توحيد 1



مقرر توحيد (1)
المستوى الثاني

المبحث الأول: إثبات وجود الله عز وجل والرد على من أنكرها:

المطلب الأول : دلائل وجود الله سبحانه.

تنوعت دلائل وجود الله سبحانه ابتداء من الفطرة السليمة التي لم تنحرف عن الهدى، إلى كل ذرة من ذرَّات الكون، فالكل شاهد ومقر بأن لهذا الكون رباً ومدبراً وإلهاً وخالقاً. وقد دلَّ على وجوده - تعالى -: الفطرة ، والعقل ، والشرع ،  والحس .

الدليل الأول : دلالة الفطرة على إثبات وجود الله تعالى.

ا – تعريف الفطرة:

· الفطرة في اللغة: فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه: الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة.

قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة: " أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة"([1]). وفي اللسان: والفطرة تعني: الابتداء والاختراع([2]).

· الفطرة شرعاً:

المقصود بالفطرة شرعاً ما فطر الله عليه النفس البشرية من الإيمان به سبحانه ، والإقرار بربوبيته، وأنه الخالق، الرازق المدبر، المحيي المميت؛ فالإيمان بالربوبية أمر جبلي مركوز في فطرة كل إنسان، ولا يستطيع أحد دفعه ولا رفعه.

قال الشيخ السعدي - رحمه الله - في تعريف الفطرة: "هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه".([3])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " ولما كان الإقرار بالصانع فطريّاً كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ "([4]). الحديث . فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يعرف ويعبد "([5]).

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل فقال : (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ) [الروم:30]. وهذا الدليل باق في النفس الإنسانية بقاء الإنسان نفسه في هذا الكون ، وإن غطته الشبهات ،ونالت منه الشهوات ،فإنَّ  كل مخلوق قد فُطِرَ على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير ، أو تعليم ، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطـرة إلاَّ من طرأ  على  قلبـه ما يصرفه عنها ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ"([6]).

ب - مظاهر دلالات الفطرة على وجود الله تعالى:

تنوعت دلالات الفطرة على وجود الله تعالى فمن ذلك مثلاً:

1- لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحداً أو مشركاً عند الشدة والحاجة. قال الله تعالى: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [يونس:12]، وقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [الإسراء:67]. وقال تعالى: (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ) [الزُّمَر:8]

فهذه الآيات تبين أن بني آدم جميعاً يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان – حتى المشرك – مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمراً ضرورياً لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضرورياً([7]).

2 - ورود التكليف بتوحيد العبادة أولاً.

فقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة ،وعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:

الأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطرياً لدعاهم إليه أولاً ، إذ الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده([8]).

الثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطرياً لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم

لهم بقول الله تعالى:(ﭢ ﭣ ﭤ)[الأنبياء:92] أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلاً فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم([9])

3 -  التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ"([10]).

والفطرة هنا على الصحيح من الأقوال  هي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحداً لله فإن الله تعالى يقول: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [النحل:78]، وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئاً بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع([11]).

الدليل الثاني : دلالة العقل على إثبات وجود الله تعالى.

أما دلالة العقل على وجود الله- تعالى - فلأن هذه المخلوقات : سابقها ولاحقها ، لابد لها من خالق أوجدها ، إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلقُ نفسه ؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقـًا ؟! ولا يمكن أن توجد صدفة ، لأن كل حادث لابد له من محدث ، ولأن وجودها على هذا النظام البديع ، والتناسق المتآلف ، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها ، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنعُ منعـًا باتـًّا أن يكون وجودها صدفة ، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره ؟!

وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ، ولا أن توجد صدفة ؛ تعيَّن أن يكون لها موجد هو الله رب العالمين .

وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي و البرهان القطعي حيث قال : (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ) [الطور:35]

يعني : أنهم لم يُخْلَقُوا من غير خالق ، ولا هم الذين خلقُـوا أنفسهـم ؛ فتعين أن يكـون خالقـهم هو الله تبارك و تعالى ، ولهذا لما سمع جبير بن مطعم - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات : (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ) [الطور: 35 : 37].

وكان جبير يومئذ مشركًا قال :"كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي"([12]).

ولنضرب مثلاً يوضح ذلك : فإنه لو حدَّثك شخص عن قصرٍ مشيَّد ، أحاطتْ به الحدائق ، وجرت بينها الأنهار ، ومُلئ بالفرش والأسِرَّة ، وزُيِّن بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته ، وقال لك : إنَّ هذا القصر وما فيه من كمال قد أوْجد نفسه ، أو وُجِد هكذا صدفة بدون مُوجد ؛ لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثهُ سفهـًا من القول ، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع: بأرضه ، وسمائه ، وأفلاكه ، وأحواله ، ونظامه البديع الباهر ، قد أوجَدَ نفسه ، أو وُجد صدفة بدون موجد([13]) ؟!

طـرق دلالات العقـل على إثبـات وجـود الله تعـالى.

الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) [الذاريات:21]، وقال تعالى: (ﭨ ﭩ ﭪ) [الشمس:7].

ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له رباً خالقاً حكيماً خبيراً؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها ؟ أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظاماً، أو يكسو العظام لحماً ؟

الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف بـ (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [فُصِّلَت:53].

ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم, وكواكب, وشمس, وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من جبال, وأشجار, وبحار, وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقاً لهذا الكون، موجدًا له مدبِّرًا لشؤونه، وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات, وتغلغل فكره في بدائع الكائنات علم أنها خُلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه, وأدلة على وحدانيته([14]).

الدليل الثالث : دلالة الشرع على وجود الله تعالى:

 أما دلالة الشرع على وجود الله - تعالى- : فلأن الكتب السماوية كُلَّها تنطقُ بذلك ، وما جاءت به من الأحكام العادلة المتضمنة لمصالح الخلق ؛ دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه ، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها ؛ دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به .

الدليل الرابع : دلالة الحس على وجود الله تعالى:

أما أدلة الحس على وجود الله فمن وجوه كثيرة منها:

الوجه الأول : أننا نسمعُ ونشاهدُ من إجابة الداعين ، وغوث المكروبين ، ما يدلُ دلالة قاطعة على وجوده تعالى ، قال الله سبحانه:(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ) [الأنبياء:76] ، وقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ) [الأنفال:9].

وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال :"أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهُمَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنَ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْ"([15]).

وما زالت إجابة الداعيـن أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا ؛ لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى ، وأتى بشرائط الإجابة.

الوجه الثاني : أنَّ آيات الأنبياء التي تسمَّى المعجزات ويشاهدها الناس ، أو يسمعون بها ، برهان قاطع على وجود مرسلهم ، وهو الله تعالى؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر ، يجريها الله تعالى ؛ تأييدًا لرسله ، ونصرًا لهم .

مثال ذلك آية موسى - صلى الله عليه وسلم - حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر ، فضربه ؛ فانفلَق اثنى عشر طريقـًا يابسـًا ، والماء بينها كالجبال ، قال الله تعالى : (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [الشعراء:63].

ومثال ثانٍ: آية عيسى - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يحيي الموتى ، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله ، قال الله تعالى عنه : (ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ) [آل عمران:49]، وقـال : (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [المائدة:110].

ومثال ثالث : لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حين طلبت منه قريش آية ، فأشار إلى القمر ؛ فانفلق فرقتين ، فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى : (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [القمر: الآية 1 ، 2]

فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى ؛ تأييدًا لرسله ، ونصرًا لهم ، تدلُ دلالة قطعية على وجوده تعالى([16]).

الوجه الثالث :  لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله، ونظر ظاهره وما فيه من كمال خلقه، وأنه متميز عن سائر الحيوانات لأدرك أن وراء ذلك رباً خالقاً حكيماً في خلقه، ولعلم أن هذا الخالق هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه([17]).

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ في تقرير هذا المعنى عند قوله _تعالى_:(ﭨ ﭩ ﭪ) [الشمس:7] : " وعلى كلٍّ فالنفس آيةٌ كبيرة من آيات الله التي يحق الإقسام بها؛ فإنها في غاية اللطف، والخفة، سريعة التنقل، والحركة، والتغير، والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة، والإرادة، والقصد، والحب. وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثالٍ لا فائدة فيه، وتسويتُها على ما هي عليه آيةٌ من آيات الله العظيمة. والمقصود أن نفس الإنسان من أعظم الأدلة على وجود الله وحده، ومن ثم تفرده بالعبادة"([18]).

الوجه الرابع : هداية المخلوقات ،فهو من أعظم مشاهد الحس الدالة على وحدانية الله _عز وجل_ فلقد هدى الله الحيوان: ناطقه وبهيمه، وطيره ودوابه، وفصيحه وأعجمه إلى ما فيه صلاحُ معاشه وحاله.

ويدخل تحت قوله _تعالى_: (ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ) [طه:50] من العجائب والغرائب ما لا يحيط به إلا الله _عز وجل_.

فَمَن الذي هدى الإنسان ساعة ولادته إلى التقام ثدي أمه ؟ ومن الذي أودع فيه معرفة عملية الرضاع ؟ تلك العملية الشاقة التي تتطلب انقباضاتٍ متواليةً من عضلات الوجه، واللسان، والعنق، وحركاتٍ متواصلةً للفك الأسفل، والتنفس مع الأنف، كل ذلك يتم بهداية تامة، وبدون سبق علم أو تجربة، فمن الذي ألهمه ذلك؟ إنه (ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ) [طه:50] .

ثم إن هدايته بعد أن يكبر إلى السعي في مصالحه من الضرب في الأرض، والسير فيها، كل ذلك من الهداية التامة العامة للمخلوقات.

أما هداية الطير، والوحش، والدواب فحدث ولا حرج، فلقد هداها الله إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان.

المطلب الثاني : مناقشة دعاوى المنكرين لوجود الله.

تنكر طائفة من الملحدين والماديين وغيرهم أن يكون لهذا الكون إله خالق مدبر ميسر، بل يزعمون أنه وجد صدفة، وأن الطبيعة بقوانينها هي التي تسير في حركة ذاتية يحكمها قانون التطور والارتقاء؛ فالعناصر والكائنات تتطور وترتقي من حال إلى حال ومن كون إلى كون، فالقرد يتطور إنسانا، والإنسان ينتهي إلى تراب، ولا يوجد إله يخلقه، أو يحييه، أو يميته.

مناقشة هذه الدعاوى.

أولاً : هذا الأمر منقوض بالشرع، والعقل، والفطرة، والحس. فهذه كلها تدل على وجود الله _ عز وجل _. وقد سبق الإشارة إلى ذلك في سوقنا الأدلة على وجود الله تعالى.

ثانياً : أن نظام الكون وتناسقه شاهد على ألوهية الله - عز وجل - ووحدانيته:

فهذه الأرض الجرم الصغير بالنسبة للأجرام السماوية الضخمة التي يزخر بها هذا

الكون، لا تعدو أن تكون كحبة الرمل بالنسبة للصحراء الواسعة التي لا يأتي البصر على آخرها. ومع ذلك ففيها من آيات الله المعجزة ما يعجز الخيال عن تتبعه فضلا عن إحصائه، وفيها من الخصائص التي أودعها الله بها ما يذهل العقول.

بل هذا الإنسان المخلوق العجيب لو مضينا نتتبع خصائصه ، وآيات الله في الأنفس، لما انتهينا من العجب لكل خصيصة وكل آية، ولأدركنا أن هذا كله لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه بهذه الدقة المذهلة، لا بد له من موجد، ولا بد أن يكون هذا الموجد حكيما وقادرا إلى حد الإعجاز، وإلا ما استطاع أن ينشئ هذا الخلق الدقيق المعجز، الذي تحتوي كل جزئية منه على عجائب لا يحصرها العقل. قال الله تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) [الذاريات: الآيات 19 ، 20]

- أن دورة الفلك المضبوطة التي لا تختل قيد شعرة في هذا الكون العريض كله، ودورة الليل والنهار الناشئة من حركة الأفلاك، والتي تأتي في موعدها المضبوط بالدقيقة والثانية وأجزاء الثانية على مدار الفصول، وعلى مدار القرون والأجيال. وخواص المادة التي أودعها الله فيها ، لا تخطئ مرة واحدة على مر الزمن، ولا تختلف مرة عن مرة، فالحديد هو الحديد، والنحاس هو النحاس، والأكسجين هو الأكسجين، لا يتغير تركيبها ولا خواصها، ولا يتغير سلوكها إزاء الحرارة والبرودة، أو إزاء الضغط أو في تفاعلاتها الكيماوية مع غيرها من العناصر. لا يحدث مرة واحدة أن يتكون الماء إلا من ذرة الأكسجين وذرتين من الأيدروجين، ولا يحدث مرة أن يسخن الحديد فلا يتمدد، ولا يحدث مرة أن يطرق النحاس فلا ينطرق.

ثالثا. دليل الحدوث:

ا - من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول الطين من حالة الآجر وينتضد بعضه على بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلا، وإذا كان تحول النطفة علقة ثم مضغة، ثم لحما ودما وعظما أعظم في الأعجوبة كان أولى أن يدل على صانع النطفة ونقلها من حال إلى حال.

إذا ثبت هذا فكل حادث لا بد له من محدث، وهذا بالبداهة، ولا يصح أن يكون المحدث للعالم نفسه؛ إذ إنه يصبح - حينئذ - متقدما على نفسه ومتأخرا عنها وهذا باطل؛ لأن كون الشيء الواحد متقدما على نفسه ومتأخرا عنها في وقت واحد باطل بالبداهة.

هذا المحدث للعالم الموجد له لا بد أن يكون مغايرا له في صفاته؛ فلا يكون حادثا بل يجب أن يكون قديما، هذا المحدث للعالم هو الله تعالى".

ب - أن الشمس والقمر وسيرهما الدقيق لمن الدلائل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وحكمته، ففلق ظلمة الليل بنور الصبح من أعظم النعم؛ لأن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا في النفوس من الأحوال الأرضية، وإن الناظر إلى السماء وما فيها من كواكب تزينها ويهتدى بها في ظلمات الليل، ليمكن أن يتدبر بهذه النجوم والأفلاك، ويستدل بها على اللطيف الخبير.

وبعد هذا العرض نقول:

إن الاستدلال بالمخلوقات على وجود خالقها وقدرته وعظمته أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصى, والله تبارك وتعالى أعلى وأكبر وأجل وأعظم من أن يحتاج في معرفة وجوده إلى شواهد واستدلالات.

إن الذين يلجون في الغواية إلى هذا الحد لا ينكرون وجود الله في الحقيقة، فلا يمكن للفطرة - مهما ضلت - أن تنكر وجود الله الخلاق، ولكنهم - لسبب من الأسباب - يكابرون ويتظاهرون بالإنكار. وحتى أولئك الذين يعيشون في ظل الإلحاد، في الدول الشيوعية، ويدرس لهم الإلحاد في المدارس، ويتربون عليه، ويتلقونه في كل حصة من حصص الدراسة - حتى هؤلاء لا تقر نفوسهم بإنكار وجود الله إلا مجاراة للأوضاع، وخوفا من سطوة الدولة هناك([19]).

المطلب الثالث :  الإلحاد وصوره المعاصرة.

أولاً : تعريف الإلحاد في اللغة والشرع.

الإلحاد في لغة العرب: هو الميل.

وفي الشرع: هو الميل عما يجب اعتقاده أو عمله.

والمقصود بالإلحاد هنا: الكفر بالله، والميل عن طريق أهل الإيمان والرشد، والتكذيب بالبعث، والجنة، والنار، وتكريس الحياة كلها للدنيا فقط، وتكذيب الرسل، وإنكار وجود الرب _تبارك وتعالى_.

ثانياً: ظاهرة الإلحاد اليوم.

الإلحاد اليوم أصبح ظاهرة عالمية، فالعالم الغربي وإن كان وارثاً في الظاهر للعقيدة النصرانية التي تؤمن بالبعث والجنة والنار هو -في الأغلب- قد ترك هذه العقيدة، وأصبح إيمان الناس هناك بالحياة الدنيا فحسب، وأصبحت الكنيسةُ مجرد تراث تافه جداً؛ وصار الإلحادُ هو الدين الرسمي المنصوص عليه في كل دساتير البلدان الأوروبية والأمريكية، ويعبر عن ذلك بالعلمانية تارة، وباللادينية تارة أخرى.

أما في الشرق فقد قامت أكبر دولة على الإلحاد، وهي الدولة الروسية، التي تحمل العقيدة الشيوعية، التي تتضمن بنودُها رفض الغيب، والنظر إلى الحياة كلها، وفي جميع الجوانب من منظور مادي بحت.

ثالثاً: دخول الإلحاد بلاد المسلمين : لقد دخل الإلحاد كثيراً من بلاد المسلمين وما كان له أن يدخل، إلا أن هناك أسباباً عديدة مكنت لدخوله منها:

1-  إنحراف كثير من المسلمين عن دينهم، ونسيانهم حظَّاً مما ذُكِّروا به، وإلا فإن الصبر والتقوى كفيلان برد كل باطل : (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [آل عمران:120]

2_ هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوروبية، فما كاد الأوروبيون يمتلكون القوة المادية، ويستخدمون الآلة، ويبنون المصانع حتى اتجهوا إلى ما يسمونه بدول العالم الثالث؛ بحثاً عن الأسواق لبيع منتجاتهم الصناعية، وجلباً للمواد الخام اللازمة للصناعة.

ولما كان العالم الإسلامي في غاية التخلف عسكرياً، وسياسياً وصناعياً _ لم يصمد أمام تلك الهجمة، وكان للهزيمة العسكرية أثرُها في زعزعة العقيدة، ووجود الشعور بالنقص، وتقليد الغالب، والتشبه بأخلاقه؛ ظناً منهم - لفرط جهلهم - أن أوروبا لم تتطور إلا عندما اعتنقت الإلحاد، ورفضت الدين.

3_ الاستعمار الغربي لكثير من بلاد المسلمين؛ فلقد عانى المسلمون من الاستعمار وويلاته، حيث امتص الغرب دماء المسلمين، وخيراتهم، وأوطانهم.

4_ تركيز الغرب على إفساد التعليم، والإعلام، والمرأة، وتشويه صورة علماء المسلمين، مع الحرص على نشر الفوضى الجنسية، والإباحية والعري، حيث غرق كثير من الشباب في هذا المستنقع الآسن، والإلحادُ لا يُفَرَّخ إلا في مثل هذا الجو.

5_ انتشار المذاهب الهدامة، والفرق الضالة، والطرق الصوفية المخذلة؛ التي تقوم على الدجل، والخرافة، وعبادة القبور والمبالغة في قصص الكرامات، كل ذلك استغله الملاحدة، ونفذوا من خلاله إلى الطعن في الدين.

رابعاً : صور الإلحاد المعاصرة:

 مع ظهور بوادر الإلحاد، نشأتْ العديد من صور الإلحاد وتعددت وتنوعت ولهم في

كل عصر جولة وصولة ومن صور الإلحاد المعاصرة ما يأتي:

1 - إقصاء الدين ِ عن الحياة ، وبناء مؤسسات المجتمع  على أصول  مادّية بحتة ، لا دخل للدين ِ فيها من قريب أو بعيد .

2- إنكار الإيمان بالغيب جملة ً وتفصيلاً ، وقصر الإيمان بحدود الملموس  والمحسوس  - فقط - ، دون ما غاب عن العين  ، أو لم يمكن إدراكه بالحس .

3- الاستهزاء بالشعائر  الدينيّة جميعها، ووصف أهلها بالرجعيين والمتخلّفين ، ومحاربة أي دعوةٍ تدعو إلى التديّن  ، أو صبغ  الحياة بمظاهر  الدين  .

4- احتقار لغة القرآن أعني (لغة العرب)، واحتقار أهلها وعاداتهم وسلوكهم، ومدحهم للشعوبيّة والباطنيّة .

5- الدعوة للتغريب والالتحاق  بالغرب، والأخذ بجميعِ ثقافاتهم وأمورهم الحياتيّة ، والتعلّم منهم ومن سلوكيّاتهم .

6- الحرب الشرسة على الأخلاق والعادات الحميدة، وادّعاء أهل الإلحاد أنّه لا يوجد شيءٌ ثابت مطلقاً ، وأنَّ الحياة والأخلاق والعادات ، في تطوّر  مستمرٍّ ، وأنّ الثبات على الشيءِ إنّما هو من شأن  الغوغائيين والمُتخلّفين والرجعيين .

7- تعظيم المادّة والطبيعة ، وكذلك تعظيم جميع  العلوم  الطبيعيّة ، وجعلهُ أساس كلِّ الحضارات ، وافتعال صراع  مزعوم بين الدين  والعلم  التطبيقيِّ .

8- التعاون الوثيقُ مع الصهيونيّة والماسونيّة ، ومدحهم اللامحدودَ لليهودِ ، وهذه سمة ٌ غالبة ٌ على جميع ِ الملاحدةِ والمرتدّين ، حيث يجعلون اليهود أفضل أهل الأرض  ، ويميلون إليهم ويمدحونهم ، ويدعون إلى التعايش  معهم وقبولهم.

10- يدّعي الملاحدة أنّ الدين سببٌ للتناحر ونشر  البغضاء في الأرض  ، وأنّهُ تسبّب في إشعال وإذكاءِ نار الحروب، في الكثير من بقاع  الأرض ، وقد حان الوقت لتركه

والتخلّي عنه.

11- تركيز الغرب على إفساد التعليم، والإعلام، والمرأة، وتشويه صورة علماء المسلمين، مع الحرص على نشر الفوضى الجنسية، والإباحية والعري، حيث غرق كثير من الشباب في هذا المستنقع الآسن، والإلحاد لا يُفَرَّخ إلا في مثل هذا الجو.

12- انتشار المذاهب الهدامة، والفرق الضالة، والطرق الصوفية المخذلة؛ التي تقوم على الدجل، والخرافة، وعبادة القبور والمبالغة في قصص الكرامات، كل ذلك استغله الملاحدة، ونفذوا من خلاله إلى الطعن في الدين.

خامساً : الرد على شبه الملحدين.

لقد اتضح من خلال ما مضى بيان صور الإلحاد المعاصرة  وأن الملحدين مذهبهم أنهم لا يؤمنون إلا بالمادة، ولا يعترفون إلا بالمحسوس ،وأنهم ينظرون إلى الحياة من خلال المنظور المادي.

والرد على مبادئ أهل الإلحاد لا يحتاج إلى كبير جهد؛ ففسادها يغني عن إفسادها، وتصورها كافٍ في الرد عليها، وأدلة الشرع والعقل، والفطرة والواقع تنقض هذه مبادئ.

فإنكارهم وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة.

قد مرَّ بنا شيء من الرد عليه من خلال عرض الأدلة على وجود الله تعالى، وقد ذكرناها بالتفصيل وهي كافية  في الرد على مزاعمهم ، التي  من خلالها يتبين بطلان هذا المذهب.

أما ما يروج له الملحدون من أنّ الدين سببٌ للتناحر ونشر  البغضاء في الأرض ، وأنّهُ تسبّب في إشعال وإذكاء نار الحروب، في الكثير من بقاع الأرض. وأن التخلف الذي حل بالمسلمين إنما هو بسبب تمسكهم بالدين، وأرادوا بذلك الطعن في الدين، والتنفير

عنه  فنقول لهؤلاء تلك فرية عظمى، ويُرَدُّ عليها بما يلي:

أ - أن حال المسلمين في عصورهم المتأخرة لا تمثل الإسلام حقيقة: فعلى من يريد الحقيقة بعدل وإنصاف - أن ينظر إلى دين الإسلام نفسه، وما هو عليه من الإحكام والحسن، وما فيه من الهداية إلى كل خير، والتحذير من كل شر.

ب - أن انحرافات المنتسبين للإسلام لا يعاب بها الإسلام، ولا تحسب عليه: فالملحدون يطعنون بالدين من خلال ما يرونه من انحرافات بعض المنتسبين للإسلام، كبدع الرافضة، وشطحات المتصوفة، وغيرهم ممن ينحرف به المسار، وينسب انحرافه إلى الدين.

ولا ريب أن الدين براء من هذه التهم، فمن أراد الإسلام الحق فليطلبه من مصادره الصحيحة.

ج - النظر في حال القائمين بالدين الحق: فالعدل يقتضي بأن ينظر في حال القائمين بالدين حق القيام، المنفذين لأوامره وأحكامه في أنفسهم وفي غيرهم كما كان الصدر الأول ومن تبعهم بإحسان.

أما مجرد النظر إلى حال المسلمين التاركين لدينهم، الناكبين عن صراطه، الناكثين عهده فليس من العدل في شيء، بل هو الظلم بعينه؛ فالدين بريء من تبعة المنتسبين إليه دون أن يعملوا بما جاء به.

د - أن تأخر المسلمين ليس بسبب التمسك بالدين: بل إن العكس هو الصحيح؛ فلم يتأخر المسلمون عن ركب الحضارة إلا عندما فرطوا في دينهم، ونسوا حظاً مما ذكروا به؛ فهبطوا من عليائهم، ولقوا ذلاً بعد عز، وضعة بعد رفعة، وهبوطاً بعد شمم، وجهلاً بعد علم، وخمولاً بعد نباهة؛ فمن له أدنى بصيرة يعلم أن الإسلام يدعو إلى الصلاح والإصلاح في أمور الدين والدنيا، ويحث على الاستعداد في تعلم العلوم النافعة، ويدعو إلى كل ما من شأنه تقوية العزائم، وإنهاض الهمم؛ كي تقوى الأمة، وتتبوأ مكانها اللائق بها.

وإنه لمن الظلم، والتعصب المقيت، وقصور النظر أن ينظر إلى حال المسلمين في هذه الأوقات، فيظن أنها هي الصورة التي تمثل الإسلام.

أما عن إنكار الملحدين الإيمان بالغيب جملة ً وتفصيلاً ، وقصر الإيمان بحدود الملموس  والمحسوس  فقط، دونَ ما غاب عن العين ، أو لم يمكن إدراكه بالحسِّ . فيقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر بها الله ورسوله: لم أنكرتموها؟

فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على ادراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك؛ فإن طرق العلم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت ادراكاتكم؛ فإن ادراكاتكم قاصرة حتى باعترافكم فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها، ومع ذلك لم تدركوها كلها باعترافكم وأعمالكم؛ فإنكم لا تزالون تبحثون وتعملون التجارب التي تنجح مرة، وتخفق مرات؛ فإذا كانت هذه حالكم في الأسباب والمواد الأرضية التي يشترك بنو آدم في إدراكها، ويفترقون في مقدار الإدراك - فكيف تنفون بقية العوالم عوالم السماوات وعوالم الغيب؟ وما هو أعظم من ذلك من أوصاف الرب وعظمته، وأنتم لم يتصل شيء من علومكم بذلك؟ فإن هذا النفي باطل بإجماع العقلاء، وإنما هذا مكابرة([20]).

- أما ادّعاء أهل الإلحاد أنَّ الحياة والأخلاق والعادات ، في تطوّر  مستمرٍّ ، وأنّ الثبات على الشيءِ إنّما هو من شأن  الغوغائيين والمُتخلّفين والرجعيين .

فنقول لهؤلاء الملحدين أين أنتم من الصدق في الأقوال والأفعال؟ وأين أنتم من

النصيحة والأمانة، والبر، والصلة، والقيام بحقوق الجيران، والأصحاب والمعامَلين، ومن يتصل الإنسان بهم على اختلاف طبقاتهم ؟.

وأين أنتم من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء، والبغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؟. وأين أنتم من الوفاء بالعهود، والحقوق، والعقود؟. إنها دعوة تقوم على العداوات بين الطبقات وتأليب بعضهم على بعض. والمجتمعُ الإنساني المطمئن لا يقوم إلا على التوادد والتراحم، والتآخي .([21])

المطلب الرابع : آثار الإيمان بالله تعالى.

1 - الاغتباطُ بولاية الله الخاصة ِالتي هي أعظمُ ما تنافس فيه المتنافسون، وتسابق فيه المتسابقون، وأعظم ُما حصل عليه المؤمنون : قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ) [يونس: الآيات 61 ، 62 ، 63]

2 - الفوز برضى الله ودار كرامته: قال تعالى: (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) [التوبة:72]

3 -  أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المكارهِ، وينجّيهم من الشدائد : كما قال تعالى: ( ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ) [الحج:38]

4 - أن الإيمان والعمل الصالح - الذي هو فرعه - يثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفى دار القرار: قال تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) [النحل:97]

5 - إن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والإخلاص: ولهذا يذكر الله هذا الشرط الذي هو أساس كلِّ عمل، مثل قوله: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) [الأنبياء:94]

فمن التزم الإيمان بالله ورسله، وعمل ما يستطيع من صالح الأعمال طاعةً لله وعبادة له فلا يضيع الله عمله ولا يبطله، بل يضاعفه كله أضعافًا كثيرة، وسيجد ما عمله في كتابه يوم يُبْعث بعد موته([22]).

6 - ومن آثار الإيمان استشعارُ الإنسان عظمة ِالله سبحانه وتعالى وجلاله وكماله، مما يدفع الإنسان إلى الخوف واللجوء إليه والتقرب إليه حبا وتعظيما ومهابة وإجلالا، وكل ذلك يؤثر في حياة المؤمن تأثيرا كبيرا يدفعه إلى السلوك القويم رجاء ثواب الله تعالى وخوف عقابه، كما أنه يملأ قلبه حبا للخير فيسعى إلى دعوة غيره بالتي هي أحسن حتى يشترك معه في تحصيل هذا الخير،لذا قال الله تعالى في وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [التوبة:128]

7 - ومن آثار الإيمان استعلاءُ نفس المؤمن وتحرره من العبودية لغير الله تعالى، فلا يخاف إلا إياه، ولا يطمع إلا في رضاه. وهذا ما يربي فيه الخصال الحميدة من العزة والكرامة والصدق والشجاعة والسخاء.

8 - إضفاءُ الحياة معنى أكبر وأبعد من المعاني القاصرة المتصفة بالذاتية والأنانية، حيث إن المؤمن يعتقد جازما بأن هذه الدنيا مزرعةٌ للآخرة، وأن له بكل ما يبذل في هذه الدنيا حسنةً، قال تعالى :

(ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ) [النجم: الآيات 39،40 ،41 ، 42]

9 - تنزيهُ الله تعالى عن مشابهة خلقه، وبيان أنه المتفرد بصفات الكمال والجلال، فلا يتطرق إلى قلب المؤمن شيء من أوهام تشبيه أحد من الخلق بالله عز وجل، أو وصف ذلك المخلوق بصفات الكمال الواجبة لله تعالى .

10 -  ومن آثار الإيمان  أنه يثمر للعبد محبةَ الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره، واجتناب نهيه، وإذا قام العبد بذلك نال بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة .قال تعالى: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [المائدة:54]

11 - إنَّ الإيمان بالله ينشئ في النفس الأنفة والعزة ؛ لأنه يعلم أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما في هذا الكون، وأنه لا نافع ولا ضار إلا هو، وهذا العلم يغنيه عن غير الله، وينزع من قلبه خوف سواه، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف سواه .قال تعالى: (ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [آل عمران: الآيات 173 ،174 ، 175]

12 -  ومن آثار الإيمان بالله أنه ينشئ في نفس المسلم التواضع ؛ لأنه يعلم أن ما به من نعمة فمن الله، فلا يغره الشيطان، ولا يبطر ولا يتكبر، ولا يزهو بقوته وماله .قال تعالى: (ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ) [النحل:53]

13- ومن آثار الإيمان حصول الأمن والاهتداء قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ) [الأنعام:82]

14- ومن آثار الإيمان حصول الاستخلاف  في الأرض والتمكين والعزة: قال الله تعالى: (ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ) [النور:55]

15- ومن آثار الإيمان دخول ُالجنان والنجاة من النيران: قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ) [محمد:12]

16-حلولُ الخيرات ونزولُ البركات: قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ) [الأعراف:96]

المبحث الثاني : توحيد الربوبية وما يضاده:

المطلب الأول : أقسام التوحيد إجمالاً:

ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - بعد استقراء نصوص الكتاب والسنة أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

1- توحيد الربوبية .

2- توحيد الألوهية .

3- توحيد الأسماء والصفات .

القسم الأول : توحيد الربوبية ، وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه ، وهو الإيمان بأنه الخالق ، الرازق ، المدبر لأمور خلقه ، المتصرف في شؤونهم في الدنيا والآخرة ، لا شريك له في ذلك ، كما قال تعالى (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [الرعد:16]، (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ) [الزُّمَر:62]، وقال سبحانه:(ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ) [يونس:3] ، وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان ، وإن جحد أكثرهم البعث والنشور ، ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادة وعبادتهم الأصنام والأوثان معه سبحانه وعدم إيمانهم بالرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

القسم الثاني: توحيد العبادة ، ويسمى توحيد الألوهية ، وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكر الله عنهم سبحانه بقوله (ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) [ص:4] وأمثالها كثير، وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بأنه المستحق لها ، وأن عبادة ما سواه باطلة. وهذا هو معنى لا إله إلا الله؛ فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، كما قال الله عز وجل : (ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [الحج:62]

القسم الثالث : توحيد الأسماء والصفات وهو الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز وفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أسماء الله وصفاته ، وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ، كما قال الله سبحانه (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ) [سورة الإخلاص] . وقال سبحانه:(ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الشورى:11] ، وقال عز وجل(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ) [الأعراف:180]، وقال سبحانه في سورة النحل: (ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ) [النحل:60].

المطلب الثاني :معنى توحيد المعرفة والإثبات، وأنواعه.

ا - معنى توحيد المعرفة والإثبات:

ويسمى أيضاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ومعناه الاعتقاد بأن الله سبحانه هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، و أنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الضراء، فهو سبحانه وتعالى المتفرد بربوبية خلقه إيجاداً وإمداداً، وخلقاً، وتدبيراً.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : " وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به

الكتب، فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول هو: إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، وتكلمه بكتبه، وتعليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك"([23]).

ب - أنواع توحيد المعرفة والإثبات:

توحيد المعرفة والإثبات : يتضمن نوعين من أنواع التوحيد :

أ-توحيد الربوبية . وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء والمتصرف في هذا الكون وحده لا شريك له وأنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير وتصريف جميع الأمور لجميع المخلوقات.

وهذا النوع من التوحيد هو الأساس بالنسبة لأنواع التوحيد الأخرى  لأن الخالق الرازق المدبر هو الجدير وحده بالتوجه إليه بالعبادة كما هو الجدير وحده بأن يوصف بصفات الجلال والكمال وأن ينزه عن كل عيب ونقص.

ب-توحيد الأسماء والصفات.

هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من صفات النقص.

المطلب الثالث : معنى الشرك في الربوبية، وأهم مظاهره.

ا - معنى الشرك في الربوبية:

هو اعتقاد متصرف مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون، من إيجاد أو

إعدام، أو إحياء أو إماتة، أو جلب خير أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته كعلم الغيب وكالعظمة والكبرياء ونحو ذلك قال الله تعالى: (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ) [فاطر: الآيات 2،3]، وقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [يونس:107]، وقال تعالى: (ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ) [الزُّمَر:38] ([24]).

ب - مظاهر الشرك في الربوبية.

مظاهر الشرك في الربوبية كثيرة منها:

1 - شرك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته ، وأنه لم يكن معدوما أصلا ؛ بل لم يزل ولا يزال ، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس ، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحاد حلية الإسلام ومزجوه بشيء من الحق حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب وأوصافه من غلاة الجهمية والقرامطة .

2 - شرك من جعل مع الله تعالى إلها آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته؛

كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة ، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور ، وحوادث الشر إلى الظلمة([25]).

3 – ومن مظاهر الشرك في توحيد الربوبية ما وقع فيه كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، من دعاء الأموات فيسألونهم جلب نفع أو دفع ضر، أو يدعون بعض الأحياء ويسألونهم شيئاً لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهذا كله من خصائص الربوبية، فهذا كله من الشرك في الربوبية والألوهية.

4 - ومن مظاهر الشرك في توحيد الربوبية تعلق التمائم: وذلك لأن من يعلقها يعتقد أن في تعليقها جلباً للنفع، ودفعاً للضرر سواء قد وقع هذا الضرر أو يتوقع حصوله، سواء اعتقد أن هذا النفع والدفع يحصل بذاتها وهذا من الشرك الأكبر، أو أنها سبب فقط ليس غير، مع اعتقاد أن الضار والنافع هو الله، وهذا من الشرك الأصغر، لأنه جعل ما ليس بسبب سبباً.

5 – ومن مظاهر شرك الربوبية التشاؤم ببعض الأشياء المرئية أو الأشياء المسموعة. وأصل ذلك أن العرب في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع.

6 - ومن مظاهر شرك الربوبية الاستسقاء بالأنواء: ومعناه طلب السقيا بالأنواء، والأنواء: جمع نوء، وهو منازل القمر.

7 - ومن مظاهر شرك الربوبية اعتقاد أن الجن لهم تصرفات خارجة عن إرادة الله فيخافون منهم ويحملهم ذلك على الذبح لهم والاستغاثة بهم وهذا شرك في توحيد الربوبية لأن الله وحده هو المدبر لهذا الكون فله الأمر.

8 - ومن مظاهر شرك الربوبية الحكم بغير ما أنزل الله يناقض توحيد الربوبية، فإن لله

تعالى وحده الخلق والأمر، يقول تعالى: - (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) [الأعراف:54]، فالأمر كله لله وحده سواء كان أمراً كونياً قدرياً، أو أمراً شرعياً دينياً، يقول الشنقيطي رحمه الله: - " لما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية - كما دلت عليه الآيات المذكورة - كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رباً، وأشركه مع الله"([26]).

9- ومن مظاهر شرك الربوبية من يعتقد أن هناك من يعلمون الغيب غير الله وهذا شرك في توحيد الربوبية كغلاة الصوفية والرافضة الذين يعتقدون أن أئمتهم يعلمون الغيب وبيدهم الرزق والآجال والجنة والنار ، لأن علم الغيب والرزق من صفات الربوبية.

- ومن مظاهر شرك الربوبية  الاعتقاد بأن لله تعالى شريكاً في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير. وأن الأولياء لهم تصرف في الكون مع الله تعالى.

- ومن مظاهر شرك الربوبية  اعتقاد تأثير وتصرف غير الله تعالى؛ من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس. وأن المخلوق يمكنه أن يزرق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى([27]).

فهذه بعض صور ومظاهر الشرك في الربوبية، وهناك أشياء كثيرة.

المبحث الثالث :توحيد الأسماء والصفات وما يتعلق به:

المطلب الأول: مفهوم توحيد الأسماء والصفات:

هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها ، وأن الله تعالى متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.

هذا هو مفهوم توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة بخلاف غيرهم من أهل البدع والأهواء . فأهل السنة يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الشورى:11]. وقوله: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [الأعراف:180].

وأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله جل وعلا لأنه تبارك وتعالى لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ)[البقرة:140]، وقال تعالى:(ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ) [النحل:74]. ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال الله تبارك وتعالى في حقه:(ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [النجم: الآيات 3،4]([28]).

المطلب الثاني: الأدلة على توحيد الأسماء والصفات.

الأدلة على توحيد الأسماء والصفات هي الكتاب والسنة والفطرة والعقل.

أولاً: الأدلة من الكتاب على توحيد الأسماء والصفات:

فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [الأعراف:180] .

وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أثبت لنفسه الأسماء، وأخبر أنها حُسنى. وأمر بدعائه؛ بأن يُقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا رب العالمين. وتوعّد الذين يُلحدون في أسمائه؛ بمعنى أنهم يميلون بها عن الحق؛ إما بنفيها عن الله، أو تأويلها بغير معناها الصحيح، أو غير ذلك من أنواع الإلحاد.

ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ) [طه:8] . وقوله (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [الحشر: الآيات 22،23 ، 24]. فدلَّت هذه الآيات على إثبات الأسماء لله.

ثانياً :دلالة السنة على توحيد الأسماء والصفات.

 ومن الأدلة على ثبوت أسماء الله من السنة حديث أبو هريرة - رضي الله عنه -  أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ "([29]) . وحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسألُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لَكَ، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَهُ في كتابكَ، أو علَّمتهُ أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في  علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ... "([30]) الحديث.

ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة- رضي الله عنه -  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: " اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ "([31]) .

والنصوص في تقرير هذا الباب كثيرة تجل عن الحصر.

أما عن دلالة الصفات : فكل اسم من أسماء الله فإنه يتضمن صفة من صفاته؛ فالعليمُ يدل على العلم، والحكيم يدل على الحكمة، والسَّميعُ البصير يدلان على السمع والبصر، وهكذا كلُّ اسم يدل على صفة من صفات الله تعالى، وقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [ سورة الإخلاص]  .

ومن ذلك أيضاً حديث  أنس - رضي الله عنه -  قال: " كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ: بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لاَ تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا، وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: "يَا فُلاَنُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: "حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ"([32]) .

وعن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟" ، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ"([33]) .

وقد أخبر سبحانه أنَّ له وجهًا، فقال:(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) [الرحمن:27]

وأن له يدين، فقال: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ) [ص:75]، (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [المائدة :64]. وأنه يرضى ويحب ويغضب ويسخط، إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم-.

ثالثاً : دلالة العقل على أسماء الله وصفاته.

 أما الدليل العقلي على ثبوت الأسماء والصفات التي دلَّ عليها الشرع فهو أن يُقال:

1 - إنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع فلا يمكن أن يعارض بثبوتها دليل صحيح البتة لا عقلي ولا سمعي بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض في فهمه وإن كان عقليا فهو شبه خيالية وهمية لا دليل عقلي برهاني.

2- أن هذه المخلوقات العظيمة على تنوعها، واختلافها، وانتظامها في أداء مصالحها، وسيرها في خططها المرسومة لها، تدل على عظمة الله وقُدرته، وعلمه وحكمته، وإرادته ومشيئته.

3- الإنعام والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات؛ هذه الأشياء تدلّ على الرحمة والكرم والجود.

4- والعقاب والانتقام من العصاة؛ يدلان على غضب الله عليهم وكراهيته لهم.

5- وإكرامُ الطائعين وإثابتهم؛ يدلان على رضا الله عنهم ومحبته لهم.

رابعاً : دلالة الفطرة :

أما دلالة الفطرة على توحيد الأسماء والصفات فلأنَّ النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله

وتعظيمه وعبادته ، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال ، منزه عن صفات النقص ؟

المطلب الثالث: قواعد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته.

القاعدة الأولى : أسماء الله تعالى توقيفية.

اتفق علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم على أنه يجب الوقوف على ما جاء في الكتاب والسنة بذكر أسماء الله - عز وجل - نصا دون زيادة أو نقصان، وأن أسماء الله الحسنى توقيفية على النص لا مجال للعقل فيها، وأن العقل لا يمكنه بمفرده أن يتعرف على أسماء الله - عز وجل - التي تليق بجلاله؛ ولا يمكنه أيضا إدراك ما يستحقه الرب - عز وجل - من صفات الكمال والجمال فتسمية رب العزة والجلال بما لم يسم به نفسه قول على الله بلا علم وهو أمر حرمه الله على عباده كما قال - عز وجل - في كتابه: (ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [الأعراف:33]، وقال: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ) [الإسراء:36]

قال ابن حزم الأندلسي: "لا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلا بما سمى به نفسه أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو صح به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقن ولا مزيد، وحتى وإن كان المعنى صحيحا فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى اللفظ، وقد علمنا يقينا أن الله - عز وجل - بنى السماء فقال: (ﯰ ﯱ) [الذاريات:47]

، ولا يجوز أن يسمى بناء، وأنه تعالى خلق أصباغ النبات والحيوان وأنه تعالى قال: (ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ) [البقرة:138]، ولا يجوز أن يسمى صباغا، وأنه تعالى سقانا الغيث ومياه الأرض ولا يسمى سقاء ولا ساقيا وهكذا كل شيء لم

يسم به نفسه"([34]).

وقال النووي: " أسماء الله توقيفية لا تطلق عليه إلا بدليل صحيح"([35]).

القاعدة الثانية : باب الصفات أوسع من باب الأسماء .

فكل اسم من أسماء الله يجوز أن يشتق منه صفة لله عز وجل فالعليم يشتق منه صفة العلم، والحكيم يشتق منه صفة الحكمة ، ولكن ليس كل صفة يؤخذ منها اسم لله , مثل الكلام صفة لله عز وجل ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه المتكلم. ومن أجل ذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، فالله يوصف بصفات كالكلام، والإرادة، والاستواء، والنزول، والضحك، ولا يشتق له منها أسماء ، فلا يسمى بالمتكلم ، والمريد، والمستوي، والنازل، والضاحك، لأنها لا تدل في حال إطلاقها على ما يحمد الرب به ويمدح ، وفي المقابل هناك صفات ورد إطلاق الأسماء منها كالعلو، والعلم، والرحمة والقدرة ، لأنها في نفسها صفات مدح والأسماء الدالة عليها أسماء مدح فمن أسمائه: العلي، والعليم، والرحيم، والقدير([36]).

القاعدة الثالثة : أن باب الإخبار أوسع منهما.

فما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء، والموجود ، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

فالنصوص جاءت بثلاثة أبواب هي "باب الأسماء" و"باب الصفات" و"باب الإخبار".

القاعدة الرابعة: أسماء الله كلها حسنى.

أسماء الله كلها حسنى،وقد وصف الله تعالى أسماءه بالحسنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وهي:

1- قوله، تعالى: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [الأعراف:180].

2- قوله تعالى(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [الإسراء:110]

3- قوله تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ) [طه: الآيات 7،8]

4- قوله تعالى: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) [الحشر:24].

والحسنى: أي البالغة في الحسن غايته فأسماء الله هي أحسنُ الأسماء وأجلُّها لاشتمالها على أحسن المعاني و أشرفها.

فالحيُّ : متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال.

والرحمن: متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ?  " لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا "([37]) يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. والتي قال الله عنها: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [الأعراف:156]، وقال عنها المقربون من ملائكته: (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [غافر:7] ([38]).

القاعدة الخامسة : الأسماء الحسنى لا تحدّ بعدد.

الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ، ولا تحد بعدد فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ همِّي"([39]) فجعل أسماءه ثلاثة أقسام : قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه ، وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده ، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه ، ولهذا قال استأثرت به أي انفردت بعلمه([40]).

القاعدة السادسة : الإيمان بأسماء الله يتضمن أموراً:

أولاً: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.

ثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي "الصفة".

ثالثاً: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.

مثال لهذه القاعدة : اسم الله السميع فنثبت الاسم أولاً، ونثبت "السمع" صفة له ثانياً, ثم نثبت ثالثاً: الحكم أن الله يسمع السر والنجوى .والأثر: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء منه عز وجل([41]). وهكذا في جميع أسماء الله تعالى.

القاعدة السابعة : أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف:

ومعنى هذه القاعدة هو أن أسماء الله أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.

وهي بالاعتبار الأول مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد وهو الله عز وجل.

فالعليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد هو الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [الإسراء:110].

فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.

وبالاعتبار الثاني متباينة ،لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمثلاً : الحي، القدير، السميع، البصير، الرحيم، العزيز، الحكيم ،كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله سبحانه وتعالى لكن معنى (الحي) غير معنى (العليم)، ومعنى (العليم) غير معنى (القدير) وهكذا([42]).

القاعدة الثامنة: القول في الصفات كالقول في الذات.

وذلك أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته، ولا أفعاله. فإذا كان لله ذات حقيقية لا تماثل الذوات بلا خلاف فكذلك الصفات الثابتة له في الكتاب والسنة، هي صفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات فالقول في الذات والصفات من باب واحد.

القاعدة التاسعة : القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر.

أي أن القول في بعض صفات الله من حيث الإثبات والنفي كالقول في البعض الآخر

وهذه القاعدة يخاطب بها من يثبت بعض الصفات وينكر البعض الآخر. فإذا كان الرجل يثبت بعض الصفات كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها ويجعل ذلك كله حقيقة ثم ينازع في صفة المحبة والرضا والغضب وغيرها، ويجعل ذلك مجازًا فيقال له: لا فرق بين ما أثبته وبين ما نفيته فالقول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن كنت تثبت له حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا لا تشبه ما يثبت للمخلوقين الذين يتصفون بهذه الصفات فكذلك يلزمك أن تثبت له محبة ورضًا وغضبًا كما أخبر هو عن نفسه من غير مشابهة للمخلوقين وإلا وقعت في التناقض.

المطلب الرابع: تقسيم صفات الله تعالى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، والتمييز بينهما.

تنقسم صفات الله تعالى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية فالصفات التي لا يمكن أن تنفك عن الله تعالى بحال ، بل هو متصفٌ بها أزلاً وأبدًا هي الصفات الذاتية ، والصفات التي تتعلق بالمشيئة فمتى ما شاء الله فعلها ومتى ما شاء لم يفعلها فهي الصفات الفعلية وإليك بعض الأمثلة حتى تتضح :

فمن الصفات الذاتية : العلم واليد والرجل والقوة والقدرة والحياة والألوهية والسمع والبصر ، وغيرها فهذه كلها من الصفات الذاتية لأنها ملازمة للذات لا تنفك عنها ولأنه لا يصح اتصاف الله بنقيضها .

ومن الصفات الفعلية : الغضب والرضى والنزول إلى السماء الدنيا والاستواء ، وغيرها كل هذه من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئة الله تعالى متى ما شاء الله فعلها ومتى ما أراد تركها .

المطلب الخامس: التمييز بين الصفات المنفية عن الله والصفات المثبتة له.

مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يصفون الله تعالى بالنفي المتضمن كمال ضد الصفة المثبتة . فهذا في شأن الصفات المنفية .

وأما الصفات المثبتة فمذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتونها على الوجه اللائق بالله تعالى من غير تكييفٍ ولا تعطيل ومن غير تحريفٍ ولا تمثيل.

والصفات الثبوتية: هي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم - وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء، واليدين، والوجه، فيجب إثباتها لله على الوجه اللائق به.

أما الصفات المنفية وتسمى السلبية: وهي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله  - صلى الله عليه وسلم - مثل الصمم، والنوم، وغير ذلك من صفات النقص، فيجب نفيها عن الله.

المطلب السادس: موقف أبرز المخالفين لأهل السنة في باب الأسماء والصفات، والرد عليهم إجمالاً.

موضوع الأسماء والصفات من أهم مواضيع العقيدة ومن أكثرها مجالاً لخلافات الناس ولقد كانت من أسهل المواضيع ومن أقلها إشكالاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خلفائه الكرام ولهذا لم يبحثوها ولم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لعلمهم التام وعقولهم الراجحة ومعرفتهم أن الكلام في الصفات فرع عن معرفة الذات حتى إذا ما ظهر قرن الشيطان من وراء علوم اليونان وفلسفاتهم وعلوم الكلام ومتاهاته انحرف الناس عن منهج النبوة والرسالة واختلفوا في باب الأسماء والصفات وأخذ الخلاف فيها أشكالاً عديدة ووقعت الفتن التي لا يعلم مداها إلا الله وحده.

وتظهر وسطية أهل السنة في باب الأسماء والصفات بمقارنة عقيدتهم بعقائد المخالفين من الفرق ذلك أن أهل السنة يؤمنون بأن لله أسماء وصفات حسنى وصف بها نفسه في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه العظيم آمن بها السلف كما وردت من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل.

- والمعتقد الأسلم والأعلم والأحكم التي حاد عنها أصحاب الأهواء والبدع عقوبة لهم على تركهم الكتاب والسنة وطريق المؤمنين وتقديمهم لأفكار الملاحدة من عتاة الحضارة اليونانية والهندية وغيرها وإذا نظرنا إلى عقائد أصحاب الأهواء والانحراف فسنجد أن بينهم وبين عقائد أهل السنة تفاوتاً بعيداً وتعارضاً صارماً. ومن الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات :

1 - الجهمية.

 وهي فرقة تنسب للجهم بن صفوان تنفي أسماء الله وصفاته.

فقد كان إيمانهم بصفات الله تعالى على أسوأ الاضطراب فقد نفوا عن الله تعالى اتصافه بالأسماء أو بالصفات بحجة تنزيه الله تعالى عن التشبيه كما قرره زعيمهم الجهم بن صفوان في أن إثبات أي صفة أو اسم لله تعالى فيه مشابهة لله بخلقه وهو كفر حسب زعمه فيجب عدم إثباته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله  : "والتحقيق أن التجهم المحض- وهو نفي الأسماء والصفات، كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم، من نفي الأسماء الحسنى- كفرٌ بينٌ مخالفٌ لما علم بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - "([43]).

2 -  المعتزلة .

وهي فرقة تنسب لواصل بن عطاء وهم يقولون بإثبات الأسماء مجردة عن الصفات

فزعموا أن الله عز وجل لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له. وقد وافقهم على هذه البدعة الخوارج، وكثير من المرجئة، وبعض الزيدية.

أما إثباتهم للأسماء، فلأنهم استعظموا نفيها، لما فيه من تكذيب القرآن تكذيباً ظاهر الخروج عن العقل والتناقض فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب واللسان، فما لا يميز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات([44]).

وأما نفيهم للصفات فلشبهٍ عامة وخاصة، كشبهة التركيب، والأعراض، ودليل الكمال والنقصان، وغيرها.

للمعتزلة في ذكر مذهبهم في الأسماء عدة مسالك، ومن أبرزها ما يلي:

1- منهم من يجعل الأسماء-كالعليم القدير والسميع والبصير -كالأعلام المحضة المترادفة، والعَلَم المحض هو الذي لا يدل إلا على العلمية، ولا يدل على الوصفية في شيء، كما لو سمي البليد حافظاً ونابهاً، وكما لو سمي البخيل كريماً، فجردوا أسماء الله عما تضمنته من المعاني والصفات.

2-ومنهم من يقول: إنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، والفرق بين هؤلاء ومن قبلهم أن هؤلاء لم يطلقوا اسم الله تعالى إلا مقروناً بالتصريح بنفي ما تضمنه الاسم من الصفة، أما الأولون فليسوا كذلك، وإن كان الجميع متفقين على نفي الصفة، وإنما الخلاف بينهم في التعبير فقط، وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث صفات الله([45]).

1- أنهم لم يثبتوا كل الأسماء الحسنى، ذلك أن من عقائد المعتزلة عدم اعتبار أخبار الآحاد في العقائد، فهذه الأخبار لا تفيد اليقين عندهم، بل إن من المعتزلة من ينكر بعض ما ورد به القران من أسماء الله تعالى، كإنكار بعض المعتزلة اسم الله الوكيل([46]).

2- أنهم لم يثبتوا ما تضمنته تلك الأسماء من صفات ومعاني، بل رأوا أنها أسماء جامدة، وأعلام محضة.

3- ومن أعظم ضلالاتهم قولهم بأن هذه الأسماء لله مخلوقة، وأنها حادثة غير أزلية، وأن الله كان ولا اسم له في الأزل، وما زال كذلك ما لا نهاية له من الأزمان الأزلية، حتى خلق الخلق، فأحدث له الخلق تلك الأسماء، وأعاروه إياها، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. فهم لا يقرون بأسماء الله على الحقيقة، بل يجعلون كثيراً منها على المجاز.

4- ومن ضلالاتهم أيضاً: زعم بعضهم أن أسماء الله غير توقيفية، وأنها تثبت بالقياس، فإذا دلَّ العقل على أن معنى اللفظ ثابتٌ في حق الله جاز إطلاقه عليه سبحانه، حتى سمى بعضهم الله تعالى بأسماء ينزه الباري عنها.

الرد على المعتزلة:

احتج السلف عليهم بأدلة منها:

1-قول الله تعالى: (ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [الحج:36]

وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أمر أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه.

وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجيزه لأن هذه الأسماء مخلوقة وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة.

2-أنه جاء في عدد من النصوص التعويذ باسم الله وبكلماته، والاستعانة بها، وتسبيح الاسم، والرقية والاستعانة لا تكون بمخلوق، كما لا يكون التسبيح لمخلوق.

3-اتفاق الفقهاء على أن من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بالمخلوق-كالكعبة والصفا والمروة- فلا كفارة عليه، مما دل على أن أسماء الله غير مخلوقة، فيلزم هؤلاء المعتزلة أنه لو حلف كاذباً بالله الذي لا إله إلا هو أنه لا يحنث، كما أن الشارع قد نهى عنه الحلف بغير الله، كالكعبة ونحوها، فقال:" مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ"([47]) . وذلك أن غير الله مخلوق، ولا يجوز الحلف بالمخلوق، مما دل على أن أسماء الله غير مخلوقة.

كما يلزم المعتزلة إذا أرادوا أن يقولوا لا إله إلا الله أن يقولوا: لا إله إلا الذي خلق الله وإلا لم يصح توحيدهم، وهذا لا شك في بطلانه.

4-إلزامهم فيما أثبتوه بنظير الحكم فيما نفوه، وهذه من طرق الإمام أحمد في الرد عليهم، حيث إنهم يزعمون الإقرار بعلم الله تعالى، ويقولون إن الاسم مخلوق، فيلزمهم في العلم ما التزموه في الاسم ، لأن الاسم قد أضيف إلى الله كما أن العلم قد أضيف إلى الله، فيقال لهم: أنتم تقولون إن الاسم مخلوق حادث، بمعنى أنه تعالى قبل أن يخلق الاسم كان ولا اسم له، فيلزمكم أنه قد كان جاهلاً لا يعلم حتى خلق لنفسه علماً، وكان ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً، وكان ولا قدرة له حتى يخلق لنفسه قدرة، وهذا بيُّن البطلان، وهذا من الجواب بالنقض، وهو قريب من قلب الدليل، حيث إن إقرارهم بالعلم صار حجة عليهم في إبطال ما قالوا به في الاسم.

5-كما أن هذه الدعوى يكفي تأملها في بيان بطلانها، فإن حقيقة دعواهم «أن الله كان مجهولاً، كشخص مجهول، لا يهتدي لاسمه، ولا يدرى ما هو، حتى خلق الخلق، فابتدعوا له أسماء من مخلوق كلامهم، فأعاروها إياها، من غير أن يعرف له اسم قبل الخلق، ومن ادعى هذا التأويل فقد نسب الله تعالى إلى العجز والوهن والضرورة والحاجة إلى الخلق، لأن المستعير محتاج مضطر، والمعير أبداً أعلى منه وأغنى ،ففي هذه الدعوى استجهال الخالق إذ كان بزعمهم هملاً لا يدرى ما اسمه وما هو وما صفته ، والله المتعالي عن هذا الوصف.

بل إن لازم دعواهم أن الله كان في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف، فإنهم إذا قالوا بخلقها، فإن لخلقها وقتاً، فما كان قبل خلقها هي أزمان لا نهاية ولا حدَّ لها، قد كان الله فيها-على حد فريتهم-مجهولاً، أما ما كان بعد خلقها من الأزمان إلى الآن فهو محدود، وكون الله مجهولاً عندهم أكبر -بما لا حد له-من كونه معلوماً، وفي تأمل هذا الكفر الصراح ما يغني عن رده.

6-كما أن في دعواهم هذه تشبيها لأسماء الله بأسماء المخلوقين، وقياساً لها عليها، وذلك من وجوه:

أ‌- أنهم جعلوا أسماء الله محدَثة مخلوقة كأسماء خلقه، وهذا من أبطل الباطل، بل هو وقوع فيما فروا منه من شبهة التشبيه، وفيه قلب لهذه الشبهة عليهم.

ب‌- أن المعتزلة إنما نفوا الصفات فراراً من التشبيه والتجسيم، إذ إنهم يرون أن التجسيم والتشبيه لازمٌ لمن أثبت الصفات ، فيقال لهم: فيلزمكم على هذا أن تنفوا الأسماء أيضاً، فإنكم إذا قلتم: هو حي عليم قدير، كان في هذا تشبيه له بغيره ممن هو حي عليم قدير، وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة والعلم والقدرة له، لأنه لا يُعرف مسمَّى بهذه الأسماء إلا جسم، كما لا يعرف موصوفا بهذه الصفات إلا جسم، وبهذا استطالت الفلاسفة الغلاة والجهمية نفاة الأسماء والصفات على المعتزلة، وقلبوا عليهم دليلهم، فإن دليلهم في نفي الصفات دال على نقيض ما قالوا به في الأسماء، وهذا هو قلب الدليل بعينه، فعادت شبهتهم وحجتهم عليهم، ولهذا تفصيل سيأتي بإذن الله عند الكلام على الصفات.

والحق في ذلك ما ذهب إليه أهل السنة، ووافقوا به النصوص، من إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا الإثبات لا يستلزم التشبيه المحذور، إنما يستلزم التشبيه على فهم أهل التعطيل من المعتزلة ومن شاكلهم، ولذا كان هذا الفهم للتشبيه حجة عليهم فيما أثبتوه، ولم يكن حجة على أهل السنة فيما أثبتوه.

7- ومن الحجج عليهم كذلك قوله تعالى في آلهة المشركين وأصنامهم:

(ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [النجم:23]. وقال سبحانه: (ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) [الأعراف: الآيات 71 ،72] . فقد عاب آلهة المشركين وأصنامهم بأن أسماءها منتحلة مستعارة مخلوقة، وفي هذا إشارة أن أسماء الله تعالى لم تزل كما لم يزل الله، وأنها بخلاف هذه الأسماء المخلوقة التي أعاروها للأصنام، والآلهة التي عبدوها من دونه، فإن لم تكن أسماء الله بخلافها فأي توبيخٍ لأسماء الآلهة المخلوقة؟! إذ كانت أسماؤها وأسماء الله مخلوقة مستعارة عند المعتزلة بمعنى واحد، وكلها من تسمية العباد ومن تسمية آبائهم بزعم القوم.

8- ومن الأدلة العقلية على بطلان قولهم أن يقال:

لو كانت أسماؤه مخلوقة لم يخل من أمور: إما أن يكون خلقها في ذاته. أو في ذات غيره. أو لا في ذاته ولا ذات غيره. فبطل أن يكون خلقها في ذاته، لأن ذاته ليست بمحل للمخلوقات.

ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمى من أحدثها فيه بشيء منها، فيسمى فرداً وصمداً. ولا يجوز أن يكون أحدثها بنفسها في غير ذات، لأنها صفة، والصفة لا تقوم بنفسها فبطل بذلك أصل الفرض بأنها مخلوقة، وتبين أنها غير مخلوقة.

9- ومما يقال أيضاً أن قول هؤلاء في غاية التناقض، فإنَّ إثبات حيٍّ، عليم، قدير، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمعٍ، ولا بصر مكابرةٌ للعقل، كإثبات مصلٍّ بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة، كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها، ولهذا ذكروا في أصول الفقه: أن صدق الاسم المشتق كالحي والعليم لا ينفك عن صدق المشتق منه كالحياة والعلم([48]).

3 - الأشاعرة.

وهي فرقة تنسب للإمام أبي الحسن الأشعري الذي رجع إلى طريق أهل السنة في آخر حياته

في الجملة. وعقيدتهم في الأسماء والصفات هي:

1 – يدعي كثير من الأشاعرة أن بعض أسماء الله تعالى جامدة وأن يوجد أسماء لله غير مشتقة من أفعاله وصفاته وهذا في الحقيقة تعطيل لأسماء الله ومنافاة الحسن الذي يتضمنه كل اسم له تعالى.

2 - تعطيلهم لكثير من معاني أسماء الله تعالى مثل اسم الله تعالى (الأعلى) حيث ينكرون علو الله بذاته على خلقه ويقصرون العلو على علو الصفات وكذلك إسما الله (الرحمن والرحيم) حيث يفسرونه  بالمريد للرحمة والخير كما ذكر ذلك أحد أكبر زعمائهم وهو الرازي في تفسير أسماء الله تعالى.

3 - لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات وهي: (العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام).وأما بقية الصفات فإنهم يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) إلى (إرادة الثواب، أو إرادة الإنعام) و (الود) في (الودود) ب (إرادة إيصال الخير).

4 – ومن عقيدتهم أن الأسماء والصفات لا تثبت بأحاديث الآحاد ، فلا يحتجون ولا يأخذون بطريق الآحاد في العقائد والصفات.

5 – يعتمدون على العقل في إثبات الصفات ،ولذلك لا يثبتون إلا ما دليله العقل وهي عندهم سبع صفات وهي الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والإرادة .

6 – يزعمون أن ظواهر نصوص الصفات غير مرادٍ ظواهرها يجب صرفها وتأويلها.

7 - يزعمون وجود تعارض بين العقل والنقل ،وإن من إثبات الصفات الواردة في النصوص النقلية الشرعية يعارضه العقل ويتجرءون على تقديم العقل على النقل.

8 - تفويضهم لمعاني الصفات، وادعاؤهم أن معانيها مجهولة.

9 - وقوعهم في تحريف معاني الصفات باسم التأويل.

10 - قولهم بالمجاز في الصفات وأنها على خلاف الحقيقة في كل ما لا يوافق هواهم .

11 - يقولون أن آيات الصفات من قبيل المتشابه لا المحكم ،وأن دلالتها ظنية وليست قطعية يقينية.

12 - أن إثبات الصفات يستلزم عندهم التجسيم والتركيب، وحلول الحوادث بالرب - على حد زعمهم.

13 -  أنهم ينكرون الصفات الخبرية، كصفة اليد والساق ،والصفات الفعلية، كالنزول والمجيء والفرح والبغض([49]).

الرد على الأشاعرة فيما ذكرناه:

يجاب على ما ذهب إليه الأشاعرة بما يأتي:

 1 – أن أهل السنة أثبتوا الأسماء والصفات دون أن ينساقوا إلى التشبيه بل لم يخطر في أذهانهم أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم المشابهة والمماثلة لمعرفتهم أن الاتفاق في التسميات لا يلزم منه الاتفاق في الذات كما أنهم لم يعطلوا الله تعالى عن دلائل أسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه بل أثبتوا من الأسماء والصفات ودلائلها كما يليق به تعالى وهو المسلك الحق الذي يجب اتباعه ونبذ ما عليه المعطلة والمشبهة أهل الإفراط والتفريط.

2 – أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض:

فالأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها ، كالحياة ، والعلم ، والقدرة ،

والسمع ، والبصر ، والكلام ، والإرادة ، ويجعلونها صفات حقيقية ، ثم ينازعون في محبة الله ورضاه ، وغضبه وكراهيته ، ويجعلون ذلك مجازاً ، أو يفسرونه بالإرادة ، أو يفسرونه بالنعم والعقوبات .

فيقال لهؤلاء : لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه ، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر ، فإن كنتم تقولون: حياته وعلمه كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك وإن قلتم له حياة وعلم وإرادة تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وعلمهم وإرادتهم ، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك .

وإن قلتم : إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، فكذلك يقال : الإرادة ميل النفس إلى جلب مصلحة أو دفع مضرة ، فإن قلتم : هذه إرادة مخلوق ، قلنا : هذا غضب مخلوق .

3 – أن الصفات التي وردت في الكتاب والسنة حق يجب الإيمان بها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل.

4 - أن آيات الصفات ليست من المتشابه :

وقد ذكر الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – أن كثيراً من الناس يطلق على آيات الصفات اسم المتشابه ، وهذا من جهة غلط ، ومن جهة قد يَسُوغ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله : " الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والسؤال عنه بدعة ، والإيمان به واجب "([50]).

كذلك يقال في النزول : النزول غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والسؤال عنه بدعة ، والإيمان به واجب ، واطرده في جميع الصفات ، لأن هذه الصفات معروفة عند العرب ، إلا أن ما وصف به خالق السماوات والأرض منها أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين ، كما أن ذات الخالق – جلّ وعلا – حق ، والمخلوقون لهم ذوات ، وذات الخالق – جلّ وعلا – أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين .

5 – أما عن وقوعهم في تحريف معاني الصفات باسم التأويل. فهو في الحقيقة صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان، فقولهم: (استوى) بمعنى : استولى . فهذا تلاعب بكتاب الله – جلّ وعلا – من غير دليل ولا مستند . لأنه تهجّم على كلام رب العالمين ، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه .

6 - أما زعمهم بأن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في باب الصفات فهذا قول مردود من وجوه: الوجه الأول: أن علماء الأمَّة جِيلاً بعد جِيل احتجوا بأحاديث الآحاد في باب العقائد والأحكام لا يُفَرَّقُون بينها وبين الأحاديث المتواترة ما دامت هذه الأحاديث صحيحة فهي حُجَّةٌ بِنَفْسِها في العقائد والأحكام.

الوجه الثاني: أنَّ هذا القول قول مُبتدَع مُحْدَث، لا أصل له في الشريعة، لم يعرفه السلف الصالح - رضوان الله عليهم - ولم ينقل عن أحد منهم. وإنما قال هذه المقالة جماعة من علماء الكلام، وأخذ بها من تأثَّر بهم من علماء الأصول من المتأخرين، وتلقَّاها عنهم بعض المُعاصرين بالتسليم دون مناقشة أو برهان.

الوجه الثالث: أما زعمهم أن أحاديث الآحاد تفيد الظن والشرع نهى عن اتباع الظن.

فجوابه: هذا في الظن المَرْجُوح الذي لا يُفيد عِلْمًا، فيكون قائمًا على الهَوَى، مُخَالِفًا للشرع، وليست أحاديث الآحاد من ذلك في شيء، بل هي من الشرع.

الوجه الرابع: أنه لا دليل يُعْتَدّ به على تَرْك العمل بحديث الآحاد في العقائد والتوحيد، فلم يثبت بآية قرآنية أو حديث نبوي صحيح ولا عن أحد من الصحابة - رضي الله

عنهم -  دليل يدل على ذلك.

الوجه الخامس: أنَّ القول بترْك العمل بحديث الآحاد في العقائد والتوحيد يستلزم منه  اختلاف المسلمين فيما يجب عليهم اعتقاده، فيكون الحديث حجة في حقِّ الصحابي، باطلاً مردودًا في حق من بعده.

الوجه السادس: أنَّ كثيرًا من العقائد الإسلامية التي تَلَقَّتْها الأُمَّة عن السَّلَف، وتلقت أحاديثها بالقبول، هي من الآحاد، وتَرْكُ العمل بأحاديث الآحاد تَرْكٌ لهذه العقائد الإسلامية الثابتة، وتخطئة للسلف في اعتقادها، واتخاذها دينًا، وأن يكون إسلامنا غير إسلامهم، وعقائدنا غير عقائدهم([51]).

المبحث الرابع: ذكر بعض صفات الله التي وردت بها النصوص الشرعية، من حيث معناها، نوعها، أدلتها، آثار الإيمان بها، موقف المخالفين منها، والرد عليهم إجمالاً.

المطلب الأول: صفة الحياة.

ا - معناها: أنه حي لا يموت لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى دون خلقه فإنهم يموتون

ب - نوعها: صفة الحياة لله جل وعلا من الصفات الذاتية اللازمة أي التي لا تنفك عن الله تعالى. لأن الله لم يزل ولا يزال حياً، كما قال الله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر } [الحديد: من الآية3} وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء". وقال تعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } [الفرقان: من الآية58].

ج - أدلتها: في إثباتها قال البيهقي: "باب ما جاء في إثبات صفة الحياة"([52])، ثم شرع في إيراد مجموعة من الآيات والأحاديث اشتملت على إثبات هذه الصفة.

فأما الآيات فمنها قول الله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. وقوله تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ}.

وأما ما أورده من الأحاديث فمنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوله: " اللهمَّ إني أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ تضلني، أَنْتَ الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ "([53]). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي ساقها لإثبات هذه الصفة.

وهي وإن كانت لم تتناول صفة الحياة بصريح العبارة وإنما اشتملت على إثبات اسمه

الحي، فإنها دليل أيضاً على ثبوت هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، فإذا ثبت أن الله موجود، ووصف بأنه حي، فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، لأن كل اسم يشتمل إثباته على إثبات الصفة التي يدل عليها.

د - آثار الإيمان بصفة الحياة:

1 -  محبة الله - عز وجل - وإجلاله وتوحيده:

فمتى علم العبد بربه سبحانه وبأن له الحياة الكاملة المطلقة والتي تتضمن جميع صفات الكمال توجب على العبد محبة ربه سبحانه وإجلاله وتوحيده، وهذا يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور مما تندفع به الكروب، والهموم، والغموم([54]).

2 -  التوكل الصادق على الله عز وجل:

يقول الله عز وجل: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } [الفرقان: 58]، فمن آمن بأن ربه سبحانه هو الحي الذي له الحياة الكاملة والحي الذي لا يموت أبدًا والذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا غفلة، يكون توكله في جميع أموره عليه وحده سبحانه ويكون ربه هو ذخره وملجأه في كل حين، ويقطع تعلقه ورجاءه في المخاليق الضعاف الذين يموتون وينامون ويغفلون وينسون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم. ومن العجب أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله يموت، ويفنى، وينام، وينسى فمن ذا يعينه إذا نام أو نسي أو مات وتركه.

3 - الزهد في هذه الحياة الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها:

لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلا بد من الموت، أما الحياة الدائمة التي يهبها (الحي

القيوم) لعباده المؤمنين فهي في الدار الآخرة في جنات النعيم، وهذا الشعور يدفع

المسلم إلى الاستعداد للآخرة والسعي لنيل مرضات الله - عز وجل - في الحياة السرمدية في جنات النعيم والله - جل شأنه - هو الذي يهب أهل الجنة الحياة الدائمة الباقية التي لا تفنى ولا تبيد، قال سبحانه: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) [العنكبوت:64] . فحياة أهل الجنة دائمة بإدامة الله (الحي القيوم) لها.

4 - اسمه سبحانه (الحي) يقتضي صفات كماله - عز وجل - كلها:

فمن أنكر صفة كمال لله تعالى وعطلها، لم يؤمن بأنه (الحي)، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "... وكذلك إذا اعتبرت اسمه (الحي) وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وإرادته، ورحمته، وفعله ما يشاء"([55]).

5 - من أعظم آثار الإيمان بصفة الحياة  أن من علم أن من صفات الله (الحياة، والبقاء) ، علم أنه يعبد إلهاً لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فأورثه ذلك محبة وتعظيماً وإجلالاً لهذا الرب الذي هذه صفته.

المطلب الثاني: صفة اليدان.

ا - معناها: لله يدان حقيقيتان لا تشبهان يدي المخلوق فأهل السنة يثبتون اليدين لله حقيقة على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله دون تشبيهٍ بيدي المخلوق.

ولا مثيل لها ولا نعرف كيفيتها، وهي من الصفات الخبرية الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال. ومعنى قول أهل السنة أنه يجب إثبات صفة اليد لله تعالى على الحقيقة : أي أن هذه اليد التي أثبتها موجودة حقيقة ليست مجازا ولا كناية ولا غيره ، وإنما قلنا ذلك: لأن الأصل في خطاب الله تعالى الحقيقة ولا يصرف إلى غيره إلا لقرينة من كلامه هو، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

أما الكيفية التي هي الوصفية، فنعنى بها: الهيئة والشكل والمقدار والطول والعرض والعمق والقياس وغيرها فهذا لا علم لنا به بل نكل علمه لله تعالى .

والقاعدة في ذلك : أن المغيب إنما يخبر به بمقدار ما عرفنا عنه ، واليد صفة لله تعالى حقيقية كما قلنا ، لكن هذه الصفة الحقيقية مغيبة عنا لم نرها ، فلا يجوز لنا وصفها لا بهيئة ولا بشكل ولا بمقدار ولا بطول ولا بعرض ولا بعمق ولا بقياس لأن الإخبار عن الكيفية يستلزم الرؤية أو أن عندنا من ذلك علم ، وليس ثمة ، وإنما توقف العلم عندنا عند الإخبار من الله بوجود الصفة على الحقيقة ، فوجب التوقف عند الإثبات على ذلك ، وتفويض معنى الكيفية إلى الله تعالى .

ب - نوعها : صفة اليد لله تعالى هي من الصفات الذاتية اللازمة لله تعالى والتي لا تثبت إلا من طريق السمع فقط، ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، كالقدم والساق والنفس، فكلها ثابتة بالكتاب والسنة، وقد ثبت بالكتاب والسنة أن لله يدين كلتاهما يمين، نمرها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل لها، ومن غير تعطيل ولا تأويل.

ج - أدلة إثبات اليد لله تعالى:

الأدلة على إثبات صفة اليد لله _ تعالى _ كثيرة جداً منها:

1- قوله تعالى لإبليس: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ) [ص:75].

2- وقوله تعالى: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) [المائدة:64]

قال أهل العلم: لفظ "اليد" جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردة كما في قوله تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] وكقوله:. . {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ومثنى كقوله:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[المائدة: 64]، وقوله:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}[ص: 75]،

ومجموع كقوله:{عَمِلَتْ أَيْدِينَا}[يس: 71]

أما الأدلة على إثبات صفة اليد من السنة المطهرة فمنها:

عن بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -  قال : جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، "فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ" : {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] ([56]).

وعن أَبَي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى"([57]).

وعن أَبَي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ

الأَرْضِ"([58]).

- وعن عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَطْوِي اللهُ عَزَّ

وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ "([59]).

والأحاديث التي جاءت في إثبات اليدين لله _ تعالى _ على ما يليق بجلاله كثيرة جداً.

د - الرد على المخالفين لأهل السنة في إثبات صفة اليد لله تعالى:

قد خالف أهل السنة والجماعة في إثبات اليد لله تعالى أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن نثبت لله يدًا حقيقية، بل المراد باليد أمر معنوي، وهو القوة أو المراد باليد النعمة، لأن اليد تطلق في اللغة العربية على القوة وعلى النعمة.

وجوابنا على هذا من عدة وجوه:

الوجه الأول: أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفًا لظاهر اللفظ، فهو مردود، إلا بدليل.

الوجه الثاني : أنه مخالف لإجماع السلف، حيث إنهم كلهم مجمعون على أن المراد باليد اليد الحقيقية. فلو كان عندهم معنى يخالف ظاهر اللفظ، لكانوا يقولون به، ولنقل عنهم، فلما لم يقولون به، علم أنهم أخذوا بظاهر اللفظ وأجمعوا عليه.

الوجه الثالث: أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعم أو القوة في مثل قوله: (ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ)[ص:75].لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط، ونعم الله لا تحصى!! ويستلزم أن القوة قوتان، والقوة بمعنى واحد لا يتعدد فهذا التركيب يمنع غاية المنع أن يكون المراد باليد القوة أو النعمة.

الوجه الرابع : أنه لو كان المراد باليد القوة ما كان لآدم فضل على إبليس، بل ولا على الحمير والكلاب، لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله، ولو كان المراد باليد القوة ما صح الاحتجاج على إبليس، إذ إن إبليس سيقول: وأنا يا رب خلقتني بقوتك، فما فضله علي؟!

الوجه الخامس: إن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة، فجاء فيها الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين، وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة، لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف.

فتبين بهذا أن قول هؤلاء المحرفين الذين قالوا: "المراد باليد القوة "باطل من عدة أوجه.

وقد سبق أن صفات الله عز وجل من الأمور الخبرية الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال، وما كان هذا سبيله، فإن الواجب علينا إبقاؤه على ظاهره، من غير أن نتعرض له([60]).

هـ - أثر الإيمان بصفة اليدين لله تعالى:

لا شك أن أثر الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم لأنها تورث القلب المهابة لله والخوف منه وتعظيم أمره وشأنه، وأنه الملك الذي قهر الملوك، وأنه لا مفر من قبضته، ولا ملجأ منه إلا إليه‏.

المطلب الثالث : صفة الغضب.

ا - معناها :ومن الصفات التي ثبتت لله عز وجل صفة الغضب ، وهي من الصفات الحقيقية الثابتة لله عز وجل اللائقة بجلاله تقتضي الانتقام من المغضوب عليه، هذه الصفة لا تماثل صفات المخلوقين، ولا نعرف كيفيتها.

ب – نوعها : الغضب صفة حقيقية ويترتب عليها الانتقام، وهي من الصفات الفعلية، المتعلقة بمشيئته سبحانه، أي أن اللهَ متَّصف بها منذ الأزل، ولكن الله لا يفعلها دومًا، وإنما يفعلها متى شاء، إذا شاء، كيفما شاء.

ج - أدلة صفة الغضب من الكتاب والسنة:

أدلة القرآن:

قال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ) [النساء:93] وقولـه تعالى: (ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) [النور:9] ، وقولـه تعالى: (ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) [طه:81]، وقولـه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13].

الدليل من السنة:

1- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي "([61]).

2- حديث الشفاعة الطويل، وفيه: " فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ... " ([62]).

وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب لله عزَّ وجلَّ بوجـه يليق بجلالـه وعظمته، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون، كمن يقول: الغضب إرادة العقاب، ولا يعطلون،بل يقولـون:(ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الشورى:11]

قال الطحاوي في (عقيدته) المشهورة: "والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى". قال الشارح ابن أبي العز الحنفي: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة"([63]).

وقال شيخنا ابن عثيمين – رحمه الله -: "غضب الله عزَّ وجلَّ صفة من صفاته الفعلية، لأنه يتعلق بمشيئته، وقد سبق لنا القول بأن كل صفة ذات سبب فإنها من الصفات الفعلية وهو حقيقي"([64]).

د – الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في صفة الغضب:

خالف أهل التعطيل وأهل التأويل ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة وغيرها من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى فزعموا: أنه ما ثمةَ غضب. وإنما المراد بالغضب المذكور في النصوص لازم الغضب وهو إرادة الانتقام. وعللوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إن أصل الغضب غليان دم القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيل على الله تعالى، أو بعبارة أخرى: إن حقيقة الغضب الانفعال والتغير من حال إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخر تلك التعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم، من أهل السنة والجماعة.

ونجيب على شبههم  بما يأتي:

1 - أن لوازم صفات المخلوقين لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق حتى تقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنهم أثبتوا ذات البارئ دون تفكير في لوازم ذوات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعلية دون تفكير في لوازم صفات المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق أو يلزم جميع النفاة المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم.

2 - أنه لا فرق بين ما نفيتموه من الصفات كالرحمة والغضب والمحبة وبين ما أثبتموه، فإن القول فيهما واحد لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر([65]).

هـ - آثار الإيمان بصفة الغضب:

التحذير مما يغضب الله تعالى. فالإنسان ما دام يعرف أن الله تعالى يغضب ،وغضبه سبحانه من عبده سيجعله ينتقم منه ، فسوف يحمله هذا الاعتقاد على فعل كل سبب يوصل إلى مرضاة الله تعالى ويبتعد عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.

المطلب الرابع :صفة الاستواء لله تعالى.

ا – معناه : معنى الاستواء الوارد في الكتاب والسنة العلو والارتفاع.

قال ابن القيم رحمه الله: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.

فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ)[القصص:14]،وهذا معناه:كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.

وأما المقيد فثلاثة أضرب:

أحدها: مقيد "بإلى" كقوله تعالى: (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ) [فُصِّلَت:11]، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله : (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ) [البقرة:29]، والثاني في سورة فصلت: (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) [فُصِّلَت:11] ، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.

الثاني: المقيد "بعلى" كقوله تعالى (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) [الزُّخرُف:13] ، (ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) [هود:44]، وقوله (ﭺ ﭻ ﭼ)  ، وهذا أيضاً معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.

الثالث: المقرون "بواو مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم" ([66]).

قال ابن عبد البر: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار

والتمكن فيه"([67]).

ب – نوعه : الاستواء على العرش من صفات الله الفعلية الثابتة على ما يليق بجلاله وعظمته وهي الصفاتُ التي يتصفُ الله بها منذ الأزل، ولا تنفكُّ عنه ولا لحظة واحدة.  ولا يُتطرق إلى تشبيه معناها، بل تثبت من غير كيف، وفق منهج السلف الذين يثبتون الصفات من غير تكييف .

وقد ثبت عن الإمام مالك إمام دار الهجرة أنه سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [طه:5] كيف استوى? فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء " العرق " ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً" ثم أمر به أن يخرج"([68]).

ج – أدلة ثبوت صفة الاستواء لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته:

استواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.

فمن أدلة القرآن قوله تعالى: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ) [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2،الفرقان:59،  السجدة: 4، الحديد: 4] ، وقوله تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [طه:5] .

ومن أدلة السنة:

1- عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ذكر الشفاعة يوم القيامة: "فَآتِي  بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، فَأَقْرَعُ الْبَابَ، فَيُقَالُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيُفْتَحُ لِي، فَآتِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُرْسِيِّهِ - أَوْ سَرِيرِهِ شَكَّ حَمَّادٌ - فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَيْسَ يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي،  فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مَنْ

كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ كَذَا وَكَذَا"([69]).

2- ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ "([70]).

3 - حديث جبير بن مطعم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: " إنه لفوق عرشه على سماواته "([71]).

4 – حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لما فرغ الله من خلقه، استوى على عرشه"([72]).

وقد أجمع سلف هذه الأمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن الله تعالى فوق عرشه مستو عليه، ولم يقل أحد من السلف: إن الله تعالى ليس على العرش. وقد نقل إجماعهم وإجماع جميع أهل السنة على ذلك جمع من أهل العلم من

 المتقدمين والمتأخرين"([73]).

د – أقوال المخالفين لأهل السنة في صفة الاستواء:

القول الأول: من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [طه:5]. على الاستيلاء والقهر والغلبة. وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية، والمعتزلة، والحرورية، وكثير من متأخري الأشاعرة، كالغزالي، والبغدادي، وغيرهم.

والرد عليهم من وجوه:

أولاً: تفسيرهم لمعنى الاستواء بالاستيلاء لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون إجماع السلف ، والدليل على إجماعهم أنه لم ينقل عنهم أنهم قالوا به وخالفوا الظاهر، ولو كانوا يرون خلاف ظاهره، لنقل إلينا، فما منهم أحد قال: إن (استوى) بمعنى (استولى) أبداً.

ثانياً: أنه مخالف لظاهر اللفظ، لأن مادة الاستواء إذا تعدت بـ (على) ، فهي بمعنى العلو والاستقرار، هذا ظاهر اللفظ، وهذه مواردها في القرآن وفي كلام العرب.

ثالثاً: أنه يلزم على القول بهذا لوازم باطلة منها:

1- يلزم أن يكون الله عز وجل حين خلق السماوات والأرض ليس مستولياً على عرشه، لأن الله يقول: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [الأعراف:54] ، و{ثُمَّ} تفيد الترتيب، فيلزم أن يكون العرش قبل تمام خلق السماوات والأرض لغير الله.

2- أن الغالب من كلمة (استولى) أنها لا تكون إلا بعد مغالبة! ولا أحد يغالب الله.

3- من اللوازم الباطلة أنه يصح أن نقول: إن الله استوى على الأرض والشجر والجبال، لأنه مسئول عليها. وهذه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم([74]).

القول الثاني : القول بالتفويض

ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه. وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد وهو أحد قولي الرازي.

وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه. وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف.

الرد عليهم:

أولاً : نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعاً أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.

قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك"([75]).

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية"([76]).

ثانياً: ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة) ، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول) ، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى. والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية، لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلوماً في القرآن.

ثالثاً : أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى- فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقاً بل غالباً ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.

القول الثالث: قول المشبهة:

وهم الذين يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء فشبهوا الله تعالى بخلقه في هذه الصفة . فقالوا إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه. أو أن الله تعالى حينما استوى على عرشه كان استواءه كاستواء فلان على عرشه.

الرد عليهم:

هذا القول للمشبهة يتضمن حقاً وباطلاً.

فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.

وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله سبحانه وتعالى لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [البقرة:255]. فأين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟

والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة([77]).

المطلب الخامس: صفة العلو لله تعالى:

ا - معناها :

الإيمان بعلو الله, وأنه- سبحانه- فوق العرش فوق جميع الخلق، ، وأنه بائن من خلقه وهم بائنون منه.

وقد قسم العلماء العلو إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات.

أما علو الذات : فإن معناه أنه فوق مخلوقاته مستو على عرشه ليس فوقه شيء، بل كل الأشياء تحت الله – عز وجل - .

وأما علو الصفات : فمعناها علو صفاته عن مشابهة المخلوقين،

فلا يماثله أحد من خلقه، بل لا يستطيع الخلائق كلهم الإحاطة ببعض معاني صفة واحدة من صفاته فهو كما قال: (ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الشورى:11]. في نعوته وأسمائه وهو كما قال عن نفسه: (ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [الروم:27]

. فصفاته عز وجل عليا ليس فيها نقص بأي وجه من الوجوه.

ب - نوعها :

صفة العلو من الصفات الثابتة لله تعالى في القرآن والسنه المطهرة وهى من الصفات الذاتية

أي التي لا تنفك عن الله تعالى. وهي في الوقت نفسه عقلية وسمعية أي فهي ثابتة بالعقل والفطرة، والسمع كما سيأتي.

ج – دليلها :

أولاً : دلالة الكتاب الكريم:

قال- جل وعلا-: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [غافر:12]، وقال -جل وعلا-:

(ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [البقرة:255]، وقال-سبحانه-: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [الأعراف:54]، وقال-سبحانه-: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [طه:5] ، وقال-جل وعلا-: (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [فاطر:10]، والآيات في هذا المعنى كثيرة،

ثانياً : إثبات صفة العلو من السنة:

وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فكثيرة جدا منها:

1 - عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا" فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللهُ؟" قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: "مَنْ أَنَا؟" قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"([78]).

وفي هذا الحديث مسألتان:

إحداهما: قول الرجل لغيره: أين الله؟

وثانيهما: قول المسئول: في السماء.

فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ  عَلَيْكَ زَوْجَكَ" . قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَلَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا لِشَيْءٍ لَكَتَمَ هَذِهِ، فَلَقَدْ كَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى من فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ"([79]).

3 - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي "([80]).

4 - عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ " ([81]).

5 - عن أبي  سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، رضي الله عنه قال: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اليَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ، وَزَيْدِ الخَيْلِ، وَالرَّابِعُ: إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً" ([82]).

ثالثاً : دلالة الإجماع على علو الله تعالى:

فقد أجمع سلف الأمة كلهم على أن الله فوق العرش ، ولم يرو عن أحد منهم قول: إن الله في كل مكان. قال . الإمام ابن بطة العكبري : باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه . "أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين وقالوا : إن الله ذاته لا يخلو منه مكان". انتهى"([83]).

رابعاً : دلالة الفطرة على علو الله تعالى:

أما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى.

خامساً : دلالة العقل:

 أما دلالة العقل، فنقول: لا شك أن الله عز وجل إما أن يكون في العلو أو في السفل, وكونه في السفل مستحيل، لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام فإذا كان السفل مستحيلاً، كان العلو واجباً.

د – الرد على المخالفين لأهل السنة في صفة العلو:

والذين أنكروا علو الله عز وجل بذاته خلاصة شبهتهم أنهم تصوروا  خطأ  أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء ،إذ لو كان في العلو بذاته، كان في جهة، وإذا كان في جهة، كان محدوداً وجسماً, وهذا ممتنع!

 فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر، كما فهموا – خطأ – أيضاً من قوله تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [طه:5]  ، وما في معناه من النصوص أنه تعالى جالس على العرش، وأنه محتاج إليه، فشبهوه بإنسان جالس على سريره، محتاجاً إليه، فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم، فوقعوا في التعطيل.

ثم إنهم اختلفوا بعد ما نفوا صفة العلو والاستواء اختلافاً خطيراً، حيث زعم بعضهم بأنه سبحانه وتعالى في كل مكان بذاته، بينما يزعم الآخرون بأنه تعالى: ليس فوق العرش، ولا تحت العرش، ولا يمينه، ولا يساره. ونص كلام بعضهم هكذا: "فليس الله عن يمين العرش، ولا عن شماله، ولا أمامه، ولا خلفه، ولا فوقه، ولا تحته.

والجواب عن قولهم: نقول:

أولاً : أن ما استدل به هؤلاء لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي.

ثانياً: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها النافون لصفة العلو إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم.

ثالثاً : لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات, ولو جاز هذا، لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة.

فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو, ورسوله, صلى الله عليه وسلم أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو، فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات، لأنه لو كان علو ذات، لكان كذا وكذا.

رابعاً: إن كان ما ذكرتم لازماً لإثبات العلو لزوماً صحيحاً، فلنقل به، لأن لازم كلام

الله ورسوله حق، إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم معني فاسداً، لبينه، ولكنها لا تستلزم معني فاسداً.

خامساً: ثم نقول لهؤلاء ما هو الحد والجسم الذي أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم فيها.

أتريدون بالحد أن شيئاً من المخلوقات يحيط بالله؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعنى، ولكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لعدم ورود ذلك.

وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعنى، لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لما سبق.

وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن الله تعالي له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالي.

سادساً: أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث وقد سبق بيان الأدلة في ذلك.

هـ - أثر الإيمان بصفة الاستواء والعلو :

أن الإنسان إذا علم بأن الله تعالى مستو على عرشه مع قربه من عباده وأنه فوق كل شيء، فإنه يعرف مقدار سلطانه وسيطرته على خلقه، وحينئذ يخافه ويعظمه، وإذا

خاف الإنسان ربه وعظمه، فإنه يتقيه ويقوم بالواجب ويدع المحرم.

المطلب السادس: صفة النزول لله تعالى.

ا - معناها : صفة النزول كسائر الصفات يجب الإيمان بها من غير تكييف للصفة ولا تعطيل ولا

تأويل فينزل ربنا إلى السماء الدنيا بذاته، نزولاً يليق بجلاله وعظمته، لا نعلم كيفيته ولا ندرك

كنهه، ونزوله سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته سبحانه وتعالى، ولا يشابه نزول المخلوقين.

ب  - نوعها :

صفة النزول لله تعالى هي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته سبحانه والتي كثر فيها النزاع بين السلف والخلف، كاختلافهم في جميع الأفعال عامة، والأفعال اللازمة خاصة. مثل الاستواء والمجيء والإتيان.

والقول الحق المؤيد بالأدلة هو الذي عليه سلف الأمة من أن الله تعالى تقوم به هذه الأفعال فيكون النزول فعلاً فَعَلَه سبحانه وكذلك مجيئه وسائر أفعاله([84]).

ج – دليلها :

أما ثبوتها بالكتاب فبالاستنباط من قول الله تعالى: (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [البقرة:210]

وجه الدلالة على النزول من الآية هو أن تشقق السماء بالغمام إيذاناً بنزول الله لأن

التشقق مقدمة النزول ومقدمة الشيء منه.

وعن ابن مسعود قال: (أربعون سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون القضاء، فينزل الله جل وعلا من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام).

وهذا الأثر عن ابن مسعود إن كان سنده صحيحاً فهو من باب الموقوف الذي له حكم الرفع، لأنه لا يدخل الاجتهاد فيه.

أما السنة فقد وردت في إثبات صفة النزول أحاديث كثيرة منها:

1- حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ "([85]).

3 – عن عائشة رضي الله عنها إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ "([86]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات نزول الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة كيوم الجمعة"([87]).اهـ.

وقال حافظ الحكمي : " ومما يجب الإيمان به وإثباته وإمراره كما جاء، صفة النزول للرب عز وجل كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة عن فضلاء الصحابة كأبي بكر الصديق, وعلي بن أبي طالب, وأبي هريرة, وأبي سعيد, وجبير بن مطعم, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن مسعود, وعمرو بن عبسة, ورفاعة الجهني, وعثمان بن أبي العاص الثقفي, وأبي الدرداء, وابن عباس, وعبادة بن الصامت, وأبي الخطاب, وعمر بن عامر السلمي, وغيرهم رضي الله عنهم"([88]).

د - عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة النزول :

أهل السنة والجماعة يشهدون شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب جل وعلا من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا, وأعلمنا أنه ينزل, والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه -صلى الله عليه وسلم- بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم. فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول كما يشاء ربنا وعلى ما يليق بجلاله وعظمته عز وجل غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية, إذ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصف لنا كيفية النزول, فنسير بسير النصوص حيث سارت ونقف معها حيث وقفت لا نعدوها إن شاء الله تعالى ولا نقصر عنها. وقد تكلفت جماعة من مثبتي المتكلمين فخاضوا في معنى ذلك, وفي ذلك الانتقال وعدمه, وفي خلو العرش منه وعدمه نفيا وإثباتا وذلك تكلف منهم, ودخول فيما لا يعنيهم, وهو ضرب من التكييف لم يأت في لفظ النصوص ولم يسأل الصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء من ذلك حين حدثهم بالنزول, فنحن نؤمن بذلك ونصدق به كما آمنوا وصدقوا "([89]).

هـ -  المخالفين لأهل السنة والجماعة والرد عليهم:

المخالفون لأهل السنة والجماعة من المبتدعة المُعَطِّلَة، كالمعتزلة، والجهمية، والأشاعرة،

وغيرهم - يؤوِّلون صفة النزول لله - تعالى – ويقولون: المراد بها نزول رحمته، أو أمره، أو ملائكته، ولا شك أنَّ هذا تأويلٌ باطلٌ لأمور منها.

1- أن هذا مخالفٌ لإجماع السلف، أو لطريقة السلف - رحمهم الله.

2- أنه مخالفٌ لظاهر النصوص، ولا دليل على هذا التأويل.

3- أنَّ تأويلَكم بأنَّ المراد نُزول الرحمة تأويلٌ باطل، لأنَّ الرحمة نازلة على العباد في كلِّ حين، وكذلك أمره ينزل في كل وقت، وليست الرحمة خاصَّة بالثلُث الأخير من الليل، بل إن العباد لا يستغنون عن رحمة الله - عز وجل - ولو كانتْ لا تنزل عليهم إلا في الثلُث الآخر من الليل، لفسدت معيشتهم، وهلَكَتْ أنفسُهم في الأوقات الأخرى.

4- أن تأويلكم بأن المراد نُزُول أمره أو ملائكته يردُّه آخر الحديث، ففي آخره أن الله - عز وجل - يقول: ": " مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ "([90]). فهل يُعقل أن تقول الرحمة أو الأمر أو الملائكة هذا القول؟!

هذا لا يمكن أن يقوله إلا الله - عز وجل - وهذا يدلُّ على أنه - سبحانه - هو الذي ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر لا غيره

و - أثر الإيمان بصفة النزول.

لا شك أن أثر الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم لأنها تورث القلب محبة الله الذي يتفضل بالنزول إلى عباده إلى سماء الدنيا يدعوهم إلى سؤال ما يرغبون في حصوله من خيري الدنيا والآخرة مع غناه عن عباده سبحانه وتعالى.

ومن آثار الإيمان بهذه الصفة  أنه يورث في قلب المؤمن الذي ما أن يشهد لله بنزوله

إلى سماء الدنيا حتى يعظم شأنه الله، ويعلم أنه مطلع على خفياته، سميع له في أي ساعة دعاه من ليل أو نهار، وأنه لا يغيب عنه سبحانه عمل عامل من خير وشر‏.‏‏.‏ وهكذا‏.

المطلب السابع: صفة رؤية المؤمنين لربهم .

ا - معناها: ثبوت رؤية أهل الجنة لربهم سبحانه وتعالى في الآخرة، فيرى المؤمنون ربهم سبحانه وتعالى في عرصات القيامة وفي الجنة، ويحرم من رؤيته الكفار، وذلك جزاء وفاقاً، فقد تركوا شرع الله في الدنيا فعاقبهم الله بتركهم وإهمالهم في الآخرة، وهذه الصفة أثبتها أهل السنة وأنكرها أهل البدعة والضلالة كما سيأتي.

ب - نوعها : إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة للمؤمنين ليس صفة من صفات الله تعالى لأن الرؤية لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه سبحانه فالله هو المرئي لهم، وكوننا  أدخلناها في عداد الصفات لأنها محل نزاع بين السلف والخلف كما سيأتي.

ج - أدلتها : أولاً : أدلة الكتاب:

الدليل الأول:: قال الله تعالى(ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭝ ﭞ ﭟ) [القيامة:22، 23]

 هذه الآية من أصرح الأدلة وأوضحها وأبينها في إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة وذلك من وجوه.

 (1)  أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محل النظر.

(2)   أن الله تعالى عدَّى النظر بـ إلى وهي صريحة في نظر العين.

(3)   أن الآية خلت من قرينة تصرف النظر إلى غير معناه وحقيقته وقد فسرها ابن

عباس وعكرمة وغيرهما  بالنظر إلى وجه ربها([91]) .

وهذا جملة من أقوال السلف في تفسير هذه الآية:

عن الحسن في قوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)  قال حسنة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)  قال: "تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضَّر وهي تنظر إلى الخالق"([92]).

قال ابن كثير في تفسيرها: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)  من المناضرة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)  أي تراه عياناً كما رواه البخاري في صحيحه {أنكم سترون ربكم عياناً} أي معاينة ينظرون إليه"([93]).

وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنها: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)  قال: تنظر إلى وجه ربها عز وجل ، وقال عكرمة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ] قال: من النعيم (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)  قال: تنظر إلى ربها نظراً. ثم حكي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- مثله. وهذا قول كل مفسري أهل السنة والحديث"([94]).

الدليل الثاني: قول الله تعالى(ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ) [ق:35].

قال الطبري "قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك –رضي الله عنهما في تفسيرها:

هو النظر إلى وجه الله عز وجل"([95]).

الدليل الثالث : قول الله تعالى (ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ) [يونس:26]

قال أهل التفسير الحسنى هنا الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده.

فَعَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ)[يونس:26] قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَوْا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ  اللَّهِ تَعَالَى مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. قَالُوا: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْحِجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا شَيْءٌ أُعْطُوهُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ"([96]).

وبهذا التفسير فسرها الصحابة -رضوان الله عليهم- جميعاً فإنهم لم يكونوا يعدلون عن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها إلى أحد غيره.

الدليل الرابع: قول الله تعالى (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [المطفِّفين:15].

قال أهل العلم ومنهم الإمام الشافعي وغيره: "لما أن الله حجب هؤلاء حال السخط عليهم كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه حال رضاه عنهم"([97]).

قال مقاتل في تفسير الآية :"معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب لا يرون ربهم والمؤمنون يرون ربهم". وقال الكلبي :"يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه"([98]).

ثانياً: أدلة السنة:

أما أدلة السنة في رؤية المؤمنين لربهم -تبارك وتعالى- في الآخرة فهي كثيرة جداً وقد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى أتباعه من الصحابة وسلف الأمة هذه النصوص بكل قبول

وارتياح وكلهم يرجوه ويدعوه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه.

فمن الأدلة التي جاءت في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة:

الدليل الأول :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه – :  أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ  فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ"([99]).

الدليل الثاني:

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه –  قَالَ كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ (ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) [ق:39]"([100]).

الدليل الثالث:

عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ

عَدْنٍ."([101]).

قال شارح الطحاوية: "ومن أراد الوقوف على أحاديث الرؤية فليواظب سماع الأحاديث النبوية فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه

يضحك إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق..." ([102]).

د - المخالفين لأهل السنة والجماعة في صفة الرؤية:

أجمعت المعتزلة على أن الله لا يُرى بالأبصار، ثم اختلفوا فيما بينهم هل يُرى بالقلوب أم لا؟ وقال أكثر المعتزلة أن الله يُرى بالقلوب بمعنى أنه يُعلم .

وأنكر بعضهم حتى هذا النوع من الرؤية بل صرحت جماعة من المعتزلة والخوارج وطوائف من المُرجئة وبعض الزيدية بأن الله لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة، ولا يجوز ذلك عليه تعالى.

أما الأشعرية فإنهم يثبتون الرؤية بالأبصار في الآخرة ولكن دون مقابلة ودون إثبات للفوقية لله تعالى كما أثبت الله لنفسه (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [النحل:50]، وهذا فيه نوع من الغموض وعدم الوضوح، إذ لا يعقل إثبات موجود في الخارج ووجوده حقيقي وإثبات رؤيته بالأبصار ثم القول إنه ليس فوق الرائي أو على يمينه أو على يساره أو تحته. هذا كلام يرده كل من يسمعه وهو يعقل ما يسمع.

وأما أهل السنة والجماعة فيؤمنون بأن الله يتجلى لعباده في الموقف وفي الجنة من فوقهم ويخاطبهم ويسلم عليهم ويرونه بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها

سحاب.

واحتج نفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة ومن سار على مسلكهم من الخوارج والروافض وغيرهم بأدلة باطلة وحجج واهية، وسنذكر طرفاً مما استدل به هؤلاء مع مناقشة هذه الأدلة والرد عليهم.

الدليل الأول :

استدل النفاة بقوله تعالى (ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) [الأنعام:103].

وجه الدلالة عندهم من الآية: أن الله تعالى نفى أن يدرك بالأبصار وما دام الإدراك قد قرن بالبصر فإنه يفيد عدم الرؤية بالبصر وعليه يكون قوله تعالى [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ] بمعنى لا تراه الأبصار فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك الأبصار([103]).

الرد على هذه الشبهة:

أن الآية تدل على ثبوت الرؤية من وجه حسن لطيف وهو أن الله - جل وعلا- ذكرها في سياق

التمدح ومعلوم أن المدح في الصفات الثبوتية وليس في الصفات العدمية إلا إذا تضمن ذلك إثباتاً للكمال كنفي السنة والنوم ونفي اللغوب والإعياء وهكذا نفي الشريك والولد ونفي الأكل والشرب لأن هذا كله يتضمن إثبات صفات كمال لله - جل وعلا- تخالف صفات البشر.

فلو كان المراد من قوله [تُدْرِكُهُ] أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والربّ

سبحانه وتعالى يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض.

إذاً فمعنى الآية أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية ([104]).

فخلاصة الرد عليهم في هذه الآية: أن الآية فيها نفي الإدراك، والرؤية لا تستلزم الإدراك ألا ترى أن الرجل يرى الشمس ولا يحيط بها إدراكاً، فإذا أثبتنا أن الله تعالى يُرى لم يلزم أن يكون يدرك بهذه الرؤية، لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، ونفيه –أي الإدراك- يدل على وجود أصل الرؤية لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم ولو كان الأعم منتفياً لوجب نفيه([105]).

الدليل الثاني:

ومن أدلة النفاة للرؤية أيضاً قوله تعالى (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ) [الأعراف:143]

وجه الاستدلال عندهم: أن «لن» تفيد التأبيد وأن موسى عليه السلام لما أفاق قال سبحانك أي أنزهك عما لا يجوز عليك وأنه تاب مما وقع منه وهو طلب الرؤية([106]) .

الرد على هذا الاستدلال:

أجاب أهل السنة في ردهم على ما استدل به النفاة في هذه الآية من عدة وجوه وأثبتوا أن الآية دليل على ثبوت رؤية الله -جل وعلا- في الجنة، وأجابوا على استدلال النفاة بها من عدة وجوه:

الوجه الأول: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله موسى –عليه الصلاة والسلام- وهو

أعلم الناس بربّه –جل وعلا- في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هذا من أعظم المحال .

الوجه الثاني : أن الله لم ينكر على نبيه موسى –عليه الصلاة والسلام- سؤاله ولو كان ذلك غير ممكن لأنكر سبحانه عليه كما أنكر على نوح –عليه الصلاة والسلام- سؤاله لربه وطلبه نجاة ابنه فقال(ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [هود:46].

الوجه الثالث: أن الله تعالى قال: [لَنْ تَرَانِي] ولم يقل إني لا أرى ولا تجوز رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر.

الوجه الرابع: قال تعالى (ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [الأعراف:143]

فاعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف.

الوجه الخامس : أن الله تعالى تجلَّى للجبل وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله و أوليائه في دار كرامته ولكن الله أعلم موسى –عليه الصلاة والسلام- أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر الذي خلق من ضعف من باب الأولى.

الوجه السادس: أن الله - جل وعلا- كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكليم والتكلم وأن يسمع مخاطبُه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمع بينهما بعض المبتدعة فنفوا الرؤية ونفوا الكلام.

الوجه السابع: دعواهم أن «لن» تفيد التأبيد أي أنه لا يرى مطلقاً في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا الدعوى باطلة لأن «لن» لا تقتضي النفي المؤبد ولذا يقول ابن مالك:

ومن رأى النفي بـ لن مؤبداً    ***    فقوله اردد وسواه فاعضدا

الوجه الثامن: استدلالهم بقول موسى –عليه الصلاة والسلام-: [] قاله لما رأى من كمال قدرة الله تعالى وعظمته حيث لم يستطع الجبل أن يتحمل قوة نوره سبحانه وتعالى وليس معناه كما يقول النفاة ننزه مما لا يجوز عليه في الرؤية.

الوجه التاسع: قول موسى - عليه الصلاة والسلام- [ﯷ ﯸ] أي تبت إليك من مسألة الرؤية في الدنيا، وقيل قاله على جهة الإنابة والخشوع له عند ظهور الآيات كما مرّ وقد أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية([107]).

الدليل الثالث:

قال النفاة : إن إثبات الرؤية يلزم منه أن الله في جهة وهذا يلزم منه أن له جسماً وهذا ممتنع على الله.   والجواب على ذلك:

أن نقول: لفظ الجهة فيه إجمال فإن أريد بالجهة أنه حال في شيء من مخلوقاته فهذا باطل والأدلة ترده وهذا لا يلزم منه إثبات الرؤية، وإن أريد بالجهة أنه سبحانه فوق مخلوقاته فهذا ثابت لله سبحانه وتعالى ونفيه باطل لا يتنافى مع رؤيته سبحانه وتعالى([108]).

هـ -  أثر الإيمان برؤية الله تعالى على العبد:

أما في مسألة الرؤية، فما أعظم أثرها على الاتجاه المسلكي، لأن الإنسان إذا وجد أن غاية ما يصل إليه من الثواب هو النظر إلى وجه الله كانت الدنيا كلها رخيصة عنده، وكل شيء يرخص في جانب الوصول إلى رؤية الله عز وجل لأنها غاية كل طالب, ومنتهى المطالب.

فإذا علمت انك سوف ترى ربك عياناً بالبصر فوالله لا تساوي الدنيا عندك شيئاً.

فكل الدنيا ليست بشيء، لأن النظر إلى وجه الله هو الثمرة التي يتسابق فيها المتسابقون, ويسعى إليها الساعون وهي غاية المرام من كل شيء.

فإذا علمت هذا فهل تسعى إلى الوصول إلى ذلك أم لا؟!

والجواب: نعم، أسعى إلى الوصول إلى ذلك بدون تردد.

وإنكار الرؤية في الحقيقة حرمان عظيم, لكن الإيمان بها يسوق الإنسان سوقاً عظيماً إلى الوصول إلى هذا الغاية، فهو يسر ولله الحمد، فالدين كله يسر حتى إذا وجد الحرج تيسر الدين فأصله ميسر وإذا وجد الحرج تيسر ثانية, وإذا لم يمكن القيام به أبداً سقط الواجب مع العجز, ولا حرام مع الضرورة([109]).

المطلب الثامن : صفة الكلام لله تعالى.

ا - معناها : أن الله يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء, بما شاء, بحرف وصوت مسموع، لا يماثل أصوات المخلوقين.

وخلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته، يتكلم بها بمشيئته وقدرته، فهو لم يزل ولا يزال متكلما إذا شاء، وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه، كما تقول المعتزلة، ولا لازما لذاته لزوم الحياة لها، كما تقول الأشاعرة، بل هو تابع لمشيئته وقدرته.

والله سبحانه نادى موسى بصوت، ونادى آدم وحواء بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولكن الحروف والأصوات التي تكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم، كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته([110]).

ب - نوعها : صفة الكلام ذاتية باعتبار أصله وصفة فعلية باعتبار آحاده فهو سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء بكلام مسموع وصوت وحرف كما سبق بيانه([111]).

ج - أدلة أهل السنة في إثبات صفة الكلام لله تعالى:

جاءت نصوص الكتاب والسنة المستفيضة في إثبات الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به وقد ذكرنا قول أهل السنة في إثبات هذه الصفة لله تعالى.

أما نصوص الكتاب فمنها:

(1)   قوله تعالى:( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) [البقرة:253].

(2)   وقوله تعالى: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ)[النساء:164] فأكده بالمصدر مبالغة في البيان والتوضيح.

(3)   وقوله تعالى:(ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ) [الأعراف:143] .

(4)   وقوله تعالى: (ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ) [مريم:51،52].

والآيات في إثبات هذه الصفة كثيرة جداً. والقرآن من كلامه كما هو مذهب أهل السنة كما قال تعالى :(ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ) [التوبة:6].

أما أدلة السنة فمنها:

1 - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضي الله عنه –  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ (تَرْجُمَانٌ) وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ"([112])

2 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ يَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادَى بِصَوْتٍ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ...."([113])

وهذا فيه دليل لأهل السنة في إثبات أن الله تعالى يتكلم بصوت بخلاف من قال بأنه قائم بذاته لا ينفك عنه.

د - المخالفين لأهل السنة في صفة الكلام والرد عليهم:

تنازع الناس حول هذه المسألة نزاعا كبيرا:

فمنهم من جعل كلامه سبحانه مخلوقا منفصلا منه، وقال: إن معنى (متكلم) : خالق للكلام. وهم المعتزلة. ومنهم من جعله لازما لذاته أزلا وأبدا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ونفى عنه الحرف والصوت، وقال: إنه معنى واحد في الأزل. وهم الكلابية  والأشعرية.

ومنهم من زعم أنه حروف وأصوات قديمة لازمة للذات، وقال: إنها مقترنة في الأزل، فهو سبحانه لا يتكلم بها شيئا بعد شيء. وهم بعض الغلاة.

ومنهم من جعله حادثا قائما بذاته تعالى، ومتعلقا بمشيئته وقدرته، ولكن زعم أن له ابتداء في ذاته، وأن الله لم يكن متكلما في الأزل. وهم الكرامية.

الرد على شبه المخالفين لأهل السنة من المعتزلة ومن وافقهم

استدل المبتدعة من المعتزلة وغيرهم على قولهم بأدلة منها:

1 - قوله تعالى (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ) [الزُّمَر:62]. والقرآن شيء فهو مخلوق كجميع الأشياء.

2 - واستدلوا أيضاً بقوله تعالى:(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الزُّخرُف:3]. فقالوا كل مجعول مخلوق لأن جعل بمعنى خلق.

3 - واستدلوا أيضاً بقوله تعالى (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [القصص:30]. قالوا إن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها.

4 - أن الله أضاف الكلام إليه إضافة تشريف.

فهذه هي جملة ما احتج به المعتزلة على القول بخلق القرآن.

الرد على هذه الشبه:

أولاً: استدلالهم بقوله تعالى : (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) [الزُّمَر:62].

نقول: بأن عموم (كل) في كل موضع بحسبه ويعرف ذلك بالقرائن كقوله تعالى (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) [الأحقاف:25]

فمساكنهم شيء ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح وذلك لأن المراد بـ (ﮜ ﮝ ﮞ)

يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير.

وكذلك كقوله تعالى حكاية عن بلقيس (ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ) [النمل:23].

المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام.

أما معنى قوله تعالى (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) [الزُّمَر:62].أي كل شيء مخلوق وكل موجود سوى الله فهو مخلوق فدخل في هذا العموم أفعال العباد ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره لأنه سبحانه هو الموصوف بصفات الكمال وصفاته ملازمة لذاته المقدسة

ثانياً: الرد على الشبهة الثانية:

قوله تعالى:(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الزُّخرُف:3]نقول إن كلمة (جعل) قد تتعدى إلى مفعول واحد وهنا يكون معنى جعل خلق، كقوله تعالى

(ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ) [الأنعام:1]. أي وخلق الظلمات والنور، وقوله تعالى

(ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) [الأنبياء:30]. أي وخلقنا من الماء كل شيء حي.

(ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [الأنبياء:31]

 وخلقنا على الأرض جبالاً رواسي حتى لا تضطرب بهم الأرض، فالجبال خلقها الله تعالى لتثبت بها الأرض.

وقد تأتي (جعل) لتتعدى إلى مفعولين وهنا لا تكون بمعنى خلق كقوله تعالى: (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [النحل:91]، وكقوله تعالى:( ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ) [الإسراء:39]

 وكقوله تعالى: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [الزُّخرُف:19]، وهكذا قوله تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الزُّخرُف:3]فليس

معنى جعل هنا خلق كما زعم المعتزلة.

ثالثاً: الرد على الشبهة الثالثة:

استدلالهم بقوله تعالى (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [القصص:30] وقولهم بأن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة فسمعه موسى منها فهذا من أبطل الباطل لأن الله تعالى قال (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) والنداء: هو الكلام من بعد فسمع موسى - عليه الصلاة والسلام- النداء من حافة الوادي ثم قال (ﭵ ﭶ ﭷ) أي أن النداء كان في البقعة المباركة من الشجرة كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت يكون (من البيت) لابتداء الغاية لا أن البيت هو المتكلم. ولو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) .وهل قال (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) غير رب العالمين([114]).

رابعاً: قول المعتزلة ومن وافقهم أن الله أضاف إليه الكلام إضافة تشريف، يقال لهم:

إن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان، فإضافة الأعيان إلى الله للتشريف وهي مخلوقة له كبيت الله وناقة الله بخلاف إضافة المعاني كعلم الله وقدرته وعزته وجلاله وكبريائه وكلامه وحياته وعلوه وقهره فإن هذا كله من صفاته لا يمكن أن يكون شيء من ذلك مخلوقاً .

والوصف بالمتكلم من أوصاف الكمال وضده من أوصاف النقص ولهذا نفاه الله عن العجل في قصة موسى وقومه وأبان الله عن نقصه وعجزه وعدم ألوهيته وذلك لعدم كلامه، قال تعالى:(ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ) [الأعراف:148]. وقال

تعالى: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [طه:89].

فعلم أن نفي رجع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل.

وغاية شبهة المعتزلة ومن وافقهم أنهم يقولون يلزم من كلامه سبحانه التشبيه والتجسيم.

ويقال لهم: إذا قلنا أنه يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم فنحن نؤمن بشهادة الجوارح يوم القيامة وكلام الأيدي والأرجل لكن لا نعلم كيف تتكلم قال تعالى (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) [يس:65].

وكذا تسبيح الشجر والعصى والطعام وسلام الحجر كل ذلك حاصل وليس لهذا فم يخرج منه الصوت، وقد جاءت النصوص أن الله يكلم أهل الجنة قال تعالى ( سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)[ يس 58] وقد ذكرنا جملة من الأدلة على إثبات كلام الله تعالى.

وقد ذكر ابن القيم –رحمه الله- أننا إذا أنكرنا أن الله لم يتكلم فقد أبطلنا الشرع والقدر. أما الشرع فإن الرسالات إذا جاءت بالوحي والوحي كلام مبلغ إلى الرسل فإذا نفينا الكلام انتفى الوحي وإذا انتفى الوحي انتفى الشرع.

أما القدر فلأن الخلق يقع بأمره بقوله كن فيكون كما قال تعالى:(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [يس:82]([115]) .

هـ -  أثر الإيمان بصفة الكلام:

الإيمان بصفة ـ الكلام ـ وأن القرآن كلام الله يجعل العبد يستشعر وهو يقرأ القرآن

أنه يقرأ:(ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)[الانفطار:6] أنه كلام الله، فإذا قرأ: أحسَّ أن الله يكلمه ويتحدث إليه، فيطير قلبه وجلاً، وأنه إذا آمن بهذه الصفة، وقرأ في الحديث الصحيح أن الله سيكلمه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، استحى أن يعصي الله في الدنيا وأعد لذلك الحساب والسؤال جواباً.

وهكذا، فما من صفة لله تعالى، إلا وللإيمان بها ثمرات عظيمة، وآثار كبيرة مترتبة على ذلك الإيمان، فما أعظم نعم الله على أهل السنة والجماعة الذين آمنوا بكل ذلك على الوجه الذي يليق بالله تعالى.

- ومن آثار الإيمان بصفة الكلام أننا إذا علمنا أن هذا القرآن تكلم به رب العالمين، أوجب لنا ذلك تعظيم هذا القرآن, واحترامه, وامتثال ما جاء فيه من الأوامر, وترك ما فيه من المنهيات والمحذورات, وتصديق ما جاء فيه من الأخبار عن الله تعالى وعن مخلوقاته السابقة واللاحقة.

فهرس الموضوعات

المبحث الأول: إثبات وجود الله عز وجل والرد على من أنكرها

المطلب الأول: دلائل وجود الله سبحانه:

الدليل الأول : دلالة الفطرة على إثبات وجود الله تعالى.

ا – تعريف الفطرة لغة وشرعاً.

ب - مظاهر دلالات الفطرة على وجود الله تعالى.

1- لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه

2 - ورود التكليف بتوحيد العبادة أولاً.

3 -  التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية.

الدليل الثاني : دلالة العقل على إثبات وجود الله تعالى.

طرق دلالات العقل على إثبات وجود الله تعالى.

الدليل الثالث : دلالة الشرع على وجود الله تعالى.

الدليل الرابع : دلالة الحس على وجود الله تعالى.

المطلب الثاني : مناقشة دعاوى المنكرين لوجود الله

المطلب الثالث: الإلحاد وصوره المعاصرة:

أولاً : تعريف الإلحاد في اللغة والشرع.

ثانياً: ظاهرة الإلحاد.

ثالثاً: دخول الإلحاد بلاد المسلمين

المطلب الرابع : آثار الإيمان بالله تعالى :

المبحث الثاني: توحيد الربوبية وما يضاده:

المطلب الأول: أقسام التوحيد إجمالاً:

المطلب الثاني: معنى توحيد المعرفة والإثبات، وأنواعه:

المطلب الثالث: معنى الشرك في الربوبية، وأهم مظاهره:

المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات وما يتعلق به:

المطلب الأول: مفهوم توحيد الأسماء والصفات:

المطلب الثاني: الأدلة على توحيد الأسماء والصفات:

المطلب الثالث : قواعد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته:

القاعدة الأولى : أسماء الله تعالى توقيفية.

القاعدة الثانية : باب الصفات أوسع من باب الأسماء .

القاعدة الثالثة : أن باب الإخبار أوسع منهما.

القاعدة الرابعة: أسماء الله كلها حسنى.

القاعدة الخامسة : الأسماء الحسنى لا تحدّ بعدد.

القاعدة السادسة : الإيمان بأسماء الله يتضمن أموراً.

القاعدة السابعة : أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف.

القاعدة الثامنة: القول في الصفات كالقول في الذات.

القاعدة التاسعة : القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر.

رابعاً: تقسيم صفات الله تعالى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، والتمييز بينهما.

خامساً : التمييز بين الصفات المنفية عن الله والصفات المثبتة له.

سادساً : موقف أبرز المخالفين لأهل السنة في باب الأسماء والصفات، والرد عليهم إجمالاً.

1 - الجهمية.

2 -  المعتزلة .

3 - الأشاعرة.

المبحث الرابع: ذكر بعض صفات الله التي وردت بها النصوص الشرعية، من حيث معناها، نوعها، أدلتها، آثار الإيمان بها، موقف المخالفين منها، والرد عليهم إجمالاً:

المطلب الأول: صفة الحياة:

المطلب الثاني: صفة اليدان.

المطلب الثالث : صفة الغضب.

المطلب الرابع :صفة الاستواء لله تعالى.

المطلب الخامس : صفة العلو لله تعالى.

المطلب السادس: صفة النزول لله تعالى.

المطلب السابع: صفة رؤية المؤمنين لربهم .

المطلب الثامن: صفة الكلام لله تعالى.

الفهرس



([1]) معجم مقاييس اللغة: (4/510) – مادة (فطر)

([2]) لسان العرب (5/58)، مادة (فطر)

([3]) بهجة قلوب الأبرار (ص: 64).

([4]) رواه البخاري في الجنائز ، باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)؛ ومسلم في القدر ، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (2658).

([5]) مجموع الفتاوى (2/6).

([6]) سبق تخريجه، ص2.

([7]) انظر: درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/532-533).

([8]) انظر : درء تعارض العقل والنقل (3/130-8/491).      .

([9]) أنظر : المرجع السابق (8/440).

([10]) سبق تخريجه.

([11]) أنظر : درء تعارض العقل والنقل (8/383).      .

([12])أخرجه البخاري، كتاب التفسير ، سورة الطور(4 /1839) حديث رقم (4854) .

([13]) انظر: شرح العقيدة الواسطية للعلامة محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ (1/56).

([14]) انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص (12).

([15]) رواه البخاري (933)؛ ومسلم (897).

([16]) انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص (12).

([17]) انظر كتاب: الشيخ عبد الرحمن السعدي وجهوده في توضيح العقيدة،د.عبد الرزاق العباد البدر ص70_72.

([18])المرجع السابق ص70ـ72.

([19])أنظر : نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/ 1985م.

([20]) أنظر : الأدلة والقواطع والبراهين - الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى -  ص (322).

([21]) أنظر :المرجع السابق  ص ( 337) ، وكتاب الإسلام والحضارة الغربية  - الدكتور محمد محمد حسين - ص (184).

([22]) انظر : التفسير الميسر - (6 / 10)

([23]) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين : لابن قيم الجوزية (3/417)

([24]) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة لحافظ بن أحمد الحكمي– ص: 30 .

([25]) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص(26).

([26])أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/53).

([27]) أنظر : الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة : عبد الله بن عبد الحميد الأثري ص (286).

([28]) انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري ص(60). معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي  ص: (29).

([29]) رواه البخاري في (التوحيد, باب إن لله مائة اسم إلا واحدا, ( 2585 ) ومسلم في (الذكر والدعاء, باب في أسماء الله تعالى, ( 2677 )

([30]) رواه الإمام أحمد (1/391, 452), وابن حبان (2372), وصححه ابن القيم; كما في "بدائع الفوائد" (1/ 166), وحسنه الحافظ في "تخريج الأذكار"; كما في "الفتوحات الربانية" (4/ 13).

([31]) رواه مسلم ( 2713 )

([32]) رواه البخاري  كتاب الأذان ، باب الجمع بين السورتين في الركعة (774).

([33]) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم أمته إلى توحيد الله (7375)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} (813) (263).

([34]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/108)، (3/43) .

([35]) شرح النووي على صحيح مسلم (7/188).

([36]) انظر: كتاب معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى: محمد بن خليفة بن علي التميمي ص (52).

([37]) رواه البخاري ح 5999, ومسلم ح2754 .

([38])أنظر : كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء .ص (11) . الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية.

([39]) رواه أحمد (1/391 ، 452 ) ، وابن حبان ( 968 ) ، والحاكم ( 1 / 509 ) ، وأبو يعلى ( 5297 ) ، وقد عدد الشيخ الألباني طرقه في الصحيحة ( 199 ) وناقش ما دار حولها من خلاف ثم قال : وجملة القول أن الحديث صحيح من رواية .

([40])أنظر : بدائع الفوائد  لابن القيم (1/171)، وانظر أيضا شفاء العليل ص (277 ).

([41])ينظر هذا المبحث في : بدائع الفوائد 1/175ـ 187 , والقواعد المثلى : للشيخ محمد العثيمين , ومعتقد أهل السنة في أسماء الله :د محمد التميمي , والقواعد الكلية /د إبراهيم البريكان .

([42])أنظر : بدائع الفوائد 1/ 162، القواعد المثلى ص 8، جلاء الأفهام ص 138.

([43])النبوات ، ص (198).

([44]) للتعرف على عقيدة هذه الفرقة أنظر : مقالات الإسلاميين للأشعري(70-71، 164-172، 483)، اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي(52-54)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(3/8)(12/119، 311)(14/348)، الصفدية(1/88-89)، التسعينية(1/270)، النبوات(45، 143)، درء تعارض العقل والنقل(5/249-250)، منهاج السنة النبوية(2/604)،(5/392)، شرح العقيدة الطحاوية (1/520)، لوامع الأنوار البهية(1/118).

([45])أنظر : التدمرية لشيخ الإسلام(18)، شرح الرسالة التدمرية للشيخ البراك(93)، وانظر: مقالات الإسلاميين للأشعري(70-71، 164-166)

([46])انظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي(145)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي(43)

([47]) رواه: أبو داود كتاب الأيمان, باب في كراهية الحلف بالآباء, 3/ 570) - وسكت عنه-, والترمذي  في النذور, باب كراهية الحلف بغير الله تعالى, رقم 1535) - وحسنه -, والطيالسي (رقم 1896), وابن حبان (رقم 1177), والحاكم (1/18, 4/ 297) - وصححه على شرطهما, وأقره الذهبي-, وأحمد في "المسند" (2/34, 69).

([48]) أنظر :  التسعينية(1/270)، وانظر: نقض الدارمي(1/177)، خلق أفعال العباد للبخاري(2/59-60) مقالات الاسلاميين للأشعري(525)، الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي(145، 168، 326) ، فتح الباري لابن حجر(11/223)، لوامع الأنوار البهية(1/124)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(3/103)، معارج القبول للحكمي(1/237) ،والرد على الزنادقة والجهمية (314-315)، الشريعة للآجري (1/84)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية(6 /391)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة(2/214).

([49])انظر بيان مذهب الأشعرية في الأسماء الحسنى: الفصل لابن حزم(2/117) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(5/98-99، 116)(6/358-359)، النبوات(46، 143)، شرح قصيدة ابن القيم (1/251).

([50]) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات: محمد الأمين الشنقيطي . تحقيق : عطية محمد سالم ص (38).

([51]) راجع في ذلك "وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة" للشيخ الألباني - رحمه الله -: ص (35 – 39).

([52]) الأسماء والصفات للبيهقي، ص (111).

([53]) رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب التعوذ من شر ما عمل  برقم (2717) .

([54]) أنظر : زاد المعاد لابن القيم (4/205).

([55]) أنظر : التبيان في أقسام القرآن لابن قيم الجوزية ص (164).

([56]) رواه البخاري كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه}برقم (4811 )،مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم كتاب صفة القيامة والجنة والنار رقم (2786).

([57]) رواه البخاري كتاب القدر ، باب تحاج آدم وموسى عند الله برقم (6614 ) ، مسلم في القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام رقم 2652 .

([58]) رواه البخاري كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه}برقم (4812 )  ، مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم كتاب صفة القيامة والجنة والنار رقم 2787]، [6154، 6947]

([59]) رواه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم كتاب صفة القيامة والجنة والنار رقم (2788).

([60]) أنظر : شرح العقيدة الواسطية: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (1/306)

([61]) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في قول الله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] (3194)، ومسلم في التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه رقم 2751.

([62]) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن بَابُ {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] (3340)، ومسلم في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها رقم  (194).

([63]) العقيدة الطحاوية، ص (463)

([64]) شرح صحيح البخاري (8/431).      .

([65]) أنظر : كتاب الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه : أبو أحمد محمد أمان بن علي جامي علي (المتوفى: 1415هـ) ص (301).و شرح الرسالة التدمرية : محمد بن عبد الرحمن الخميس ص (145).

([66]) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/126-127) .

([67]) التمهيد (7/131-132) .

([68]) رواه الدارمي في الرد على الجهمية ص280، والصابوني 1/110، 111، والبيهقي في الصفات "867"، وابن عبد البر في التمهيد 7/151 وغيرهم من طرق عن مالك. وهو بهذه الطرق صحيح إلى مالك. وقد جزم الحافظ الذهبي بثبوته في العلو 2/954. ورواه البيهقي "866" بنحوه أخصر منه. وصحح إسناده الذهبي في العلو "344"، وجوّد إسناده الحافظ في الفتح 13/407.

([69]) رواه  الإمام أحمد 1/281، 295، والدارمي في رده على المريسي ص371، وعثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص 72، 73، رقم " 46 ورواه الذهبي في العلو "64" .

([70]) رواه النسائي في تفسيره في تفسير سورة السجدة 2/153، 154 وقال الألباني في مختصر العلو ص112: "جيد الإسناد".

([71]) رواه أبوداود في السنة باب الرد على الجهمية "4726"، وابن خزيمة في التوحيد "147"، والبيهقي في الأسماء والصفات "883، 884"، وابن مندة في التوحيد "643، 644" ورجاله حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن، سوى جبير بن محمد، وهو "مقبول"، وقد صححه ابن منده، وحسنه الذهبي في العرش 2/28، وابن القيم في تهذيب السنن 7/98، وقوّاه الحافظ السجزي في "الرد على من أنكر الحرف" ص124، 125، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 16/435.

([72]) رواه الخلال في كتاب السنة، وصحح إسناده على شرط البخاري: الذهبي في كتاب   العرش (ص62) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 107).

([73]) أنظر العلو للذهبي ص(174)، والتمهيد: شرح حديث النزول (7/137، 138)، وكتاب السنة للحافظ أبو إسماعيل الصابوني 1/109، 110).

([74]) أنظر : شرح الواسطية لشيخنا محمد بن صالح العثيمين (1/376).      .

([75]) انظر : الفتوى الحموية (ص64).

([76]) أنظر : مختصر الصواعق (1/15) .

([77]) انظر : كتاب العرش للذهبي ص (218) تحقيق: محمد بن خليفة بن علي التميمي.

([78]) رواه مسلم في الصلاة/ باب تحريم الكلام في الصلاة... (537) عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.

([79]) رواه البخاري في كتاب التوحيد  ، بَابُ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} [هود: 7] ، {وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التوبة: 129] برقم (7420).

([80]) رواه البخاري، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، رقم (7404) ومسلم، كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله، رقم (2751) عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:. واللفظ للبخاري.

([81]) رواه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: «إن الله لا ينام...» (179).

([82]) رواه البخاري في كتاب المغازي  ، باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه، إلى اليمن قبل حجة الوداع برقم (4351)  مسلم في الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم رقم 1064

([83])الإبانة الكبرى لابن بطة (7/136).

([84]) انظر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه : أبو أحمد محمد أمان بن علي جامي ص (248)

([85]) رواه البخاري في أبواب التهجد ، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل برقم (1094) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل رقم 758

([86]) رواه مسلم في كتاب الحج ، باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة رقم (1348).

([87]) مجموع الفتاوى (5/374).

([88])معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول : حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (1/294)

([89]) أنظر : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول : حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (1/302).

([90]) سبق تخريجه.

([91]) أنظر : شرح الطحاوية – لابن أبي العز الحنفي (1/108)

([92]) تفسير الطبري (29/129-193)

([93]) تفسير ابن كثير (8/304)

([94]) شرح الطحاوية (1/210)

([95]) المرجع السابق.

([96]) رواه مسلم في كتاب الإيمان – باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى (181) بدون ذكر الآية وقول (وهي الزيادة) وقد أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" 1/156 والترمذي 2/90 وابن ماجه 187 وأحمد 4/332-333-65/15-16 والآجري، ص 261 من طرق عن حماد بن سلمة به.

([97])انظر في ذلك الطحاوية (1/212)

([98])انظر تفسير ابن كثير (3/485)

([99]) رواه البخاري في كتاب الأذان  ، باب فضل السجود برقم (806) . ومسلم في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية رقم 182

([100]) رواه البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}بر قم  (7434) ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاتي الصبح والعصر رقم (633).

([101]) رواه البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}بر قم  (7444) مسلم في الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى رقم 180

([102]) شرح الطحاوية –لابن العز الحنفي (1/218)

([103]) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (232)

([104]) انظر حادي الأرواح لابن القيم (ص201)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (1/214-215)

([105]) شرح الواسطية – للشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله (1/457)

([106]) تفسير الرازي (14/233)، والكشاف للزمخشري (3/115)

([107]) تفسير القرطبي (7/279)

([108]) انظر: مبحث الرؤية في كتابنا مباحث في العقيدة، الجزء الثاني، ص (13 - 46).

([109]) أنظر : شرح العقيدة الواسطية - محمد بن صالح بن محمد العثيمين  -(458-459)

([110])شرح العقيدة الواسطية : محمد بن خليل حسن هرّاس ص (149) . تحقيق علوي بن عبد القادر السقاف.

([111]) أنظر :شرح العقيدة الواسطية : محمد بن صالح بن محمد العثيمين ص (79)

([112]) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم برقم (7512)، مسلم في الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة . . رقم (1016).

([113]) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب قوله عز وجل {إن زلزلة الساعة شيء عظيم}(الحج:1) برقم (6530)، ومسلم  في الإيمان باب قوله يقول الله لآدم أخرج بعث النار . . رقم (222).

([114]) أنظر : شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (1/181-183)

([115])أنظر : مبحث صفة الكلام لله تعالى في كتابنا مباحث في العقيدة  الجزء الثاني ص (122 - 139).


الساعات المكتبية


مواعيد إلقاء

محاضراتي الأسبوعية



اليوم

التوقيت

من الساعة

إلى الساعة

الاثنين

 .. و8 ص

40و9 ص

 .. و10 ص

40و11 ص

الثلاثاء

.. و8 ص

40و9 ص

.. و10 ص

40و11 ص


إعلان هام


وسائل التواصل

أرقام التواصل

الهاتف الجوال:
0505123100  ــ 0556377792
الهاتف الثابت: 0164226000
الفاكـــــــــس:    0164225666




الموقع الشخصي

شعار الموقع

تويتــــر

تويتر

البريد الإلكتروني

m[email protected]

بريد الهوتميل

موقع جامعة المجمعة

شعار جامعة المجمعة



إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 22

البحوث والمحاضرات: 25

الزيارات: 4862