د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

أفكار سكينر1

المثال:

إنك إذا عززت بالثناء و الموافقة على قيامك بشيء ما، فأنت لا تصبح أكثر قابلية لعمل ذلك الشيء فحسب، ولكنك ستشعر بالارتياح أيضاً. ومن ناحية ثانية، فإذا ما عوقبت على قيامك بشيء ما، فعلى الأغلب أنك ستشعر بالذنب، أو الاستياء، أو الغضب، أو أي انفعالات أُخرى اعتماداً على خصوصية الظرف. إن النقطة الهامة التي يوضحها سكينر أن ” الشعور بالارتياح” و ” الشعور بالذنب” لا يسببان السلوك، فهذه المشاعر نتاج للعوامل البيئية كالتعزيز والعقاب، مثلها في ذلك مثل السلوك الظاهر تماماً.
إن أثر البيئة على السلوك كثيراً ما يكون غامضا، ولذا فهو لا يشكل بالنسبة لنا تفسيرا بديلاً واضحاً. فآثار البيئة غالباً ما يساء فهمها. فسكنر لا يرى أن البيئة تحركنا إلى الأمام أو إلى الخلف، ولكنها تختار بعض الأنماط السلوكية بسبب نتائجها. فالسلوك يُختار ( أي تزداد احتمالات تكراره) إذا عُزز.
إننا نُظهر العديد من الأنماط السلوكية في حياتنا ولكن بعضا منها فقط يصبح جزءاً من أنماطنا السلوكية الراسخة. وهذه هي الأنماط التي لها نتائج تعزيزية ( أي أنها معزِّزة ايجاباً أو سلباً).
إن هذه الطبيعة الانتقائية للبيئة غالباً ما تعمل بطريقة غير واضحة، أي أنها لا تتضح بقوة كبيرة كما هو الحال بالنسبة لمشاعرنا، لذا فإن معظم الأثر الضابط للبيئة لا تتم ملاحظته، في حين أننا نركز على المشاعر وهي أكثر وضوحا (وهنا يشير سكينر إلى التماثل بين نظرية داروين في النشوء والارتقاء ونظريته الخاصة، فنظرية النشوء والارتقاء تركز على الطبيعة الانتقائية للبيئة فيما يتعلق بالخصائص السلوكية).

إن إدراكنا لحقيقة أن البيئة تختار السلوك اعتماداً على طبيعة نتائجه يقودنا إلى:

  1. نبذ التفسيرات المعتمدة على المشاعر وحالات العقل الداخلية الأُخرى والعمل على تحليل أثر العوامل البيئية بعناية.
  2. أن التغيرات السلوكية المرجوة تحدث نتيجة لتغيير الظروف البيئية التي يتعرض لها الأفراد.

ويشير سكينر أنه سار على هذا الدرب هو وزملاؤه، وأن تطورات هائلة قد حدثت في السنوات القليلة الماضية فيما يتصل بتطوير التكنولوجيا السلوكية. وما يقف في طريق استخدام هذه التكنولوجيا هو بعض الأفكار التقليدية السائدة في مجتمعنا والتي تطغى على نظمنا القانونية والاقتصادية والتربوية والمؤسسات الاجتماعية الأُخرى. وتتصدر فكرة استقلال الفرد قائمة الأفكار التي تعيق تطور التكنولوجيا السلوكية واستخدامها. وتتضمن فكرة استقلال الفرد ” الحرية” في اختيار أو تقرير ما يتم القيام به، و ” الكرامة” أو “القيمة الشخصية” التي تمنح للإنسان الذي يتغلب على الصعاب بنجاح أو يحقق نجاحات باهرة.
إن الجدل الذي ينشأ عن تحدي الحرية والكرامة يحول دون تقييم فوائد التكنولوجيا السلوكية بموضوعية. فعنوان الكتاب ” ما وراء الحرية والكرامة” يشير إلى القضية المركزية التي يعتقد سكنر أن تبني التكنولوجيا السلوكية يتضمنها. فهو يقترح علينا أن نذهب إلى مفاهيم الحرية والكرامة التقليدية، أو التوقف عن العمل وفقا لمفهوم الاستقلال الذاتي. وأنه علينا دراسة الظروف البيئية و تنظيمها على نحو يقلل من الاكتظاظ السكاني و تفشي الأمراض و التلوث البيئي و العلل الاجتماعية الأُخرى، و يزيد من السلام و الصحة و المحافظة على المصادر الطبيعية و الأهداف الاجتماعية النافعة الأُخرى.

وطالما نظرنا إلى الإنسان على أنه مخلوق مستقل يمتلك حرية تقرير مصيره، و تعتمد كرامته أو قيمته الشخصية على الأفعال الجيدة التي تصدر عن طبيعته الداخلية الخاصة، فإن العوامل البيئية الضابطة لن تحظى بقدر كاف من الانتباه. ولهذا، ستفوتنا فرص تطوير مجتمع أقوى وأحسن حالا وذلك بتحسين الظروف التي تؤثر على سلوكنا.
وفي مناقشته للحرية، يشير سكينر إلى أنه ينظر إليها في العادة على أنها حالة من الفعل أو الشعور، وينظر إلى الناس عموما على أن لديهم الإرادة ليكونوا أحراراً. ولهذا فهناك تأكيد على الحاجة إلى التخلص من الضبط المنفر ليصبح الإنسان حراً في أن يعيش الحياة التي يرنو إليها. ولسوء الحظ فإن هذا التعليل يقودنا و بسهولة إلى الاستنتاج بأن كافة أشكال الضبط سيئة، و إلى تجاهل أو رفض إمكانية ضبط الظروف الاجتماعية لتحقيق الأهداف النافعة. وفي رأي سكنر، فإنه علينا عدم الاكتفاء بتحرير الناس من الضبط المنفر ( وهو يوصي به أنصار الحرية)، ولكن علينا أن نخطو الخطوة التالية فنخلق الضوابط التي ستترتب عليها نواتج ايجابية. فإذا بقينا نشعر بالتهديد من جميع أشكال الضبط، فإننا نخسر الفوائد التي تستطيع التكنولوجيا السلوكية تزويدنا بها.

إن مفهوم ” الكرامة” التقليدي، والذي يشتمل على النظر إلى الناس على أنهم جديرون بالاحترام عندما يفعلون ما يستحق التقدير، هو الآخر مفهوم تهدده التكنولوجيا السلوكية. فمن وجهة نظر سكنر، فالسلوك كله تحدده العوامل الجينية والبيئية، وليس هنالك ” سلوك متميز” ينبع من أعماق الشخصية المتميزة للإنسان. وبمعنى آخر، فإن ما نفعله ( سواء أكان متميزا أم لا ) هو من وجهة نظر سكنر نتاج ظروف ( جينية وبيئية) لا نسهم في اختيارها أو تقريرها، ولذا فمن غير المناسب إرجاع الفضل للإنسان وكأنه يتصرف كما يشاء. وقد اعتدنا تكريم الآخرين على إنجازاتهم و إرجاع الفضل لهم، و التماس تكريم أنفسنا إلى درجة كبيرة بحيث تبدو اقتراحات سكنر اقتراحات غريبة.
وفي الحالات التي يُعطى فيها الفضل أو يُؤخذ بسبب الإنجازات ليست واضحة بسهولة. فثمة أمثلة عديدة على السلوك البطولي، والفني والابتكاري والدؤوب، والذي يبدو أن التفسير الوحيد الذي يُقدم له هو وجود خاصية متميزة للبطل والفنان والمبتكر والعامل الذي يعمل بجد. أما العلم السلوكي الذي يتبناه سكنر فيهتم بدراسة الآليات التي تستخدمها البيئة لتشكيل هذه الأنواع من السلوك. فافتراضه الأساسي هو أن الظروف البيئية، مهما كانت دقيقة أو غير واضحة، تؤثر على السلوك. وإذا اكتُشفت الظروف البيئية ذات العلاقة، فإن هذه المعرفة يمكن استخدامها لتحقيق المزيد من الإنجازات الاجتماعية المفيدة. إلا أن المسألة تصبح صعبة اذا رفضنا هذا المنحى لأنه يبدو و كأنه يقلل من كرامتنا.
إن سكينر يرى أننا لا نريد حقا اكتشاف الظروف الخارجية المسؤولة عن أفعالنا ” الجديرة بالاحترام” لأنه لا يكون باستطاعتنا أن نعزو أسباب النجاح إلى أنفسنا، ولذلك فإن شعورنا ” بالقيمة الشخصية” على النحو الذي ندركه حالياً، سوف يضعف. وهذا الموقف يسد الطريق في وجه التكنولوجيا السلوكية القادرة على تحقيق المزيد من الإنجازات الإنسانية.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني