د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

عصر المعلومات

موضوع المقالة :   عصر المعلومات وعصارة التعليم

الكاتب أو الناشر:  د. محــمد عبــده يمـانـي  - وزير الإعلام سابقاً - الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز


 

 

عصر المعلومات وعصارة التعليم

لابد من دخولنا إلى القرن القادم، إذ لأخيار لنا في ذلك، ولكن السؤال المهم هو كيف سندخل إلى هذا القرن؟.. وكيف ستكون إمكاناتنا وقدراتنا وطاقاتنا البشرية على وجه الخصوص؟.، ومن المهم أن نعرف أهمية الاستعداد لدخول هذا القرن، ونهتم بإعداد الخطط اللازمة لهذه المرحلة القادمة، خصوصاً أن العصر يتسم بالسرعة الفائقة، والفجوات بيننا وبين العالم: تكنولوجياً وفنياً وعلمياً، أخذت تتسع ، ولم تعد تطورات عادية، بل أخذت شكل قفزات سريعة، ومن هنا شعرت أن من الواجب أن نلقي الضوء على هذه المرحلة القادمة، وما الذي يجب أن نفعله فيها، وما هي الاستعدادات الأساسية المطلوبة ، وما هي الحدود الدنيا التي يجب أن نأخذ بها ونحن ندلف إلى هذا القرن القادم بكل متغيراته وتطوراته وتحولاته ومفاجأته، وهناك أسئلة مهمة لابد من الإجابة عنها، وهي: كيف نتحرك؟.. وإلى أين؟. وما هي أهدافنا؟.. وما هي مقوماتنا وأبعاد تحركنا ومسؤولياتنا؟. وبأي خطط سندخل هذا القرن القادم؟.. وبأي تعليم وأي اقتصاد؟.. وهل نتحرك جميعاً أم كلٌّ على شاكلته؟.. ثم ما هي سمات القرن القادم وتحدياته؟.. وما هو موقعنا في ذلك الخضم الواسع، ومهما تعددت الآراء أو اختلفت السبل فسيـظل التعليم هو محور القضية والمدخل الحقيقي لدخول آمن ومنتج ومحترم للقرن القادم، وسيكون المفتاح والعامل الحاسم لتحقيق حياة كريمة. وإذا أردنا أن نجيب عن كيفية دخولنا للقرن القادم، فمن المهم أن نراجع حساباتنا الماضية بكل دقة، ونتعرف على أخطائنا ومشكلاتنا الحقيقية التي حالت دون أن نحتل مكانة متميزة في العالم. ولاشك أن أهم الأمور التي فرطنا فيها هي الجوانب التعليمية. فقد توسع الكم على حساب الكيف، وأهدرنا قيم الابتكار والإبداع، واستسلمنا لتبعية غربية هيمنت علينا، وأثرت على مسيرتنا، وأربكت خطواتنا، وعجزنا عن التنسيق بين طاقات الأمة وقدراتها وحاجاتها وإمكاناتها ومتطلباتها، وبكل أسف لم ننظر بعمق ولا برؤية استطلاعية للمستقبل الذي سنواجهه. إننا ندخل للقرن القادم بدون رؤية، بدون تكتل، بدون تعليم أصيل ومتطور يأخذ أبعاد المرحلة القادمة في اعتباره، وبدون أي محاولة للابتكار، أو حتى محاولة الخروج من التبعية للقوالب الغربية التي هيمنت على الفكر العربي والإسلامي. وقد خرجنا بكل أسف من الاستعمار الاستيطاني إلى هيمنة اقتصادية وفكر غربي هيمن على المنطقة. ثم إن الفجوة أخذت تتسع مع تطور العلوم والقفزات التكنولوجية والاكتشافات العلمية ونحن نراوح في مكاننا في سلبية عجيبة وكأننا لا نحس بمعدلات التطور وتسارع المتغيرات من حولنا، حتى أصبحت على حسابنا وعلى حساب قدراتنا ومقوماتنا الحاضرة والمستقبلية، وغدونا أمماً لاهية لا تعي أبعاد حاضرها ولا تخطط مستقبلها، وكأنها تتسلى بأوضاعها الحاضرة دون أن تحسب لتطورات المستقبل أي حساب. ومن أخطر التحديات التي تواجهنا في نظري هي ضعف التنمية والتطور، وبصورة خاصة تنمية الإنسان، ثم إن تردي التعليم وضعفه وعجزه عن مواكبة العصر وتحدياته ومتطلباته أدى إلى ضعف الاستثمار في العنصر البشري وجرنا إلى تبعية اقتصادية وثقافية مؤسفة، وأصبحنا دولاً أغرقت في المديونيات من ناحية، وهددها الانفجار السكاني في كثير من أجزائها، وغابت عنها القدرة على استغلال الموارد المتاحة بصورة صحيحة وخصوصاً في غياب التعاون العربي والإسلامي. وأنا أضع خطاً تحت هذه العبارة، فقد أثر غياب التعاون العربي والإسلامي على التنمية الاقتصادية في البلاد العربية والإسلامية. ولاشك أن التعليم سيكون حجر الزاوية في المرحلة القادمة، حيث ينظر كثير من العقلاء إلى تطور التعليم وسلامته وجودة مناهجه وقدرات المعلمين.. على أنه قضية أمن قومي ومستقبل أمة، فكلما أنفقنا على التعليم وأعطيناه الأولوية وطورنا مناهجه وأصلحنا أدواته، دعمنا الأمن القومي للبلاد والأمة. فالتعليم يحمي البلاد من الأخطار المباشرة وغير المباشرة فهو يلعب دوراً أساسياً في قضايا الأمن وسلامة الوطن، كما يعد التعليم استثماراً مهماً في مجال الأمة ونمائها..وضمان مستقبلها. والتعليم هو المفتاح ليس فقط لتحقيق الحياة الإسلامية والتقدم الثقافي، ولكنه يمثل العامل الحاسم في عملية التخطيط للقضاء على الفقر وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ولهذا فمن المحتم أن تركز الجهود التعليمية كافة في هذه المرحلة على محو الأمية مع تأكيد الحد الأدنى من التعليم الأساسي ، وتنمية عادات التفكير النشط، ونشر المعارف عن ديننا وثقافتنا، وعن حياة المواطنين والرعاية الصحية وتنمية المهارات المهنية الأساسية، وتوفير التدريب للمعلمين وإتاحة المجال لتعلم التقنيات والمنهجيات التي تمثل نقطة الانطلاق إلى مختلف المجالات المهنية في الحياة، بما في ذلك التعليم العالي والبحث العلمي، وينبغي أن تكون الجهود المتصلة بمحو الأمية وتعليم المرأة جزءاً لايتجزأ من هذا البرنامج. ويمكن تحقيق هذه الأهداف في خلال العقدين التاليين إذا أمكننا أن نضمن المتطلبات التالية: 1- أن يكون التخطيط للتعليم على مستوى الأمة والدولة موجهاً لنشر التعلم على النطاق الشعبي من خلال تشجيع الترتيبات اللامركزية. 2- تعاون كلٍّ من الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية بشكل نشط في تحقيق هذه الأهداف. 3- دعم السلطات المحلية والمسؤولة عن التعليم وتكليفها بمهمة الإشراف على هذا البرنامج. 4- التعجيل بإنشاء شبكة من صناديق الأوقاف والمؤسسات التعليمية لإنشاء المدارس ومعاهد التدريب ومراكز الإعداد المهني ومؤسسات تدريب المعلمين والكليات، فضلاً عن إنتاج المواد والوسائل التعليمية. 5- قيام البنوك الإسلامية والمؤسسات الدولية بتمويل هذه المشروعات عن طريق أساليب التمويل الإسلامية. 6- إنشاء صندوق تعليمي على مستوى الأمة الإسلامية لمساعدة المناطق والمشروعات المفتقرة إلى التمويل في الدول والمجتمعات الإسلامية. 7- إنشاء تجمع أو اتحاد للمؤسسات التعليمية بغرض تجميع الموارد وتحسين الخدمات التعليمية في الدول والمجتمعات الإسلامية. 8 - تشجيع البرامج الخاصة بتبادل المدرسين والطلاب فيما بين الدول والمجتمعات الإسلامية(1). ومن المهم اختيار نوع التعليم الذي ندخل به القرن القادم ، حيث إن هذا التعليم لعب دوراً مهماً في القرن التاسع عشر في أوروبا وفي نهضتها، وقد لعب التعليم الدور نفسه في نهضة اليابان منذ عصر (ميجي). ومن هنا فلابد إذا أردنا أن ننهض ونستفيد من معطيات القرن القادم أن ننظر بعمق أكبر للعملية التعليمية في مراحلها الابتدائية والمتوسطة والثانوية والتعليم الجامعي والتعليم الفني؛ لأن مستوى التعليم عندنا لايحقق الأهداف التي نصبو إليها جميعاً. وهو في وضعه الحاضر قاصر عن تحقيق الأهداف الأساسية للأمة، ويخرِّج آلافاً من الشباب أنصاف متعلمين، وفي بعض الأحيان غير متعلمين، وبالجملة لايحقق الأهداف التي نسعى إليها لا في المرحلة الحاضرة ولا في المستقبل الذي نتطلع إليه. صحيح أن المؤسسات التعليمية حققت تقدماً كمياً كبيراً، ولكنها فشلت في الكيف، فعندنا أكثر من جامعة تحتوي على أعداد كبيرة من الكليات، لكن التعليم لم يستطع أن يحقق أهداف الأمة العربية، ولايساعدعلى بناء الإنسان العربي القادر على العطاء والمنافسة والإبداع إلا نادراً، إن التعليم في البلاد العربية والإسلامية بكل أسف مخيب للآمال، لأنه أسقط قيمة العمل والإنتاج، ولم يبذل جهداً كافياً لتطوير المناهج وفلسفة التعليم وسياساته على وجه الخصوص. إن القرن القادم قرن يتميز بأهمية المعلومات فيه.. ومن يملك المعلومة يملك عنصراً قوياً من عناصر القوة، ومن واجبنا أن نأخذ في الاعتبار أهمية العناية بالمعلومة في القرن القادم ، ونأخذ بيد أولادنا وناشئتنا ومدارسنا ومؤسساتنا للاستفادة من ثورة الاتصالات في العالم والإقبال على استخدام الكمبيوتر والاتصالات الإلكترونية، وأن نخرج من إطار تعاملنا السطحي معها للاستفادة منها وتطوير قدراتنا فيها، والتطور في أساسيات التعليم وخصوصاً في المرحلة الابتدائية ومابعدها لأن: «العالم يشهد منذ سنوات قليلة تحولات مهمة أكبرها عولمة التجارة وثورة المعلومات والاتصالات الإلكترونية مما يعني ضرورة الاستعداد لها بشكل جيد في المنطقة العربية. كيف سنتعامل مثلاً مع شبكة معلومات «إنترنت» التي اقتحمت شتى فروع الحياة، والتي يتضاعف عدد مستخدميها الآن مرة كل عام؟ وهل سنكون قادرين على المشاركة في (الاقتصاد الإلكتروني) الذي يضم عولمة التجارة وثورة الاتصالات؟ تقول تقارير حديثة إن قيمة التجارة الإلكترونية عبر شبكة «إنترنت» ارتفعت الى 10 مليارات دولار في العام الماضي، ويتوقع تصاعدها بشدة إلى 200 مليار دولار قبل نهاية القرن، أي خلال أقل من 3 سنوات. وهنا هل تتمكن الدول التي لاتملك شبكات هاتف محلية جيدة من منافسة الولايات المتحدة التي تحظى بنحو 350 خطاً لكل ألف نسمة من سكانها؟»(2). والتعليم في بلادنا العربية والإسلامية كلها لم ينجح كأداة للتقدم الحضاري، ولايزال بعيداً عن تحقيق أهداف الأمة، لأننا بكل أسف مازلنا في مناهجنا الابتدائية وماحولها وفي جزء من المناهج الثانوية نعتمد على الحفظ والاستظهار، والمدرس يعيد تدريس المادة سنوات وسنوات دون أن يطور نفسه أو يطور قدراته بالالتحاق بأي دورات أو مجالات تدريب، والمؤسسات التعليمية لاتعينه على ذلك، وفي الوقت الذي يعد فيه الحاسب الآلي من عناصر الدراسة الأساسية في الغرب، لايزال مجهولاً أو هامشياً عندنا، ولهذا ظل التعليم في دوامة مغلقة وضعيفة، وغير قادرة على الإبداع، ولاحتى مجرد التأهيل الصحيح، فالأساتذة تحكمهم قوالب محددة، وطلاب يتزاحمون في انتظار شهادات التخرج، يدخلون الجامعات ولا يعرفون لماذا، ويرسبون ولا يعرفون لماذا، ويتخرجون ولايعرفون إلى أين. إن واقع السياسات التعليمية ضعيف، وغير مؤهل لتحقيق أهداف الأمة واللحاق بالركب الحضاري. ومن أخطر ما نلاحظه في التعليم أنه يتنافى بكل أسف مع متطلبات النهضة الاقتصادية على وجه الخصوص ، لأننا ننتج قوى بشرية غير قادرة على العمل والإنتاج، بل وغير محترمة -حتى مجرد احترام - لقضية العمل، وكان من أخطر ماركزنا عليه في التعليم صب المعلومات بصورة نظرية وإهمال قضية تنمية المهارات العلمية، والقيم الاجتماعية في نفوس الطلاب، وحب الوطن، واحترام العمل.. والرغبة في الإنتاج والتطور والإبداع... إن التعليم عندنا لايساهم في توطين التكنولوجيا ونقلها، والجامعات في عالمنا العربي وفي كثير من العالم الإسلامي تراوح بين سوء التخطيط وعجز المناهج وتواضع قدرات المدرسين، حتى التعاون بين الجامعات العربية و الإسلامية مفقود تقريباً إلا في أطر نظرية واتفاقات غير علمية ولاقيمة لها. إن مقررات الدراسة الثانوية والجامعية بعيدة عن متطلبات العصر، ولاتحقق بأي شكل من الأشكال الأهداف التي نسعى إليها ولا تؤهلنا إلى دخول القرن القادم بأي شكل من الأشكال، وهذا أمر مؤسف لأن قضية التنمية البشرية مهمة، ونوعية المواطن الذي نبنيه وكفاءته وتعليمه وقدراته وإمكاناته أهم بكثير من نوعية السلاح الذي نملكه أو تملكه الأمة. إن التعليم والواقع التعليمي في البلاد العربية مخيب للآمال - بكل أسف - ولا بد من تحرك جاد وفاعل يبدأ بإدراك لحقيقة مهمة هي أن التعليم في حاجة إلى تطوير فعال وتغيير جذري يساهم في بناء الإنسان في بلادنا وفي البلاد العربية والإسلامية، فلقد أسقطنا قيمة العمل والإنتاج وأضر هذا بنا كثيراً وجعلنا نسلك سلوكاً سلبياً في مجال التعلم، فلم نحقق الأهداف المرجوة. لأن الفعالية قضية مهمة في مجال التعلم. فهناك فرق كبير بين أمة لها سلوك يقوده النظام والانسجام وأمة تسودها الفوضى والأنانية والتسيب؛ لأن هذه القيم لم تلقن لأولادها في مراحل تعليمهم الأولى خاصة والتالية بعد ذلك، ولم نرسخ في المجتمع مسؤولياته حتى يعلم الجميع أن أي مجتمع لايمكن أن يكون مجتمعاً محترماً إلا إذا كانت له وظيفة ومبرر لوجوده وليس مجرد صلات اجتماعية، فمن الخطورة أن يكون مجتمعاً سلبياً ومعقداً، حتى وإن كان الناس يعيشون في مدينة واحدة. وكما يقول المرحوم مالك بن نبي: «من الصعب أن نعيش في مدينة واحدة بجوار بعضنا البعض، ولكننا أمة سلبية وأمة تخلط بين العلم والثقافة، فالثقافة عندها هي الدين وليس مجرد العلم». ومن المهم أن نرعى المواهب ونعطي الشباب الفرصة للعمل، ونرسخ فيهم حب العمل وإجادة الإنتاجية والرغبة في البناء، والقدرة على قيادة المؤسسات الحضارية... ولاشك أن زراعة الثقة في نفوسنا وتبادل الاحترام قضية مهمة، كما أن قضية الحرية في الفكر وفي الحياة عموماً هي قضية أساسية تتصل بكرامة الإنسان وحقه في الحياة، وتدفعه إلى إنتاجية أكبر خصوصاً إذا علمناه كيف يستفيد من مساحة الحرية المتاحة له. ومن أخطر الأمور التي نمارسها في المرحلة الحاضرة هي معالجة كثير من قضايانا الجوهرية بطريقة إعلامية، وهذا الأمر له آثاره السلبية على الفكر والثقافة الناشئة ، لأن قضية الإعلام في العصر الحديث أصبحت قضية غير عادية بعد هذه الثورة الإعلامية التي حدثت، وما سيتلوها في المستقبل من تغيرات جوهرية، في مجال الاتصالات والإعلام، والتي ستحول العالم -كما يقال- إلى قرية صغيرة بل وأصغر من ذلك. فهذه الناشئة التي ستتصل بالعالم وتعرف كل شيء من حولها لابد أن نتعامل معها بفكر، وعمق، وإيجابية، وموضوعية، حتى نكسب ثقتها وندفعها إلى حب الوطن، وحب العمل، وحب الإنتاج، والارتباط بتراب الوطن الذي تعيش فيه من منطلق ثقتها في الأمة وفي الدولة، وثقتها بأنها تساهم بدور فعال في بناء المستقبل الذي نتطلع إليه جميعاً، ولايصح أن نستخف برغبات الناشئة، بل نتلمس رغباتهم وتطلعاتهم، ولانقهرهم أو نهملهم أو نتعدى على حرياتهم، ونصادر حقوقهم في حياة كريمة من فكر وثقافة وإنتاج وإبداع بل في التعبير وحرية الكلمة حتى يحبوا أوطانهم. والآن نأتي إلى السؤال المهم: إلى أين نسير وكيف ستكون صورة المستقبل الدولي في المرحلة القادمة وأين موقعنا من كل ذلك. أما إلى أين نسير فمن الواجب أن نفكر بعمق ونحن ندخل إلى القرن القادم، وأن ننظر إلى الإسلام بعمق، وأن نقدمه بديلاً صحيحاً وسليماً وبمنطق العصر، لا أن نكسب عداوات العالم وتحدياته، ونعمق من سوء فهمه وعداوته للإسلام والمسلمين. ومن المهم أن نغير الصورة القاتمة التي حاول الغرب بكل أسف أن يصور الإسلام بها حتى وإن كان العديد من مفكري الغرب لا يوافقون على تلك النظرة القاتمة للإسلام، بل إن كثيراً منهم أخذوا يدافعون عن الإسلام، ولكن واجبنا نحن مختلف، ومسؤولياتنا أعظم نحو تقديم الإسلام هذا الدين الوسط بصورة تصل إلى العقول والقلوب وتؤثر فيها وتهديها إلى سواء السبيل. ونأتي الآن إلى قضية مهمة في حياتنا وهي قضية المرأة ودورها المطلوب، فكثير من العقلاء الذين ينظرون إلى مستقبل بلادنا وأمتنا يرون أن من واجبنا ونحن ندخل إلى القرن القادم أن نستفيد من كل إمكاناتنا وطاقاتنا، وأن نأخذ في اعتبارنا أن المرأة نصف المجتمع، وأن نخطط بكل مسؤولية وأمانة ونظرة مستقبلية للاستفادة من طاقات النساء لأنهن شقائق الرجال، فهناك الآلاف من بناتنا يتخرجن كل عام من الجامعات، ومئات الآلاف ينخرطن في مراحل التعليم المختلفة، وتمتلئ المنازل بهذه البراعم التي تشكل نصف المجتمع، ولكن يبقى السؤال المهم دائماً: ماذا عملنا لهؤلاء البنات؟ وإلى أي مدى خططنا لاستيعابهن بطريقة صحيحة تحقق الهدف الأسمى الذي نسعى إليه جميعاً من وضع المرأة في مكانها الصحيح، والاستفادة منها بطريقة صحيحة وإعطائها حقها كاملاً في الحياة الكريمة، وإعطائها الفرصة الصحيحة والصحية لخدمة بلادها وأمتها، وعلى أساس أن نعطيها ما أعطاها الله، ومن منطلق أن المجتمع يتكون من ذكر وأنثى، وأن لكل فئة حقها، ولكل فئة دورها. وإن من الواجب أن نلتفت لقضايا هذا الشق المهم من المجتمع الذي بدونه لا تكتمل الصورة المثلى، ولا تتحقق أهداف المجتمع العليا لأنها نصف المجتمع. والمجتمع يتكون من ذكر وأنثى كما أسلفنا، وللأنثى حقوقها على هذا المجتمع، فلا بد أن نعطيها ما أعطاها الله من حقوق كاملة غير منقوصة، ونكرمها كما كرمها رسول الله ص، وكما كرمها خلفاء الرسول ص والتابعون. والحقيقة ونحن نتطلع إلى القرن القادم لا بد من عنايتنا بصورة أكبر بقضية المرأة وعملها وإعطائها الفرصة للمساهمة بأدوار إيجابية، خصوصاً بعد أن تعلمت وتأهلت وأصبحت قادرة على العطاء. ولابد من توسيع مجالات عملها في إطار المنهج والسياسة، ولكن بانطلاقة واعية تسمح لها بالمشاركة في خدمة بلادها ووطنها وأمتها. فالقرن القادم يحتاج منا إلى تضافر الجهود وتجميع الطاقات والتحرك نحو الأهداف برؤية واضحة وخطط سليمة وطاقات مؤهلة وفاعلة حتى نحقق أهدافنا ونتبوأ مكانتنا المناسبة. ولا بد أن ننطلق من نفس المنطلق الذي ضرب الله لنا به الأمثال: { والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم لشتى} وفي هذا يوضح الله عز وجل لنا أن للمرأة في المجتمع دوراً يجب أن تؤديه، وألا تزاحم فيه، وأن تنفرد به، وكما للرجل وظيفة فإن للمرأة وظيفة، وإن القضية واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، فكما أن لليل وظيفة، وللنهار وظيفة، فإن للمرأة وظيفة وللرجل وظيفة، ويجب ألا يطغى ولا يستأثر أحدهما بعمل الآخر، ولا يظلمه ولا يحقره ولا يهضمه من حقــوقـه شيئــاً لأن النســاء شقائـق الرجال. وفي أيامنا هذه تبرز قضية عمل المرأة كقضية حتمية وتلقائية، ومن الواجب في رأيي أن يعالج هذا الموضوع بصورة جدية وواقعية، وأن نتحمل مسؤولياتنا أمام الله عز وجل، وألا نغمض أعيننا أمام ما يجري في المجتمع، وأن نتلمس حاجة المرأة للعمل، وأن نبحث عن الطرق الصحيحة لتشغيلها، فما دامت قد تعلمت، وتخرجت، فمن الواجب أن نعطيها الحق في أن تعمل وتكسب رزقها بعرق جبينها وفق منهج الله، وأن نوسع ونفتح أبواباً جديدة للعمل الشريف، ونخطط لأعمال جديدة للمرأة، فنحن أمام أبواب قرن جديد يستوجب الاستفادة من المرأة استفادة صحيحة، وتشغيل طاقاتها بصورة تحقق آمالها ومتطلباتها وتسد حاجتها وتعينها على الكسب الطيب والرزق الحلال. ولا بد من نظرة جادة إلى هذا الموضوع، فقد حان الوقت لعمل صالح ومخلص نخطط فيه بصورة أوسع لتوظيف طاقات المرأة، فهناك الآلاف من الوظائف الفنية والطبية وغيرها مما يمكن الاستفادة فيه من طاقات النساء دون أن نقع في مخالفة الله عز وجل. ونأتي الآن إلى قضية مهمة أخرى وهي قضية الأولويات التي يجب أن نضعها ونحن نتقدم نحو القرن القادم، وسيكون في مقدمة ذلك كله ربط الناشئة بالعقيدة الإسلامية وترسيخ القيم والمبادئ في نفوس الناشئة، وإعدادهم الإعداد الصحيح، ثم تهيئتهم للأدوار المهمة القادمة، وأن نتحدث إليهم بلغة يفهمونها، ونقدم لهم نموذج الحضارات العربية والإسلامية، ونركز على القيم الإيجابية، ونأخذ بيد الشباب والناشئة ليتعمقوا في مبادئ وقيم هذه الحضارات، وهنا نحتاج إلى رؤية ومرونة ووعي وانفتاح، ثم احترام للإنسان وخصوصياته وقدراته، حتى يثق فيما حوله ومن حوله ويعتز بكرامته ويأمن على نفسه وعلى مستقبله وحقوقه المشروعة، فالبيئة الصالحة تساعد على بناء المستقبل.إن تحركنا لا بد أن يكون في جو من الاحترام المتبادل وثقة الأجيال فينا، وأن نعمل جاهدين لاحتـــرام حقوق الإنســان وبخاصــة موضــوع حريـــة التعبير والقدرة على الحوار وحرية الكلمة؛ لأن هذه شروط أساسية لبناء المستقبل، وقضية مهمة في إقبال الشباب على المعرفة والحوار والمناقشة من جانب لبناء الذات ثم لبناء الوطن ككل من جانب آخر. ومن هنا فإن ما ندعو إليه هو الاقتراب من الناشئة والشباب، والتعامل مع قضاياهم بوعي وفهم ومسؤولية وجهد صادق لإزالة ما قد علق في أذهانهم من قلق أو شكوك أو سوء فهم أو ظروف مستجدة تتطلب فقهاًيتعامل معها بأبحاث علمية وتجاوب وموضوعية تؤكد أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان بصلاح شريعته التي اختارها الله سبحانه وتعالى وأنزلها على رسوله ، ثم بقدرة العلماء والفقهاء على الأخذ بيد الناس لفهم هذه الشريعة وحثهم على تطبيقها وإعانتهم، والاستماع إلى ما لديهم ووضع الحلول والإجابات المناسبة حتى نربط هذه الأمة بدينها وعقيدتها. (1) إعداد الأمة الإسلامية للقرن الحادي والعشرين - تقرير غير منشور أعده البنك الإسلامي للتنمية. (2) المستقبل العربي -العدد 217 مارس 1997م. نشرفي مجلة (المعرفة) عدد (35) بتاريخ (صفر 1419هـ -يونيه 1998م)

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني