هيكل عظمي



 


هَيْكَـلّ عَظْمِيّ


                                     عَليّ الطنطاوي


 


كُنْتُ عندَ قريبٍ ليْ طبيبٍ  ، فخرجَ لبعضِ شأنِهِ ، فلمَّا أطالَ الغيابَ وتسرّبَ إليَّ المللُ ، قمْتُ إلى خزانةٍ كانَتْ حِيَالِيْ ، فقلْتُ : لعلّ فِيْهَا كِتَابَاً  أقرؤُهُ  فما راعَنِيْ حِيْنَ فَتَحْتُهَا إلاّ هيكلٌ عَظْمِيٌّ معلّقٌ بسقفِها. فقلْتُ أخاطبه :


منْ أنتَ أيُّهُا الإنسانُ الذيْ انْتَهَى بِهِ الْأمْرُ إلى أنْ يُحْبَسَ فِيْ خِزانةٍ ؟ أأنتَ رجلٌ أمْ أمرأةٌ ؟ أغنَّيٌّ أمْ  فقيرٌ ؟       هلْ كانَ فيْ هاتينِ الحفرتينِ البشعتينِ عيونٌ ساحراتُ الطّرفِ، يَفْتِنَّ ذا اللبِّ حتَّى لا حراكَ بهِ ؟ وهلْ كانَ على هذا الثّغرِ المخيفِ شفاهٌ لُعْسٌ ؟ وهلْ كانَ على هذا الققصِ العظميِّ صدرٌ بلّوريٌّ ، يضيعُ بينَ نهديْهِ عقلُ العالمِ ، ويذهبُ فيْهِ الحليمُ ؟    هلْ كنْتَ أيُّها الإنسانُ رجلاً عفيفاً مستقيماً، أمْ كنْتَ لصّاً خبيثاً ؟ اعترفْ فلنْ يضرُّكَ اليومَ اعترافٌ !!.هلْ كنتَ لصَّ أعْراضٍ تلبسُ ثوبَ التّاجرِ، أوْ ترتدي حلّةَ الموظفِ ، أوْ تتيهُ ببردةِ الغَنِيِّ؟ كمْ مِنَ الأعراضِ سطوْتَ عليْهِ باسْمِ الوظيفةِ ، أو بِصِلَةِ الصَّداقةِ أوْ وَلَجْتَ  إليْهِ مِنْ بابِ (السُّفورِ المُتهتِكِ) أمْ كنْتَ لصّاً رسميّاً لا سبيلْ للقانونِ عليْهِ ، لأنّهُ يسرقُ منَ النّاسِ ويسكتُوْنَ ، لأنّهُمْ يريدونَ أنْ تمشيَ أعمالُهُمْ ، ويسرقُ منِ الدّولةِ بأسنادٍ مصدَّقةٍ .


هلْ كنتَ أيّها الإنسانُ فقيراً مسكيناً، عاشَ علَى هامشِ الحياةِ، ودُفِنَ فِيْ طرفِ المَقبَرَةِ . فلمْ يحسَّ أحدٌ بحياتِهِ، وَلَمْ يّدْرِ أحدٌ بمماتِهِ، ولعلّ حياتَهُ كانَتْ أشرفَ حياةٍ؛ لأنّها حافلةٌ بالفضائلِ ، مترعةٌ بالشّرفِ . فكانَ يكدحُ طولَ نهارِهِ لِيَحْصُلَ علَى خبزِهِ وخبز عيالِهِ ، فيأْكُلُهُ مأدوْما بعرَقِ جبيْنِهِ ، لا يؤذي أحداً ولا يسرقُ َمالَ الدولةِ ، ولا يتّخذُ وظيفتَهُ جِسْرَاً إلى تحقيقِ شَهْوَاتِهِ ، وَتَحْصِيْلِ لَذَّاتِهِ وَلَعَلّ مَوْتَهُ أشْرَفُ موتٍ؛ لأنّهُ ماتَ مُجاهِداً فيْ سبيلِ أُسْرَتِهِ .


أمْ كُنْتَ أيُّهَا الإنسانُ مظْلُوْماً، ولمْ تكُنْ لِصّاً، ولمْ تَحْتَرِفِ السّرقةَ ، وَلَكِنْ رأيْتَ صِبْيةَ، مُشْرِفِيْنَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَ الْجُوْعِ، وأسرةً كادتْ تُوْدِي مِنْ أَجْلِ رَغِيْفٍ، وَرَأَيْتَ حَقَّهَا فِيْ بَيْتِ مَالِ الْأُمَّةِ؛ وَقَدْ سَرَقَهُ السّادَةُ الأكابِرُ ، فغطّيْتَ وجهَكَ حياءً، وأخذْتَ رغيفاً ليْسَ لَكَ ، فثارَ بِكَ الْمُجْتَمَعُ ، وقامَتْ عَلَيْكَ الصُّحُفُ ، وَتَعَلَّقَ بِكَ القَانُوْنُ حَتَّى اسْتَاقَكَ إِلَى السِّجْنِ ، فَمِتَّ فِيْهِ مَفْجُوْعَاً .


أمْ كُنْتَ أيُّهَا الإنْسَانُ َمَلِكاً يَضِيْئُ عَلَى مَفْرَقِةِ التّاجُ المُحَلَّى بالدُّرَرِ , وَيْلمَعُ تَحْتَهُ السَّرِيْرُ الْمَصْنُوْعُ مِنَ الذّهَبِ , إِذَا أَمَرَ تَقَاتَلُوْا عَلَى السَبْقِ إِلَى طَاعَتِهِ , وَإِذَا اشْتَهَى شَيْئَاً أَسْرَعُوْا إِلَى تَحْقِيْقِ شَهْوَتِهِ , وَإِذَا مَرِضَ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ حَدِيْثٌ إِلاّ حَدِيْثَ مَرَضِهِ ، وَإِذَا أُبِلَّ لَمْ يَكُنْ سُرُوْرٌ إلاّ بِبِشْرَى إِبْلالِهِ , وَإِذَا قَامَ، أَوْ قَعَدَ، أَوْ قَدِمَ، أَوْ ذَهَبَ ؛ لَهِجَتِ الألْسِنَةُ بِقِيَامِهِ وَقُعُوْدِهِ , وَاشْتَغَلتِ الصُّحُفُ بِذِهَابِهِ وَقُدُوْمِهِ , وَإِذَا مَشَى فِيْ الطَّرِيْقِ لَمْ يَمْشِ عَلَى رِجْلَيْهِ كَمَا كَانَ  يَمْشِى آَبُوْنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ . وَكَمَا تَمْشِي ذُرَّيَتُهُ، وَلَكِنُّهّ يَمْشِي عَلَى رُؤُوْسِ النّاسِ الذِّيْنَ يُحِسُّوْنَ - لِفَرْطِ الإجْلالِ أوْ لِفَرْطِ السّخْطِ- بِأنَّهُّ يَمْشِي عَلَى رُؤُوْسِهِمْ جَمِيْعَاً .


قُلْ لِي أيُّهَّا الْهَيْكَلُ الْعَظْمِيُّ الْمُعَلَّقُ مَنْ أَنْتَ مِنْ هَؤُلاء ؟


دعاء

اللهم ياخير الغافرين ، وياخير الفاتحين ، وياخير الرازقين ، وياخير المحسنين اجعل أمري وأمر أحبتي كله خير.

قال الشاعر



قال أبو تمام :

 

إذا جَارَيْتَ في خُلُقٍ دَنِيئاً

 

 

فأنتَ ومنْ تجارِيه سواءُ

رأيتُ الحرَّ يجتنبُ المخازي

ويَحْمِيهِ عنِ الغَدْرِ الوَفاءُ

وما مِنْ شِدَّة ٍ إلاَّ سَيأْتي

لَها مِنْ بعدِ شِدَّتها رَخاءُ

لقد جَرَّبْتُ هذا الدَّهْرَ حتَّى

أفَادَتْني التَّجَارِبُ والعَناءُ

إذا ما رأسُ أهلِ البيتِ ولى

بَدا لهمُ مِنَ الناسِ الجَفاءُ

يَعِيش المَرْءُ ما استحيَى بِخَيرٍ

ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ

فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ

ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُ

إذا لم تخشَ عاقبة َ الليالي

ولمْ تستَحٍ فافعَلْ ما تَشاءُ

لـئيمُ الفـعلِ من قـومٍ كـرامٍ

لــهُ مِـنْ بيـنهمْ أبـداً عُـوَاءُ



أرقام الاتصال

أرقام الاتصال

0557515574


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 40

البحوث والمحاضرات: 8

الزيارات: 3716