د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

الانقطاع المدرسي

الانقطاع المدرسي : دراسة علميّة تحليلية للنموذج التونسي

الانقطاع المدرسي

يندرج هذا البحث ضمن التعريف بظاهرة الانقطاع المدرسي ودراسة أسبابها في مختلف مراحل التعليم وتقديم مقترحات للحدّ منها. و ينطلق عملنا هذا من معاضدة جهود وزارة التربية التونسية التي أدركت خطورة ظاهرة الانقطاع المدرسي، وتعمل على دراسة عللها و آفاقها. وذلك إدراكا منا بأنّ الإصلاح التربوي شامل المقاصد عميق الدلالات، يكون عبر العناية بالتلميذ الذي هو محور العملية التربوية كما يكون بتطوير البرامج وتحديث التجهيزات التربوية ويكون أيضا بالعناية بالظواهر التي تنتجها العملية التربوية، ومنها الانقطاع المدرسي أو التسرّب وكذلك ظاهرة العنف المدرسي وغيرها من الظواهر الأخرى التي سندرسها على حلقات في موقع تعليم جديد.

1- المنطلقات الإحصائية: هدر أو تسرب أو انقطاع؟

ارتأينا أن ننطلق في دراستنا لظاهرة الانقطاع المدرسي من الإحصائيات التي يقدمها المشرفون على الدراسات والتخطيط والإحصاء التربوي بوزارة التربية التونسية، وذلك لدقتها وجودتها والجهد المبذول في هذا المجال، فالإحصائيات أفضل وأدقّ سند للتحاليل التربوية. وما يميز عمل وزارة التربية في مجال الإحصاء هو التمكن من الجمع بين التفصيل والخصوصية، وتنوع المجالات والميادين مما جعل هذه الإحصاءات شاملة الدقة وأرضية لكل مبحث موضوعي. ولذلك اعتمدت في تحليل ظاهرة الانقطاع على الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية. وهو تحليل للتحسيس بهذه الظاهرة في عمل أقرب للبحث التعريفي بها، إذ لا يخفى اليوم قيمة التحسيس والتبسيط في توعية المستقبل للأبحاث التربوية. وكانت هذه الجداول الإحصائية منطلقا في التحليل والاستنتاج واقتراح بعض الحلول بالاعتماد على دراسة الأسباب التربوية والاجتماعية والنفسية والسياسية لهذه الظاهرة. وإنّ الحديث عن الانقطاع المدرسي في عملنا هو حديث عنه بجميع تفرعاته وأصنافه، سواء الانقطاع لأسباب تأديبية أو لضعف النتائج أو لأسباب اجتماعية ونفسية وصحيّة. وسنتناوله بالتحليل في جميع مراحل وأصناف التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.

2- الانقطاع في التعليم الابتدائي

لقد مرّ الانقطاع في التعليم الأساسي بمرحلتين:

– مرحلة أولى حين كان امتحان شهادة ختم التعليم الابتدائي إجباريا.
– مرحلة ثانية بنظامها المعروف اليوم والتي يكون فيها الارتقاء بنسبة مرتفعة كما سنرى.
وما يلاحظ في التعليم الابتدائي سابقا والأساسي حاليا هو أن ظاهرة الانقطاع كانت في السبعينات والثمانينات بنسبة تتراوح بين 7 و8 بالمائة خاصة بداية من السنة الرابعة مرورا بالسنة الخامسة إلى السادسة وتواصل ذك إلى حدود 1992 من مجموع التلاميذ.

جدول به نماذج من إحصائيات الانقطاع في التعليم الأساسي (الابتدائي) من سنوات مختلفة

الانقطاع المدرسي

الاستنتاج

ما نلاحظ أنّه مع نهاية التسعينات والعشرية الأولى من الألفية الثانية بحذف مناظرة السنة السادسة خاصة، تغيرت نسبة الانقطاع وانخفضت. وتحسنت نسبة التمدرس الكمي وللأسف كان ذلك على حساب مخرجات التعليم. وأصبحت نسبة الانقطاع في السنوات الثلاث الأخيرة بين 0.9 و01 .

نستنتج من خلال المؤشرات المضبوطة في الجدول:
ارتفاع نسبة التمدرس.
تقلص نسب الرسوب.
تقلص نسب الانقطاع بين سن الـ 6 سنوات والـ16 سنة.
لكن بالمقابل نلاحظ نتائج غير مرضية أو قريبة من المتوسط في مستوى:
– اللغة الفرنسية والرياضيات.
-إقبال ضعيف على التنشيط الثقافي وكذلك إقبال ضعيف على الرياضة المدرسية. علما أنّ هذه المرحلة العمرية تكتشف فيها في بعض البلدان على غرار الصين وروسيا والولايات المتحدة وألمانيا 90 بالمائة من المواهب في الرياضات الفردية، و95 بالمائة من الأبطال الأولمبيين في مجال الجمباز أيضا تكتشف في هذه المرحلة العمرية، فيقع تبنيهم وتأطيرهم من أكاديميات رياضة النخبة.
– سيطرة المنحى الكمّي على البرامج التعليمية: حيت تتراكم الأهداف الجزئية وتتعدد الأنشطة التعليمية : كثرة المواد المدروسة لطفل عمره 6 سنوات، مع عدم تكامل هذه الأهداف مما أدى إلى ضعف وتدهور مكتسبات المتعلمين المعرفية، فضعف التحصيل الدراسي في بعض المواد يؤدي بالتدريج إلى الملل الدراسي الممهد للانقطاع المدرسي، وكذلك إلى عدم المواظبة وكثرة الغياب والتهرب من الدراسة وكرهها. وهذه ليست مشاكل مستعصية الحل متى تم دراسة أسبابها وتشجيع التلميذ في هذه المرحلة العمرية الهامة بتدرج وسلاسة ولطف على التعديل الذاتي للسلوك والعمل على تحسين مستواه، ومتى تمّ إشغال التلميذ ذي المستوى التعليمي الضعيف بالأنشطة المدرسية المخطّط لها والهادفة كل حسب قدراته واهتماماته وميوله و مراعاة حاجيات التلاميذ ذوي النتائج الضعيفة، والعمل على إشباعها وتقديم الخبرات التي تساعدهم على تحقيق النجاح، وتجنيبهم الشعور بالفشل والدونية.

اختلال بين جودة الكمّ وتدنّي النوع والكيف.

فبعد كسب رهان ” الكم” بدليل نسبة التمدرس العالية (تفوق ال 90 بالمائة في الابتدائي). أصبحت المنظومة التربوية التونسية مطالبة بكسب رهان الجودة والنجاعة بما يقتضيه هذا الرهان من تعلّم نوعي في محتوياته وفي طرائقه وفي تنظيماته.

نسبة التمدرس للفئة العمرية 11-6 سنة حسب الجنس.

Capture 2

الجدول عن المعهد الوطني للإحصاء عن وزارة التربية.

ولا يمكن كسب رهان “الكيف” والجودة فقط عبر تطوير البرامج التعليمية والكتب المدرسية والمقاربات البيداغوجية ونظم التقييم والإشهاد…، بل إن كسب هذا الرهان يمرّ قبل كل شيء عبر دراسة تحليلية للعوامل المعرقلة للإصلاح التربوي بدراسة الأسباب والعلل وطرح البدائل وتطوير الإطار الأوسع للمنظومة التربوية بما فيها تعلمات وتنظيمات وتصرّف وتسيير وتجهيزات وحياة مدرسية.

3- الانقطاع المدرسي في التعليم الإعدادي

جدول 128: تدرج تلاميذ مرحلة الإعدادي العام والتعليم الثانوي للسنة الدراسية 2013/2012

Capture 3

و حتى في سنة 2013-2014 لاحظنا تقلصا طفيفا لظاهرة الانقطاع إلى 10 بالمائة من مجموع 460592 تلميذا في التعليم الإعدادي لكنها بقيت مرتفعة في السنة السابعة بنسبة 14 بالمائة من مجموع 194224 تلميذا.


الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني