د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

مناهج التعليم12

ويري بعض الباحثين أن وسائل الاتصال التي أتاحتها تكنولوجيا الاتصالات قد أثرت على طبيعة العلاقات الاجتماعية في ثلاثة اتجاهات هي (12: 52)(15: 26-30):

1- تكريس العزلة والتفتت الجماهيري : ويبنى هذا التصور على أن ظهور خدمات الاتصال الجديدة التي توجه رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفردية مثل : الإنترنت وزيادة الإقبال الشديد من جانب الأفراد عليها وامتلاكها والاستعاضة بها عنها وسائل الاتصال المباشر مع أفراد آخرين ، مما أدى إلى تكريس العزلة والتفتت الجماهيري ، وتمثل مظاهر التفتت الجماهيري في المجتمع الأمريكي على سبيل المثال في ميل الأفراد نحو الانعزال في جماعات صغيرة العدد ، ومحدودة الأهداف والغايات ، كما أن وسائل الاتصال الجديدة تمنح الأفراد القدرة على خلق بيئة الاتصال التي تناسبهم ، كما أدي ظهور وسائل الاتصال هذه إلى تناقص المعرفة التي يحصل عليها الأفراد من التعرض العشوائي لمواد الاتصال وتناقص الاتصال بين الجماعات والطبقات ليحل محله اتصال متزايد داخل كل جماعة أو طبقة

2- تكريس الهيمنة من خلال الاندماج : ويقوم هذا التصور أو الاتجاه على تركيز وسائل الاتصال في كيانات ضخمة وملكية مشتركة ومتعددة الجنسية ، وهناك أسباب عديدة لزيادة الاتجاه نحو الهيمنة منها قوانين الضرائب ، والرغبة في تحقيق الاستقرار المالي ، والوقاية ضد مخاطر المستقبل ، والقضاء على الشركات المنافسة .

3-التوافق بين التكنولوجيا القديمة والحديثة : وبني هذا التصور على أن تقوم التكنولوجيا الجديدة بسد جوانب النقص في التكنولوجيا القديمة ، وتلبية الحاجات الفردية ، مع عدم إهمال الإحساس بالمشاركة العامة والأهداف القومية في إطار عملية مستمرة من الاستكشاف العقلي ، والمناظرات المفيدة التي تتيح تبادل الآراء والخبرات .

وتؤثر تكنولوجيا الاتصالات في العلاقات الاجتماعية الإلكترونية في مجالات عديدة منها الزواج الإلكتروني والصداقة التعارف الإلكتروني ، والتفاعل والتواصل الإلكتروني

ففي الزواج الإلكتروني تلعب تكنولوجيا الاتصالات دوراً كبيراً في هذا المجال من خلال الإنترنت فهي تسهم في سهولة اختيار شريكة الحياة ، وزيادة حالات الزواج عن طريق الإنترنت  ، هذا بالإضافة إلى ما توفره من شروط الاختيار الجيد للزوجين ، والاستقرار العائلي ، وجعل الزواج ناجحاً فضلا عن إحداث نوعاً من التقارب وتقليل الخلافات بين الأزواج

وفي مجال الصداقة والتعارف الإلكتروني يري بعض علماء الاجتماع أنها تجعل الصداقة متينة وقوية ، وأكثر صراحة ، وتوفر شروط جيدة لاختيار الأصدقاء ، كما أنها تساعد على توسيع الأفق لدى جميع الأعمار بما يسهم في تنمية الشخصية من خلال تبادل الخبرات ، هذا فضلاً عما تتيحه من معرفة الأشخاص والمحيطين بشكل أفضل ، الأمر الذي يساعد الفرد في حل كثير من المشكلات والتعايش مع المجتمع وفهم العالم ، إلا أن آخرون يرون أن الصداقة الإلكترونية قد تؤدي إلى آثار أخلاقية سلبية (23: 95) .

وفي مجال التفاعل الاجتماعي الإلكتروني تسهم تكنولوجيا الاتصالات يرى البعض أنها تروج للحوار الاجتماعي وتعزز التماسك الاجتماعي وتوفر طرق وأنماط جديدة للتفاعل الإنساني والاجتماعي ، بالإضافة إلى ما توفره من معلومات في جميع المجالات ، مما يحسن نوعية الحياة وحل المشكلات الاجتماعية مثل : الإدمان وغيرها .

ويرى آخرون أنها تزيد من فرص المشاركة في ألعاب جماعية وتكوين صداقات بما يزيد من ثقة الإنسان في الآخرين من خلال الاشتراك في موضوعات معينة مع جماعات أخرى ، بالإضافة إلى ما تسهم به من زيادة أنواع الترفيه والتسلية بما يزيد من ثقافة الإنسان نظراً للاتصال بجميع المؤسسات والأفراد ، فضلاً عما توفره من حرية وسرية في العلاقات الاجتماعية (11: 881).

بينما يرى الباحثان أن تكنولوجيا الاتصالات متمثلة في الإنترنت تحقق الاتصالات بين الأشخاص والجماعات بسهولة ويسر ، بالإضافة إلى أنها تمكن الإنسان من ممارسة أشكال عديدة من الاتصالات متجاوزاً بذلك حدود المكان والزمان ، فعن طريق البريد الإلكتروني ينمو الحوار الجماعي ويدعم التفاعل على مختلف المستويات ، ومن ثم يعزز التماسك الاجتماعي .

وتؤكد الدراسات الحديثة أن استخدام البريد الإلكتروني ساهم في تقليل العزلة بين كبار السن والمعاقين ودفعهم إلى ممارسة أدوار اجتماعية جديدة من خلال قنوات الاتصال ، كما ساعدت المواقع المخصصة للحوار على الإنترنت فئات عديدة على حل مشكلاتها مثل مدمني المخدرات وأصحاب الأمراض النفسية (23 : 94-99).

كما أكدت الدراسات على أن تراجع الاعتماد على الصور الذهنية المسبقة والقوالب الجامدة في أثناء التفاعل عبر الشبكة قد ساعد في تفعيل النشاط الاجتماعي للفئات المهمشة على الشبكة ، حيث لاحظ العلماء أن المشردين الذين لا سكن لهم والمعاقين عندما يتفاعلون مع آخرين عبر الشبكة يتلقون تقديراً واحتراماً قد لا يجدونه في الاتصال الشخصي وجهاً لوجه ، أي أن هذه الطرق من الاتصال قد أعادت التقدير والاحترام للفئات المسحوقة اجتماعيا (23: 94-99).

ويرى آخرون أن الإنترنت تزيد من القدرة الاتصالية والتفاعلية للمستخدم ؛ لأنها تعزز من قدرته على الاتصال بآخرين على الجانب الأخر من الكرة الأرضية بسرعة هائلة وتكاليف زهيدة ، حيث يمكن للمستخدم أن يشارك في ألعاب جماعية مع آخرين في أنحاء الكرة الأرضية وتكوين صداقات جديدة ، ويستطيع أيضاً أن يلتقي بمجموعات تشاركه الاهتمام بموضوعات مشتركة معينة ، الأمر الذي يزيد ثقة الإنسان في الآخرين  ، هذا بالإضافة إلى ما توفره من وسائل للتسلية الاجتماعية مع الآخرين (13 : 45).

          وعن الآثار السلبية للإنترنت أشار الباحثون إلى أنها تسهم في تحقيق العزلة والفردية مقابل الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة ، وبالتالي فهي تسهم في انهيار البناء الاجتماعي أو اللامبالاة بالشئون المحلية للمجتمع ، هذا بالإضافة إلى مجموعة من الآثار السلبية الأخرى التي لا يمكن التهوين أو التقليل من شأنها وأخطرها " إدمان الشبكة " وتعني شعور الشخص بالتوتر والانزعاج إذا توقف عن استخدامها أو ابتعد عنها ، وبالتالي يتحول استخدامه للشبكة إلى سلوك قسري ، وقد أثبتت الدراسات أن 6 % من مستخدمي الشبكة بالولايات المتحدة مصابون بمرض إدمان الشبكة  وهذه الفئة تستخدم الشبكة 40 ساعة أسبوعيا مما يؤثر على أوقات الدراسة (23: 97) 

ويرجع العلماء ظاهرة إدمان الشبكة إلى أنها تسقط أمام الفرد كل العوائق والحواجز الاجتماعية والدينية والاجتماعية التي تحول دون إشباع رغباته ، فالصور العارية تكون متاحة على الشبكة للأطفال والشباب ، وبالتالي يجد الشاب أنها أشبعت رغبات كان يجد صعوبة في إشباعها فيرتبط بمصدر الإشباع ، وذلك نظراً لغياب الرقابة على الشبكة والذي طالما لعب الأبوين دوراً أساسياً في حماية الأخلاق والمجتمعات  .

ويري بعض الباحثين أن ظهور هذه التكنولوجيات كان لـــه أكبر الأثر على طبيعة الاتصال وأشكاله مما أتاح قدراً هائلاً من الرسائل التي تخاطب جماعات صغيرة مستهدفة بدلا من الجماهير العريضة ، وبالتالي اتجهت إلى مخاطبة النزعات الفردية بدلا من النزعة نحو مخاطبة الجماهير الغفيرة (15: 26-30) .

وعن تأثير تكنولوجيا الاتصالات على العلاقات الاجتماعية يري بعض علماء الاجتماع أنها سوف تؤثر سلبياً على العلاقات الاجتماعية من حيث أنها تزيد من انعزالية الأفراد وانسحاب الأفراد من دائرة العلاقات الاجتماعية وتعميق إحساسه بالوحدة ، الأمر الذي يفقده بمرور الوقت القدرة على ممارسة علاقات إنسانية حميمة ، وكذا القدرة على التعاطف مع الآخرين (7 : 565-571).

وتؤثر تكنولوجيا الاتصالات في بنية المجتمعات تأثيراً كبيراً من حيث مستوى المعيشة وحل المشكلات ، وتعرف بنية المجتمعات  بأنها " مجموعة الضوابط والقوانين والأنظمة والعادات والتقاليد التي تحفظ للمجتمع استقراره ووجوده وتتمثل في اللغة والدين والهوية الثقافية والأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها "

ومن الآثار الإيجابية لتكنولوجيا الاتصالات على بنية المجتمعات يرى الباحثان أنها تساعد على زيادة التجارة ، والتقدم الصناعي ، وترابط المجتمعات وتقاربها ، وتعمل على تحسين مستوى المعيشة ، هذا فضلاً عما تسهم به في حل مشكلات المجتمعات مثل المشكلات البيئية والصحية ومشكلات المرور  ، الآمر الذي يؤدي إلى تقدم المجتمع وزيادة رفاهيته .

ويرى آخرون أن هناك عدداً من الظواهر الإيجابية الناتجة من تأثير تكنولوجيا الاتصالات على بنية المجتمعات من حيث أنها توفر معلومات متنوعة في جميع نواحي الحياة وهذه المعلومات تجعل الإنسان أكثر قدرة على تحسين نوعية الحياة ، كما أنها تجعل الاقتصاد أكثر ازدهاراً وإنتاجية ، نتيجة التخلص من الوسطاء ، كما تؤدي إلى زيادة الطلب على أشكال جديدة من الترفيه نتيجة لزيادة المستمرة في أوقات الفراغ ، بما يسهم في تحسين الأحوال المعيشية للبشرية (15: 26-30).

وعن تأثيرها على تحسين مستوى المعيشة نجد أن اليابان في مجال الاتصالات حققت مركزاً عالمياً مرموقاً في مجال الإلكترونيات والاتصالات ،  فالبرغم من أن عدد سكانها يمثل  2,2% من سكان العالم وقلة مواردها الطبيعية ، إلا أن إنتاجها يمثل أكثر من  10  % من إجمالي الناتج العالمي ، وقد تضاعف دخل الفرد فيها أكثر من ثلاث مرات بسبب تقنية المعلومات وأجهزة الحاسب وغيرها من الصناعات الإلكترونية  (25: 14).

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل 4,5 % من سكان العالم يمثل ناتجها الوطني ما يقرب من 25 % من إجمالي الناتج العالمي الكلي ، وأن ثمار التقدم في مجال الاتصالات والحاسب قد ضاعف من دخل الفرد فيها ثلاث مرات ونصف خلال ربع القرن الماضي  (22 : 24)

وعن الآثار السلبية لتكنولوجيا الاتصالات على بنية المجتمعات يرى البعض أنها تعمل على تفكك المجتمعات وزيادة البطالة والعنف وانتشار الجريمة وابتكار أساليب جديدة لتنفيذها وانتشار الأفكار الهدامة واندثار اللغات وتهديد الأمن العالمي وزيادة الحروب وانتشار الأسلحة الفتاكة ، وسيطرة المجتمعات الغنية على المجتمعات الفقيرة ، وزيادة عمليات السرقة وضياع حقوق الناشرين والمؤلفين وتقليص الخبرات المشتركة ، وبالتالي ضياع هوية المجتمع وصعوبة الحفاظ على القيم (7: 564).

ويري آخرون أنها تزيد من انعزالية الفرد وانسحابه من دائرة العلاقات الاجتماعية وتعميق إحساسه بالوحدة ، وتؤدي إلى عدم التعاطف مع الآخرين وانهيار البناء الاجتماعي وتدمير القيم من خلال الإطلاع على مواقع الجنس والعري ، كما تنتهك خصوصية الأفراد وتساعد على الانضمام إلى جماعات المافيا والعصابات وزيادة الاستهلاك وتفشي الفساد

وتشير الدراسات الأمريكية إلى عدد من الظواهر السلبية التي حدثت في المجتمع الأمريكي خلال العقدين  الماضيين باعتبارهما من تأثير الإنترنت مثل زيادة الاستهلاك ، تفشي الفساد ، وانتشار الجريمة ، وتراجع ثقة المواطنين في الحكومة  (23 : 94-95)

وعن الآثار الاجتماعية والثقافية لثورة المعلومات يؤكد الباحثون في مجال الاجتماع أن هذه الثورة سوف تمكن الدول المتقدمة أن تملى الثقافة وأنماط الاستهلاك واللغة على الآخرين بما يمكن أن يؤثر مستقبلاً على هوية هذه المجتمعات ، هذا بالإضافة إلى ما تسببه من تنميط المعلومة (15: 26-30)

وتتعدد مواقع الشر على الشبكة دون رقابة فنجد مواقع للعري والجنس ومواقع لعصابات المافيا تحوى طلبات انضمام أعضاء جدد على الخط مباشرة وأخرى لتجارة المخدرات وأخرى لغسيل الأموال

ويفسر علماء النفس قوة هذا العالم الشرير على الشبكة أن الخجولين يجدون أنفسهم أكثر راحة في التفاعل عبر الشبكة أكثر من خارجها ، وهذه الجرأة قد تدفعهم للارتباط بهذه المواقع ، وتشير الدراسات إلى أن تعرف الشخص على الآخرين عبر الشبكة يساعده على اجتياز مرحلة القلق والخوف من اللقاء الأول ، ولذلك يسود شعور أولى بالارتياح أثناء هذا اللقاء نظراً لوجود سابقة في التعامل والتبادل المسبق للأفكار ، مما يساعد على عمق التواصل لهذه الفئات (23: 95-98).

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني