د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

العوالم الافتراضية

"استثمار تطبيقات العوالم الافتراضية في مجال التعليم الإلكتروني"

المؤلف: م. وسيم صافي    2012

حققت أفكار العوالم الافتراضية تقدماً كبيراً في السنوات الأخيرة، وانتشرت تطبيقاتها على نطاق واسع، وخاصةً بين المستخدمين الذين تقع أعمارهم بين 13 و 18 عاماً، وكانت البيئة الجذابة الثلاثية الأبعاد التي تقدمها هذه العوالم الافتراضية، والتفاعل الآني بين الشخصيات الافتراضية، من أهم مقومات جذب هذه التطبيقات للمستخدمين.

حاول الكثير من المختصين في العديد من المجالات النظرية والتطبيقية الولوج إلى هذه البيئات الافتراضية، والاستفادة من إمكاناتها، وأقلمة تطبيقاتها بما يلائم اختصاصاتهم. ولعل أبرز هذه المجالات هي اختصاصات التعليم الإلكتروني التي وجدت الكثير من القيم المضافة في استعمال تطبيقات العوالم الافتراضية، سواءً بتوفير بيئة جذابة للمتعلمين تزيد من تحفيزهم إلى الاهتمام بالمادة التعليمية، أو بزيادة قدرتهم على التفاعلية والعمل المشترك على الرغم من المسافات الشاسعة فيما بينهم، واختلاف المناخ التعليمي والثقافي الخاص بكل متعلم.

نقدم في مقالنا هذه سرداً لأهم مفاهيم التعليم الإلكتروني، والتعليم عن بعد، والتعليم التفاعلي، ولمفاهيم الواقع الافتراضي والعوالم الافتراضية، وآلية الاستفادة من تقنيات العوالم الافتراضية في تحسين طرق التعليم هذه، ثم نتطرق إلى بعض المنتجات الشهيرة في مجال العوالم الافتراضية، التي جرى استثمارها في مجالات التعليم، كما نوضح بعض التجارب الشهيرة والمميزة في هذا المجال، وأخيراً نقدم بعض الاقتراحات لآليّة الاستفادة من هذه التقنيات في منظومات التعليم في سورية، سواءً في التعليم ما قبل الجامعي، أو التعليم الجامعي.

منظومات التعليم الإلكتروني وأفكارها الأساسية:

يقصد بالتعليم الإلكتروني اعتماد الوسائل الإلكترونية للأغراض التعليمية والتدريبية مثل الصوت، والصورة، والفيديو، وغيرها من تقنيات الوسائط المتعددة، إضافة إلى الكتب الإلكترونية، ومجموعات النقاش، وذلك بهدف رفع المستوى التعليمي للمتعلمين والمتدربين، وزيادة تفاعلهم مع المحتوى التدريسي. وقد توسع هذا المفهوم في الآونة الأخيرة ليشمل مفهوم التعليم عن بعد، وقد جاء هذا التوسع نظراً للتطور الكبير الذي شهدته شبكة الإنترنت، ولازدياد انتشارها بين فئات متعددة من المستخدمين، ويقصد بالتعليم عن بعد جمع المكونات الأساسية للمنظومة التعليمية (الطالب - المدرّس – المحتوى التدريسي - المكان التدريسي) في حيز افتراضي على شبكة الإنترنت، على الرغم من وجودهم في أماكن جغرافية مختلفة. قد تجتمع هذه المكونات في مدة زمنية واحدة، عندئذ يمكن الحديث عن محاكاة افتراضية للصف التدريسي، حيث يتحاور المدرّس والطالب حول المحتوى التدريسي كأنهم موجودون في قاعة تدريسية حقيقية على الرغم من البعد الجغرافي بينهم، وقد يتشارك الطالب والمدرّس في المحتوى التدريسي، ولكن في أوقات مختلفة، حيث يقوم المدرّس بتجهيز المحتوى التدريسي ووضعه ضمن البيئة الإلكترونية الخاصة بالتعليم الإلكتروني، ويقوم الطالب في وقت آخر بتحميل هذا المحتوى والاطلاع عليه.

يطلق في بعض الأحيان مصطلح التعليم الافتراضي على هذا النوع من التعليم الإلكتروني، سواءً بشكله العادي (الوسائط المتعددة)، أو التعليم عن بعد، لأنه يجمع بين مفاهيم التعليم العادي، والواقع الافتراضي.

إيجابيات وسلبيات التعليم الافتراضي ومتطلباتها:

يمتاز التعليم الافتراضي عن التعليم التقليدي العادي بالعديد من الميزات والإيجابيات، ولكن له أيضاً عدة سلبيات، ومن أهم ميزاته:

-          التغلب على مشكلة التباعد الجغرافي بين الطلاب والمدرسين.

-          إعطاء فرصة التعليم للكثيرين الذين لم تتوفر لهم فرص تعليمية تناسبهم.

-          اختصار العديد من التكاليف سواءً على الطالب أو المدرّس، وكذلك اختصار تكلفة التجهيزات التدريسية الخاصة بالصف التدريسي.

-          مرونة التحكم بالوقت بالنسبة للطلاب والمدرّسين، وتكلفة التنقل من مكان لآخر.

-          وجود العديد من المحفزات للطلاب، كالصور، والفيديو، وغيرها من أدوات الوسائط المتعددة.

وللتعليم الافتراضي العديد من المتطلبات مثل:

-          ضرورة وجود الحاسوب لدى الطالب والمدرّس، وتوفر خط إنترنت، وبعض البرمجيات الخاصة التي توفَّر عادةً مجاناً للمدارس أو الجامعات الافتراضية التي تتولى عملية التعليم الافتراضي.

-          المخدّمات العالية المستوى التي يجب أن توفرها المؤسسة التعليمية.

-          برمجيات التخاطب بين المدرّسين والطلاب، والتي قد تكون برمجيات عادية، مثل تلكم المتداولة في السوق (مثل Skypeأو MSN Messenger)، وهو الشيء المعتاد، أو برمجيات منجزة من قبل المؤسسة التعليمية نفسها، أو برعايتها.

-           يجب أن يكون الطالب والمدرّس على دراية تامة باستعمال برمجيات التخاطب، وطرق استعمال المصادر الإلكترونية.

أما أهم سلبيات التعليم الافتراضي فهي:

-          تكمن السلبية الأساسية في ضعف التعامل المباشر بين الطالب والمدرّس، وهذا ما قد يؤدي إلى ضعف المهارات الاجتماعية لدى الطالب، وخاصةً في المراحل الجامعية الأولى.

-          قد يؤدي الشعور بالعزلة إلى انخفاض الدافع إلى التعلم، وخاصةً إذا كان محتوى المادة التعليمية خالياً من أدوات التفاعل مثل الوسائط المتعددة.

 

منظومات الواقع الافتراضي وأفكارها الأساسية:

إن منظومات الواقع الافتراضي أو الحقيقة الافتراضية هي تحقيقٌ لأفكار قديمة راودت الإنسان عن عوالم خيالية بعيدة كل البعد عن الواقع الحقيقي، وقد طرحت أفكار هذه المنظومات بدايةً من مفهوم الحقيقة الصنعية أو الواقع الصنعي (Artificial Reality) الذي طرح في ستينيات القرن الماضي من قبل ميرون كروجر. ثم ظهر مفهوم الفضاء السيبراني (CyberSpace) في عام 1984 من قبل ويليام كيبسون، ويعتمد كلا المفهومين السابقين على فكرة المحاكاة الافتراضية للواقع الحقيقي بالاستفادة من نماذج ثنائية البعد أو ثلاثية الأبعاد تشكل تمثيلاً لشخصيات وكيانات موجودة في الواقع الحقيقي.

وفي عام 1989 ظهر أول مرة مصطلح الواقع الافتراضي (Virtual Reality) من قبل جارون لانيار مؤسس شركة VPL لأبحاث الواقع الافتراضي (الشركة أُسست عام 1985)، ومنذ ذلك الحين شاع هذا المصطلح وأصبح يطلق على معظم التطبيقات التي تهتم بالمحاكاة الافتراضية للواقع، وبات الاهتمام بها على درجة كبيرة من الأهمية، إذ عكفت وزارة الدفاع الأمريكية في العام نفسه على تصميم شبكة افتراضية لطياريها لمحاكاة الأجواء الحقيقية للحروب، وجرى بناء نظم تفاعلية لتدريبهم على الطيران في مثل هذه الأجواء، وكانت هذه الشبكة تعرف باسم سيمنيت SIMNET وهو مختصر للاسم الحقيقي للشبكة Simulation Network أي شبكة المحاكاة، وقد استخدمت هذه الشبكة في تدريب بعض الجنود الأمريكيين خلال حرب الخليج عام 1991.

بعد نجاح النظام SIMNET، حاول الكثير من الشركات الخاصة الاستفادة القصوى من هذه النظم، ومثال ذلك شركة فوكس فاكن الشهيرة المختصة في تصنيع السيارات، حيث طلبت في عام 1994 من أحد مخابر الأبحاث المختص في مجال البيانيات في ألمانيا تصميم برامج تساعدها على تصميم السيارات، واختبار عمليات التصادم.

يتميز الواقع الافتراضي بثلاث ميزات أساسية:

-          الوجود عن بعد للأشخاص الحقيقيين الذي يمثلون شخصيات الواقع الافتراضي.

-          غمس الحواس الذي يتيح استخدام تقنيات متقدمة لإعطاء إيحاء أنّ بعض الحواس قد اندمجت كلياً في البيئة الافتراضية.

-          تفاعلية المستخدم مع مكونات البيئة الافتراضية.

وقد تطور هذا المفهوم في الفترة الأخيرة لينبثق عنه مفهوم أعم هو مفهوم العوالم الافتراضية.

مفاهيم العوالم الافتراضية وتطبيقاتها في مجال التعليم:

يعرف العالم الافتراضي (Virtual World) بأنه نموذج بياني حاسوبي يهدف إلى محاكاة جزء من الواقع الحقيقي، وذلك بتمثيله على شكل بيئة بيانية ثنائية البعد أو ثلاثية الأبعاد وإدراج بعض العناصر التكميلية التي تساعد على إعطاء طابع أنّ هذه البيئة الافتراضية  (Virtual Environment) مشابهة للواقع الحقيقي. يتعامل مع هذا الواقع الافتراضي عددٌ من المستخدمين، حيث يُجَسَّد كل مستخدم منهم بشخصية افتراضية تعرف بمصطلح (Avatar -  كلمة تعني التجسد في اللغة الهندية -)، ويمكن للمستخدمين أيضاً التعامل فيما بينهم باستعمال هذه الشخصيات الافتراضية...

شخصيات هذا العالم الافتراضي يمكنها القيام بأي شيء: التجول في الأسواق الافتراضية، ممارسة أي نوع من الرياضات الافتراضية، التنزه في الحدائق الافتراضية، وحتى تناول الأطعمة الافتراضية. هذا العالم الافتراضي هو حياةً قائمة بحد ذاتها تحاكي الحياة الحقيقية. ولتثبيت فكرة الحياة الافتراضية قامت في عام 2003 شركة الأبحاث الأمريكية Linden Lab بتصميم تطبيق عالم افتراضي على الإنترنت أطلق عليه اسم الحياة الثانية (Second Life)، حيث يمكن للجميع المشاركة به باختيار شخصيات افتراضية تجسد مستخدمي هذا التطبيق، وبعد اختيار الشخصية الافتراضية يمكن للمستخدم التجول بكل حرية في هذا العالم. ومنذ ذلك الوقت أصبح مصطلح الحياة الثانية (Second Life) يمثل مرادفاً لمصطلح العالم الافتراضي، وبات يستعمل في بعض الأحيان بديلاً عنه.

كثيرةٌ هي التصنيفات التي حاولت تقسيم تطبيقات العوالم الافتراضية، ولعل أهمها تلك التي اقترحها كارل كاب في عام 2007 (كارل كاب هو أستاذ مدرّس في جامعة بنسلفانيا الأمريكية)، حيث قسم تطبيقات العوالم الافتراضية إلى ثلاثة أنواع هي: 1- بيئات اللعب ذات اللاعبين المتعددين MMORPG (Massively Multiplayer Online Role Play Games)، حيث تتشابه هذه البيئات مع اللعب الجماعية، ويكون لكل فريق هدف متمثل بالفوز على فريق آخر والوصول إلى نهاية اللعبة منتصراً.

2- البيئات ذات الشخصيات الافتراضية (Avatars) الذاتية الأهداف، حيث يكون لكل شخصية افتراضية مجموعة صفات مستقلة تماماً عن الشخصيات الأخرى، وهنا لا يبرز أبداً مفهوم اللعب الجماعية، وفكرة الفريق المنتصر كما في النوع الأول، ومن أبرز الأمثلة عليها تطبيق الحياة الثانية (Second Life).

3- النوع الثالث يمثل العوالم الافتراضية التي تشكل بيئات تعليمية متعددة المتعلمين MMOLE (Massively Multilearner Online Learning Environments).

يمثل النوعان الثاني والثالث بيئة خصبة للاستثمار في المجال التعليمي، واستُفيد كثيراً من التطبيقات التي تندرج ضمن هذين النوعين، إذ قام العديد من المؤسسات التعليمية والأكاديمية والشركات الخاصة ببناء حيز افتراضي خاص بها ضمن هذه البيئات الافتراضية لأغراض تعليمية، فقد بينت الإحصائيات المنجزة لِتطبيق العالم الثاني أنه يوجد ما يقارب 500 مؤسسة تعليمية وأكاديمية مسجلة في هذا التطبيق. ومن الأمثلة على هذه المنظمات والمؤسسات الأكاديمية أو الشركات التي ساهمت في البيئات لأغراض تعليمية شركة سيسكو العالمية المختصة في مجال الشبكات (www.cisco.com)، والتي أنشأت جزيرة تدريب افتراضية لمتدربيها ضمن تطبيق الحياة الثانية، وتحتوي هذه الجزيرة الافتراضية العديد من الصفوف والقاعات التدريسية والتعليمية التي تتيح للمتدربين التعاون فيما بينهم والتجول بحرية ضمن هذا الفضاء، والاستفادة من تجارب غيرهم.

قامت أيضاً شركة IBM الشهيرة (www.ibm.com) بإنشاء مجموعة من الأماكن التعليمية الافتراضية ضمن تطبيق الحياة الثانية لِتدريب موظفيها الجدد.

تعتبر تجربة جامعة U21Global من التجارب المميزة والمثيرة للاهتمام في مجال التعليم عن بعد، إذ توفر هذه الجامعة مجموعة من المناهج الإلكترونية عن بعد (www.u21global.edu.sg)، وبعد تقدم هذه الجامعة في مجال التعليم عن بعد، أنجزت العديد من الخطوات المميزة في مجال التعليم الافتراضي عن طريق العوالم الافتراضية، فأنجزت العديد من الجزر التعليمية الافتراضية الخاصة بالمتعلمين، وأيضاً يتيح هذا الحيز الافتراضي للهواة عرض أفكارهم الجديدة بأسلوب منمق وجذاب.

 

بعض الاقتراحات للاستفادة من تقنيات العوالم الافتراضية في منظومات التعليم في سورية:

إنّ البيئات الافتراضية تمثل مصدراً تعليمياً جديداً لزيادة فرص التعليم التفاعلي، وهذا ما يؤدي إلى زيادة جذب الطلاب لتقبل المحتوى التعليمي، ويمكن استثمار هذه البيئات في منظومات التعليم في سورية، سواءً التعليم الجامعي أو ما قبل الجامعي، وذلك بالقيام بما يلي:

-          إجراء العديد من التجارب افتراضيّاً، وفي بيئة آمنة، بدلاً من الطريقة النظرية العادية التي كانت تدرس بها، وهذا الشيء يشمل معظم المواد مثل تجارب الكيمياء، وتجارب علوم التشريح، ومحاكاة طريقة عمل الأجهزة الميكانيكية والكهربائية...

-          الاستفادة من العوالم الافتراضية في دعم مفاهيم التعليم عن بعد، وخاصةً في المناطق النائية.

-          إعطاء الطالب الفرصة للتعلم الذاتي باستعمال بيئات بيانية جذابة.

-          الاستفادة من البيئات الافتراضية في عقد اجتماعات وندوات افتراضية يشارك فيها الطلاب والمدرسون على الرغم من تباعدهم الجغرافي.

 

خاتمة:

حققت تقنيات التعليم الإلكتروني بأنواعها المتعددة قفزات نوعية في رفع مستوى التعليم، وعملت البيئات الافتراضية على زيادة التفاعلية وتحقيق العديد من القيم المضافة عند استخدامها في مجال التعليم عن بعد، ذلك أن هذه البيئات الافتراضية هي الشكل الجديد والمتوقع في المستقبل القريب لبيئات التعليم التفاعلية، وهذا ما يَحْتِمُ علينا مواكبة هذا التطور والاستفادة من هذه التقنيات في مجال التعليم الجامعي وما قبل الجامعي.  

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني