د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

التعليم و التعلم1

2 – من “علم التعليم ” إلى ” علم التعليم و التعلم “: نحو تصور جديد للعملية التعليمية

( De la linguistique appliquée à la didactique des langues : vers une nouvelle définition de l’action pédagogique )

إن الانتقال الذي حدث في ميدان تعليم اللغات  – من مرحلة علم التعليم إلى مرحلة علم التعليم و التعلم – جاء نتيجة  التطور الذي شهده هذا الميدان، و يظهر ذلك جليا على مستوى التصور الجديد للعملية التعليمية و خاصة في طبيعة الدور الذي أسند إلى المتعلم في تلك العملية.

إن المرحلتين اللتين عرفهما ميدان تعليم اللغات قد رافقهما تغير على مستوى طرق التدريس المستعملة و ذلك على النحو التالي:

أ – المرحلة الواقعة في الربع الأخير من القرن الماضي و التي تسمى ” مرحلة علم اللغة التطبيقي ” حيث إن  طرق تدريس اللغات الأجنبية كانت ترتكز على نظرية علم اللغة البنيوي لأنها النظرية  اللغوية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

إن الاعتماد بصفة كلية على علم اللغة البنيوي [7] و على النظرية السلوكية [8] في التعلم جعل الباحثين المتخصصين في مجال تدريس اللغات يهتمون بالإجابة على تساؤلات  مثل ” ماذا نعلم ”  و ” كيف نعلم  ” ؟

ب – المرحلة المسماة ” مرحلة علم التعليم و التعلم ” و التي اتسمت بمجموعة من التغيرات التي من بينها تبني طرق تدريس اتصالية  و أصبح المتعلم يلعب فيها دورا جوهريا.

يمكن أن أقول في هذا الصدد أن إحدى الخصائص التي كانت تميز هاتين الفترتين هي أنه : في مرحلة علم التعليم ، كان المدرس يعتبر المحور الأساسي في العملية التعليمية و كانت عملية تأهيله تركز على معرفة قواعد اللغة و بنية الجملة. أما في المرحلة المسماة ” مرحلة علم التعليم و التعليم ” فقد أعيد اعتبار المتعلم كعنصر أساسي في العملية التعليمية.

إن أخذ ما يقوم به المتعلم أثناء عملية التعلم بعين الاعتبار يدل على أن ميدان تعليم اللغات الأجنبية أصبح يركز على طرفي العملية التعليمة أي المعلم و المتعلم. بتعبير آخر، يمكن أن نقول في هذه الحالة، أن عملية تفاعل بين عملية التعليم و عملية التعلم تجري في الفصل الدراسي. فبعد أن كان ينظر إلى دور المتعلم على أنه ينحصر في استقبال المعارف لحفظها عن ظهر قلب و استظهارها يوم الامتحان، أصبح المتعلم يمثل طرفا أساسيا في العملية التعليمية و يتفاعل مع عملية التعليم.

انتقل دور المتعلم –  كما قلت – من مستقبل للمعارف إلى مستعمل لتلك المعارف و المهارات التي لديه لفهم و استيعاب محتوى المادة العلمية حيث إن عملية الفهم و الاستيعاب تتطلب بل تشترط  – إن صح القول – القيام بنشاط ذهني من قبل المتعلم. و يتمثل هذا النشاط في توظيف المعارف التي لديه لفهم المعارف الجديدة.

و هكذا يمكن أن نقول أن العصر الحالي يشهد تطورا على مستوى التصور الذي نوليه للعملية التعليمية، فبعد أن كان برنامج إعداد المدرسين يركز فقط على معرفة قواعد اللغة، أصبح المقرر الدراسي يحتوي كذلك على نظريات تدخل في إطار طرق التعلم و خصائص المتعلمين.

يمكن أن نضيف هنا أن عملية الانتقال من ” علم التعليم ”  – و الذي كما قلت يركز على قواعد و بنية الجملة  – إلى ” علم التعليم و التعلم ”  و الذي يهتم أكثر بالجانب الاتصالي للغة ، جاءت نتيجة الفشل الذي لاحظه المختصون في ميدان علم التعليم و التعلم و خاصة مدرسو اللغات الأجنبية عند استعمالهم لطرق التدريس البنيوية. لقد كانت الكفاءة اللغوية للسواد الأعظم من المتعلمين –  الذين درسوا بالطريقة البنيوية –  تنحصر في معرفة قواعد اللغة و تكوين جمل صحيحة من الناحية النحوية. لتجاوز هذه الإشكالية و التغلب عليها، أدرجت الكثير من الدول في برنامج إعداد المعلمين قضاء دورات لغوية تهدف إلى تمكين المدرسين الذين لا يزالون تحت التأهيل من استعمال اللغة الأجنبية مع أصحاب اللغة خلال فترة الدورة.

إن عدم نجاح طرق التدريس البنيوية في جعل المتعلم يتحدث بلغة أجنبية  – كما رأينا – قاد المختصين إلى اقتراح طرق تدريس  تسمى اتصالية  ( l’approche communicative ) حيث تختلف طريقة التدريس هذه عن سابقتها على المستويين النظري و التطبيقي.

3 – ما الذي يميز طرق التدريس البنيوية عن طرق التدريس الاتصالية ؟ 

تحدثت إيفلين بيرار Evelyne Bérard   في كتابها : « طرق التدريس الاتصالية : النظرية و التطبيق » عن  التطور الذي شهده ميدان علم التعليم و التعلم مركزة على الاختلافات الموجودة بين طريقة التدريس البنيوية التي ظهرت – كما ذكرت –  في مرحلة كان فيها ميدان تعليم اللغات الأجنبية متأثرا فقط بعلم اللغة التطبيقي، و طريقة التدريس الاتصالية التي بدأ تطبيقها في الربع الأخير من القرن الماضي. تقول إيفلين بيرار  Evelyne Bérard في هذا الخصوص: « تمتلك طرق التدريس الاتصالية ، عند مقارنتها بطرق التدريس السمعية – البصرية [9] ، خاصية التنوع من حيث المصادر النظرية التي ترتكز عليها. و لقدحدثت عملية التنوع هذه في زمن لم يعد فيه ميدان علم اللغة متأثراثراأ بنظرية لغوية واحدة -و هي نظرية علم اللغة البنيوي-  و لكنه أصبح يعتمد كمرجعية  لمجموعة من العلوم ذات مواضيع دراسية مختلفة مثل : علم اللغة الاجتماعي ، علم اللغة النفسي ، علم ثقافة الاتصالات ، علم تحليل الخطاب ، علم دراسة استعمالات اللغة…. » [10] .

يمكن القول – من خلال هذا الاقتباس – أن الانتقال من طرق التدريس البنيوية إلى طرق التدريس الاتصالية لم يحدث على مستوى المصطلحات فقط و لكنه حدث  – كما قلنا – على مستوى النظريات التي يرتكز عليها نتيجة تبنيه تصورا جديدا للعملية التعليمية و التي من أهم خصائصه التنوع على مستوى المراجع  أو الأسس النظرية. و يرمي هذا التنوع إلى إحداث عملية توافق و انسجام بل و تطابق بين محتوى المنهج الدراسي و طريقة التخاطب اليومية المستعملة من قبل أصحاب اللغة.

بتعبير آخر كان ميدان تعليم اللغات الأجنبية  يرتكز فقط – في مرحلة علم التعليم  – على علم اللغة البنيوي الذي يهتم بالجانب القواعدي أكثر من اهتمامه بالجانب التعبيري، و ابتداء من نهاية القرن الماضي، أصبح هذا الميدان يعتمد على مجموعة مختلفة من العلوم  و يدخل من ضمن اهتماماته عملية استعمال اللغة في الحياة اليومية. في هذا الخصوص ذهب جان بيار روبار   JEAN – Pierre Robert  إلى حد القول إن علم التعليم و التعلم يرتكز على : «  حصيلة من العلوم مثل : طرق التدريس و علم التربية و علم النفس و علم الاجتماع بالإضافة إلى علم اللغة  » [11] .

إن هذا  المزيج من العلوم التي يتكون منه ميدان علم التعليم و التعلم يجعلنا نتصور درجة التطور التي شهدها ميدان تكوين المدرسين الذي كان يرتكز فقط على ما نسميه بمواد التربية و علم النفس. إن اعتمادنا الكلي على تدريس هذه المواد و إهمالنا للمواد التي لها علاقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالعملية التعليمية -و نذكر على سبيل المثال ميدان علم النفس المعرفي- هو الذي حال دون إنجازنا العملية التعليمية على أفضل وجه.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني