د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

المواطنة1




مواطنة صالحة مدى الحياة
بقلم :   لمياء صالح الجربوع   2013-11-25 22 /1 /1435  

ثروة المستقبل ومرآة المجتمع، القوة البشرية القادمة.. هؤلاء هم أطفالنا فماذا أعددنا لمستقبلهم وكيف هيأنا لهم الحياة وهل اتفقت كل من الأسرة والمدرسة والمجتمع على رؤية واحدة وهدف مشترك يسعى الجميع لتعزيزه وغرسه فيهم، أم أن كلاً منهم يعمل  وحده فتتشتت الفكرة ويهن الغرس ويضيع المستقبل..

إن الاهتمام ورعاية الأطفال في سن مبكرة جدًا وتعاون كافة مؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة في إعداد خطة استراتيجية شاملة لجميع نواحي التربية هو مفتاح الأمان لشباب الأمة ورجالها وهو المنقذ لهم من براثين الفتنة والطائفية والحروب الأهلية وهو درعهم الحامي لو أُحسنت صياغة الأهداف وشملت الأطفال كأساس تنطلق منه لتعزيز المواطنة وغرس القيم ونقل التراث الاجتماعي والثقافي وتوريثه مع الحفاظ على أصالته وجودته. لذا فإن التنشئة الاجتماعية جزء لا يتجزأ من التنشئة السياسية فمن خلالها يتعلم الفرد معنى الحرية والمساواة والعدل والتعاون والإنسانية بمعناها الواسع والذي يتطور كلما كبر الفرد في العمر ويزداد عمقًا وجمالاً إذا ما أحسنا غرسها في الطفولة المبكرة.

أهميتها

إن التربية السياسية من الأهمية بمكان ليشعر الفرد بالانتماء والولاء لوطنه ويعي دوره في المواطنة الحقيقية التي تتجلى بسلوكه العام ومبادئه الاجتماعية.

وقد عرف كينث لانجتون 1969م التنشئة السياسية في أوسع معانيها بأنها: كيفية نقل المجتمع لثقافته السياسية من جيل إلى جيل.

وعرفها هربرت هايمان 1959م بأنها: تعلم الفرد لمعايير اجتماعية من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة بما يساعده على أن يتعايش سلوكيًا مع هذا المجتمع.

كما عرفها ديفيد ايسون 1982م بأنها: تربية الأطفال الصغار الذين هم أعضاء في النظام الاجتماعي تربية سياسية وذلك عن طريق تدريبهم على التوجهات السياسية والتصورات السلوكية بما تسمه من بذور المعرفة بالنظام السياسي والتدريب على المواطنة الإيجابية.

ويتضح لنا على وجه العموم أن التربية السياسية تنفذ باتجاهين مختلفين إما عن طريق إثراء الأطفال بالقيم والمعارف الحالية والتاريخ السياسي والجغرافي للمجتمع الذي ينتمون إليه.

 والاتجاه الآخر وهو إكساب الطفل القيم الاجتماعية حيث يتعرف على كيانه الشخصي ودوره الفاعل في المجتمع بصورة تدريجية مرحلية تمكنه من عدة مهارات هامة لضمان مواطنة صالحة مستمرة مدى الحياة، يتعلم من خلالها الاعتزاز بذاته والتعبير عنها بطريقة صحيحة ومعرفة وهذا الاتجاه يتسم بالطابع الحماسي المتغير حيث يمارس الطفل دوره في المجتمع بفعالية ويتعرف على واجباته وحقوقه وكيفية المطالبة بها بطريقة حضارية ناجحة، إذ إن حقوق الطفل لا تنفصل عن حقوق الإنسان بصفة عامة والتي من أهمها أن يعيش جميع الناس بكرامة ومن بينهم الأطفال فلم تعد حقوق الطفل خيارًا أو معروفًا يسدى له فالحقوق تولد المسؤوليات والالتزامات وعلينا جميعًا أن نحترمها ونعترف بها.

لذا فإن إخراج منهج أو مقرر للتربية السياسية في مرحلة الطفولة المبكرة بات مطلبًا أساسي وحاجة ماسة نظرًا لما تواجهه المجتمعات العربية في الوقت الراهن من عدم استقرار، وسيعيد التاريخ نفسه إذا لم تهتم الدول العربية بإعداد مناهج تعليمية تأسيسية لمعنى المواطنة والحرية والحوار في سن مبكرة جدًا واهتمت بصناعة مستقبلها عبر أطفالها فهم من يمثلون قوة الأمة ومصدر إنتاجها وإخفاقها أيضًا إذا لم تضعهم في قائمة أولوياتها في ترسيخ المفاهيم والقيم السياسية في نفوس الصغار.

وقد سعت الكثير من الدراسات التربوية إلى تأكيد أهمية التنشئة السياسية في مرحلة الطفولة المبكرة حيث يتفق «ايستون هيس» على أن سنوات التشكيل الحقيقة تقع مابين (3-13) سنة فهي فترة النمو والتطور السريع في التوجهات السياسية.

الجدير بالذكر أن الطفل الأمريكي يبدأ من سن الثالثة في دراسة التنشئة السياسية أي قبل أن يدخل المدرسة انطلاقًا من أن الطفل يتعلق عاطفيًا مع رموز بلده وهيكل نظامها قبل إدراكه للنظام السياسي بوقت طويل فهي تشكل جزءًا من خبراته تجاه هويته وأرضه ورموزها الوطنية، ففي مرحلة الطفولة المبكرة ينظر الطفل إلى رموز وطنه نظرة مثالية مشابهة لصورته عن والده نظرًا لأنه يرى في السلطة الأبوية تعبيرًا عن المثالية بحكم الحاجة إلى الحماية والأمن، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الدولة أو الملك أو الشرطي فهم مثال للنظام والعدل والحق وأي فكرة مخالفة لهذا الاعتقاد فإنها تزعزع أمانه وتثير لديه مخاوف وشك حول هويته واستقراره النفسي ووجوده في العالم.

مفتاح التنشئة السياسية

مفتاح التنشئة السياسية في الطفولة المبكرة هو القيم فهي الأساس الذي يستقي منه الطفل فهمه العام للنظام والأمن والحدود، وهي التي تدعوه نحو التفاعل الإيجابي مع مجموعته في غرفة الصف ومع أسرته ومن ثم مع المجتمع الخارجي.

لذا فإن تشكيل طفل قادر على المشاركة الفاعلة في حركة التنمية في مجتمعه تبدأ من دفة القيم، ولدينا في النهج الإسلامي خير مثال في تعزيز المبادىء وتأصيل القيم لدى الأفراد وخصوصًا الأطفال. الأهم من ذلك كله أن يمارس الكبار القيم كقدوات فهذا له دور كبير في أن يعزز من مصداقيتها ويساهم في ثباتها وبالتالي يدفع الطفل إلى المحاكاة ثم الإيمان بها مع الوقت. فنحن في عالم متغير يعاني كثيرًا من الازدواجية واهتزاز الهوية وإنتاج شباب ضعفاء سياسيًا في مواجهة هذه التحديات، ناهيك أننا في الوقت الحالي يعاني أطفالنا أكثر من غيرهم من التزعزع الأمني والسياسي عبر ما يسمعونه في محيط الأسرة أو مايشاهدونه في وسائل الإعلام من ثورات وصراعات مسلحة وسلمية ومشاهدات لأطفال يشاركون بها ويعانون من آثارها، فهم ضحايا هذه الانقلابات التي شكلت وستشكل عند البعض أزمة نفسية سيبقى أثرها عليه طول العمر.

لذا فعلى أصحاب القرار مسؤولية كبيرة في المشاركة بإعداد نشء قوي ذي فهم واع وقادر على مواجهة متطلبات التنمية والتحولات السياسية المختلفة ولتحقيق ذلك نحتاج أولًا إلى:

- خطة تنشئة استراتيجية بعيدة المدى لحياكة درع واق للدولة يتضمن نظرة واقعية ورؤية واضحة لتطور الدولة والمجتمع مبني على أسس وآليات تنفيذية واضحة للتطور والتغير والمخرجات المتوقعة.

- تعاون كافة قنوات التنشئة ومؤسساتها والاتفاق على سياسة موحدة ونمط قومي مشترك يؤمنون به وينشئون الأطفال على ضوئه.

- لجان تربوية مستدامة تنبثق من خلالها المناهج التربوية والتعليمية لكافة المراحل وتتجدد، ومن خلالها أيضًا يتم تدريب الكوادر على هذه المناهج وكيفية نقلها وتوريثها للنشء، ومنها يتم اختيار الممثلين المستقبليين لهذه اللجان لضمان استمرارية تطبيق الخطة السياسية للبلد.

فمن خلالها يمكن ضمان الأمن السياسي للجيل القادم والتخلص من العنصرية والقصور الفكري للفرد في النظر في مصالحه الفردية فقط والخروج من دائرة الأنا المادية المسيطرة لأفق نحن الإنسانية المعنوية.


الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني