د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

أفكار سكينر3

و يشير سكينر على أن هذا الاقتراح لا يقبله أولئك الذين يؤمنون بحرية الاختيار والذين يقبلون بفكرة الكرامة الإنسانية المستمدة من تحكم الانسان بإنجازاته ذاتيا. وبكلمات بسيطة، فإن الاعتراض هو أنه إذا كان السلوك الجيد للإنسان نتاج الظروف البيئية، ما الذي يحدث لحريته في اختيار ما هو جيد، وكيف له أن يكرم على السلوك على نحو جيد؟
مرة أُخرى، تظهر فكرة الاستقلال الشخصي في الصورة، وتدعم واقع الأمر -بطريقة غير مباشرة- استمرارية الأساليب العقابية. ففي مجتمع يمارس العقاب، إذا تصرف الناس على نحو جيد، فذلك لأنهم اختاروا أن يكونوا جيدين وهم يستحقون التكريم. وما يتضمنه ذلك هو: ” إذا لم تتحمل المسؤولية الشخصية عن سلوكك ولم تتحكم بنفسك بطريقة مناسبة فسوف تُعاقَب. إن الخيار خيارك، وإذا أحسنت التصرف فذلك يعني أن شخصيتك قوية وأنك جدير بالاحترام”.
و يعتقد سكينر أن هذه الطريقة غير فعالة نسبياً لحث الناس على السلوك على نحو جيد ( كما يتضح لنا بمجرد النظر إلى كل الأنماط السلوكية غير المقبولة التي يبديها الناس). وعلى أية حال، فهي تتيح لأنصار الحرية والكرامة إمكانية الشعور بالراحة، لأن الناس يبدون و كأنهم يمتلكون حرية اختيار عمل الأشياء الجيدة أو عدم عملها، وبالتالي فإن من يحظى بالتقدير هم الذين ” يتخذون القرارات المناسبة”. و إذا ما بدأنا بتطبيق تكنولوجيا سلوكية فاعلة وغير عقابية، و تصرف الناس على نحو جيد بسبب تنظيم الظروف البيئية، فلن يكون هناك ” مسؤولية شخصية” عن السلوك الجيد، أو “الحرية” لاختيار السلوك الجيد أو “تكريم” للناس على إنجازاتهم.
و بالطبع، فإن ذلك لا يعني أن الشعور بالمسؤولية والحرية والكرامة سوف يتلاشى، ولكنه يعني ببساطة أن الاعتماد التقليدي على هذه المفاهيم التي تطغى على المجتمع حاليا سيتم استبدالها بالأساليب السلوكية. وكما أشار سكنر مرارا وتكرارا، فإن عماد منهجه السلوكي هو التعزيز الايجابي، فهذا هو أسلوبه المفضل لضبط السلوك، وهو في رأيه، لا يحث الناس على القيام بالسلوك الجيد فحسب، ولكنه يجعل شعورهم جيداً أيضاً.إن سكينر نفسه يعتقد بأن سلوكه هو نتاج بيئته، وهو لا يرى نفسه مستثنى من قواعد علمه في السلوك. وعلى الرغم من حقيقة أنه نتاج ظروفه البيئية ( مثلا، النواتج التعزيزية لبحوثه وكتاباته) إلا أنه يشعر بأنه حر. وهذا الشعور بالحرية لا يعتمد في الحقيقة على كونه حراً فعلاً ( فسكنر لا يعترف بهذا الشيء)، ولكنه ينشأ عن البيئة المعززة ايجابياً.
وهكذا، ففي المجتمع السكينري المستخدم لتكنولوجيا السلوك فإن الناس سيشعرون بالحرية أيضاً و بالكرامة و بالمسؤولية، على الرغم من أن سلوكهم ليس حراً فعلا ( نقطة هامة: يعتقد سكنر أن سلوكنا تتحكم فيه بيئتنا اليوم و ستتحكم فيه غداً، ولذا فإن الهدف يجب أن يتمثل في تصميم الظروف البيئية البناءة غير العقابية التي ستؤدي إلى تحسن الفرد و المجتمع و المشاعر أيضاً).
وفي المجتمع الذي يلجأ للعقاب بكثرة للتحكم بسلوك الأفراد، فإن قدراً كبيراً من الوقت والجهد يذهبان هباءً بسبب محاولة الناس الهرب من العقاب أو تجنبه ( وبالطبع، فالعقاب يولد مشاعر سلبية لدى الانسان المعاقِب أيضاً). وهذا يضعف المجتمع، فالمجتمع القوي هو ذلك الذي يستخدم التعزيز الايجابي على نحو مدروس لتشكيل السلوك البناء والنافع وللمحافظة على استمراريته).

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني