصال

أرقام الاتصال 0500730752

البريد الالكتروني: [email protected]

                           [email protected]elha

                         [email protected]

تواصل معنا


                                     

التقويم الدراسي

في هذا الرابط التقويم الدراسي

http://www.mu.edu.sa/ar/%D8%A7%



الجدول الدراسي

أحوال الطقس

لمعرفة أحوال الطقس هنا

http://sa.arabiaweather.com/?gclid=CIit8LbjycICFU0njgodzRgAnA

القرآن الكريم

مشغل القرآن الكريم


الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد
مكتب
الثلاثاء
مكتب

الساعات المكتبية

الأيام 8ــ10 10ــ12 1ـ ــ3



الأحد

مكتب

الثلاثاء

مكتب



إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 102

البحوث والمحاضرات: 87

الزيارات: 18652