د.عبده أحمد فضل السيد فضل الله

أستاذ الحديث وعلومه - كلية العلوم والدراسات الإنسانية - رماح

تاريخ السنة

خاصة بمقرر تاريخ السنة

بسم الله الرحمن الرحيم

مادة تاريخ السنة

تعريف التدوين:

لغةً: تقييد المتفرق وجمع المتشتت في ديوان؛ ومنه جمع الصحف في كتاب.

اصطلاحاً: يستعمل التدوين بمعنى التصنيف والتأليف.

تعريف السنة:

لغةً: هي السيرة والطريقة حسنة كانت أو قبيحة.

اصطلاحاً: لها عدة تعريفات:

1- عند المحدثين: "كل ما أُثِر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ".

2- عند علماء أصول الفقه: "كل ما صدر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ مما يصلح أن يكون دليلاً لحكمٍ شرعي".

3- عند الفقهاء: "ما في فعله ثوابٌ وفي تركه ملامةٌ وعتابٌ لا عقاب".

مكانة السنة في الإسلام وعناية السلف بها:

   تحتل السنة النبوية المرتبة الثانية في التشريع الإسلامي بعد كتاب الله عز وجل، وقد وضح هذا وأكده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض".

وفهم ذلك الصحابة رضوان الله عليهم لذلك حينما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن قال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: اقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال:فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال:أجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".

وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرَّم الله".

وعن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة".

ومن أقوال السلف في ذلك:

1- عن عمران بن الحصين أنه كان جالساً ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين،أرأيت لو وُكِلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تَجد الطواف سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم خذوا عنَّا، فإنَّكم والله إن لا تفعلوا لتضُلُّن".

2- وعن أيوب السختياني: أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنَّا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا".

3- وعن الأوزاعي قال: قال أيوب السختياني: "إذا حدثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ".

     كما بينت الآيات الكثيرة وجوب أتباع السنة والعمل بها والرجوع إليها كقوله تعالى:ﭷ   ﭸ  ﭹ  ﭺ، وقوله:ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ، وقوله:ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ   ﮥ    ﮦ  ﮧ، وقوله:ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾﯿ  ﰀ  ﰁ   ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ       ﰆ  ﰇ  ﰈ  ﰉ               ﰊ  ﰋ  ﰌ  ﰍ  ﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ، وقوله:ﯜ  ﯝ  ﯞ   ﯟ      ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ    ﯥ  ﯦ  ﯧ      ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ   ﯬ  ﯭ  ﯮ.

     كما انه سبحانه وتعالى هدد وأنذر اللذين يعصون الله ورسوله بالعذاب الشديد فقال: ﮰ  ﮱ    ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ      ﯘ   ﯙ  ﯚ  ﯛ  .

أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السنة:

  إن أعداء الإسلام من الطوائف والأمم التي قضى عليها الإسلام ونسخ دياناتهم، لم يهدأ لهم بال وهم يرون الانتشار السريع للإسلام، والإقبال الشديد عليه من أبناء شعوبهم، لذلك شرعوا في الكيد والمكر لهذا الدين وأهله.

وركزوا جهودهم على الطعن في السنة لأنهي الموضِّحة والمفسِّرة والشارحة للقرآن، فالطعن فيها طعنٌ في القرآن، فتظاهروا بالإسلام وأوردوا الشكوك والشبهات، ومن هولاء:

1/ عبد الله بن سبأ اليهودي.

2/ سوسن النصراني: الذي تلقى عنه معبد الجهني بدعة القدر.

3/ إبراهيم النظَّام المعتزلي: ذكر الإمام الذهبي عن بعض علماء الإسلام أنه كان يخفي بَرْهَمِيَّتَه بالاعتزال ليفسد دين الإسلام.

4- بشر المريسي: ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته أنه ابن يهودي وكان يخفي زندقته بالاعتزال.

5- الجهم بن صفوان: الذي أخذ آراءه عن الهنود، وقد أفسد هذا الرجل في دين الإسلام ما لم تفسده أمم غيره. 5

وغير هؤلاء كثير من أولئك الذين كانوا يخفون زندقتهم ففضح الله أمرهم على أيدي جهابذة علماء الحديث من أهل السُّنَّة والجماعة.

وقد تركزت جهود هؤلاء الأعداء في محاربة السُّنَّة في النقاط التالية:

1/ ردّ السُّنَّة بمجرد عقولهم: وخلاصة قول أهل هذا الرأي: أن القرآن وحده يكفي وهو الإسلام وحده، ولا حاجة إلى السُّنَّة، إلا أن بعض القائلين بهذا يستثنون السُّنَّة العملية كتفاصيل الصلاة والزكاة ونحوهما.

وقد بدأت بذور هذا الرأي في أواخر عصر الصحابة كما جاء عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالساً ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين".

2/ الطعن في رواتها بالهوى:

3/ وضع أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلصاقها بالسُّنَّة: وهذه الأحاديث إما تناقض السُّنَّة نفسها، أو تناقض المعقول أو المعلوم بالضرورة، وذلك ليُعَادَ باللائمة على السُّنَّة أو رواتها وهما بَرَاءٌ من ذلك.

 

تدوين السنة في القرنين الأول والثاني الهجريين

أولاً: التدوين في القرن الأول: عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة:

       من المعلوم أن القرآن الكريم كُتب كلُّه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرقاع والأضلاع والحجارة الرقاق، وأما الحــــديث النبوي فقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من تدوينه في بادئ الأمر حتى لا يشتبه بالقرآن، وحتى يأخذ القرآن مكانه من الحفظ في الصدور والسطور دون خطر الالتباس مع غيره، فبقي الحديث متداولًا بينهم حفظًاً وروايةً فقط، كما ورد أن بعض الصحابة كانوا يكتبون كما ثبت عن أبي هريـرة رضي الله عنه أنه قـال: "ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ابن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب".

      وقد تحدث عبد الله بن عمرو عن كتابته للحديث فقال:" كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  أٌريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضاء، فأمسكت عن الكتابة وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أكتب فوالي نفسي بيده ما خرج منه إلا حقاً".

أحاديث النهي عن الكتابة:

   وردت بعض الأحاديث التي تنهى عن كتابة الحديث منها:

1-حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".

2-حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:" ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر، من كان عنده منها شيء فليأتي به، فجمعناها فأخرجت فقلنا: يا رسول الله نتحدث عنك؟ قال: تحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليَ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، وفي رواية أنه قال:"فجمعناها في صعيدٍ واحدٍ فألقيناها في النار".

أسباب هذا النهي:

اتفق علماء الحديث على أن هذا النهي كان لعلة وأسباب منها:

1-  قال بعض العلماء: كان النهي لما خيف اختلاط شيء من الحديث بالقرآن، فلما تعود الصحابة رضي الله عنهم على أسلوب القرآن وأمِن عليهم اللبس نسخ النهي وأذِن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث.

2- وقال بعضهم: سبب النهي هو الحرص على القرآن من أجل أن يتفرغ الصحابة رضي الله عنهم لحفظه، فوقع النهي خشية أن تكون كتابة الحديث

شاغلاً للصحابة من حفظ القرآن.

3-  وقيل: بسبب الخوف من هجر القرآن الكريم والاشتغال عنه بالصحف التي تحتوي على السنن والأحاديث والسير.

4-  وقيل: بسبب الخوف على الذاكرة العربية من الوهن والضعف والفراغ من حيث يعتمد الكاتب كلياً على التدوين فلا يحفظ فيقل الحفظ.

5-  وقال بعضهم: ان النهي لسبب قلة الكتبة في بداية الإسلام، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يكرس جهود هؤلاء الكتبة لكتابة القرآن وحده.

6-  وقيل: كان النهي مخصوصاً بمن لا يحسن الكتابة إحسانا كاملاً، أما من كان يحسنها فلا يتعلق به النهي، بدليل أنه أذِن لعبد الله بن عمرو بكتابة الحديث حيث كان عبد الله متمكناً.

7- وقيل: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ.

      وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى جوار ربه إلا وقد أذن بكتابة الحديث وتدوينه، وتواترت الأخبار الدالة على كتابة الحديث في زمنه صلى الله عليه وسلم.

     أما في عهد الصحابة فقــد بدأت فكــرة تدوين السنة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روي عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة؛ فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ؛ ثم أصبح يوماً وقد عزم على أن لا يكتبها، وقال لهم:"إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت أقواما قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً".

ومع ذلك كان من الصحابة من يكتب أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحف ومن هذه الصحف:

1- صحيفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفيها فرائض الصدقة.

2- صحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

3- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    هذه الصحف الثلاثة كلها كتبت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

فقد بين السبب الذي من أجله لم يبدأ في كتابة السنة كتابة رسمية وتدوينها تدويناً رسمياً، وأن ذلك كان منه خشية مما ذكر حيث كان الوضع العام للمسلمين يؤيد ما ذهب إليه، فإن الناس كانوا يدخلون في دين الله أفواجاً من أجناس شتى مختلفة، وكان الذي ينبغي أن يوجهوا إلى كتاب الله ويجتهدوا في حفظه وتدبره وأن لا ينشغل المسلمون الجدد بغير ذلك بصفة رسمية، وكان الوضع يشبه الوضع الأول عندما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتابة مطلقاً، لــذلك رأى عمر رضي الله عنه أن يمنع التدوين الرسمي في تلك الفترة حتى زال ما كان يحذره.

أولاً: التدوين في القرن الثاني: التدوين في عهد التابعين وإتباعهم:

   وهو عهد التابعين وأتباع التابعين:

أولاً: عهد التابعين:

تلقى التابعون السُّنَّة، بل الدِّين كله عن الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - فقاموا بمهمة تبليغ الرسالة من بعد شيوخهم إلى الناس كافة، فكانوا خير جيل بعد ذلك الجيل، وقد بذل جيل التابعين في خدمة السُّنَّة وتدوينها وحفظها جهوداً كبيرة، وفيما يلي نماذج من تلك الجهود:

تدوينهم للسُّنَّة في الصحف:

    انتشرت كتابة الحديث في جيل التابعين على نطاق أوسع مما كان في زمن الصحابة، إذ أصبحت الكتابة ملازمة لحلقات العلم المنتشرة في الأمصار الإسلامية آنذاك.

ولعل من أسباب ذلك التوسع ما يلي:

أ- انتشار الروايات، وطول الأسانيد، وكثرة أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم.

ب- موت كثير من حفَّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين فخِيف بذهابهم أن يذهب كثير من السُّنَّة.

ج- ضعف ملكة الحفظ مع انتشار الكتابة بين الناس وكثرة العلوم المختلفة.

د- ظهور البدع والأهواء وفشوِّ الكذب، فحفاظاً على السُّنَّة وحمايةً لها من أن يدخل فيها ما ليس منها شُرِع في تدوينها.

هـ- زوال كثيرٍ من أسباب الكراهة.

 ومن الصحف التي كتبت في هذا العصر:

1/ صحيفة سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس.

2/ صحيفة بشير بن نَهِيك كتبها عن أبى هريرة وغيره.

3/صحف مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس.

4/صحيفة أبي الزبير محمد بن مسلم المكي تلميذ جابر بن عبد الله.

5/ صحيفة هشام بن عروة بن الزبير.

     وغير ذلك من الصحف الكثيرة التي رويت عن التابعين، والتي كانت هي الأساس الثاني بعد صحائف الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين.

وتكاد تجمع الروايات على أن أول من فكر بالجمع والتدوين من التابعين كان عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وذلك عند ما بدأ أهل الأهواء يضعون الأحاديث، ونشأ جيلٌ جديدٌ نتيجة الاختلاط بالأعاجم قليلُ الضبط ضعيفُ الحفظ، لاسيما أن تطاول الزمن يعني تطاول سلسلة إسناد الحديث، فأرسل إلى أبي بكر بن محمد بن حزم- الذي كان نائباً له في الإمرة والقضاء على المدينة- وقال له: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وطلب منه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن -لأنها كانت ربيبة عند عائشة رضي الله عنها وحفظت كثيراً من العلم- وما عند القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق- لأنه كان من السبعة الفقهاء.

وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أهــل الآفــاق:"انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه"، فهذا كان التدوين الأول للسنة في عهد خامس الخلفاء الراشدين رحمه الله تعالى.

ثانياً: عهد أتباع التابعين:

   هم الحلقة الثالثة - بعد جيل الصحابة والتابعين - في سلسلة رواة السُّنَّة ونقلة الدِّين إلى الأمَّة، ولقد كان لهذا الجيل أثره الرائد في التصدي لأصحاب البدع والأهواء، ومقاومة الكذب الذي فشي في هذا العصر على أيدي الزنادقة الذين بلغوا ذروة نشاطهم ضد السُّنَّة ورواتها في منتصف هذا القرن.

     وقد نشط الأئمة والعلماء من هذا الجيل في خدمة السُّنَّة وعلومها وحمايتها من كل ما يشوبها وعلى أيديهم بدأ التدوين الشامل المبوَّب المرتَّب، بعد أن كان من قبلهم يجمع الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس بشكل محدود وكيفما اتفق بدون تبويب ولا ترتيب.

      كما نشأ وتفتَّق على أيديهم علم الرجال، بعد أن كان السؤال عن الإسناد قد بدأ في أواخر عصر الصحابة وكبار التابعين.

    وكما كان لهذا الجيل الريادة في ابتداء التدوين المرتَّب على الأبواب والفصول، كذلك كانت له الريادة في ابتداء التصنيف في علم الرجال، حيث أَلَّف في تاريخ الرجال كل من: الليث بن سعد (ت 175 هـ) ، وابن المبارك (ت 181 هـ) ، والفضل بن دكين (ت 218 هـ) وغيرهم.

    ويعتبر هذا الجيل جيل التأسيس لعلوم السُّنَّة المطهَّرة ولا غروَّ، ففيه عاش جهابذة رجال السُّنَّة أمثال الأئمة: مالك، والشافعي والثوري، الأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وإبراهيم الوزاري، وابن عيينة، والقطان، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم كثير.

وسأوجز الكلام عن التدوين في هذا القرن في ثلاث فقرات هي:

أولا: تطور التدوين في هذا القرن عما سبق:

  ويظهر ذلك في الأتي:

أ- ظهور التفريق بين التدوين الذي هو مجرد الجمع وبين التصنيف الذي هو الترتيب والتبويب والتمييز في المصنفات في هذا القرن.

ب- أن هذه المصنفات المدونة في هذا العصر قد جمعت إلى جانب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، بعد أن كانت تتناقل مشافهة وكانت الصحف فيما مضى تقتصر على الأحاديث النبوية فقط.

ج- طريقة التدوين في مصنفات هذا القرن هي: جمع الأحاديث المتناسبة في باب واحد ثم يجمع جملة من الأبواب أو الكتب في مصنف واحد، بينما كان التدوين في القرن الماضي مجرد جمع الأحاديث في الصحف بدون ترتيب أو تمييز.

د- إن مادة المصنَّفات في هذا القرن قد جمعت من الصحف والكراريس التي دونت في عصر الصحابة والتابعين، ومما نقل مشافهة من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.

ثانيا: ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن:

 1 - أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت 150 هـ) بمكة.

2- محمد بن إسحاق بن يسار (ت 151 هـ) بالمدينة.

3- معمر بن راشد الصنعاني (ت 153 هـ) باليمن.

4- سعيد بن أبى عروبة (ت 156 هـ) بالبصرة.

5- أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 156 هـ) بالشام.

6- محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت 158 هـ) بالمدينة.

7- الربيع بن صُبيح البصري (ت 160 هـ) بالبصرة.

8- شعبة بن الحجاج (ت 160 هـ) بالبصرة.

9- أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (ت 161 هـ) بالكوفة.

10- الليث بن سعد الفهمي (ت 175 هـ) بمصر.

11- أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار (ت 176 هـ) بالبصرة.

12- الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) بالمدينة.

13- عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ) بخراسان.

14- جرير بن عبد الحميد الضبي (ت 188 هـ) بالري.

15- عبد الله بن وهب المصري (ت 197 هـ) بمصر.

16- سفيان بن عيينة (ت 198 هـ) بمكة.

17- وكيع بن الجراح الرؤاسي (ت 197 هـ) بالكوفة.

18- أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) بمصر.

19- عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211 هـ) بصنعاء.

ثالثا: دراسة موجزة عن نموذج مما دون في هذا القرن:

النموذج هو: موطأ الإمام مالك:

المؤلف: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة بل إمام المسلمين في زمانه، قال الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه الأمَّة شيخ الإسلام".

لماذا سمي كتابه بالموطأ؟

سمي بذلك لأمرين:

1- لأنه وطَّأ به الحديث أي يسره للناس.

2- لمواطأة علماء المدينة له فيه وموافقتهم عليه.

قال الإمام مالك: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته: الموطأ".

موضوعه:

    اشتمل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وقد انتقاه من مائة ألف حديث كان يرويه.

عدد أحاديثه:

   يبلغ عدد أحاديث "الموطأ" - رواية يحيى بن يحي الأندلسي عنه - (853) حديثاً .

ويقول أبو بكر الأبهري جملة ما في "الموطأ" من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين (1720) حديثاً، المسند منها (600) ، والمرسل (222) ، والموقوف (613) ، ومن قول التابعين (285) .

وقد يختلف عددها لتباين روايات "الموطأ" عن الإمام مالك؛ ولأنه كان دائم التهذيب والتنقيح لموطأه، إذ مكث في تصنيفه وتهذيبه أربعين عاماً.

مرتبة أحاديثه:

     قال الإمام الشافعي: "أصح كتاب بعد كتاب الله "موطأ الإمام مالك".

ولا تعارض بين هذا القول وبين ما اتفق عليه العلماء من أن أصح كتاب بعد كتاب الله "صحيحا البخارى ومسلم"، وذلك لأمور:

1- أن كلام الإمام الشافعى كان قبل وجود "الصحيحين" حيث توفي - رحمه الله - سنة (204 هـ) وعمر الإمام البخاري آنذاك لا يتجاوز عشر سنوات، وكان مولد الإمام مسلم سنة (204 هـ) .

2- أن جلّ ما فيه مخرج فيهما، وما بقي منه في "السنن" الأربعة.

وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في "الموطأ" صحيح جمعٌ من الأئمة في المشرق والمغرب، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بن الصلاح وابن حجر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث.

  لكن الراجح لدى الجمهور أن مرتبة "الموطأ" تأتي بعد "الصحيحين" والله تعالى أعلم.

وقد عده بعض العلماء سادس الكتب الستة، منهم رزين ابن معاوية السرقسطي (ت 535 هـ) في كتابه "الجمع بين الكتب الستة"، والمجد ابن الأثير (ت 606 هـ) في كتابه "جامع الأصول".

من أهم شروح الموطأ:

1- الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار. مطبوع

2- والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، كلاهما لابن

عبد البر (ت 463 هـ) وقد طبع في المغرب في 24 مجلداً.

 

 

 

 

الباب الثالث: التدوين في القرن الثالث الهجري:

تعريف موجز عن جهود علماء السنة في هذا القرن ومميزات التدوين فيه

(العصر الذهبي)

 - يعتبر هذا القرن عصر ازدهار العلوم الإسلامية عامة وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة، بل يعد هذا القرن من أزهى عصور السُّنَّة النبوية، إذ نشطت فيه الرحلة لطلب العلم ونشط فيه التأليف في علم الرجال، وتُوسِّع في تدوين الحديث، فظهرت كتب المسانيد والكتب الستة - الصحاح والسنن - التي اعتمدتها الأمَّة واعتبرتها دواوين الإسلام.

- وقد برز في هذا العصر كثير من الحفاظ والنقاد والعلماء الجهابذة من أمثال: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين ، وأبو عبد الله البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم كثير ممن كان على أيديهم تأسيس كثيرٍ من علوم الحديث عموماً وعلم الجرح والتعديل خصوصاً.

- كما ظهر على أيدي هؤلاء الجهابذة الأعلام نوع جديد من التأليف، وهو ما عرف بكتب العقيدة وكان التأليف في ذلك على نوعين:

الأول: ما جمع فيه مؤلفوه النصوص الواردة في العقيدة من الكتاب والسُّنَّة مع بيان منهج السلف - من الصحابة والتابعين - في فهم هذه النصوص، وموقفهم من أصحاب الأهواء، وكان أغلب هذا النوع بعنوان: السُّنَّة مثل "السُّنَّة" لأحمد بن حنبل، و "السُّنَّة" لابنه عبد الله، و "السُّنَّة" لأبي نصر المروزي وغيرها.

والنوع الثاني: ما سلك فيه مؤلفوه مسلك الردِّ على المبتدعة أصحاب الأهواء وذلك لهتك أستارهم وفضح أسرارهم، وتحذير المسلمين منهم وبيان خطرهم على الأمَّة.

وحيث بلغ نشاط المعتزلة والجهمية ذروته بتبني الدولة العباسية في عصر كل من المأمون والمعتصم والواثق لآرائهم وعقائدهم، لذلك حظيت هذه الفرق بالنصيب الأكبر من هذه الردود، من ذلك "الرد على الجهمية" لأحمد بن حنبل، والدارمي أيضاً، و "الرد على بشر المريسي المعتزلي" للدارمي أيضاً، و "خلق أفعال العباد" للبخاري وغيرها كثير.

وقد تميز التدوين في هذا القرن بما يلي:

1- تجريد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييزها عن غيرها، بعد أن كانت قد دونت في القرن الثانى ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.

2- الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.

3- تنوع المصنفات في تدوين السُّنَّة، حيث ظهرت الأنواع التالية:

أ- كتب المسانيد التي تعنى بجمع أحاديث كل صحابيٍّ على حدة كمسند الإمام أحمد وغيره.

ب- كتب الصحاح والسنن التي تعنى بتصنيف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكتب والأبواب مع العناية ببيان الصحيح من غيره كالكتب الستة وغيرها.

ج- كتب مختلف الحديث ومشكلها مثل كتاب: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي، وكتاب "اختلاف الحديث" لعلي بن المديني، وكذلك كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة وغيرها.

وهناك الكثير من المصنفات في هذا القرن نكتفي بذكر القليل منها إشارة إلى الكثير.

الفصل الأول: كتب المسانيد

تعريفها:

    وهي التي تخرج الأحاديث على أسماء الصحابة، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض، مثل "مسند الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي" وغيرهما.

 طريقة ترتيب كتب المسانيد:

للعلماء في ذلك ثلاث طرق:

الأولى: ترتيب أسماء الصحابة على حروف المعجم من أوائل الأسماء، فيبدأ - مثلاً - بأُبيّ بن كعب، ثم أسامة بن زيد، ثم أنس بن مالك وهكذا، إلى آخر الحروف.

الثانية: الترتيب على القبائل فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب، ثم مَنْ يليهم.

الثالثة: الترتيب على قدر سوابق الصحابة في الإسلام ومحله في الدين، فيبدأ بالعشرة - رضوان الله عليهم - ثم المقدمين من أهل بدر، ثم يلونهم أهل بيعة الرضوان بالحديبية ... وهكذا.

أهم كتب المسانيد:

1- مسند أبي داود سليمان بن داود الطيالسي (ت 204 هـ) .

2- مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ).

دراسة موجزة عن نموذج من كتب المسانيد:

مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل:

مؤلفه: شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة والإمام القدوة المجمع على جلالة قدره وعلو شأنه من الموافق والمخالف، أبو عبد الله أحمد بن محمد الذهلي الشيباني المولود سنة (164 هـ) والمتوفى سنة (241 هـ) .

طريقة ترتيبه:

رتبه - رحمه الله - على قدر سابقة الصحابي في الإسلام ومحله من الدين، فبدأ بالعشرة الخلفاء على غيرهم، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبة. وهكذا.

مكانة هذا المسند:

 قال الإمام أحمد بن حنبل: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف، وما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة".

عدد أحاديث المسند:

قال الحافظ أبو موسى المديني: "فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً.

عدد الصحابة المخرجة أحاديثهم في المسند:

قال أبو موسى: "فأما عدد الصحابة فنحو سبعمائة رجل ومن النساء مائة ونيف" .

شرط الإمام أحمد:

قال الحافظ أبو موسى المديني: "لم يخرج أحمد في "مسنده" إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته".

درجة أحاديث المسند:

قال الحافظ أبو القاسم التميمي رحمه الله: "لا يجوز أن يقال: فيه السقيم، بل فيه الصحيح والمشهور والحسن والغريب".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تنازع الناس هل في "مسند الإمام أحمد" حديث موضوع، فقال طائفة من الحفاظ كأبي العلاء الهمداني وغيره: ليس فيه موضوع، وقال بعض العلماء كأبي الفرج ابن الجوزي: فيه موضوع".

عناية العلماء بالمسند:

1- رتبه على معجم الصحابة والرواة عنهم كترتيب كتب الأطراف الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت

2- رتبه الحافظ ابن حجر أيضاً على الأطراف وسماه: "إطراف المسند - بكسر النون وضم الميم - المعتلي بأطراف المسند الحنبلي"

3- رتبه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي على الكتب والأبواب ليسهل بذلك على طلبة العلم الاستفادة من المسند وسماه "الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد ابن حنبل الشيباني"، ثم عاد وشرحه وخرج أحاديثه في كتاب سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني.

4- اعتنى بهذا المسند أيضاً الشيخ أحمد بن محمد شاكر - رحمه الله تعالى - فشرح غريبة وحكم على أحاديثه صحة وضعفاً بما أوصله إليه اجتهاده، ثم صنع له فهارس.

الملفات المرفقة

أرقام الاتصال


جوال: 0536974581


ايميل:

[email protected]


التقويم الجامعي

أعلان هام





سيكون ألإختبار الشهري الأول لمادة أحاديث الأحكام 3  يوم 1439/7/8هـ، الموافق 2018/3/25م

إن شاء الله تعالى


الساعات المكتبية

اليوم 8 - 10 10 - 12 12- 2
الأحد


الإثنين


الثلاثاء


الأربعاء
مكتب (36)
الخميس



جدول المحاضرات

اليوم  8 - 10 10 - 12 12:30 - 14:30
الأحد  دراسة الأسانيد فقه الطهارة وآدابها أحاديث الأحكام 3
الاثنين

فقه الزكاة والصيام
الثلاثاء القرآن الكريم 1

الأربعاء

تخريج الحديث
الخميس السيرة النبوية أحاديث الآداب


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 336

البحوث والمحاضرات: 504

الزيارات: 14521