د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

وسائل الاتصال5

و على العموم يمكن أن نلخص الانعكاسات المترتبة عن "الادمان الاتصالي" فيما يلي:

1- الانعكاسات الاجتماعية: يمكن القول أن الأثر الأساسي للاستخدام المفرط لتطبيقات الانترنت الالكترونية، يتمثل في علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، و نسبة احتكاكه به، حيث أن العديد من الدراسات التي تناولت هذه الجوانب بينت أن هؤلاء الافراد يحدث لهم نوع من العزلة و الانفراد، و تراجع مدة جلوسهم مع أفراد عائلاتهم و أصدقائهم.

ففي دراسة قام بها (كريستوفر سانديرز) نشرت في صيف سنة 2000م، تبين أن هناك علاقة بين  استعمال الانترنت و مشاعر العزلة الاجتماعية و الاكتئاب"[i]، و قد بينت دراسة أخرى[ii] أن الاستعمال الزائد للانترنت كانت له علاقة مع انخفاض الاتصالات العائلية، و نقص حجم الدائرة الاجتماعية المحلية للعائلة، مع زيادة مشاعر الاكتئاب و الوحدة، فالتقنيات الاتصالية للانترنت تجعل الفرد يشعر بمتعة و انبساط، نظرا لإمكانية الحديث مع أشخاص من كل أنحاء العالم و في الوقت الآني المتزامن، و هذا ما يجعله يستغرق في النقاشات و يقضي أوقاتا دون أن يشعر، و بالتالي "ينفصل عن المجتمع الحقيقي و يدخل في مجتمعات افتراضية"[iii]، و يصبح شخصا غريبا عن مجتمعه، و ينقص اهتمامه بقضاياه و بأحداث محيطه الاجتماعي، و مع مرور الوقت يتحول إلى شخص منعزل تماما عن بيئته الاجتماعية، و يصيبه ما يسمى "بالانعزال الذاتي le repli sur soi"[iv]، و يزداد ارتباطه بأصدقائه الافتراضيين، إلى درجة أن يفقد الرغبة في الجلوس لمدة طويلة مع أفراد عائلته وأصدقائه؛ و يعود هذا الارتباط الشديد بالجماعة الافتراضية و بمنتديات المحادثة الالكترونية، إلى كون هذه المنتديات "توفر بيئة يقوم فيها الأفراد بتطوير شعور الانتماء و الهوية الاجتماعية (social identity)، و توفر بنيات اجتماعية موجودة في المجتمع الحقيقي"[v]، بالإضافة إلى الأثر المحتمل على العلاقات الزوجية، و التي قد تتدهور بشكل كبير و تؤدي حتى إلى الطلاق، خاصة إذا انغمس أحد الطرفين في علاقات افتراضية غير شرعية[vi].

و لهذا فإن الاستعمال المتواصل لشبكة الانترنت و خدماتها الاتصالية يهدد بشكل مباشر كيان العلاقات الحقيقية وجها لوجه، و يحدث قطيعة بين الأفراد، مما يؤدي إلى زوال النسيج الاجتماعي التقليدي، و حلول نسيج اجتماعي افتراضي محله، يتميز"بانعدام حميمية الجوار و التقارب"[vii].

و كنتيجة لهذا الانعزال و الانفصال الاجتماعي، يحدث نوع من التفكك الاجتماعي، و تطغى النزعة الفردية على الجماعية و يتراجع الاهتمام بقضايا الجماعة؛ لكن هذا الانعزال لا يجب أن يجعلنا نغفل عن العلاقات الجديدة التي يكتسبها الفرد مع أفراد من كل الأنحاء، فهو يتعرف على أفراد جدد كل يوم، و رغم ذلك فإن هذه العلاقات لا يمكن أن تحل محل العلاقات الواقعية مع محيطنا الاجتماعي، و يمكن كذلك لهذه الاتصالات أن تقرب بين شعوب العالم، و تعرف بعضهم بتقاليد البعض الآخر، و تقرب بين آرائهم و أفكارهم، و يمكن أن تؤدي كذلك إلى حصول "التجانس الثقافي"[viii] الذي يجعل ثقافات الأفراد تتعايش و تتقارب فيما بينها، و تتمازج لتأخذ كل واحدة عن الأخرى ما يناسبها و يخدمها. و من الانعكاسات التي تحدث كذلك من جراء استخدام منتديات المحادثة الالكترونية باعتبارها وسيلة اتصال،"الاغتراب الثقافي و التنميط الاجتماعي"[ix]، الذي يجعل الفرد يشعر و كأنه لا ينتمي إلى ثقافة مجتمعه، و تبدأ أعراض التملص من عادات مجتمعه و تقاليده، و تبدوا أعراض التشبث بالقيم الغربية، و أنماطهم الثقافية الناتجة عن كثرة الاحتكاك بهم و الاتصال معهم.

-   الانعكاسات المختلفة على السلوكات و المواقف: يمكن لمستعملي الانترنت و لاسيما تطبيقاتها الاتصالية الالكترونية، أن يتأثروا بالأشخاص الذين يتواصلون معهم، فيحدث جراء ذلك تغيرا في سلوكاتهم و تصرفاتهم، كما تتغير كذلك مواقفهم و اتجاهاتهم المختلفة، لأن "اكتساب الاتجاهات الاجتماعية لدى الفرد يتم عن طريق التفاعل الذي يحدث بين الفرد و غيره من أفراد المجتمع"[x]، و نظرا لاندماج الفرد كلية في الاتصال مع أشخاص آخرين، يحدث له نوع من الشعور بالولاء و الانتماء، و الالتزام بمعايير جماعته الافتراضية، و بالتالي تبني مواقفهم و أفكارهم و اتجاهاتهم، بالإضافة إلى ذلك فإن المحادثة لأوقات طويلة يجعل الفرد يتخلى عن سلوكات كان يقوم بها لتحل محلها سلوكات غيرها، و لهذا يحذر المختصون من أخطار و انعكاسات الاتصالات الالكترونية على الأطفال و المراهقين، و من إمكانية انحراف سلوكاتهم و أخلاقهم.



[i] احمد محمد صالح: «حياة على شاشة الإنترنت» مجلة العربي، ع515، (01/10/2001)..  ص 2.

[ii] نفس المكان

[iii] Philippe Breton : le culte de l 'Internet, op.cit. p.105.

[iv] « la révolution des communication » Encarta 2008.

[v] Papakadis M..: « people can create a sense of community in cyberspace (www.sri.com/policy/csted/reports/sandit), (10/04/2008).

[vi] Beatriz L.A.Mileham: “online infidelity in internet chat rooms: an ethnographic exploration” computer in human behaviour, n.23 (2007), p.11-31.

[vii] Picourt P.O.: op.cit.  p.131.

[viii] Philippe Bretton : le culte de l 'Internet, op.cit. p52.

[ix] محمد محمود ذهبية : الإعلام المعاصر، عمان : مكتبة المجتمع العربي،2007م..  ص48.

[x] الدسوقي عبده إبراهيم: وسائل و أساليب الاتصال الجماهيرية و الاتجاهات الاجتماعية، الإسكندرية: دار الوفاء، 2004م، ص 143

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني