د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

هموم التعليم

د.حامد عمار - شيخ التربويين العرب ـ 75 عاماً ـ واحد من خبراء ورواد التربية القلائل في عالمنا العربي. توافرت له خبرات حياتية كبيرة منذ كان معلماً ثم أستاذاً للتربية ومستشار إقليمياً للأمم المتحدة في المنطقة العربية. نتاجه العلمي وخبرته التربوية فرضت علينا محاورته حول هموم وقضايا التعليم العربي والتي اشتغل بها طوال أكثر من نصف قرن من الزمان. وكعادته لم يتحدث د. حامد عمار عن قشور أزمة التعليم العربي، بل غاص بنا في أسباب تلك الأزمة الكبيرة واقترح وصفة الإصلاح التي أكد فيها على أنه لا صلاح للتعليم إلا بإحداث تغييرات جذرية في بناء هيكل التعليم واعتماد خطة الإصلاح على تنمية مختلف المهارات للمتعلم والاهتمام بإعداد المعلم وتكثيف الإنفاق على التعليم. تحدث شيخ التربويين وأفاض، وكان هذا الحوار: مؤشرات تقويمية ما تقويمكم لحالة التعليم الراهنة في البلدان العربية؟ في الواقع حينما أتحدث عن التعليم في الوطن العربي أتحدث عنه بصورة عامة وإجمالية، لأن هناك تفاوتات عديدة بين بعض الأقطار العربية وبعضها الآخر، وبالتالي فإنني أنظر في حديثي هذا إلى الوطن العربي باعتباره وحدة قومية ووحدة ثقافية. حينما ندقق النظر نتأكد أن التعليم في الوطن العربي متدنٍّ كماً، ومتدنٍّ نوعاً، وللتدني الكمي والكيفي مؤشرات عديدة... وأعتقد مؤشرات التدني الكمي تتلخص في المؤشرات التالية: المؤشر الأول: نسبة الأمية بين الكبار الذين تجاوزت أعمارهم 15 سنة. وهذه النسبة لا تقل حسب آخر الإحصائيات عن 45% من سكان الوطن العربي لا يقرأون ولا يكتبون. المؤشر الثاني: إذا حسبنا بمتوسط أو معدلات التمدرس والتي هي عدد السنوات التي قضاها كل مواطن في الوطن العربي ابتداء من الفئة العمرية 25 سنة فأكثر... لو أخذنا تلك السنوات التي قضاها المواطن العربي في تعليم منظم وقسمناها على الفئة العمرية 25 سنة فأكثر، فلن يزيد متوسط سنوات التمدرس على 5 سنوات، في حين أن متوسط سنوات التمدرس في الدول الصناعية المتقدمة يصل إلى 13 سنة ويتراوح بين 11 و12 سنة.. هذا بالإضافة إلى دول مثل كوريا يصل فيها متوسط سنوات التمدرس إلى 9 سنوات، وفي تايوان 10 سنوات وفي ما ليزيا وسنغافورة 7 سنوات. فنحن أمام كتلة حرجة من المواطنين المتعلمين «الفئة العمرية 25 سنة فأكثر» تمثل قوة العمل الرئيسة، وللأسف نجد أن زادها وحصيلتها من التعليم المنظم في مدارس وجامعات ومعاهد يقل كثيراً عن زاد نظيرتها في الدول الصناعية المتقدمة لدرجة تصل إلى أقل من النصف!! وعلى الرغم من أنني أسلم أن هناك جهوداً تم بذلها في السنوات الأخيرة في الوطن العربي للإصلاح إلا أنني أرى أن تلك الجهود جاءت متأخرة، وبعد أن تراكمت مشكلات الأمية والتسرب من المدارس وعدم استيعاب جميع الملزمين، كل ذلك أدى إلى الركود، وأدى بتعليمنا إلى أن يكون في مستويات متدنية كماً. ولو أخذنا متوسط عدد الحاصلين على شهادات جامعية في قوة العمل فسنجد أن نسبتهم لا تزيد على 6% من مجموع العاملين في الوطن العربي، هذا مع العلم أن متوسط عدد الحاصلين على شهادات جامعية في إسرائيل 20% وفي دول النمور 15% و13%. ومن الملاحظ والهام أن نقارن وضعنا بوضع دول العالم، لأننا نعيش في عالم واحد، صحيح أننا نتقدم ولكن ينبغي أن يكون هذا التقدم بخطى سريعة إلى الأمام ولابد أن نلاحق الأوضاع المتغيرة التي يعيشها العالم. أما من ناحية تدني التعليم في الوطن العربي كيفاً فمن الواضح أننا لو أخذنا معيار من يشتغل بمجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية والتكنولوجية فسنجد أن المشتغلين في تلك المجالات الحيوية لا يزيد على 12% من مجمل قوة العمل.. ولو أخذنا مؤشراً كيفياً آخر وهو نسبة ما ينفق على البحوث العلمية فسنجد أن نسبة الإنفاق لا تتعدى 0.5% من جملة الدخل القومي العام. تنميـة اليســر هذه المؤشرات توضح الحالة المتدنية للتعليم في الوطن العربي.. ورغم ذلك فلابد من الإشارة إلى أن هناك خطوات ملحوظة للسير إلى الأمام والتقدم سواء فيما يتعلق بانكماش نسبة الأمية، أو فيما يتعلق بالتوسع في التعليم الجامعي الذي لا تزيد نسبة الملتحقين به في غالبية البلدان العربية على 15%، وأقول إن تلك المؤشرات متحركة ويظل المطلوب مزيداً من الاستثمارات في التعليم ومزيداً من التوسع في فرص التعليم على مختلف مراحله. وهنا أتذكر تعبيراً جيداً للدكتور عبدالعزيز الجلال وهو من أساتذة التربية السعوديين المرموقين شغل منصب المدير العام لقطاع التربية في المنظمة العربية للتربية والعلوم الثقافية، ويشغل حالياً مسؤولية لجنة الإنسان والبيئة المنبثقة عن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، وهو تعبير تنمية اليسر.. وهذا التعبير معناه وهدفه - كما ذكر - أن التنمية بدول الخليج توافرت لها الموارد المادية، لكن أهم مورد ينبغي أن نعتمد عليه هو المورد البشري المتنامي في تعليمه، ودون هذا المورد فلن تكون هناك تنمية إطلاقاً، أن موارد اليسر المادية الحالية كلها، أو غالبيتها معرّضة للانكماش وقابلة للنفاد بعد عشر أو مائة سنة، كما أن بعضها قابل للإحلال خصوصاً لأن الدول الغربية تحاول أن تجد بدائل للموارد المادية - البترول خاصة - الموجودة في الوطن العربي، أما المورد الوحيد - كما قال لنا الدكتور الجلال- غير القابل للإحلال أو النضوب فهو الإنسان.. والإنسان له مصادر ومؤثرات ومقومات لنشأته وتربيته، وبالطبع فإن التعليم يقع في قلب تلك المؤثرات. ومن هنا كانت أهمية الاهتمام بتعليم الإنسان وهو طفل صغير وبتنمية كل طاقاته وأؤكد كل طاقاته وليست الطاقة الذهنية في حدودها الضيقة القائمة على مجرد حفظ المعلومات والمعارف، لكن الطاقة الذهنية بكل ما فيها من ابتكار وقدرة على التجديد.... فالله عندما خلق الإنسان خلقه في أحسن صورة وأعطاه مجموعة كبيرة من الطاقات سواء البدنية أو الذهنية أو الفكرية أو الاجتماعية أو الروحية أو الطاقة الإنتاجية العملية - كل هذه الطاقات ينبغي أن ننميها أثناء تعليم الإنسان، وأعتقد أن تعليمنا في البلدان العربية ما زال يركز على تنمية الجوانب الفكرية تركيزاً كبيراً ويتجاهل تكوين الطاقات الأخرى وتنميتها، والتي هي أجزاء من تكوين الإنسان... كما أعتقد أن أهم مورد ينبغي أن نعطيه الأولوية هو المورد البشري في التنمية وبدونه سنستمر نواجه تخلفاً وأمية وتدهوراً أو مزيداً من المشكلات والحل الوحيد هو إعطاء تعليم الإنسان أهمية قصوى، ونعطيه مزيداً من الاستثمارات والإمكانات بلا حدود. التعليم غائب عن تكوين الشخصية ما أسباب تركيز التعليم في البلدان العربية على تنمية الجوانب الفكرية للمواطن وما مظاهر ذلك؟ وكيف ننهي هذا الوضع الخاطىء؟ في بلداننا العربية أجزم بالقول: أن مسألة المعرفة انفصلت عن تكوين الإنسان ، فعملية المعرفة والمعلومات مسألة رخيصة نسبياً في إنتاجها سواء تمثل ذلك في إعداد الكتب والمقررات الدراسية أو وضع الاختبارات... هي عملية تكلفتها العامة رخيصة، أما التكوين العام للمواطن فإن تكلفته أكبر، فإذا كنت تريد تكوين ما أسميته بقيم العمل التي تحوي القيم الدينية والخلقية والإنسانية فذلك يتكلف كثيراً. وللأسف في بلادنا ارتبط التعليم بالشهادة التي تقيس ما حصله الإنسان من معلومات وأصبحت الشهادة هي صاحبة الحق في منح المواطن عملاً معيناً، واقتصرت الشهادة كذلك على أن قدراً معيناً من المعرفة يحفظه الإنسان يجيز له الالتحاق بعمل معين، ونسينا تماماً أن الإنتاج لهذا العمل يحتاج إلى قيم منها المثابرة والبذل والتضحية وكل هذه القيم غير واردة في مناهج تعليمنا بالوطن العربي. وللأسف فإن تعليمنا تعليم فردي يقيس معلومات الإنسان الفردية ولا يعوّل إطلاقاً على العمل مع جماعة.. وعادات وقيم العمل تلك تحتاج إلى نوع من التدريب للمعلم واعتبار رسالة المدرسة ليست مجرد جمع المعلومات وحفظها وإنما وظيفتها، بالإضافة إلى ذلك تتمثل في التكوين الخلقي للمواطن وبصفة عامة تكوين شخصيته. وكما قلت فإن ذلك محدود جداً في نظمنا التعليمية ولا توجد دولة عربية يقوم فيها التعليم بوظيفة التكوين الشخصي والخلقي للمواطنين، بل تقتصر عملية التعليم على حفظ المعلومات ومنح شهادات تقوم المواطن بما حصل من معلومات، وبالتالي فإن الجوانب الأخرى مهملة تماماً ولابد أن تأخذ مكانها في نظمنا التعليمية سواء كانت رياضية بدنية، أو تربية روحية واجتماعية، أو تربية سياسية وثقافية وبدون ذلك فإن جهود تعليمنا في التكوين السليم والصحيح لشخصية المواطن العربي لن تؤدي إلى النجاح المطلوب. مواقع استراتيجية الإصلاح ما الخطوات الجدية الصحيحة لإصلاح التعليم وكيف نبدأها؟ أولى خطوات إصلاح التعليم أن نتعرف بصورة موضوعية على نظامنا التعليمي... نقاط القوة ومكامن الضعف والخلل وأسبابها لابد أن نعترف بمواطن القصور والتشويه، ولا نبررها إطلاقاً، بل نتحدث عنها وبصراحة ونرفع شعار اعرف واقع تعليمك دون تزييف ولا تبريرات... ولابد أيضاً من وضع خطة مرحلية لتحريك الوضع المتدني للتعليم، وهذه الخطة المرحلية تتطلب أن نتعرف على المواقع الاستراتيجية بالتعليم التي يمكن من خلال إصلاحها وتطويرها التأثير في جوانب العملية التعليمية؛ لأننا لا نستطيع أن نغير نظامنا التعليمي مرة واحدة. وعلى سبيل المثال فأنا أعتقد أن إصلاح المعلم وإعداده موقع استراتيجي هام، لأنك لو أصلحت أحوال المعلم وكيانه وحسَّنت من ظروفه ومكانته فسوف ينعكس هذا الإصلاح على نوعية ما يقدمه للتلاميذ وهؤلاء التلاميذ هم المؤثرون غداً في سوق العمل.. أيضاً فإن الإنفاق على التعليم موقع استراتيجي هام أيضاً، فعندما تخصص الدولة نسبة كبيرة من ميزانيتها للإنفاق على التعليم فسينعكس هذا على التلاميذ والمباني المدرسية والمدرسين. وأعتقد أن ما يخصص للتعليم في الوطن العربي لا يمثل أكثر من 8% من إجمالي الإنفاق، بينما تخصص النسبة الكبيرة للإنفاق على الشرطة والجيش، وهذه النسبة المخصصة للتعليم لابد أن ترفع وتتضاعف لتصل إلى 16% أو 14% على أقل تقدير، لأن التعليم ليس مثل الشرطة أو الجيش، بل هو أهم ووضعه أسوأ منهما على الإطلاق، لابد من انطلاقة كبيرة في زيادة الإنفاق على التعليم، فبدون ذلك سيتدنى تعليمنا. أيضاً فإن الاهتمام بالتعليم الابتدائي موقع استراتيجي هام ليس لمجرد أن التعليم الابتدائي حق من حقوق الإنسان، ولكن لأنه قاعدة الهرم التعليمي وأساس البناء التعليمي، ولو كان الأساس ضعيفاً فإن المبنى سينهار لا محالة.. وبلا شك فإن الاهتمام بالتعليم الابتدائي تنعكس آثاره على التعليم الثانوي والإعدادي، كذلك فإن الاهتمام بإعداد معدي المعلم سواء كانت كليات التربية أو معاهد المعلمين موقع استراتيجي آخر، لابد من أخذه في الاعتبار. ولو تمكنا من إعداد وتجهيز كليات التربية، أو معاهد المعلمين أياً كان اسمها بحيث تخرّج لنا المعلم الكفء من الناحية العلمية والأخلاقية والروحية والثقافية، أي معلماً لا يقتصر في إعداده على مجرد الكفاية العلمية نكون نجحنا وعالجنا خللاً واضحاً. نحن نريد معلماً قدراته العلمية كافية، وقدراته الأخلاقية والروحية والثقافية تامة، وعلى وعي بما يدور في مجتمعه سواء على المستوى القطري أو على مستوى الوطن العربي.. وأنا أرى أن تلك المواقع الاستراتيجية هامة، لابد أن نعطي لها الأولوية والأهمية وأعتقد أنه لو وجدت خطة منظمة ومستمرة ومتواصلة فسيقوى تعليمنا؛ لأن إحدى المشكلات الرئيسة في نظامنا التعليمي العربي أن الخطط التعليمية توضع لفترات طويلة، لكن لا يتم تنفيذ مطالبها بسبب قلة الاستثمارات في التعليم؛ أو للخوف من الاستثمار في التعلم؛ لأن الاستثمار في التعليم طويل المدى ونتائجه تظهر على مدى أطول. التعليم والخبراء الأجانب هل تعتقد أننا في حاجة إلى الاستعانة بخبراء أجانب لإصلاح نظمنا التعليمية وتطويرها؟ وما حدود تلك الاستفادة إن وجدت؟ التعليم ليس في حاجة إلى أي استثمارات أجنبية. فالإنفاق على التعليم لابد أن يكون إنفاقاً وطنياً، أي من مواردنا وليس من الهيئات والوكالات الأجنبية، ولا يجب الاعتماد إطلاقاً على الخبراء الأجانب في تطوير علومنا الإنسانية، بل نستعين بهم وبدرجة محدودة جداً في بعض المسائل الفنية والتكنولوجية مطلوب أن نتعلم منهم في مدارسنا الصناعية وكليات الطب والهندسة مثلاً وما شابهها من مجالات علمية وتكنولوجية... وعلينا ألا نعتمد على الخبراء الأجانب إطلاقاً في الجوانب الاجتماعية أو الروحية؛ لأن خبراتهم الأجنبية نتاج لواقعهم، وهذا الواقع مغاير لواقعنا، وحينما ننقل أفكاراً من هذا الواقع إلى واقعنا ونطبقها تطبيقاً أعمى تصل بنا النتيجة إلى أننا خرّجنا وأعددنا مواطناً عربياً من الناحية الشكلية لكنه أجنبي من حيث الجوهر.. لا يعني هذا أنني أرفض الاستفادة مما يجري في الغرب من تقدم وأفكار، ولكني أطالب بأن نأخذ تلك الأفكار بنظرة ناقدة. وأسأل نفسي إلى أي مدى هذه الأفكار تحتاج إلى تطوير إذا وردت إلينا؟ لأن تلك الأفكار أو الممارسات الغربية ترسي جذوراً في واقعنا وتربتنا وعلينا أن ننميها إن كانت صالحة وأن نستبعدها إن كانت منافية لنا. عملية النقل من الغرب تحتاج إلى فرز دقيق وتعرف كامل على الأوضاع التي نبتت فيها تلك الأفكار، أو تمت فيها تلك الممارسات حتى نتعرف عليها جيداً. ولكن في جميع الحالات وباختصار فإن التعليم أساسه صناعة وطنية قومية، وهذه الصناعة تستفيد من منجزات الحضارة الإنسانية لتحسين إنتاجها الوطني القومي، وليس لغرسها لكي تنتج صناعة جديدة في بيئة غير مواتية. 3 أقسام للعلوم تعاني مناهج التعليم بالوطن العربي قصوراً شديداً يرى البعض أنه أدى إلى تكوين شخصية عربية مشوهة. ترى ما رؤيتك لأزمة المناهج وكيف نحلها؟ مناهج التعليم في الوطن العربي تعيش أزمة حقيقية.. ولو قسمنا المناهج من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية فسنجدها ثلاثة أقسام: القسم الأول: وهو يتعلق بالعلوم الطبيعية والتكنولوجية، القسم الثاني يشمل العلوم الإنسانية والقسم الثالث هو العلوم الاجتماعية. وفيما يتعلق بالعلوم التكنولوجية والطبيعية فهذه علوم استقرت قوانينها ومكوناتها ونظرياتها كنتاج بشري إنساني، ولا ينبغي أن نقع في محظور أنها إنتاج غربي؛ لأن حضارتنا العربية والإسلامية أسهمت ولا تزال تسهم في هذه العلوم التكنولوجية، وهناك اليوم علماء أفذاذ من العرب أصبحوا رواداً لتلك العلوم في العالم. التقدم التكنولوجي نابع من حضارة إنسانية وليس حضارة غربية ساهم فيها يابانيون وصينيون وعرب وأمريكيون.. ونحن كعرب شاركنا في تلك الحضارة إلا أننا لم نوظفها مثلما وظفها الغرب الرأسمالي الموحش في الهيمنة والسيطرة على العالم والتخويف بتدمير البشرية. نحن نريد أن نستخدم تلك المعرفة والتكنولوجيا ونوظفها توظيفاً يتناسب مع احتياجاتنا وطموحاتنا، ولا ينبغي أن نتردد في التزود المستمر من تلك المعرفة والتراث التكنولوجي الغزير. أما فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية فأقول إنها إبداع إنساني سواء كانت فنوناً وأدباً وتاريخاً وجغرافيا.. وكل ذلك لابد أن يكون منتجاً محلياً، نعم لابد من الاطلاع على التراث العالمي في الفنون والآداب وغيرها، ولكن لا ينبغي أن يحكم هذا التراث صور التعبير الأدبي والفني الذي يتمثل في تاريخنا ومعاناته. وهنا أرى أنه لابد من الاهتمام باللغة العربية في تعليمنا وتطويرها لأنها قاعدة التكوين التربوي الصحيح. وفيما يتعلق بالعلوم الاجتماعية فإن كثيراً من نظرياتها مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية الموجودة في الغرب، وهذه النظريات تحتاج ـ لو نقلناها ـ إلى نقد شديد وحتى لو استفدنا منها في مرحلة فلابد أن نختبرها في المرحلة التالية لنرى هل يمكن أن تفسر واقعنا أو تختلف عنه وبالتالي أصبحت غير ملائمة.. وهذه الأفكار يمكن تصميمها في مناهج التعليم. فعلى سبيل المثال في مصر لابد أن يهتم التعليم ومناهجه بأنواع الزراعات الموجودة مثل زراعة القمح وما تتطلبه من علم وخبرة.. هذا لابد أن يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام مناهجنا، في دول الخليج أقول: إنني ما زلت أندهش كيف لا يكون البترول جزءاً أساسياً في مواد الكيمياء والفيزياء.. هذه أولويات يفرضها واقعنا لندرسها وأعتقد أن الدراسات البترولية في منطقة الخليج تؤخذ بصورة مبسطة، ولابد من التركيز على الموارد التي لها موقع وأهمية استراتيجية لاقتصادنا ومجتمعنا. أريد أن أخلص إلى القول أن صناعة العلوم والمعرفة الإنسانية والاجتماعية محلية وطنية، وفي داخل ذلك هناك أولويات تفرضها أزمات الواقع ومشكلاته وتحدياته.. وللأسف فنحن غير قادرين على إنتاج معرفة علمية تكنولوجية، وهنا لابد من الاطلاع على علوم الغرب ونحاول توظيف تلك المعرفة التكنولوجية حسب اهتماماتنا، وأولوياتنا، بحيث يساعدنا هذا التوظيف الجيد والأولويات على أن ننتج علماً وتكنولوجيا. التعليم والدول النفطية هل تعتقد أن الدول البترولية العربية استفادت من مصادرها المادية وخصوصاً المالية في تقديم تعليم أفضل لمواطنيها؟ لقد وظفت الدول البترولية العربية التعليم في تأسيس دولها الحديثة بعد أن استقل معظمها في بداية السبعينيات. لم تكن لتلك البلدان قبل استقلالها كيانات لدول حديثة، وبعد أن استقلت وظفت التعليم لتخريج موظفين لبناء كيانها ومؤسساتها من جيش وشرطة ودواوين وجهاز دولة، وأعتقد أن تلك الدول نجحت في ذلك إلى حد كبير، كما أنها من خلال نظام التعليم أوجدت قوى عاملة لشؤون وقضايا البنوك والصناعات والاستيراد والتصدير، ولكن للأسف فإن تلك الدول استطاعت أن تطور القدرات الاستهلاكية للمواطنين بصورة كبيرة بمعنى أن المواطنين أصبحوا يطلبون سلعاً وخدمات جديدة، وأصبحت تلك الخدمات والسلع جزءاً من ضرورات الحياة للمواطنين، وأعتقد أن النظام التعليمي هو الذي أدى إلى ذلك. فبصفة عامة إنسان البادية يختلف عن الإنسان المتعلم ابن المدينة المتحضر سواء في ملبسه أو مسكنه أو غذائه، أيضاً فإن الموارد التي أنفقت على التعليم في البلدان البترولية أدت إلى ترقية مستوى الاستهلاك، لكن نظام التعليم لم يؤد بالنسبة نفسها إلى زيادة إقبال الأفراد على الإنتاج والإبداع والتطوير في حياة تلك الدول وفي مؤسساتها، وأقول إن التعليم أدى إلى تحسين قدرات الأفراد الاستهلاكية بمتوالية هندسية، في حين أدى إلى تحسين قدرات الإنتاج والعمل بمتوالية حسابية، فإذا كان الإنتاج قد زاد بنسبة 10% فإن الاستهلاك زاد بنسبة 100%. وأيضاً أدى التعليم في الدول العربية البترولية إلى إيمان مواطنيها بأن الدول هي التي تقوم بكل شيء، وأن المواطن عليه فقط أن يستقبل ما تأتي به موارد النفط، وبالتالي أصبح استخدام موارد النفط والاستمتاع بها حقاً لا يقابله ما يتوازى معه من واجب وعمل وإنتاج وإبداع مما أعطى الإحساس العام بأن تلك الدول بعد تأسيس بنيتها الحديثة لم يكن فيها التعليم طاقة إنتاجية يمكن أن تطور المجتمع وتجعل قدرته الإنتاجية أكثر اعتماداً على أبنائها، وبالتالي فإن مؤسسات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دورها في تطوير المجتمع بشكل أفضل. تفاقم الأمية ما أسباب زيادة وتفاقم مشكلة الأمية في البلدان العربية وعدم نجاح الخطط الحكومية في حلها؟ مشكلة الأمية في بلادنا العربية تتفاقم من حيث الحجم الكلي. فهناك طبقاً لآخر الإحصائيات 65 مليون مواطن عربي أمي، أما من حيث نسبة انتشار الأمية فهي تتناقص.. لقد بلغت نسبة الأمية في الدول العربية من سنوات قليلة 60% ووصلت الآن إلى 45%، وهذه النسبة الكبيرة 45% تؤكد لنا أن مجتمعنا العربي يقوم على نخبة متعلمة بيدها كل شيء معرفي وقاعدة جماهيرية غفيرة، أمية لا تملك أي معرفة وهذا مكمن الخطر. وللأسف فإن هناك في وطننا العربي من يقول إن الأمية ستنتهي مع مرور الزمن وهذا مفهوم خاطىء لأن الزمن كالسيف إذا لم تقطعه قطعك.. والنخبة التي تدير المجتمع من متعلمين تتأثر في حركتها وقيمها وتوجهاتها بالقاعدة الأمية، وبمضي السنوات يظهر لدى تلك النخبة قيم الاستعلاء وعدم الاهتمام بالقاعدة الجماهيرية ومشكلاتها. ومن هنا لا يتدافع المجتمع بصورة سليمة وصحية، بل وتصاب النخبة بالقصور الذاتي والاسترخاء، لأنه لا توجد قوة تدفعها وتحركها، وبالتالي نرى أننا أمام رأس يفكر وينضب مع مضي الأيام وجسم ضخم ضعيف مترهل لا قيمة ولا فائدة منه.. وأعتقد أن كل ما تشكو منه النخبة في بلادنا العربية من قصور وسلبية وإحباطات يعزى إلى أن بقية جسم المجتمع ساكنة هامدة، كما أن النخبة ليس لديها من الحيوية والقوة ما تحرك به الأغلبية الجماهيرية، بل ما يحرك النخبة المتعلمة نفسها. الدروس الخصوصية ما تقويمك لبروز ظاهرة الدروس الخصوصية في نظام التعليم العربي وما أسبابها العامة؟ تظهر مشكلة الدروس الخصوصية في غالبية البلدان العربية في الشهادة الثانوية باعتبارها المدخل الرئيس والوحيد أمام الطلاب لدخول الجامعة. ولما كانت الثانوية العامة هي مشكلة المشكلات لكل أسرة تريد وترغب في أن يلتحق ابنها بالجامعة ويقفز إليها بكل وسيلة فقد اتجه أولياء الأمور بشراهة إلى المدرسين الخصوصيين لأبنائهم حتى يزداد تفوقهم ويعالج قصورهم. وأعتقد أن هناك حلولاً جذرية للقضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية أبرزها ألا تكون الثانوية العامة باختباراتها الحالية هي المدخل للجامعة بل لابد من إزالة القيود المفروضة على الالتحاق بالجامعة، في البلدان العربية وعدم اعتبار المجموع هو المعيار. فمثلاً كلية الطب أقترح أن يجرى للمتقدمين لها اختبارات قبول تعطي لنا مؤشرات حقيقية حول ما إذا كان المتقدم للالتحاق بالكلية يصلح للطب من عدمه، كذلك لابد أن أزيل القيود أمام من يريد الالتحاق بالجامعة في أي سن معينة، كما نطلق فرص دخول اختبار الثانوية العامة أمام الطلاب ولا نحددها بفرصتين أو ثلاث، وأن نعلم تماماً أن التعليم ليس محدداً أو مقصوراً على سن معين، بل هو تعليم مدى الحياة. هذا بالإضافة إلى أننا بحاجة ملحة إلى أن تأخذ المهارات والممارسات والجوانب الثقافية والبدنية والإبداعية والروحية مكانها إلى جانب حفظ المعلومات. وعلى سبيل المثال فعلى مدارسنا في البلدان العربية أن تحدد لمواد الفنون اختبارات لها درجات يؤخذ بها ليقبل عليها الطالب.. فالقدرات الفنية واليدوية مطلوب تنميتها لأن الإنسان يتعلم بيده وحواسه كما يتعلم بعقله.. ورغم أن ذلك يتطلب أموالاً ضخمة فعلينا أن ندعم التعليم أكثر فأكثر، فالعائد سيكون جيداً وسترى أمامك مواطنين يتعلمون ويبدعون بروح الفريق. وأنا لن أمل القول أن أهم أسباب انتشار الدروس الخصوصية، هو اعتماد اختبارات الشهادة الثانوية بصفة عامة واختبارات النقل بصفة خاصة على المقررات وتخزين المعلومات فقط، وهنا لابد أن تتغير اختبارات الثانوية لتختبر قدرات الطالب وأن تمكنه من التحصيل والمتابعة أثناء الحياة الجامعية وليس فقط اختبار ما حفظه من مقررات. كما أعتقد أن هناك نوعاً من تشوه القيم التعليمية لدى المعلم أدت إلى انزلاقه وراء الدروس الخصوصية، ومهما قيل من مبررات لإقبال المعلمين على الدروس الخصوصية سواء رجعت إلى ضعف مرتباتهم وحوافزهم المادية فإني أقول إن الاتجار في التعليم كالاتجار في قوت الشعب ينبغي محاربته بكل قسوة. وأعتقد أنه لابد من تجريم الدروس الخصوصية لأنها تفسد الطالب والمعلم كما تفسد أي سياسة تعليمية طموحة، وتؤدي إلى وجود تفاوت بين الطلاب وإهدار لمبدأ تكافؤ الفرص؛ لأن الطالب الغني سيحصل على دروس خصوصية بينما الطالب الفقير لن يحصل... وهنا فإني أطالب بتطبيق القاعدة الأصولية التي تؤكد أن درء المفاسد مقدم وأوجب وأسبق من جلب المنافع.. ونحن أمام مفسدة كبيرة لابد أن يقطع دابرها. والقول بأننا ينبغي أن نصلح التعليم ونسكت قليلاً عن مافيا الدروس الخصوصية حتى يتم إصلاحه نهائياً خطأ كبير فمهما بذلت من مجهودات إصلاحية فسوف تنهار على صخرة الدروس الخصوصية. نشر في مجلة (المعرفة) عدد (41) بتاريخ (شعبان 1419هـ -ديسمبر 1998م)

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني