د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

برامج لذوي الاحتياجات

برامج التدخل المبكر لذوي الاحتياجات الخاصة الأهمية والمبررات

الكاتب : الدكتورة آداب عبد الهادي

القراء : 1765

لوحظ بعد الاطلاع على عشرات الحالات من الأطفال المصابين بالتوحد وبمتلازمة داون وبعض الإعاقات الذهنية الأخرى كنقص الأكسجة أو حتى الحالات الشديدة من الإعاقة كالتخلف العقلي، أن الكثير من الأهالي مع أنهم يبدون القلق حيال أطفالهم إلا أنهم لا يتخذون خطوات جدية بالتدخل السلوكي المبكر بل يكرسون الكثير من أوقاتهم بالبحث عن العلاج الطبي الدوائي متناسين أن هذه الحالات تحديداً تحتاج لتدخل سلوكي مبكراً ومن الأشهر الأولى وربما التدخل السلوكي يفوق من حيث الأهمية التدخل الطبي نظراً لكون الأشهر الأولى من حياة الطفل تعتبر من أهم مراحل نمو شخصيته الإنسانية، إضافة لذلك فالتدخل المبكر لا يعود بالفائدة على الطفل وحسب بل يعود على الأسرة والمجتمع وفي كل النواحي وعلى رأسها الاقتصادية.
لأن التدخل المبكر يوفر على الطفل والأسرة الكثير من الأعباء الاقتصادية فكلما كان التدخل مبكراً كلما كانت النتائج التي يحصل عليها الطفل المصاب أفضل واندماجه في المجتمع أكبر وأسرع، لكن المشكلة التي لاحظناها في الحياة العملية هي أن الكثير من أسر أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا يؤمنون إيماناً مطلقاً بجدوى البرامج التربوية والنفسية وبرامج تعديل السلوك فيعوّلون على التدخل الطبي ولما للتدخل الطبي من أهمية إلا إنه لن يساعد الطفل في الناحية السلوكية والتربوية وتعديل سلوكه وتعليمه كيفية الاعتماد على نفسه الذي لن يكون إلا من خلال اختصاصيين تربويين ونفسيين لديهم الخبرة الكافية على تطبيق برامج التدخل المبكر ومن أهم هذه البرامج برنامج التنمية الشاملة أو العلاج الشامل (البورتاج) الذي لا يطبق كما يجب حتى على مستوى معاهد التنمية الفكرية في سورية أو الجمعيات الأهلية الخاصة التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة على كثرة انتشارها نوعاً ما، مع العلم أن هناك الكثير من البرامج استُخدمت في تلك المؤسسات ومنها برامج التيتش وبيكس ولوفاز وغيرها، ومعظم هذه البرامج يتم استخدامها في تلك المراكز وقليل من الأسر التي تعمد على تطبيق هذه البرامج في المنزل من خلال استقدام مدربة أو اختصاصية نفسية لتقوم بتقديم تلك البرامج على الطفل المصاب لديها.
عدم قناعة الأهالي بجدوى هذه البرامج يقلل من الفائدة المرجوة منها لذا هناك الكثير منهم يسلمون أطفالهم إلى مراكز الرعاية الاجتماعية بعد بلوغهم السن الرابعة وحتى الخامسة من العمر وهذا يعني أن الطفل خسر أهم مرحلة عمرية يمكنه من خلالها تعديل سلوكه أو تنمية بعض مهاراته بشكل يمكنه من الاعتماد على نفسه في مراحل عمره اللاحقة ومن هنا كان للتدخل المبكر هذه الأهمية.
والتدخل المبكر أو ما يسمى Early Intervention هو عبارة عن مجموعة شاملة من الخدمات التعليمية والاجتماعية والتربوية والنفسية والصحية والتي تقدم للأطفال الذين يعانون من إعاقة أو تأخر نمائي أو الذين هم عرضة للخطر قبل دخول المدرسة كما يمكن تعريفه على إنه مجموعة من الخدمات المتنوعة الطبية والاجتماعية والتربوية والنفسية التي تقدم للأطفال دون سن السادسة من عمرهم، والذين يعانون من إعاقة أو تأخر نمائي أو الذين لديهم قابلية للتأخر أو الإعاقة.
إذن، أن التدخل المبكر يستهدف الأطفال منذ الولادة حتى سن المدرسة، ولكون الأطفال يعتمدون على غيرهم من أجل تلبية حاجاتهم الأساسية، فإنه أيضاً يركز على تطوير مهارات أولياء الأمور وتنمية قدراتهم على مساعدة أطفالهم على النمو والتعلم. ولذلك يجب أن تقدم خدمات التدخل المبكر مباشرة للتلاميذ أنفسهم وأسرهم أو أولياء أمورهم، إضافة إلى أن هذه الخدمات المبكرة يمكن أن تكون على مستوى البيئة والمجتمع المحلي، وذلك من خلال التقليل من الحواجز أو العوائق المتواجدة في البيئة المحلية، وكذلك تطوير وتحسين إجراءات السلامة المتوافرة محلياً، ومن ثم العمل أيضاً على تعزيز وتنمية برامج التوعية الاجتماعية بمشكلات الإعاقة والآثار السلبية المتربة عليها ومن هنا يمكننا أن نحدد أهم أهداف برامج التدخل المبكر وهي:
١- السرعة في تقديم الخدمات الوقائية والعلاجية الشاملة مثل الخدمات الصحية الأولية والبرامج التأهيلية والتربوية للمعاقين أو للأطفال المعرضين لخطر الإعاقة.
٢- تشجيع أقصى نمو ممكن للأطفال دون عمر السادسة من ذوي الاحتياجات الخاصة.
٣- تطوير وتحسين إجراءات السلامة والوقاية، من خلال العمل على تعزيز وتنمية برامج التوعية الاجتماعية بمشكلات الإعاقة والآثار السلبية المتربية عليها.
٤- تطبيق استراتيجيات وقائية لتقليل نسبة حدوث أو درجة شدة ظروف الإعاقة أو العجز.
٥- مساعدة الأسر على التعامل مع الإعاقة ودعمها في أداء وظائفها، والتكيف النفسي والاجتماعي مع وضعها الجديد مع ملاحظة أن برامج التدخل المبكر تسعى إلى تغيير سلوك الطفل وزيادة مستوى استقلاليته وتحسين قدراته واكتسابه أنماطاً جديدة كما أنها تعمل على تطوير نموه من النواحي المعرفية، واللغوية، والحركية، والاجتماعية، والانفعالية، والتي تؤدي بدورها أيضاً إلى الاستفادة القصوى من قدراته وإمكانياته في هذه المرحلة الحساسة من النمو والتي تكون قدراته على التعلم أسرع من غيرها في مراحل النمو اللاحقة.
وقد أظهرت العديد من الدراسات التي تناولت برامج التدخل المبكر تحسناً كبيراً للأطفال من عمر2-6 سنوات في السلوك التكيفي وتقدماً ملحوظاً في قدرات الأطفال على الإدراك، والفهم العام، وزيادة التفاعل الاجتماعي، ونمو المهارات العاطفية، وتطور اللغة، وأخيراً تكمن أهمية برامج التدخل المبكر بما تحققه من فوائد كبيرة نتمكن من خلالها تفادي حالات التأخر والحيلولة دون حدوث المزيد من أوجه القصور، كما أشارت تلك الدراسات أيضاً إلى أهمية هذه البرامج في تطوير بُعدين في غاية الأهمية للطفل المعاق ذهنياً، هما: (النمو الدماغي، والقدرة التعليمية).
أما عن فوائد التدخل المبكر ومبرراته فهي تقوم على عدد من البراهين والافتراضات المستمدة من النظريات والأبحاث العلمية التجريبية التي أكدت على أهمية سنوات النمو الأولى من عمر الطفل، إضافة إلى أنه يراعي قيم المجتمع ويحقق الرفاهية التعليمية للأطفال.
ومن أهم مبررات التدخل المبكر، هي أن السنوات الأولى من حياة الأطفال المعاقين التي لا يقدم لهم فيها برامج تدخل مبكر إنما هي سنوات حرمان وفرص ضائعة وربما تدهور نمائي أيضاً؛ مع أن التعلم الإنساني في السنوات المبكرة أسهل وأسرع من التعلم في أية مرحلة عمرية أخرى إضافة إلى حاجة والدي الطفل المعاق إلى المساعدة في المراحل الأولى لكي لا تترسخ لديهما أنماط تنشئة غير بناءة، كما أن التأخر النمائي قبل الخامسة من العمر مؤشر خطير فهو يعني احتمال المعاناة من المشكلات المختلفة طوال الحياة وعلى الرغم من أن النمو نتاج البنية الوراثية إلا أن البيئة تلعب دوراً حاسماً فيه ويعتبر التدخل المبكر ذا جدوى اقتصادية حيث أنه يقلل النفقات المخصصة للبرامج التربوية اللاحقة والخاصة بهؤلاء الأطفال، والآباء معلمون لأطفالهم المعاقين وأن المدرسة ليست بديلاً عن الأسرة، ومعظم مراحل النمو الحرجة والتي تكون فيها القابلية للنمو والتعلم في ذروتها تحدث في السنوات الخمس الأولى من العمر إضافة إلى أنه يمكن حدوث التدهور النمائي لدى الطفل المعوق بدون التدخل المبكر بما يجعل الفروق بينه وبين أقرانه العاديين أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، وبما أن مظاهر النمو متداخلة فإن عدم معالجة الضعف في أحد جوانب النمو حال اكتشافه قد يقود إلى تدهور في جوانب النمو الأخرى.
إضافة إلى وجود مبررات رئيسة أخرى أكد عليها علماء النفس منها:
١- يتم تأسيس الأنماط الأولية للتعليم والسلوك والتي ستمهد وتؤثر على طبيعة كل التنمية اللاحقة خلال السنوات الأولى.
٢- تشير الأبحاث العلمية إلى وجود فترات حرجة معينة خاصة أثناء السنوات الأولى التي يكون فيها الطفل أكثر عرضة واستجابة للخبرات التعليمية.
٣- لا يتم تحديد الذكاء والقدرات البشرية الأخرى عند الولادة، بل تتشكل لحد ما بالمؤثرات البيئية والتعليمية.
٤- إن العوامل والظروف التي تسبب الإعاقة وتجعل الطفل يواجه مخاطر الإعاقات الأخرى، وبذلك تصبح الإعاقات الأصلية أكثر صعوبة وتظهر إعاقات ثانوية.
٥- بيئة الطفل والخبرات المبكرة تؤثر على النمو والتعليم اللذين يؤثران بشدة في الدرجة التي يصل إليها الطفل من قدراته الكامنة الكاملة.
٦- تستطيع برامج التدخل المبكر أن تؤدي إلى حدوث تغيرات هامة في الحالة النمائية للطفل وتستطيع القيام بذلك بصورة أسرع من الجهود العلاجية المتأخرة بعد دخول الطفل المرحلة الابتدائية.
٧- يحتاج الوالدان لمساعدة خاصة في تأسيس أنماط التنشئة لرعاية طفل معاق أو يتهدده خطر الإعاقة، وبتقديم الرعاية الكافية والتحضير والتدريب لأطفالهم خلال السنوات الحرجة الأولى التي يجب أن تكتسب خلالها المهارات التنموية الأساسية.
٨- ينطوي التدخل المبكر على فوائد اقتصادية اجتماعية لأن الوقاية أو العلاج المبكر للقضايا النمائية لدى الأطفال قد يقلل المشاكل الخطيرة والتي تكون عبئاً ثقيلاً على المجتمع.
هذه المبادئ الثمانية تعتبر المبررات الرئيسة للتدخل المبكر للأطفال المعاقين ذهنياً.
وهناك عدة نماذج للتدخل المبكر ويمكن تصنيفها على النحو التالي من حيث المكان: التدخل المبكر في المراكز والمؤسسات- في المنزل- في المنزل والمركز معاً
وهناك نموذج الخدمات المتمركزة حول الطفل ونموذج الخدمات حسب القائم بالرعاية والنموذج ثلاثي الأقطاب؛ وهذا النموذج يكون من خلال المعالج والوالدين والطفل، ويشير ماهلر (Mahler) بأن الوالدين يتعلمان الكثير خلال هذه البرامج، حيث تفرغ الشحنات الانفعالية، ويعاد صياغة أنماط تفاعلهم مع الطفل، وتصبح هذه البرامج أكثر إلحاحاً في حالات الإعاقات الشديدة التي تحتاج إلى التفاعل والتعامل مع الطفل في مواقف حقيقية وصعبة.
وتنطلق برامج التدخل المبكر، من مبدأ أن الطفل لديه صعوبة أو مشكلة معينة، إضافة لوجود البيئة غير المناسبة للطفل المعاق ذهنياً، في حين إن الآباء وأولياء الأمور والمعلمين والمجتمع يستطيعون تقديم خدمات أفضل لهم، يمكن أن تسهم في الارتقاء بالطفل ومساعدته لاسيما في سنواته المبكرة من خلال وضع خطط أو خطة فردية للطفل على حسب قدرته التعليمية، وذلك بإجراء اختبار (سايكواديوكيشنل بروفايل) psycheducational profile أو ما يسمى اختصاراً بيب تستPEP TEST وهناك عدة برامج منها التحليل السلوكي أو ما يسمىABA applied behavioranalysis وأحياناً يسمىLOVAAS
أيضاً هناك برنامج تيتش TEACCH والذي يعتمد على تنظيم البيئة بشكل نظري واستعمال الجداول.
وبرنامج بكس(PECS) الذي يقوم على أساس تبادل الصور وبرامج جديدة مثل فلور تايم FLOOR TIME .
وبرنامج (البورتاج) أوالبرنامج المنزلي للتدخل المبكر لتثقيف أمهات الأطفال المعوقين من سن الولادة إلى 9 سنوات وهو برنامج يختص بالتدخل المبكر لتدريب الأطفال المعوقين داخل بيئتهم المحلية وخاصة بالمنزل، وتدور فكرة البرنامج حول تزويد الأم خلال الزيارة المنزلية والتي تكون مرة واحدة في الأسبوع ومدتها ساعة وربع بالأسس المتعلقة برعاية الطفولة والتعليم الخاص والمؤثرات الحسية التي تؤدي إلى تطوير المهارات العديدة للطفل المعوق، ويخدم البرنامج الأطفال ذوي الإعاقات المختلفة مثل الإعاقات العقلية، الإعاقات الجسمية متعددي الإعاقات ومشاكل النطق والكلام، ويتبع هذا البرنامج مشروع بورتج المنزلي للتدخل المبكر الذي صُمّم في الولايات المتحدة عام 1969 والذي تُرجم إلى العديد من اللغات ومنها العربية.
تهتم برامج التدخل المبكر للأطفال المعاقين ذهنياً بعمر الطفولة المبكرة وهي الفترة الممتدة من نهاية العام الثاني وحتى نهاية العام الخامس من ميلاد الطفل، وقد تم اختيار اسم الطفولة المبكرة تبعاً للأساس البيولوجي النمائي لهذه المرحلة.
وفي هذه المرحلة تبدأ عملية التنشئة الاجتماعية وإكساب القيم والاتجاهات والعادات الاجتماعية ويتعلم فيها التمييز بين الصواب والخطأ وإن كان لا يفهم لماذا هو صواب أو خط، لذلك اهتم العلماء بهذه الفترة وقضوا جزءاً كبيراً من أبحاثهم لدراستها.
ولإنجاح برامج التدخل المبكر للأطفال لا بد من التشخيص المبكر لحالة الطفل ومن ثم التعاون مع المؤسسات الخدمية وأن يتشارك الوالدان بشكل كبير وفعال مع هذه المراكز وأن يكون هناك نوع من الدمج بين الخدمات النفسية والتربوية والطبية لنتمكن من تحقيق الفائدة المرجوة من هذه البرامج على مستوى الفرد والمجتمع.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني