د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

أفكار سكينر

من أفكار سكينر حول تكنولوجيا السلوك البشري

كتاب سكينر

يطرح كتاب سكينر، ما وراء الحرية والكرامة، الذي صدر في عام 1976، قضايا مشابهة نوعا ما لتلك التي طرحتها رواية “والدن تو Walden Two” فهذا الكتاب ليس ضربا من ضروب الخيال، ولكنه دراسة حول حاجة المجتمع إلى التكنولوجيا السلوكية ( أو الهندسة السلوكية) و المشكلات التي قد ينطوي عليها تطوير مثل هذه التكنولوجيا.
سنبحث من خلال هذا المقال في بعض القضايا الرئيسة التي يتناولها الكتاب. وعلى القارئ المهتم بآراء سكينر بالتفصيل أن يرجع إلى كتاب ” ما وراء الحرية والكرامة”.
يشير سكينر إلى أن تطورات هائلة حدثت في العلوم المختلفة مثل علم الحياة وعلم الفيزياء، الأمر الذي سمح بتطوير تكنولوجيا بالغة التعقيد فيما يتعلق بأساليب منع الحمل، الأسلحة، الزراعة، الطب، وغير ذلك. ولكن تكنولوجيا السلوك لم تشهد سوى تطورا محدودا نسبياً. فقد كان انبثاق علم السلوك الانساني الذي يمكن أن تُستمد منه التكنولوجيا السلوكية بطيئاً للغاية، ولهذا تبقى المؤسسات الحكومية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية الأُخرى حيث كانت، دون أي تحسن ملموس عبر السنين. وفي الوقت الحاضر تطور هذا العلم باستخدام تكنيكات تعديل السلوك المستندة إلى مبادئ سكنر وزملائه، وهذا يشكل دفعة قوية لتكنولوجيا السلوك.

لماذا تخلف علم السلوك عن العلوم الأُخرى؟

في رأي سكينر أن السبب الرئيس وراء ذلك هو أننا نفتش عن أسباب السلوك في غير مكانها. فنحن نميل إلى البحث عن أسباب داخلية، تكمن داخلنا: النيات، الأهداف، القرارات، الغايات، القيم، الخطط، وما إلى ذلك، إذ يتم النظر إليها جميعا على أنها القوى المحركة لأفعالنا. وفي محاولتنا لتفسير أسباب سلوك الناس فنحن نركز على المشاعر وحالات العقل، ولكننا قليلا ما نهتم بالظروف البيئية السابقة أو الحالية. ويعتقد سكنر أن هذه الظروف تشكل الأرضية التي يجب تشييد علم السلوك عليها.

و لماذا نستمر في التأكيد على الدوافع الداخلية للسلوك بدلاً من التعمق في تحليل الأسباب البيئية؟

يقترح سكينر سببين رئيسين لذلك هما:

  1. بما أن لدينا مشاعر، ومشاعرنا قوية وفورية في معظم الأحيان، فهي تبدو على أنها هي سبب السلوك.
  2. إن المؤثرات البيئية في السلوك غالباً ما يكتنفها الغموض، فهي ليست واضحة ومن الصعب ملاحظتها، و لذا فمن السهل تجاهلها.

وليس من الصعب تفهم الأسباب التي تدعونا إلى الاعتقاد بأن المشاعر تسبب السلوك. فهي تحدث فوراً داخلنا، وكثيراً ما تكون عنيفة و تصاحب أفعالنا. لذا فإنه لأمر مثير للدهشة إذا لم نعتقد بأنها تسبب سلوكنا. ولكنها، في رأي سكنر، مجرد نواتج لذات الظروف البيئية التي تشكل سلوكنا؛ و سنقدم مثالا بسيطا في هذا الصدد:

المثال:

إنك إذا عززت بالثناء و الموافقة على قيامك بشيء ما، فأنت لا تصبح أكثر قابلية لعمل ذلك الشيء فحسب، ولكنك ستشعر بالارتياح أيضاً. ومن ناحية ثانية، فإذا ما عوقبت على قيامك بشيء ما، فعلى الأغلب أنك ستشعر بالذنب، أو الاستياء، أو الغضب، أو أي انفعالات أُخرى اعتماداً على خصوصية الظرف. إن النقطة الهامة التي يوضحها سكينر أن ” الشعور بالارتياح” و ” الشعور بالذنب” لا يسببان السلوك، فهذه المشاعر نتاج للعوامل البيئية كالتعزيز والعقاب، مثلها في ذلك مثل السلوك الظاهر تماماً.
إن أثر البيئة على السلوك كثيراً ما يكون غامضا، ولذا فهو لا يشكل بالنسبة لنا تفسيرا بديلاً واضحاً. فآثار البيئة غالباً ما يساء فهمها. فسكنر لا يرى أن البيئة تحركنا إلى الأمام أو إلى الخلف، ولكنها تختار بعض الأنماط السلوكية بسبب نتائجها. فالسلوك يُختار ( أي تزداد احتمالات تكراره) إذا عُزز.
إننا نُظهر العديد من الأنماط السلوكية في حياتنا ولكن بعضا منها فقط يصبح جزءاً من أنماطنا السلوكية الراسخة. وهذه هي الأنماط التي لها نتائج تعزيزية ( أي أنها معزِّزة ايجاباً أو سلباً).
إن هذه الطبيعة الانتقائية للبيئة غالباً ما تعمل بطريقة غير واضحة، أي أنها لا تتضح بقوة كبيرة كما هو الحال بالنسبة لمشاعرنا، لذا فإن معظم الأثر الضابط للبيئة لا تتم ملاحظته، في حين أننا نركز على المشاعر وهي أكثر وضوحا (وهنا يشير سكينر إلى التماثل بين نظرية داروين في النشوء والارتقاء ونظريته الخاصة، فنظرية النشوء والارتقاء تركز على الطبيعة الانتقائية للبيئة فيما يتعلق بالخصائص السلوكية).

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني