د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

تحديات العولمة5

الأول : اقتصادي وغايته ضغط العالم في سوقٍ رأسماليةٍ واحدةٍ يحكُمها نظام اقتصاديٌ واحدٌ ،وتوجهه القوى الرأسمالية العالمية ،وتضبط حركته قوانين السوق وآلياته.

الثاني : سياسي ويهدف إلى إعادة بناء هيكليات أقطار العالم السياسية في صيغ تكرس الشرذمة والتشتت الإنسانيين ، وتُفكك الأوطان والقوميات إلى كياناتٍ هزيلةٍ قائمةٍ على نزعاتٍ قبليةٍ عرقيةٍ ، أو دينيةٍ طائفيةٍ ، أو لُغويةٍ ثقافية ، بغية سلب أُمم العالم وشعوبها القُدرة على مواجهة الزحف المُدمر للرأسمالية العالمية .

الثالث : المسار الثقافي الذي يهدف إلى تقويض البُنى الثقافية والحضارية لأُمم العالم ، بُغية اكتساح العالم بثقافة السوق التي تتوجه إلى الحواس والغرائز ، وتشل العقل والإرادة ، وتُشيع الإحباط والخضوع . ( 8 : 51 – 52 ) [ بتصرفٍ من الباحث ] . 

ولأن العولمة لم تترك مجالاً أو ميداناً أو جانباً من جوانب الحياة الرئيسة ومجالاتها إلا وامتدت إليه ؛ فإن هذا يعني أنها قد اعتمدت في ذلك على بعض العوامل التي أسهمت مجتمعةً في هذا الانتشار الواسع ، وعلى الرغم من تشابك هذه العوامل وتداخلها بحيث يعتمد بعضها على الآخر بصورةٍ يصعُب معها التمييز بينها ؛ إلا أن معظم الكُتاب يُجمعون على " أن هناك أربعة عناصر أساسية يعتقدون أنها أدت إلى بروز تيار العولمة الجارف . وهي كالتالي :

1 – تحرير التجارة الدولية .

2 – تدفق الاستثمارات الأجنبية المُباشرة .

3 – الثورة المعرفية والتكنولوجية .

4 – تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات " ( 13 : 70 ) .

وليس هذا فحسب ؛ فإن هناك من الباحثين من يُشير إلى بعض العوامل الأُخرى التي كان لها آثاراً فاعلةً ، وأدواراً بارزةً في انتشار وشيوع العولمة كتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية عام 1989م / 1990م ، وإخفاق كثيرٍ من المشروعات التنموية الضخمة في الدول النامية والفقيرة ؛ إضافةً إلى غياب العديد من المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية في عالم اليوم ، إلا أن الثورة المعرفية والتكنولوجية تُعد من أهم هذه العوامل وأكثرها خطورةً إذ أنها تتمثل في التطور العلمي والتقني الذي تتجلى خطورته في كونه وثيق الصلة بالمجال الثقافي الذي يُعد مرتبطاً بموضوع البحث الذي نحن بصدده ، ولذلك فسوف نعرض له بشيءٍ من التفصيل على النحو التالي :

يُعد التطور العلمي والتقني واحداً من أهم وأبرز العوامل التي أسهمت بفعاليةٍ كبيرةٍ في انتشار العولمة ، ويتمثل هذا التطور العلمي والتقني في ما يعيشه العالم المعاصر من تطورٍ مذهلٍ لأجهزة الاتصال الحديثة ووسائل نقل المعلومات المختلفة منذ التسعينيات الميلادية " بفعل ثورة الاتصالات وانفجار المعلومات ، والذي يتجسد في الحواسيب ، والشبكات الإلكترونية ، والأنظمة الرقمية ، وسواها من التقنيات العالية والوسائط المُركبة التي تُتيح نقل المعطيات والعلامات ، أو إدارة الأعمال والأموال من على بُعدٍ وبسرعةٍ قصوى . وبذلك يجد المرء نفسه إزاء ظاهرةٍ كونيةٍ جديدةٍ على مسرح التاريخ العالمي ؛ حيث عالم جديد آخذٍ في التشكُل سواءً من حيث فضائه ومجاله ، أو من حيث بُنيته ونظامه . ومن حيث آليات اشتغاله ومنظومات تواصله " ( 20 : 81 ) .

وهذا يعني أن هذا التطور العلمي والتقني يُعد القوة الأساسية ، والطاقة الجبارة المولدة والمُحركة للعولمة ؛ إذ أنها توفر الفرص وتُتيح المجال للجميع حتى يطَّلعوا على ما لم يكن بالإمكان الإطلاع عليه من قبل . وليس هذا فحسب ؛ فقد يسَّر هذا التطور العلمي والتقني للإنسان توافر الكثير من الخدمات والإمكانات التي لم تكن متوافرةً من قبل ، لاسيما وأنها " تمكنت من الوصول إلى كل مكانٍ في العالم ، وأصبحت بذلك ذات قدرةٍ غير مسبوقةٍ على التأثيـر في عقليات من يتلقونها ، وتكوين مفاهيمهم ومواقفهم ، والتأثير في عاداتهم ونمط حياتهم عن طريق ما تُذيعه من أخبارٍ ، وما تدعو إليه من أفكار ، وما تبُثه من برامج ، وما تُقدمه من حواراتٍ ومُناقشات ، وما تتفنـن فيه من إعلاناتٍ " ( 15 : 463 )  .

أما أهم أدوات هذا التطور العلمي والتقني فتتمثل في :

( 1 ) شبكات البث الفضائي الإذاعي والتلفازي التي تعتمد على وسائل الإعلام ( المرئية ،  والمسموعة ، والمقروءة ) التي وصلت إلى كل مكانٍ ، والتي تمكنت من تحويل العالم إلى قريةٍ واحدةٍ بما تمتلكه من قدرةٍ فائقةٍ على تخطي الحدود والمسافات ، وقد تمكنت هذه الوسائل من التأثير المباشر والفاعل في حياة الناس في كل مكان " إذ إن ما تبُثه وسائل الإعلام هو الذي يصنع الأحلام ، والأحلام [ من العوامل ] التي توجِّه السلوك ، وبذلك يتم تنميط العالم " ( 11 : 59 ) .

وليس بخافٍ ما يُبذل من الجهود الجبارة لشبكات البث الإعلامي الفضائي المختلفة التي تعمل على مدار الساعة في سبيل تنميط ثقافة العالم من خلال التركيز على برامج ورسائل إعلامية معينة وموجَهة تهدف في النهاية إلى عولمة المجتمعات والأفراد ، وطمس هويتهم بمختلف الطرق والوسائل المُباشرة وغير المُباشرة .

( 2 ) شبكة الإنترنت أو ما يُعرف ( بالشبكة العنكبوتية ) التي تُقدم خدماتٍ عديدةٍ أصبحت معها وسيلةً فاعلةً ومؤثرةً في تبادل الأفكار والآراء ووجهات النظر ، و نقل الثقافات وتسويق المنتجات ونحوها . وتأتي خطورة شبكة الإنترنت لكونها " قد وفرَّت وسيلةً للنفاذ السريع إلى المعلومة ، كما أمَّنت انتشارها وتوظيفها على نحوٌ مُذهلٍ . وقد باتت من أهم الوسائل الأساسية لتحقيق النـزعة الحالية نحو العولمة " ( 11 : 57 – 58 ) .

من هنا فإنه يمكن القول : إن شبكة الإنترنت قد استوعبت انعكاسات الثورة المعرفية التي اجتاحت العالم مؤخراً من خلال قدرتها الهائلة على تحويل العالم إلى قريةٍ كونيةٍ يتم فيها التواصل العلمي والمعرفي بكل يسرٍ وسهولةٍ متخطياً الحدود الزمانية والمكانية .

وهكذا يتضح من خلال العرض السابق أن ماهية العولمة تتمثل في كونها هيمنةً ثقافيةً في المقام الأول ، وأنها تتخذ من المسارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية أدواتٍ فاعلةٍ لتحقيق ذلك . وهذا يعني أن حقيقة العولمة تكمن في السيطرة والهيمنة الثقافية باعتبارها هدف العولمة الغائي ؛ بينما تتخذ من بقية المسارات وسائل ضغط لتحقيق ذلك الهدف ؛ وهو ما يؤكده واقعنا المُعاصر الذي يقوم على مبدأ مسخ الهوية ، ومحو المعالم الشخصية ، وتذويب المقومات العقائدية والفكرية والثقافية حتى تتحقق الهيمنة والسيطرة الاقتصادية  ؛ وهو ما يتفق مع ما توصلت إليه دراسة ( مريم محمد إبراهيم الشرقاوي ، 2000م ) التي أشارت إلى أن الهيمنة الثقافية للعولمة قد اتخذت صوراً عدة ، منها : الهيمنة الاقتصادية ، والهيمنة الاجتماعية ، والهيمنة السياسية ، والهيمنة التعليمية ، وغيرها .

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني