د.عبده أحمد فضل السيد فضل الله

أستاذ الحديث وعلومه - كلية العلوم والدراسات الإنسانية - رماح

فقه الطهارة وآدابها

مادة فقه الطهارة وآدابها

الطهارة وأقسامها معنى الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.

ومعناها شرعا: ارتفاع الحدث وزوال النجس.

أنواعها:

النوع الأول: الطهارة المعنوية: وهي: الطهارة من الشرك والمعاصي، وتكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}،.

النوع الثاني: الطهارة الحسية: وهي الطهارة من الأحداث والأنجاس، وهذا هو شطر الإيمان الثاني، قال صلّى الله عليه وسلّم: "الطهور شطر الإيمان". وتكون بما شرع الله من الوضوء، والغسل, أو التيمم عن فقد الماء. وزوال النجاسة أو إزالتها من اللباس، والبدن، ومكان الصلاة.

• وتكون الطهارة بطهورين:

الأول: الطهارة بالماء: وهي الأصل، فكل ماءٍ نزل من السماء، أو خرج من الأرض وهو باقٍ على أصل خلقته فهو طهور، يُطهر من الأحداث والأخباث، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه بشيء طاهر، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء"، ومن ذلك: ماء المطر، ومياه العيون، والآبار، والأنهار، والأودية، والثلوج الذائبة، والبحار، قال صلّى الله عليه وسلّم في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

أما ماء زمزم فقد ثبت من حديث علي رضي الله عنه "أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعا بسجل من زمزم فشرب منه وتوضأ"، فإن تغير لون الماء، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة فهو نجس بالإجماع ويجب اجتنابه.

الثاني: الطهارة بالصعيد الطاهر: وهو بدل عن الطهارة بالماء، إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة أو بعضها لعدمه، أو خوف ضرر باستعماله فيقوم التراب الطاهر مقام الماء.

 

النجاسات

  النجاسة: هي القذارة التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها ويغسل ما أصابه منها، قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}, وقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ومن هذه النجاسات ما يأتي:

أولاً: غائط الآدمي، وبوله:

وفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل".

ولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: "وبول الجارية يُغسل".

وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بول الأعرابي: "دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوباً من ماء -أو سَجْلاً من ماء-".

وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: "كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة".

وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور".

وفي رواية: "إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب".

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في خلْع النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاتَه؛ قال: "ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟ ". قالوا: رأيناك ألقيْتَنعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّ جبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذراً".

وقال: "إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذراً أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما".

وممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم:

ما روته أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: "أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأجلسه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله".

قال الحافظ في "الفتح" في تفسير: "لم يأكل الطعام": "المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في "شرح مسلم" و "شرح المهذَّب".

وقال ابن التين -كما في "الفتح"-: "يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع".

وعن لُبابة بنت الحارث -رضي الله عنها- قالت: كان الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في حجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوباًوأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال: "إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر".

عن أبي السَّمح؛ قال: "كنت أخدم النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: "ولِّني قفاك"، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: "يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام".

وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: "يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم".

وفي رواية: "قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعاً".

قال أبو عيسى الترمذي: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعاً".

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: "لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي".

وعن أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها- قالت: سألتُ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: "حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر".

وقد نقل النووي في "شرحه" الإجماع على نجاسته.

ثالثاً:الوَدْيُ:

تعريفه: هو ماء أبيض ثخين، يخرج كَدِرا بعد البول .

رابعاً: المَذي:

تعريفه: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة ..

 وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفّاً من ماء، وينضح بها ثوبه.

خامساً: الميتة:

      وهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي.

ودليل نجاستها قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ"  .

سادساً: لحم الخنزير:

قال الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من لَعِبَ بالنَّرْدَشير؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه".

سابعاً: الكلب:

ومن الأدلة على نجاسته: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعاً".

وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "طَهور إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب".

ثامناً: لحم الحمار:

عن أنس -رضي الله عنه- قال: "إِنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر منادياً فنادى في النَّاس: "إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس". فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم"

تاسعاً: الجَلاَّلة:

فقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: "نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أكل الجلاَّلة وألبانها".

وقال عبد الله بن أبي أوفى: " ... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة".

وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثاً.

قال ابن حزم -رحمه الله- في "المحلَّى": "وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة".

كيفية ازالة هذه النجاسة:

1/ بول الآدمي وغائطه: ويكون تطهيره بالغسل والإزالة كالتالي:

أ - تطهير بول الغلام والجارية.. قال صلّى الله عليه وسلّم: "بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل" وهذا "ما لم يطعما فإن طعما غسلا جميعاً".

ب- تطهير النعل: يكون بالدلك في الأرض؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى؛ فإن التراب له طهور".

ج - تطهير ذيل ثوب المرأة: يطهره التراب، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن المرأة إذا مشت في الطريق القذر وبعده مكان طاهر أطيب منه فإن ذيل ثوبها يطهر بذلك؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: "يطهره ما بعده".

د - تطهير الأرض والفراش: إذا أصاب البول أو الغائط الأرض أو الفراش، فإن الغائط يزال ويصب على مكانه ماء، أما البول فيكاثر بالماء؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم في الأعرابي الذي بال في المسجد: "دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، وتزال آثار الغائط والبول بالاستنجاء أو الاستجمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

2/ دم الحيض:

       يطهر بالدلك والغسل، قال صلّى الله عليه وسلّم في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه"

3/ ولوغ الكلب في الإناء:

، قال صلّى الله عليه وسلّم: "طهور إناء أحدهما إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" وفي رواية "فليرقه..." الحديث.

4/ الدم المسفوح ولحم الخنزير والميتة: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}.

وجلد الميتة - التي يؤكل لحمها في حياتها بعد ذكاتها - يطهر بالدباغ، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: "إذا دُبغ الإهاب فقد طهُر"

أما ميتة الجراد والسمك فقد جاء عنه صلّى الله عليه وسلّم: "أُحلّ لنا ميتتان و دمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".

5/ الوَدْيُ: وهو ماء أبيض ثخين، يخرج كَدِرا بعد البول .

                ويُطهّرُ بغسل الذكر، ثم الوضوء، وإذا أصاب البدن منه شيء غُسل.

6/ المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة .

        وهو من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها فخُفِّف تطهيره، فمن حصل له ذلك: "فليغسل ذكره وأنثييه وليتوضأ وضوءه للصلاة" ويغسل ما أصاب البدن، ويرش كفاً من ماء على ما أصاب الثوب أو السراويل؛ لحديث سهل بن حنيف، رضي الله عنه

7/ المني: و هو ما يخرج دفقا بلذة:

     ويوجب الغسل، وهو طاهر على الصحيح ولكن يستحب غسله إذا كان رطباً وفركه إذا كان يابساً، فقد ثبت عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت لرجل يغسل ثوبه من المني: "إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن تَرَ نضحت حوله ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيصلِّي فيه", وفي رواية "وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يابساً بظفري"، وقالت: "إن رسول الله كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه".

8/ الجلاّلة: وهي الدابة التي تأكل العذرة ، فإذا حُبِست حتى يزول عنها اسم الجلاّلة فلحومها وألبانها طاهرة حلال بعد الحبس، فقد ثبت عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قال: "نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن لحوم الجلاّلة وألبانها" , وكان ابن عمر إذا أراد أكل الجلاّلة حبسها ثلاثاً, وعنه يرفعه: "نهى عن الجلاّلة في الإبل أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها".

9/ الفأرة: إذا وقعت الفأرة في السمن - سواء كان مائعاً أو جامداً - تُلْقَى وما حولها، فعن ميمونة رضي الله عنها، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: "ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم"، هذا إذا لم يكن في السمن المتبقي أثر النجاسة في طعمه، أو لونه، أو رائحته، وإلا ألقي ما تبقى، فيكون كالماء: إذا لم يتغير أحد أوصافه بنجاسة فهو طهور والله أعلم.

10/ بول وروث ما لا يؤكل لحمه:وهو نجس؛ لحديث جابر، رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يُتمسح بعظم أو ببعر", وثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم امتنع من الاستجمار بالروث وقال: "هذا ركس".

• أما بول وروث مأكول اللحم فطاهر؛ لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم الصحابة بالشرب من بول الإبل, ولهذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد".

11/ إذا كان في الثوب أو البدن أو البقعة نجاسة وذكرها المصلي في الصلاة أو بعد الصلاة؛ فإن ذلك فيه تفصيل:

أ - إذا ذكر ذلك وهو في الصلاة، أزال النجاسة أو ألقى ما عليه نجاسة بشرط عدم كشف العورة، واستمر في صلاته، وصلاته صحيحة.

ب- إذا لم يستطع إزالتها أثناء الصلاة بحيث لو ألقى ما عليه النجاسة انكشفت عورته، أو كانت النجاسة على بدنه، فحينئذ ينصرف من صلاته ثم يزيل النجاسة ثم يعيد الصلاة.

ج- إذا ذكر بعد الانصراف من الصلاة أنه صلى في ثوب فيه نجاسة أو صلى على بقعة فيها نجاسة، أو صلى وفي جسده نجاسة فصلاته صحيحة، ويدل على ذلك كله حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، حيث قال: صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلما قضى صلاته، صلّى الله عليه وسلّم قال: "ما بالكم ألقيتم نعالكم"؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال صلّى الله عليه وسلّم: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذى، فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذراً، أو قال: أذىً فليمسحهما وليصلّ فيهما".

وهذا خاص بإزالة النجاسة، أما من صلى وذكر وهو في صلاته أو بعد الانصراف منها أنه على غير وضوء، أو ذكر أن عليه جنابة؛ فإن صلاته باطلة من أولها سواء ذكر أثناء الصلاة أو بعد الانصراف منها، وعليه أن يرفع الحدث ثم يعيد الصلاة؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تقبل صلاة بغير طهور...".

12/ الخمر: جماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: (...والمائعات المسكرة كلها نجسة؛ لأن الله سماها رجساً والرجس هو القذر والنجس الذي يجب اجتنابه، وأمر باجتنابه مطلقاً وهو يعم الشرب، والمس وغير ذلك، وأمر بإراقتها ولعن النبي صلّى الله عليه وسلّم عينها...)

المياه وأقسامها

القسم الأول: الماء الطَّهور:

              وهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات.

ويشمل الأنواع الآتية:

1 - ماء المطر:

قال الله سبحانه:{وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُوراً} وقال سبحانه:{ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به }.

2 - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد:

   عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد".

3 - مياه العيون والينابيع:

قال الله تعالى: {أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ}.

4 - ماء البحر:

لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سأل رجل النّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته".

5 - ماء زمزم:

لِما ثَبَتَ من رواية عليّ -رضي الله عنه-: "أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دع ابسَجْل من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ".

6 - الماء الآجن: وهو المتغير بطول المكث أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق.

وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه".

"وأيضاً؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه".

ويظلُّ كلُّ ذاك طَهوراً ما دام اسم الماء المطلق يتناوله.

ومن الأدلَّة على ذلك:

ما روته أمُّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: "اغْسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك -إِنْرأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافوراً ، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني"، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَقْوه، فقال: "أشعِرْنها إِيَّاه"؛ تعني: إِزاره .

وفي حديث أمِّ هانئ: "أنَّ النّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين".

قال ابن حزم -رحمه الله تعال:  من "المحلى "وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز.

برهان ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكاً أو عسلاً أو زعفراناً أو غير ذلك".

وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها:

فلحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: "أتى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه".

وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلِّي متطوِّعاً من الليل، فقام النّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن".

7 - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ:

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّ الماء طهور،لا ينجِّسه شيء".

وفي الحديث: "إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين؛ لم يَحملِ الخَبَث"

قال الشوكاني: "وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِساً بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة.

وأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعاً وبتّاً،بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ... ".

وقال الزهري: "لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون"  .

8 - الماء المسخَّن:

فقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه-: "أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم ، فيغتسل به". وثبت عنه أيضاً: "أنَّه كان يغتسل بالحميم".

وأمّا حديث: "لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص"؛ فإِنَّه لم يثبت.

القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر:

وهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغاً أو خَلاً أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبراً، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقاً ، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: { ... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا}. وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: "أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه".

وعن أبي خَلْدة؛ قال: "سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا".

قال البخاري -رحمه الله- في "صحيحه": "باب: لا يجوز الوضوء بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية".

قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى -: "وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً} ".

القسم الثالث: الماء النَّجس:

وهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى": "الماء إِذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق".

"قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْماً أو لوناً أو ريحاً؛ فهو نجِس".

الأسْآر

وتُقسَم إِلى قسمين:

القسم الأول: الأسآر الطاهرة:

وتندرج تحتها الأنواع الآتية:

1 - سؤر الآدمي:

قال ابن قدامة في "المغني -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: " ... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً، عند عامّة أهل العلم ... ".

وفي ذلك أدلَّة؛ منها:

قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ... إنَّ المؤمن لا ينجس".

وفي رواية: "إنَّ المسلم لا ينجس".

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "بينما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب". فقالت: إني حائض. فقال: "إنَّ حيضتك ليست بيدك"، فناولَتْهُ .

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ  وأناحائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيضع فاه على موضع فيَّ".

وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض.

وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: سألتُ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها".

وقد أورده الترمذي -رحمه الله- في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها).

وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية:

أولاً: التمشي مع القاعدة المعروفة: "الأصل في الأعيان الطهارة".

ثانياً: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئاً ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم.

وأما قول الله تعالى: {إِنَّما المُشْرِكون نَجَس} ؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره ": وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ... ".

وقال ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير في علم التفسير": والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح".

2 - سؤر ما يؤكل لحمه:

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: "إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث".

جاء في سُبل السلام: "والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضاً الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريراً".

قال أبو بكر بن المنذر: "أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به".

ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى.

3 - سؤر الهرة:

عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات".

وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم"، وقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضَّأ بفضلها.

وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي -رحمه الله-: "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد

القسم الثاني: الأسآر النَّجسة:

السُّؤر: هو ما بقي في الإناء بعد شرب الشارب منه،

ويدخل في ذلك:

1 - سؤر الكلب:

ومن الأدلَّة على ذلك:

قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعاً".

وفي رواية: "إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار".

قال بعض أهل العلم: "ولو كان سؤره طاهراً؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله".

وجاء في "سُبل السلام": "والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهراً؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه".

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ قال: "طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب".

وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "طَهور"؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل

2 - سؤر الحمار:

ودليل ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أنس -رضي الله عنه- قال: " أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر منادياً، فنادى في النَّاس: "إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس". فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم".

وفي رواية: فأمَر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس".

وقال الترمذي -رحمه الله- في "سننه": "باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق) ".

3 - سؤر الخنزير:

قال الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}.

واستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"فإِنها رجس" ؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى.

وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره.

وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره".

4 - سؤر السباع:

ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سُئل

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث".

وفي لفظ: "لم يُنَجِّسْهُ شيء".

قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في "تمام المنَّة": " ... قال ابن التُّركماني في "الجوهر النقي" 250): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعاً.

الآنية وبيان أحكامها:

الآْنِيَةُ: هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره ، سواء كانت من الحديد أو الخشب أو الجلود أو غير ذلك .

أحكام الآنية من حيث استعمالها:

أ - بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهَا (مَادَّتِهَا) :

الآْنِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهَا أَنْوَاعٌ: آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - الآْنِيَةُ الْمُفَضَّضَةُ - الآْنِيَةُ الْمُمَوَّهَةُ - الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ لِمَادَّتِهَا أَوْ صَنْعَتِهَا - آنِيَةُ الْجِلْدِ - آنِيَةُ الْعَظْمِ - آنِيَةٌ مِنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ.

النَّوْعُ الأْوَّل: آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

     هَذَا النَّوْعُ مَحْظُورٌ لِذَاتِهِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ فِي مَذَاهِبِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ؛  لأِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآْخِرَةِ. وَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، فَقَال: مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الآْخِرَةِ. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِفِيهَا مَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ مِنَ الْفَخْرِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.

وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ عَنِ الأْكْل وَالشُّرْبِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا كَيْفَمَا كَانَ.

وَإِذَا حَرُمَ الاِسْتِعْمَال فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَفِيهَا أَوْلَى، وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا.

فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا أَوِ اغْتَسَل، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ؛ لأِنَّ فِعْل الطَّهَارَةِ وَمَاءَهَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَالطَّهَارَةِ فِي الأْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ؛ لأِنَّهُ اسْتَعْمَل الْمُحَرَّمَ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالصَّلاَةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَالتَّحْرِيمُ عَامٌّ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ.

 

 

 

النَّوْعُ الثَّانِي: الآْنِيَةُ الْمُفَضَّضَةُ وَالْمُضَبَّبَةُ  بِالْفِضَّةِ:

   فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَال الآْنِيَةِ الْمُفَضَّضَةِ وَالْمُضَبَّبَةِ بِالْفِضَّةِ: فَعِنْدَ الإْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الآْنِيَةِ الْمُفَضَّضَةِ وَالْمُضَبَّبَةِ إِذَا كَانَ الْمُسْتَعْمِل يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ.

وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِعْمَال إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ قَلِيلَةً.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُفَضَّضَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْمَنْعُ، وَالأُْخْرَى الْجَوَازُ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الْجَوَازَ.

وَأَمَّا الآْنِيَةُ الْمُضَبَّبَةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ شَدُّهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الْمُضَبَّبِ بِالذَّهَبِ، كَثُرَتِ الضَّبَّةُ أَوْ قَلَّتْ، لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُضَبَّبَ بِالذَّهَبِ كَالْمُضَبَّبِ بِالْفِضَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَلِغَيْرِ زِينَةٍ، جَازَتْ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزِّينَةِ حَرُمَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً. وَالْمَرْجِعُ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ الْعُرْفُ  .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُضَبَّبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِكُل حَالٍ، ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً، لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِهَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ مِنَ الذَّهَبِ إِلاَّ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ. وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَيُبَاحُ مِنْهَا الْيَسِيرُ. قَال الْقَاضِي: وَيُبَاحُ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَال الإْنَاءِ الْمُضَبَّبِ وَالْمُفَضَّضِ .

وَحُجَّةُ مَنْ جَوَّزَ قَلِيل الْفِضَّةِ لِلْحَاجَةِ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلاَ خُيَلاَءُ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنَ الصُّفْرِ (النُّحَاسِ).

وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ضَبَّةِ الْفِضَّةِ مِنَ السَّلَفِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرُهُمْ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الآْنِيَةُ الْمُمَوَّهَةُ وَالْمُغَشَّاةُ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ:

    مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ الآْنِيَةَ الْمُمَوَّهَةَ  بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهَا، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ لاَ يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُمَوَّهَ وَالْمَطْلِيَّ وَالْمُطَعَّمَ وَالْمُكَفَّتَ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ.  

أَمَّا آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا غُشِيَتْ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَفِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ. وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ إِذَا كَانَ سَاتِرًا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِفُقْدَانِ عِلَّةِ الْخُيَلاَءِ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

   الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، نَفَاسَتُهَا إِمَّا لِذَاتِهَا (أَيْ مَادَّتِهَا) وَإِمَّا لِصَنْعَتِهَا:

أ - النَّفِيسَةُ لِذَاتِهَا:

     الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأْصَحُّ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوز اسْتِعْمَال الأْوَانِي النَّفِيسَةِ، كَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَةِ هَذِهِ الأْشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهَا؛ لأِ نَّ الأْ صْل الْحِل فَيَبْقَى عَلَيْهِ. وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لأِنَّ تَعَلُّقَ التَّحْرِيمِ بِالأْثْمَانِ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) ، الَّتِي هِيَ وَاقِعَةٌ فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الأَْوَانِي النَّفِيسَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

ب - الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ لِصَنْعَتِهَا:

      النَّفِيسُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ، كَالزُّجَاجِ الْمَخْرُوطِ وَغَيْرِهِ لاَ يَحْرُمُ بِلاَ خِلاَفٍ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْجِلْدِ:

     قَال فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأْرْبَعَةِ: إِنَّ جِلْدَ كُل مَيْتَةٍ نَجِسٌ قَبْل الدَّبْغِ، وَأَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا. وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ .

النَّوْعُ السَّادِسُ: الأْوَانِي الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْعَظْمِ:

    أ- الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَظْمِ حَيَوَانٍ مَأْكُول اللَّحْمِ مُذَكًّى يَحِل اسْتِعْمَالُهَا إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ، فَإِنْ كَانَ مُذَكًّى فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِقَوْلِهِمْ بِطَهَارَةِ الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ وَالْعَظْمِ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ، وَهُوَ عَظْمُ الْفِيل، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمَا امْتَشَطَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الآْنِيَةِ مِنْ عَظْمِ الْفِيل.

ب-  وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَظْمُ مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ مُذَكًّى (سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِهِ) فَالْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي طَهَارَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَسَمٌ، فَلاَ يَطْهُرُ إِلاَّ بِإِزَالَتِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْعَظْمُ هُنَا نَجِسٌ، وَلاَ يَطْهُرُ بِحَالٍ.

هَذَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَال عَظْمِ الْخِنْزِيرِ، لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَعَظْمِ الآْدَمِيِّ - وَلَوْ كَافِرًا - لِكَرَامَتِهِ.

ب - آنِيَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:

1/ آنِيَةُ أَهْل الْكِتَابِ:

     ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال آنِيَةِ أَهْل الْكِتَابِ، إِلاَّ إِذَا تُيُقِّنَ عَدَمُ طَهَارَتِهَا.

وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لاَ يُصَلُّونَ وَلاَ يَسْتَنْجُونَ وَلاَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ النَّجَاسَاتِ، مِنَ الأْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ.

2/ آنِيَةُ الْمُشْرِكِينَ:

  إنَّ أَوَانِيَ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ كَأَوَانِي أَهْل الْكِتَابِ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهَا عِنْدَ الأْئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ.

وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يَرَوْنَ أَنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْكُفَّارُ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الأْوَانِي لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لأِنَّ أَوَانِيَهُمْ لاَ تَخْلُو مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ. وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، فَتَكُونُ نَجِسَةً.

ثَالِثًا: حُكْمُ اقْتِنَاءِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

    فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ مُخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ اقْتِنَاءِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِجَوَازِ بَيْعِهَا، وَلاِعْتِبَارِ شَقِّهَا بَعْدَ بَيْعِهَا عَيْبًا.

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حُرْمَةُ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لأِنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الاِسْتِعْمَال .

آداب التخلِّي وقضاء الحاجة:

       الاستنجاء: إزالة الخارج من السبيلين بالماء، والاستجمار: مسحه بطاهر مباح مُنْقِ كالحجر ونحوه. ويجزئ أحدهما عن الآخر؛ لثبوت ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فعنَ أنس - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء، وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تُجزئ عنه، والجمع بينهما أفضل.

والاستجمار: يحصل بالحجارة أو ما يقوم مقامها من كل طاهر مُنْقِ مباح، كمناديل الورق والخشب ونحو ذلك؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يستجمر بالحجارة فيلحق بها ما يماثلها في الإنقاء. ولا يجزئ في الاستجمار أقل من ثلاث مسحات؛ لحديث سلمان - رضي الله عنه -: (نهانا -يعني النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم)

1 - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم:

عن المغيرة بن شعبه -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ".

وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كان إذا أراد البَراز؛ انطلق حتى لا يراه أحد".

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كان يذهب لحاجته إلىالمُغمَّس". قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة.

وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: "كنتُ مع النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: "ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمركما أن تجتمعا"، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: "ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها"، فقلتُ لهما، فرجعتا.

2 - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اتَّقوا اللَّعَّانَيْن". قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظلِّهم ".

وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظلّ".

3 - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم:

     عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد".

وعن عبد الله بن مُغفَّل -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه".

4 - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك:

عن أميمة بنت رقيقة -رضي الله عنها- قالت: "كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير".

وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليّاً -رضي الله عنهما- كان وصيّاً، فقالت: "متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت، فلقد انخنث  في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟! ".

5 - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته:

لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض".

6 - أن يقول عند دخول الخلاء: "بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث":

لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله".

ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنساً يقول: "كان النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذا دخل الخلاء؛ قال: "اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث" .

7 - عدم استقبال القبلة:

عن أبي أيُّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا ".

وعن سلمان -رضي الله عنه- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة، قال: فقال: "أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع  أو بعظم".

قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء.

(ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- وغيره، وذكر أيضاً من قال بذلك من السَّلَف) ".

وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا".

قال أبو أيوب: "فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم".

وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام".

وقول مروان الأصفر: "أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُإِليها، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ".

فالجواب عن ذلك:

1 - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم.

2 - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط.

3 - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح.

4 - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث: "من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه".

ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقاً؛ فالبول والغائط مستقبلاً لها لا يجوز بالأولى".

8 - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب:

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مرَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحائط من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير"، ثمَّ قال: "بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة".

9 - عدم الاستنجاء باليمين:

وذلك لما سبق في حديث سلمان: " ... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار".

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كانت يد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه".

وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولايتمسَّح بيمينه".

وعنه أيضاً؛ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه".

10 - الاستنجاء بالماء:

عن أنس بن مالك قال: "كان النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة  من ماء؛ يعني: يستنجي به"  ....

وعنه -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به".

11 - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة:

لحديث سلمان المتقدِّم: "نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار".

وأيضاً؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: " ... وكان يأمر بثلاثةأحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة".

ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه".

12 - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجاراً أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث"، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ".

وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا رِكْس ".

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر".

وعلَّل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ قال: "لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ".

13 - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة:

عن ابن عمر- رضي الله عنهما-: "أنَّ رجلاً مرَّ ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه".

وعن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبىّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: "إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -عزَّ وجلَّ- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة) ".

14 - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك:

كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذاخرج من الخلاء، قال: غُفرانك".

15 - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض".

واستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك.

هل يجوز التبوُّل قائماً؟

لقد وَرَدَ عن عائشة -رضي الله عنها- قولُها: "من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبولُ قائماً، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعداً".

وما بَدَر عن عائشة -رضي الله عنها- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ.

وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -رضي الله عنه- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: "أتى النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُباطَةَ  قومٍ، فبال قائماً".

ومن علم حجَّة على من لم يعلم.

 قال الحافظ في الفتح: "وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قياماً، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النَّهي عنه شيءٌ؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم".

أمَّا قولُ عمر -رضي الله عنه-: "ما بُلْتُ قائماً منذُ أسلمتُ"؛ فَيُقابل بقول زيد -رضي الله عنه-: "رأيتُ عُمر بال قائماً".

قال شيخنا- حفظه الله-: "ولعلَّ هذا وقع من عمر -رضي الله عنه- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائماً" اهـ.

فخُلاصة القول كما قال الحافظ -رضي الله عنه-: "جواز البول قائماً من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش".

الوضوء

الوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضاً، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء.

قال الحافظ: "وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئاً".

الوضوء شرط من شروط الصلاة:

قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن}.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تُقبل صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ ".

فضائل الوُضوء

1/ أن من صاحب الوضوء يأتي يوم القيامة وأماكن الوضوء تضيء منه: عن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ مع أبي هريرة -رضي الله عنه- على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "إِنَّ أمَّتي  يُدعوَن يوم القيامة غُرّاً  مُحَجَّلينَ من آثار الوُضوء".

2/ أن الوضوء شطر الأيمان: وعن أبي مالك الأشعريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الطُّهورُ  شَطر الإِيمان".

3/ تغفر ذنوبه: وعن حُمران مولى عثمان عن عثمان -رضي الله عنه- قال: رأيتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: "من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة".

4/ أن الوضوء سبب لمغفرة الذنوب: أنوعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر

إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيّاً من الذّنوب".

وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره".

فرائض الوضوء:

1/النية : وهي عزم القلب على فعل الوضوء امتثالاً لأمر الله تعالى وطلباً لمرضاته .

2/غسل الوجه مرة واحدة .

3/غسل اليدين إلى المرفقين .

4/مسح الرأس .

5/غسل الرجلين إلى الكعبين .

6/الترتيب بين الأعضاء المغسولة .

7/ الموالاة وهو عمل الوضوء في وقت و احد بلا فاصل زمني لأن قطع العبادة بعد الشروع فيها منهي عنه .

سُنَن الوضوء:

1/ التسمية .

2/ السواك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء"، ويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة. .

3/  المضمضة والاستنشاق .

4/ غسل الكفين ثلاثاً في أول الوضوء .

5/ تخليل اللحية .

6/ تخليل الأصابع في اليدين والرجلين .

7/ الغسل ثلاثاً ثلاثاً وفيه عدة أحاديث؛ منها: ما رواه حُمران مولى عثمان: "أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"..

8/ التيمن وهو البداية باليمين .

9/ الدعاء بعد الوضوء: أن يقول بعد الوضوء : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين .

 

صفة الوضوء :

أي الكيفية ، والهيئة التي يكون عليها .

- أن ينوي الوضوء لما يشرع له الوضوء من صلاة ونحوها .

- ثم يقول : بسم الله .

- ثم يغسل كفيه ثلاث مرات .

- ثم يتمضمض ، ويستنشق من كف واحدة ، وينثر الماء من أنفه بيساره .

- ويغسل وجهه ، وحد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن ، واللحيان عظمان في أسفل الوجه :

أحدهما من جهة اليمين ، والثاني من جهة اليسار ، والذقن مجمعهما ، وشعر اللحية من الوجه ، فيجب غسله ، فإن كانت اللحية خفيفة الشعر وجب غسل باطنها وظاهرها ، وإن كانت كثيفة ( أي : ساترة للجلد ) وجب غسل ظاهرها ، ويستحب تخليل باطنها - كما تقدم - أحيانًا ، وحد الوجه عرضاً من الأذن إِلى الأذن ، ثم يغسل يديه مع المرفقين ، وحد اليد هنا : من رؤوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد ، ولابد أن يزيل ما علق باليدين قبل الغسل من صبغ ونحو ذلك مما يمنع وصول الماء إلى البشرة ، ثم يمسح كل رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد غير البلل الباقي من غسل يديه .

وصفة مسح الرأس : أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه ، ويمرهما إلى قفاه ، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه هذا هو الأفضل ، وكيف مسح رأسه أجزأه ، ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه ، ويمسح ظاهرهما بإِبهاميه .

ثم يغسل رجليه مع الكعبين ، والكعبان : هما العظمان الناتئان في أسفل الساق .

ومن كان مقطوع اليد أو الرجل ، فإِنه يغسل ما بقي من الذراع أو الرجل ؛ لقوله - تعالى - : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) متفق عليه .

فإذا غسل بقية المفروض ، فقد أتى بما استطاع .

ثم بعد الفراغ على الصفة المتقدمة ، يقول ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأدعية في هذه الحالة ، ومن ذلك : (( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، سُبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إِلا أنت ، أستغفرُك وأتوب إليك )) .

ما يجب له الوضوء:

أ - الصلاة، سواء كانت فرضاً أو نافلة.

لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.

ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ" .

ب - الطّواف بالبيت.

  لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام".

الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء:

1 - عند ذكر الله عزّ وجلّ:عن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: "إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة) ".

وعن أبي الجهيْم -رضي الله عنه- قال: "أقبل النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السّلام".

ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ:

ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: "لمّا فرغ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه.

قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء.

قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثمَّ مات.

فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيته على سرير مُرمَل ، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: "اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر".

ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: "اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: "اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلاً كريماً".

قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى".

قال الحافظ: "يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافاً لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء"

2 - عند كلِّ صلاة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لولا أن أشقّ على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك".

وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: "قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة".

3 - الوضوء عند كلّ حدث: لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: "أصبح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوماً، فدعا بلالاً، فقال: "يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي".

فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لهذا".

4 - الوضوء مِن حَمْل الميت: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من غسَّلَ ميتاً؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ" .

5 - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال :

    وفيه أحاديث منها:

عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: "نعم، ويتوضّأ"  .

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: "نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب" .

6 - المعاودة للجماع: عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ" ..

7 - الوضوء من أكل ما مسّته النار: وقد دلَّ على وجوب الوضوء:

ما روته عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "توضؤوا ممّا مسّت النَّار".

وأيضاً حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: "أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار". ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا ؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: "أنَّه رأى النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحتزُّ  من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ"

وعن جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار".

8 - عند النوم: لحديث البراء بن عازب -رحمه الله- قال: قال النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به" قال: فردَّدْتها على النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلمَّا بَلَغْتُ: "اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ"، قلتُ: "ورسولك" قال: "لا؛ ونبيِّكَ الذي أرسلتَ"، وقال النووي في "شرحه"  باستحبابه.

 

 

 

مكروهات الوضوء:

أَوَّلاً: لَطْمُ الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ:

  نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ لَطْمِ الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ، وَخُصَّ الْوَجْهُ بِالذِّكْرِ لِمَا لَهُ مِنْ مَزِيدِ الشَّرَفِ.

ثَانِيًا: التَّقْتِيرُ فِي الْوُضُوءِ:

   نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّقْتِيرُ فِي التَّوَضُّؤِ بِأَنْ يَقْرُبَ إِلَى حَدِّ دَهْنِ الأَْعْضَاءِ بِالْمَاءِ، وَيَكُونُ التَّقَاطُرُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَل يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِيَكُونَ غَسْلاً ـ فِيمَا يُغْسَل ـ بِيَقِينٍ فِي كُل مَرَّةٍ مِنَ الثَّلاَثِ

ثَالِثًا: الإْسْرَافُ فِي التَّوَضُّؤِ:

يُكْرَهُ الإْسْرَافُ فِي التَّوَضُّؤِ. . بِأَنْ يَسْتَعْمِل مِنَ الْمَاءِ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَال: " مَا هَذَا السَّرَفُ؟ " فَقَال: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ فَقَال: " نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ  .

وَلأِنَّهُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ الْمُوجِبِ لِلْوَسْوَسَةِ وَفِي الْحَدِيثِ لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ  نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْمَاءَ الْمَوْقُوفَ عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ بِهِ وَمِنْ مَاءِ الْمَدَارِسِ فَالإِْسْرَافُ فِيهِ حَرَامٌ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِهَا، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ وَلَمْ يَقْصِدْ إِبَاحَتَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا لَيْسَ بِجَارٍ، أَمَّا الْجَارِي فَهُوَ مِنَ الْمُبَاحِ.

 

 

رَابِعًا: التَّوَضُّؤُ بِفَضْل مَاءِ الْمَرْأَةِ:

 قَال الشِّرْوَانِيُّ: الْمُرَادُ بِفَضْل مَاءِ الْمَرْأَةِ مَا فَضَل عَنْ طَهَارَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ، دُونَ مَا مَسَّتْهُ فِي شُرْبٍ أَوْ أَدْخَلَتْ يَدَهَا فِيهِ بِلاَ نِيَّةٍ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّطَهُّرِ بِفَضْل مَاءِ الْمَرْأَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ بِفَضْل مَاءِ الْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ مُرَاعَاةً لِلْخِلاَفِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ إِلَى أَنَّ فَضْل مَاءِ الْمَرْأَةِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ يَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا، فَلاَ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: " اغْتَسَل بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَال: إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُجْنِبُ ".

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل الطَّهَارَةُ بِفَضْل طَهُورِ الْمَرْأَةِ.

لِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُل بِفَضْل طَهُورِ الْمَرْأَةِ.

وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: مَنْعُ الرَّجُل مِنَ اسْتِعْمَال فَضْل طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ لاَ يُعْقَل مَعْنَاهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لاِمْرَأَةٍ سِوَاهَا وَلَهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِالرَّجُل، وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَوْرِدِهِ.

خَامِسًا: تَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ:

    نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ.

 

 

 

سَادِسًا: الْوُضُوءُ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ:

 يُكْرَهُ فِعْل الْوُضُوءِ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ لأَِنَّهُ طَهَارَةٌ: فَيَتَنَحَّى عَنِ الْمَكَانِ النَّجِسِ أَوْ مِنْ مَا شَأْنُهُ كَذَلِكَ، لأَِنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةً، وَلِئَلاَّ يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَتَقَاطَرُ مِنْ أَعْضَائِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ النَّجَاسَةُ وَذَلِكَ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ بِالْفِعْل. نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا إِلْقَاءُ النُّخَامَةِ وَالاِمْتِخَاطُ فِي الْمَاءِ  .

سَابِعًا: التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ:

   يُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي إِنَاءٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ أُعِدَّ لِذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي طَسْتٍ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ: يُبَاحُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْل فِي الْمَسْجِدِ إِذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا، وَلَمْ يُؤْذِ الْمَسْجِدَ.

وَقَال سَحْنُونٌ: لاَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ( {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} ) فَوَجَبَ أَنْ تُرْفَعَ وَتُنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِيهَا؛ لِمَا يَسْقُطُ فِيهَا مِنْ غُسَالَةِ الأَْعْضَاءِ مِنَ الأْوْسَاخِ وَالتَّمَضْمُضِ وَالاِسْتِنْشَاقِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ لِلصَّلاَةِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ آخَرُ فَيَتَأَذَّى بِالْمَاءِ الْمُهْرَاقِ فِيهِ،  وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: اجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ "

ثَامِنًا: إِرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ:

   نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ إِرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل فِي الْمَسْجِدِ، وَتُكْرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا إِرَاقَتُهُ فِي مَكَانٍ يُدَاسُ فِيهِ كَالطَّرِيقِ.

وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: لاَ يُكْرَهُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ تَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ. وَفِي وَجْهٍ: تَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لِلطَّرِيقِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِسْقَاطُ مَاءِ الْوُضُوءِ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ النَّاسُ.

تَاسِعًا: الْوُضُوءُ بِمَاءِ الشَّمْسِ:

   اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى كَرَاهَةِ التَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى جَوَازِ التَّوَضُّؤِ

بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.

عَاشِرًا - تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ:

نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُتَوَضِّئِ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا سُنَّ لَهُ فِعْلُهَا لِمَا يَسْتَقْبِل مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ خِلاَفُ الأْوْلَى، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْمَطْلَبِ بِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا.

نواقض الوضوء:

1ـ الخارج من السبيلين (القبل والدبر)  وهو إما أن يكون بولاً ، أو منياً ، أو مذياً ، أو دم حيض ، أو غائطاً ، أو ريحاً، قال تعالى في موجبات الوضوء : { ..أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ.. } [المائدة:6] .

2ـ النوم الثقيل المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك .

3ـ مس الذكر بباطن الكف والأصابع .

4ـ زوال العقل واستتاره وفقد الشعور سواء كان بالجنون أو الإغماء أو السكر أو الدواء .

5ـ مس المرأة بشهوة .

6ـ الردة عن الإسلام .

7ـ أكل لحم الإبل سواء كان قليلاً أو كثيراً ، لصحة الحديث فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصراحته ، فقد روى جابر بن سمرة - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل رسول - صلى الله عليه وسلم - : أنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : (( إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ )) ، قال : أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : (( نعم ، توضأ من لحوم الإبل )) رواه مسلم .

حكام المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل

المسح لغة : الإمرار .

وفي الاصطلاح : إمرار اليد مبلولة على ما شرع المسح عليه .

قال الإمام أحمد : " فيه أربعون حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " ، وجمعها ابن منده عن ثمانين صحابيًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

حكم المسح على الخفين: رخصة فعله ، فإذا كان الإنسان لابسًا كان أفضل من نزع الخفين وغسل الرجلين أخذاً برخصة الله - عز وجل - واقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومخالفة للمبتدعة ، وإن كان خالعًا فالأفضل غسل الرجلين ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه ، بل إن كانتا في الخفين مسح على الخفين ، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ، فلا يشرع لبس الخف ؛ ليمسح عليه ، ولا يخلع ليغسل .

مدة المسح على الخفين: بالنسبة للمقيم يوم وليلة ، وبالنسبة لمسافر سفراً يبيح له القصر ، ثلاثة أيام بلياليها ، لما رواه علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن ، وللمقيم يوم وليلة )) رواه مسلم .

وابتداء المدة في الحالتين يكون من المسح بعد الحدث .

شروط المسح على الخفين ونحوها :

يشترط للمسح على الخفين وما يقوم مقامهما من الجوارب ونحوها :

1- أن يلبسها بعد كمال الطهارة بالماء من الحدث ؛ لما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" .

2- أن يكون الخف مما يمكن الانتفاع به عرفاً .

3- أن يكون ذلك في الوقت المحدد شرعًا .

4- طهارة عين الخف ونحوه ، فلا يصح المسح على جلد ميتة أو كلب ، ونحو ذلك .

ويجوز المسح على العمامة بشرطين :

أحدهما : تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه من الرأس .

الثاني : لبسها بعد كمال الطهارة .

المسح على الجبيرة :

ويمسح على الجبيرة ، وهي أعواد ولفائف ، ونحوها تربط على الكسر ، ويمسح على الضماد الذي يكون على الجرح ، وكذلك يمسح على اللصوق الذي يجعل على القروح ، لورود ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - كل هذه الأشياء يمسح عليها ، بشرط أن تكون على قدر الحاجة بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب منه مما لابد من وضعها عليه لتؤدي مهمتها ، فإن تجاوزت قدر الحاجة ، لزمه نزع ما زاد عن الحاجة ، فإن تضرر بذلك ، مسح على الزائد وأجزأه .

ومن به جرح لا يخلو من أمور :

الأول : أن يكون عليه جبيرة ، أو لفافة ونحوها ، فإنه يمسح عليها .

الثاني : أن لا يكون عليه جبيرة ، أو لفافة ، فإن لم يتضرر بغسل الجرح أو مسحه ، غسله أو مسحه .

الثالث : أن لا يكون عليه جبيرة ولا لفافة ، ويتضرر بالمسح أو الغسل ، فإنه يتيمم بعد فراغه من الوضوء ، ولا تشترط الموالاة بين الوضوء والتيمم .

ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحدث الأصغر والأكبر ، وليس للمسح عليها وقت محدد ، بل يمسح عليها إلى نزعها أو برء ما تحتها ؛ لأن مسحها لأجل الضرورة إِليها ، فيتقدر بقدر الضرورة .

محل المسح من هذه الحوائل : يمسح ظاهر الخف والجورب ، ويمسح أكثر العمامة ، ويختص ذلك بدوائرها ، ويمسح على جميع الجبيرة ، أعلاها وأسفلها ، مما هو في محل الغسل .

وصفة المسح على الخفين ونحوهما : أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه ثم يمرهما إلى ساقه ، يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى ، والرجل اليسرى باليد اليسرى ، ويفرج أصابعه إِذا مسح ، ولا يكرر المسح .

 

 

التيمم

التيمم لغة: القصد .

واصطلاحًا: التعبد لله - عز وجل - بمسح الوجه والكفين بالصعيد الطيب على وجه مخصوص .

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة : 6].

وكما هو ثابت في القرآن الكريم ؛ فهو ثابت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإِجماع الأمة ، وهو فضيلة لهذه الأمة ، اختصها الله به ولم يجعله طهوراً لغيرها توسعة عليها ، وإحساناً منه إليها ، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

(( أُعطيتُ خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي : نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ؛ فليصل )) ، وفي لفظ : (( فعنده مسجده وطهوره )) .

وحكم التيمم: أنه رافع للحدث كالماء إلى وجود الماء ، أو زوال العذر ، فإذا وجد الماء أو زال عذره الذي من أجله تيمم بطل تيممه .

وينوب التيمم عن الماء في أحوال هي :

أولاً : إذا عدم الماء فلم يكن في محله ولا بقربه عرفاً: لقوله تعالى: { .. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا .. } [المائدة : 6] ، وسواءً عدمه في الحضر أو في السفر ، وطلبه ولم يجده .

ثانياً : إذا كان معه ماء يحتاجه لشرب وطبخ ، فلو تطهر منه لأضر حاجته بحيث يخاف العطش على نفسه ، أو عطش غيره من آدمي أو بهيمة محترمة .

ثالثاً : إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرض أو تأخر برء: ؛ أو الحرج والمشقة ، لقوله تعالى : { .. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى .. } إلى قوله : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً .. } الآية [النساء: 43].

وإِن وجد ماء يكفي بعض طهره ، استعمله فيما يمكنه من أعضائه أو بدنه ، وتيمم عن الباقي الذي قصر عنه الماء ؛ لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم } [التغابن:16].

وفروض التيمم :

1- مسح الوجه .

2- مسح اليدين إلى الكوعين .

3- الترتيب والموالاة بين مسح الوجه واليدين .

مسألة : ما يتيمم عليه :

ما يتيمم عليه ينقسم إلى قسمين :

أولاً: ما كان من جنس الأرض: ، من تراب أو رمل أو حجر أو صخر أو غير ذلك ، فيصح التيمم عليه مطلقًا ؛ لقوله تعالى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً } الآية [النساء: 43] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - إذا أدركتهم الصلاة ؛ تيمموا على الأرض التي يصلون عليها ، تراباً أو غيره ، ولم يكونوا يحملون معهم التراب .

ثانيًا: ما ليس من جنس الأرض: كالفرش والأخشاب والحديد ونحو ذلك ، فيشترط أن يكون عليه غبار .

وصفة التيمم: أن يضرب التراب بيديه ، ثم يمسح وجهه ، ثم يمسح كفيه ، وإن مسح بضربتين إحداهما يمسح بها وجهه والثانية يمسح بها يديه جاز ؛ لكن الصفة الأولى هي الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والتيمم بضربتين وارد عن الصحابة - رضي الله عنهم - .

 

ويبطل التيمم :

1- إذا كان عن حدث أصغر : بمبطلات الوضوء ، وإن كان حدثاً أكبر بموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس ؛ لأن البدل له حكم المبدل .

2- ويبطل التيمم أيضاً بوجود الماء إن كان التيمم لعدمه ، وبزوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ، ونحوه .

ومن عدم الماء والصعيد الطيب أو وصل إلى حال لا يستطيع معه لمس البشرة بماء ولا تراب ؛ فإنه يصلي على حسب حاله بلا وضوء ولا تيمم ؛ لأن الله لا يُكلف نفساً إلا وسعها ، ولا يعيد هذه الصلاة ؛ لأنه أتى بما أمر به ؛ لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم } [التغابن:16] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) .

مسألة: إذا وجد الماء في أثناء الصلاة:

إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة بطل التيمم ، ووجب الوضوء ، وإن وجد بعد الفراغ من الصلاة صحت ، وإذا وجد أثناء الصلاة فإن أدى ركعة أكمل صلاته ، وإلاَّ استأنفها .

مسألة : ويستحب لمن ظن أو علم وجود الماء تأخير الصلاة إلى وجود الماء ، مالم يترك واجبًا كالجماعة ، وإلا صلى .


باب في أحكام الحيض والنفاس

أولاً: الحيض وأحكامه:

الحيض لغة: السيلان .

واصطلاحًا: دم طبيعة وجبلة , يخرج من الأنثى في أوقات معلومة .

مسألة: هل الحيض محدد بالسنوات، أو بالأيام؟ بحيث لا يعتبر الدم الذي يصيب المرأة حيضاً شرعاً إلا في سن معينة ، أو في أيام محدودة ؟

الصواب: أن الحيض ليس محدداً بالسنوات ولا بالأيام ؛ لقول الله تعالى : وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] .

فدلَّت الآية على أنه متى وجد الأذى المعروف عند النساء فإن المرأة تأخذ أحكام الحائضات ، ولا يتقيد ذلك بسنوات محددة ، ولا أيام محدودة .

وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة ، منها :

أنها لا تصلي ولا تصوم حال حيضها قال - عليه الصلاة والسلام - لفاطمة بنت أبي حبيش : (( إِذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة )) رواه البخاري . فلو صامت الحائض أو صلت حال حيضها لم يصح لها صوم ولا صلاة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاها عن ذلك ، والنهي يقتضي عدم الصحة ، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله .

3- ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل ، قال الله تعالى : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] ، ( ومعنى الاعتزال : ترك الوطء ) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس - رضي الله عنه - : (( اصنعوا كل شيء إِلا النكاح )) رواه مسلم ، وفي لفظ : (( إِلا الجماع )) .

ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج ؛ كالقبلة ، واللمس ، ونحو ذلك .

4- ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهي حائض ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [الطلاق:1] أي : طاهرات من غير جماع ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر - رضي الله عنهما - لما طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إِن أراد . متفق عليه .

5- ولا يجوز للحائض مس المصحف ؛ لما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن كتابًا وفيه : (( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر )) رواه مالك والنسائي والدارقطني .

والطهر: هو انقطاع الدم، وعلامة الطهر شيئان:

1- القصة البيضاء: وهي عبارة عن سائل أبيض يقذفه الرحم آخر الحيض .

2- الجفاف: بأن ينقطع الدم ، ولا تتغير معه القطنة إذا احتشت بها .

فإذا انقطع دمها فقد طهرت وانتهت فترة حيضها ؛ فيجب عليها الاغتسال ، ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض ، وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة ؛ لم تلتفت إليها ؛ لقول أم عطية - رضي الله عنها:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً" رواه أبو داود وغيره ، وله حكم الرفع ؛ لأنه تقرير منه - صلى الله عليه وسلم، وقبل الطهر لها حكم الحيض ، إلا إذا تمت عادتها المعروفة وتطاولت معها الصفرة والكدرة اغتسلت ، وصلََّت ، وكذا الكدرة والصفرة قبل نزول دم الحيض لا تعتبر شيئا .

 

مسألة : إِذا طهرت الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت بمقدار ركعة وجبت عليها صلاة هذا الوقت ، فمثلاً إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة لزمها أن تصلي العصر من هذا اليوم ، ومن طهرت قبل نصف الليل تصلي العشاء من هذه الليلة فقط .

وأما إِذا دخل عليها وقت صلاة ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي ؛ فالقول الراجح أنه يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت من أول وقتها قدر ركعة ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها .

ثانياً: الاستحاضة وأحكامها :

تعريفها:

لغة: هي سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف من عرق يسمى العاذل .

وفي الاصطلاح : من ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً ولا نفاساً .

فيدخل في ذلك من أطبق عليها الدم، أو لا ينقطع إلا مدة يسيرة .

والمستحاضة لها ثلاث حالات :

الحال الأولى: أن تكون لها عادة معروفة لديها قبل إصابتها بالاستحاضة ؛ بأن كانت قبل الاستحاضة تحيض خمسة أيام أو ثمانية أيام مثلاً في أول الشهر أو وسطه ، فتعرف عددها ووقتها ؛ فهذه تجلس قدر عادتها ، وتدع الصلاة والصيام ، وتعتبر لها أحكام الحيض ، فإِذا انتهت عادتها ؛ اغتسلت وصلَّت ، واعتبرت الدم الباقي دم استحاضة ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأم حبيبة : (( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي وصلي )) رواه مسلم .

الحال الثانية: إذا لم يكن لها عادة معروفة ، لكن دمها متميز ، بعضه يحمل صفة الحيض ؛ بأن يكون أسود ثخيناً أو له رائحة ، وبقيته لا يحمل صفة الحيض ؛ بأن يكون أحمر ليس له رائحة ولا ثخيناً ؛ ففي هذه الحالة تعتبر الدم الذي يحمل صفة الحيض حيضاً ، فتجلس وتدع الصلاة والصيام ، وتعتبر ما عداه استحاضة ، تغتسل عند نهاية الذي يحمل صفة الحيض ، وتصلي وتصوم ، وتعتبر طاهراً ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذا كان دم الحيض ؛ فإنه دم أسودُ يعرف ؛ فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كان الآخر ؛ فتوضئي وصلي" رواه أبو داود ، والنسائي ، وصححه ابن حبان ، والحاكم .

الحال الثالثة: إِذا لم يكن لها عادة تعرفها ولا صفة تميز بها الحيض من غيره ؛ فإنها تجلس غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر ؛ لأن هذه عادة غالب النساء ؛

لقوله - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش : (( إنما هي ركضة من الشيطان ؛ فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ، ثم اغتسلي ؛ فإذا استنقأت ؛ فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين ، وصومي وصلي ؛ فإن ذلك يجزئك ، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء )) رواه الخمسة ، وصححه الترمذي .

ما يلزم المستحاضة في حال الحكم بطهارتها :

1- يجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة حسبما سبق بيانه .

2- تجعل في المخرج قطناً ونحوه يمنع الخارج ، وتشد عليه ما يمسكه عن السقوط .

ثالثاً : النفاس وأحكامه :

تعريفه:

لغة : مأخوذ من النفس ، وهو الخروج من الجوف .

وفي الاصطلاح : دم يرخيه الرحم للولادة وبعدها وقبلها مع الطلق .

وعلى هذا فما تراه قبل الولادة من الدم وليس معه أمارة ولادة من طلق فليس نفاسا .

النفاس كالحيض فيما يحل ؛ كالاستمتاع منها بدون الفرج ، وفيما يحرم كالوطء في الفرج، ومنع الصوم ، والصلاة ، والطلاق ، والطواف ، واللبث في المسجد ، وفي وجوب الغسل عند انقطاع دمها كالحائض ، ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة كالحائض .

مسألة : وأكثر مدته أربعون يوماً ، لحديث أم سلمة - رضي الله عنها - ووروده عن الصحابة كعمر وأنس وابن عباس وأم سلمة وغيرهم فإذا ما تمت أربعين ، اغتسلت وصلََّت وأخذت أحكام الطاهرات .

فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين يوماً ؛ فقد انتهى نفاسها ، فتغتسل وتصلي وتزاول ما مُنعت منه بسبب النفاس .

مسألة : وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان ؛ بأن كان فيه تخطيط ، ولو خفياً وصار معها دم بعده ؛ فلها أحكام النفساء ، والمدة التي يتبين فيها خلق الإِنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالباً ، وأقلها واحد وثمانون يوماً ، وإن ألقت علقة أو مضغة لم يتبين فيها تخطيط إنسان ؛ لم تعتبر ما ينزل بعدها من الدم نفاساً ؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام ، وليست لها أحكام النفساء .

فرع : ماتراه الحامل من الماء قبل الولادة لاتترك من أجله العبادة ، وحكمه : أنه طاهر لا يجب معه غسل الفرج أو الملابس ، ولاينقض الوضوء .

الملفات المرفقة

  • ملخص فقه الطهارة وادابها (مقرر فقه الطهارة وآدابها1.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 1.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 2.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 3.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 4.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 5.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 6.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 7.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 8.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 9.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 10.docx - B)
  • ملخص (فقه الطهارة وأدابها 11.docx - B)

أرقام الاتصال


جوال: 0536974581


ايميل:

[email protected]


التقويم الجامعي

أعلان هام





سيكون ألإختبار الشهري الأول لمادة أحاديث الأحكام 3  يوم 1439/7/8هـ، الموافق 2018/3/25م

إن شاء الله تعالى


الساعات المكتبية

اليوم 8 - 10 10 - 12 12- 2
الأحد


الإثنين


الثلاثاء


الأربعاء
مكتب (36)
الخميس



جدول المحاضرات

اليوم  8 - 10 10 - 12 12:30 - 14:30
الأحد  دراسة الأسانيد فقه الطهارة وآدابها أحاديث الأحكام 3
الاثنين

فقه الزكاة والصيام
الثلاثاء القرآن الكريم 1

الأربعاء

تخريج الحديث
الخميس السيرة النبوية أحاديث الآداب


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 336

البحوث والمحاضرات: 504

الزيارات: 14521