د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

الدرس الجامعي1

“وإذا سئل عن ما لم يعلمه قال لا أعلمه ، أولا أدري، فمن العلم أن يقول لا أعلم، وعن بعضهم :لا أدري نصف العلم ….. واعلم أن قول المسؤول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه، وكمال معرفته وحسن تثبته “(1) 

فشتان بين مدرس ابن جماعة وبين بعض الأساتذة في الوقت الحالي الذين لا يتنازلون عن معارفهم رغم تجاوز الزمن لها، وعدم احترام معرفة الآخر، وجهلهم تدبير حق الاختلاف ، والتراجع عن الخطأ اذا تبين الصواب ولو من طالبه. أما علاقة الشيخ بالطالب فيلخصها ابن جماعة في أربعة عشر نوعا نقتبس منها النوع الرابع فقط الذي يقول :

“أن يحب لطالبه ما يحـب لنـفسه كما جـاء في الحديث، ويكـره له ما يكره لنفسه….. وينبغي أن يعـتنـي بمصالح الطالب ويعامـله بما يعامل به أعـز أولاده من الحنو والشفقة عليـه والإحسـان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه نقص لا يكاد يخــلو الإنسان عنه، وسوء أدب فـي بعض الأحيان ويبسـط عـذره بحـسب الإمـكان ويوقـفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتـلطـف لا بتعنيف وتعسف قاصدا بذلك حسن تربيته وتحسين خلقه وإصلاح شأنه…….” (2)

فهـذه الأخلاق النبيلة التي يدعو اليها ابن جماعة في العــلاقة بين الشيخ والطالب تكاد تندثر فـي الجوامع التقليدية ناهيك عنها في جامعاتنا العصرية، وما أحوجنا اليوم إلى الرجوع إلى هذه الآداب لنغربلها ونستقي منها ما يلائم عصرنا، ونسطرها دستورا تسير وفقه الجـامعات العربية .

لكن ما يلاحظ على ذين الجامعين في منهج التدريس هو اعتمادهما حفـظ المتون في شتى الفنون، وكأنها علم بدون عمل ونظر بدون تطـبيق، وتقليد بدون اجتهـاد ،ولقد قال الإمــام الشافعي ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، ولقد أبـدى ابن خلدون رأيه في منهج الحفظ حين هاجم النحاة في عصره الذين يحفظون المتون النحوية ولا يستطيعون توظيفها في كتاباتهم وخطـبهم، لأن الملكة اللسـانـية في نظره لا تتـأتى من حـفظ القـواعد النـحوية، يقـول ابن خلدون:

“فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أوذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي”(3)

ويرى ابن خلدون أن النحاة الذين التصقوا بقوانين العربية وتجردوا عن الشواهد الشعرية والأمثال العربية وعن التنبه إلـى خفايا تراكيبها لا يحصلون عـلى الملكة اللـسانية، وإنما يحصلون على صناعة العربية حفظا من المتون، فيظنون أنهم قد حصلوا على أعلى رتب لسان العرب وهم أبعد الناس عنه (4) .

إن حفظ المتون في الجوامع العتيقة او في الجامعات المعاصرة لا يساعد الطالب على التفاعل بينه وبين المدرس من جهة، وبينه وبين العلم المدروس من جهة ثانية، فتكون النتيجة إنتاج طالـب شـاحذ للحـافظة، لا طالـب مفكر متسائل باستمرار مجتـهد يسـاهم في تطـوير العلـم والمعرفة. ولا نبخس حق كثير من العلماء الذين خرجوا عن هذا التقليد، وكونوا لهم مسارا علميا متفردا، واجتهادا معرفيا عرفوا به في شتى المجالات المعرفية، ولكن الشيخ عوض أن يعلم الطالب طرق الاجتهاد والتفكير، ومنهج استنباط الأحكام، يقدم له المعارف لقمة سائغة دون نقد أو تعليق ملزما إياه بالحفظ والاستظهار.

وهذا المنهـج هو الـذي سـار عليه كثيـر من الأساتذة (الشيوخ) في محـاضراتهم فـي بعـض الجامعات العربية في عصر النهضة، إلا ان الطريقة تختلف من جامعة الى جامعة ومن أستاذ إلى أستاذ آخر. وكانت المحاضرات تطبع بطـابع جــمع المعلومات من المراجع والمصادر وتقديمها للطلاب متوازنة متـكامـلة دون نـخلها أحيانا، ودون تنبيه الطلاب إلى مرجعياتها الايديولوجية وخلفياتها الفكرية (5)، بل يعرضها عن طريق اتجاه واحد دون تنبيه الطالب الى الرأي المخالف، والآراء المتضاربة وهذا لا يتأتى إلا في المجتمع الذي يتمتع بالحرية السياسية والديمقراطية التي تنعكس على الحرية الفكرية والحرية الفردية، فتعدد الآراء يسمح للطالب أن يدلـي دلوه في هذا الصراع الفكري والتـضارب العلمي، الـذي يسمـح لـه بتكوين شخصيته في البحث العلمي، ويبرز اجتهـاده في التحصيل المعرفي، ويفتق قدراته الإبداعية ، ويزرع الثقة في نفسه، وهذه هي الطريق الصواب للتقدم العلمي .

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني