د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

إسهامات العلوم المرجعية

4 – إسهامات بعض العلوم المرجعية في بناء ميدان علم التعليم و التعلم “

يمكن أن يتساءل البعض عن طبيعة المساهمات التي قدمتها العلوم المرجعية إلى علم تعليم و تعلم اللغات الأجنبية، و يدفع هذا التساؤل إلى الاطلاع على النصوص المتخصصة في تلك العلوم.  سنكتفي في هذا العمل بالتركيز على الإسهامات التي قدمها ميدان علم النفس المعرفي لميدان علم التعليم و التعلم  و سنتناول ثلاث نقاط تدخل في إطار هذا العلم و هي :

أ- بعض المفاهيم التي يمكن الاستفادة منها للتعرف على مصدر بعض الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون

ب- المعلومات  الأولية و دورها في فهم محتوى المقرر الدراسي

ج- تصنيف جاك ترديف للمعارف و أهميته لتحليل الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون

 

أ- بعض المفاهيم التي يمكن الاستفادة منها للتعرف على مصدر بعض الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون

ينبع اهتمامنا بميدان علم النفس المعرفي من كونه – أولا – يحتوي على مجموعة من المفاهيم التي من شأنها أن تساعد المدرسين  على تأدية واجباتهم اليومية، بل و تجعلهم قادرين على فهم مصدر بعض  الصعوبات التي يمكن أن يلاقيها المتعلمون و العمل على تذليلها،  و –ثانيا- يزود ميدان علم النفس المعرفي المدرسين  بأفكار يمكن أن تساعدهم على فهم كيفية حدوث آلية عملية التعلم مما يسمح لهم بتبني الطريقة التعليمية المناسبة.

  • بعض المفاهيم التي يمكن أن نستقيها من ميدان علم اللغة المعرفي :

أ – وجود  ما يسمى ” المرشحات الذهنية [12] ” لدى المتعلم: إن طريقة استجابة هذه المرشحات عند تعاملها مع المعلومة هي التي تجعل عملية التعلم سهلة أو صعبة.

ب – مفهوم ” الإنهاك الذهني “: إن قدرة احتفاظ المتعلم بالمعارف في نفس الوقت محدودة مما يجعل التركيز على نفس الموضوع لمدة طويلة صعبة.

ج – مفهوم  ” النقص أو العجز في المعلومات “: هو الفارق بين المستوى الذي بلغه المتعلم من المعلومات و المعلومات الواجب امتلاكها لكي تتم عملية التعلم.

د – مفهوم  ” منطقة النمو القريبة” [13] لعالم النفس التعليمي فيغتسكي  Lev Semionovitch Vygotski   تقع هذه المنطقة بين مستوى النمو المعرفي الذي يبلغه المتعلم عندما يقوم بإنجاز المهام الدراسية لوحده و مستوى النمو الذي يبلغه المتعلم عندما يتعلم برفقة شخص آخر أكثر منه خبرة. يؤكد ليف فيغتسكي  Lev Semionovitch Vygotski  من خلال هذا المفهوم ليس على أهمية دور المدرس فحسب، بل على مرافقة الطفل في عملية التعلم، و يذهب ليف فيغتسكي  Lev Semionovitch Vygotski إلى حد القول – استنادا على هذا المفهوم  – إن عملية التعلم تسرع عملية النمو.

ب-  المعلومات  الأولية و دورها في فهم محتوى المقرر الدراسي

إن اهتمامنا بميدان علم النفس المعرفي ليس نابعا من كونه يحتوي على العديد من المفاهيم التي يمكن أن تساعدنا على فهم مصدر بعض الصعوبات التي يمكن أن يلاقيها المتعلمون فقط، و لكنه نابع من احتوائه على أفكار من شأنها أن تساعدنا على فهم آلية عملية التعلم أيضا. إن من أهم الأفكار التي يمكن أن نستقيها من ميدان علم النفس المعرفي هي تأكيده على دور المعارف الأولية في فهم محتوى المقرر الدراسي، فعملية فهم محتوى المادة العلمية أو عدم فهمها، مرتبط ارتباطا وثيقا بمدى امتلاك المتعلم للمعارف الأولية. لقد عبر فرانك سميث   Frank  Smith في كتابه المعنون : « الفهم و التعلم »   عن تلك العلاقة و عن دور المعارف الأولية في عملية الفهم قائلا : ” الفهم هو عبارة عن عملية إعطاء معنى للأشياء “ [14] و تتم عملية الإعطاء للمعنى باستعمال المتعلم للمعارف الأولية. يذهب هذا الباحث إلى أبعد من ذلك حين يقول : ” إن المعنى لا يأتي من النص إلى المستمع أو القارئ؛ إن القارئ هو الذي يأتي بالمعنى للنص “ [15]  في نفس السياق عرف كل من هـنري  بوايير و ميشال بوزباش – ريفارا   H. Boyer et M. Butzbach –Riveraعملية الفهم بأنها: ” عبارة عن إنتاج لمعنى و ليست عملية تلقي و استقبال “. [16]

تبرز لنا هذه الاقتباسات مدى أهمية المعلومات الأولية و التي تعد شرطا أساسيا لعملية فهم المعارف الجديدة، و قد أصبحنا نتكلم اليوم عن عملية بناء المعلومة من طرف المتعلم.

ج – تصنيف جاك ترديف للمعارف و أهميته لتحليل الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون

بعدما تعرضت لبعض المفاهيم التي يمكن اعتبارها أدوات ذهنية نستعملها لتحليل بعض الصعوبات و فهمها بل و اقتراح بعض منها لمساعدة الطالب على التغلب على الصعوبات التي يمكن أن تعترضه أثناء عملية التعلم، ثم تطرقت إلى دور المعلومات الأولية في فهم محتوى المقرر الدراسي، ننهي حديثنا عن إسهامات علم النفس الإدراكي لميدان علم التعليم و التعلم بذكر التصنيف الذي وضعه جاك ترديف Jacques Tardif  عند دراسته لأنواع المعارف في كتابه المعنون :  نحو تعليم استراتيجي : إسهامات علم النفس المعرفي  [17]. فقد قام  جاك ترديف بعملية تمييز بين ثلاثة أنواع من المعلومات وقدمها على الشكل التالي:

أ – المعلومات القولية أو التصريحية: و هي المعلومات التي تدخل في إطار الأقوال  كذكر اسم مدينة أو عاصمة بلد أو قاعدة نحوية أو حتى  قانون المرور .إن كل ذلك يدخل في إطار القول

ب – المعلوماتالإجرائية: و هي المعلومات التي تدخل في إطار الأفعال كمعرفة طريقة كتابة رسالة و معرفة كيفية قيادة سيارة و معرفة رسم خريطة دولة معينة، و القدرة على كتابة نص في زمن معين مثل المستقبل. إن كل هذه المعلومات تدخل في إطار الفعل و ليس القول أو إن شئنا التطبيقي لا النظري.

ج – المعلومات الشرطية: و هي المعلومات التي تدخل في إطار الإجابة عن الأسئلة الآتية: متى و لماذا ؟ و كمثال على ذلك نذكر كيفية التمييز بين المثلث و المستطيل، التمييز بين طريقة كتابة الرسالة المرسلة إلى صديق و الرسالة المرسلة إلى مدير إدارة، التمييز داخل نص بين ما هو رئيسي و ما هو ثانوي، و أخيرا  القاعدة التي نرتكز عليها لكتابة الهمزة  في الكلمات التالية: المؤثر – متأثر – ثائر.

يمكن اعتبار تصنيف جاك ترديفJacques Tardif    للمعارف أداة  يمكننا  بفضلها الآن الإجابة على بعض الأسئلة التي كثيرا ما نطرحها  نحن المدرسين و التي تبقى عادة بلا إجابة مثل :

– لماذا يرتكب بعض الطلبة أخطاء على مستوى الأفعال عند كتابتهم لموضوع إنشاء في زمن الماضي على الرغم من أنهم قادرون على تصريف الأفعال نفسها في الماضي خارج إطار النص ؟

  • لماذا يرتكب كثير من الطلبة أخطاء إملائية عند كتابتهم للهمزة  ؟.

5 – التكوين في ميدان ” علم التعليم و التعلم ” بين الإجبار و الاختيار

على الرغم من أننا لم نقم بعرض جميع العلوم المرجعية لعلم التعليم و التعلم ، فإننا نستطيع أن  ندرك من خلال ما عرضناه درجة أهمية هذه العلوم و التي كما سبق و نوهنا ليست ضرورية لمدرسي اللغات فقط و لكن لكل من يقوم بالعملية التعليمية. في الواقع ، و كما تقول ماري فرنسواز  نانسي كومب    Marie – Françoise Nancy – Combe   :  « تضاف المعارف التي تشكل علم اللغة التعليم و التعلم إلى العلوم المنهجية لتمكن المدرس من بناء مسار تعليمي متوافق مع رغبات المتعلمين و إمكانياتهم و ذلك باعتماد أسلوب علمي في التعليم ؛ و هو ما من شأنه كذلك أن يدعم مصداقية و فعالية العملية التعليمة ». [18]

يبرز الاقتباس السابق الذكر أهمية المعارف التي تدخل في إطار علم التعليم و التعلم  ، حيث إنها تمكن المدرسين -كما تقول ماري فرنسواز  نانسي كومب  Marie – Françoise Nancy – Combe- من بناء مسار تعليمي متوافق مع رغبات المتعلمين و إمكانياتهم. بتعبير آخر، إن تأهيل المدرسين في علم التعليم و التعلم لم يعد خيارا نتبناه أو نتركه أو هو شأن تخصص معين و لكن –  نستطيع القول-  العمود الفقري في برنامج تأهيل المدرسين. إن المعارف التي يمكن أن نستقيها كمدرسين من هذا العلم تمكننا من معرفة أسباب بعض الصعوبات التي يلاقيها المتعلمون و تجعلنا أكثر قدرة على فهم المواقف التعليمية و ذلك بفضل المزيج من العلوم الذي يرتكز عليها ميدان علم التعليم و التعلم. إن التكوين في ميدان علم التعليم و التعلم أصبح اليوم ضرورة و يدخل في إطار الإجبار لكل من يقوم بمزاولة مهنة التعليم، هذا إذا أردنا أن نؤمن تعليما يرتكز على المعطيات العلمية.

لقد تطرقت ماري فرنسواز  نانسي كومب كذلك إلى هذا الموضوع، ليس من جانب الاختيار أو الاجبار و لكن باعتباره شرطا لإنجاز عملية تعليمية ناجحة، لأنه يصبح بحوزة المدرس مجموعة من العلوم التي تساعده على « فهم ما يقوم به المتعلم ذهنيا أثناء عملية التعلم  ، و كذلك فهم المواقف التعليمية التي تحدث داخل الفصل الدراسي و تساعده كذلك على بناء منهجية فعالة للتعامل مع تلك المواقف ». [19]

لم يبق الحديث الآن متمركزا حول تطابق عملية التعلم لعملية التعليم. بل العكس هو الذي يجب أن يحدث، فعلى المدرس أن يعمل على أن تكون استراتيجية عملية التعليم متطابقة مع استراتيجية عملية التعلم. إن عدم الأخذ بهذا المبدأ هو أحد  الأسباب في كثير من حالات فشل العملية التعليمية. لقد تطرق ميشال بيلييار إلى هذا الموضوع عندما ذكر بعض التساؤلات التي يطرحها المتخصصون في ميدان علم التعليم و التعلم لبناء استراتيجية تعليمية ناجحة و التي من بينها : « ما هي المعارف و المعلومات التي يمتلكها المتعلمون و التي تسمح لهم بتعلم لغة أجنبية بطريقة تدريجية ؟ » [20]، فنقطة الانطلاق إذن في كل عملية تعليمية ناجحة يجب أن تكون المعلومات التي يمتلكها المتعلم فعلا و ليس مما هو موجود داخل كتاب المقرر الدراسي، بل حتى عملية تحديد الأهداف المنشودة من عملية التعلم، يفترض أن تصاغ وفقا  للمستوى الفعلي للمتعلم و ليس على أساس المستوى الذي يفترض أن يكون قد بلغه. إن ضرب عرض الحائط بالمستوى الفعلي للمتعلم، و اعتبار أن كل عملية تعليم تؤدي بالضرورة إلى عملية تعلم هي نقطة البداية لفشل العملية التعليمية.

قد يتساءل بعض القراء حول مدى إمكانية تطبيق هذه الطريقة في التعليم في وقت يوجد فيه مقرر معين يجب تدريسه. نجيب على هذا التساؤل كما يلي: نعتقد أنه لا ضير من تخصيص أسبوعين دراسيين إذا كان ذلك يساهم في إنجاح العملية التعليمية على أن يكرس هذين الأسبوعين لتزويد المتعلمين بالمعلومات أو لنقل للقيام بعملية تنشيط للمعلومات التي تمكن المتعلمين من استيعاب المقرر الدراسي الجديد.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني