د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

الموهوبين والمتفوقين3

8. شعور بعض المتفوقين و الموهوبين بالحيرة وعدم القدرة على الاختيار الصائب لمجال دراسة أو تخصص معين أو مهنة مرغوبة, وقد أكد كل مـن بـيـرلـي وجـنـشـفـت ( Birely &Genshaft, 1991 ) أن هـؤلاء المتفوقين والموهوبين من أشد الناس حاجة إلى عملية الإرشاد والتوجيه الأكاديمي أو المهني. وبدون هذا الإرشاد, قد يختار تخصصاً دراسياً, أو مجال عمل, قد يضطر إلى تغيره بعد فترة من الزمن قضاها في دراسة ذلـك المجـال أو العمل, والذي وجـد فيه أنه لـم يشبع طموحه ويحقـق رغبـاته. إن صعـوبة الاخـتـيار للمتفوق والموهوب لمجال الدراسة أو المهنة هو راجع لتعدد مواهبه وقدراته. فهو متميز الأداء في مختلف المجالات التي يدرسها نتيجة لارتفاع مستوى ذكائه أو نتيجة لتعدد مواهبه (Colangelo, 1991 )       (Delisle, 1992 ). فالطفل المتفوق والموهوب لديه قدرات متنوعة للنجاح في المجالات المتعـددة. ولو تـم إجـراء قـياس لقـدرات هـؤلاء المتفوقين والموهوبين, نجد أن البعض منهم يحقق درجات عالية في مختلف المجالات, مما يزيد الأمور تعقيداً في عملية الاختيار للدراسة واختيار مجال محدد. فالنجاح والحصول على تقديرات عالية ليس معياراً كافياً للتوجيه الأكاديمي والمهني ولكن يجب مراعاة الميول والرغبات والاهتمامات للطالب. وقد يساهم الأهالي في الضغط على الأبناء في الاختيار الأكاديمي أو الالتحاق بالمهنة التي قد لا يرغبها أبنائهم (Maxey,1991 ) ( Moon,2003 ) فمن الممكن أن يحقق هؤلاء المتفوقون والموهوبون نتائج عالية ويتفوقون في تلك المجالات التي تم اختيارها من قبل المحيطين بهم ولكن قد لا تشبع ميولهم ورغباتهم وتحقق طموحهم, إذا هم بحاجة إلى إرشاد و توجيه أكاديمي ومهني يساعدهم في التغلب على المعيقات الداخلية والخارجية وتحقيق النجاح والانسجام والتوافق في المستقبل. إن هؤلاء المتفوقين والموهوبين هم بحاجة إلى تقديم معلومات عن التخصصات والمهن المختلفة, ومساعدتهم على التعرف على المشكلات المحيطة, وتوجيههم في كيفية اختيار التخصص أو المهنة المناسبة. وتوضيح الحاجات العاطفية والنفسية لكل مجال من مجالات العمل أو الدراسة. إذا الطلبة المتفوقين والموهوبين يحتاجون إلى إرشاد أكاديمي ومهني في وقت مبكر من خلال التعرف على قدراتهم وتوضيح اهتماماتهم وتعريضهم إلى عدد من الاختيارات والإمكانات الأكاديمية والمهنية.

9.  المحاسبة المفرطة والقاسية والدائمة للذات لدى بعض المتفوقين والموهوبين والرغبة المستمرة للوصول إلى المثالية, مما يؤدي إلى تكوين مفهوم الذات غير الواقعي، والارتباط بالمثل العليا و تحقيق الوصول إلى الكمالية. فيظـهر لديـهم الشعور بعدم الرضا من الأعمال التي يقومون بها لرغبتهم في تحقيق الأفضل. فهم في حالة بذل من العمل الشاق المستمر, ويرون أنه لن تتحقق سعادتهم إلا بالوصول إلى ذلك المستوى من الكمال والذي يكون من الصعب الوصول إليه   
 (Piechwski, 2003 ). وكما هو معروف أنه هناك فرق بين أن يؤدي الشخص أفضل ما يمكن وبين العمل فوق استطاعته, فالرغبة بالوصول إلى الكـمـال الإجباري يسبب اضطراباً نـفـسيـاً وقـلـقـاً وضـغـوطـاً لا تـنـتهـي لـدى المتفوق والـمـوهـوب, وتــذكـر ريـم  ( Rimm, 1995 ) أن ضغوط الأهالي والمعلمين والزملاء واستخدام المديح والثناء والإيحاء بالكـمال المطلوب في كـل تصرفـاتهم يـؤدي إلى ظهـور وبروز الكـمالية لـدى المتفوقين والموهوبين, والتي هي نتيجة للتغذية المرتدة من قبل الآخرين, وتكريس مفهوم الأفضل, وبذل المزيد من الجهد غير الواقعي لتحقيق الدرجات والتفوق والوصول إلى مستوى أعلى من الآخرين, مما يدفع المتفوق والموهوب إلى الإصرار والتمسك لتحقيق الكمال والسعي إليه    ( Silverman, 1983 ) ( Colangelo, 2003 ). وبالتالي أي أداء لهؤلاء المتفوقين والموهوبين سواء في السلوكيات الشخصية أو النشاطات الأكاديمية أو العملية فإنهم قد يشعـرون أن أداءهم أقـل مـما يستطيعون, وقد يعتبرون أن ذلك فشلاً مما ينعكس على حياتهم ويشعرون بالقلق وجلد الذات وعدم الارتياح, ويخشون أن يفقدوا احترام الآخرين ويرون أن عليهم بذل المزيد من الجهد للوصول إلى المستوى من الكمال والذي يكون من الصعب الوصول إليه وهم يرون أن الوصول إلى الكمال هي حماية لذاتهم وبالتالي تحقيق السعادة    (Colangelo, 1997 ). ويذكر كل من ويب، مكستروث وتولان    ( Webb, Mackstroth &Tolan, 1983 ) ووايتمور  ( Whitmore, 1980 ), أن هـناك نوعـين مـن الإتقـان أو الكـمالية, النوع الأول طبيعي وهو الناتج عن الاجتهاد وتحقيق مزيد من  العمل والتفوق والذي يظهر من خلال المثابرة والعمل المستمر للمتفوق والموهوب, وآخر وهو النوع العصابي المرضي والذي يجلب الكثير من المشاكل حيث أن المتفوقين والموهوبين يكونوا في حالة مستمرة من طلب الكمال وهم يكافحون من أجل تحقيق أهداف مستحيلة الوصول إليها, وهم يقيسون القيمة الذاتية لأنفسهم على أساس تحقيق الإنجاز الذي في أذهانهم, وهم باستمرار تواقون إلى تحقيق أحلام مستحيلة يمكن أن تسبب لهم مشاكل نفسية واجتـماعية. ويذكر باركر وأدكين ( Parker &Adkin, 1995 ) أنه يجب الانتباه إلى الكمال أو الإتقان الصحي وملاحظة العواقب للإتقان أو الكمالية الغير صحية. فالقلق المستمر وبشكل مبالغ فيه لأخطاء يقع فيها هؤلاء المتفوقين والموهوبين هو نتيجة للإتقان الغير صحي والذي قد يدفع إلى ظهور ميول انتحارية لدى البعض من هؤلاء المتفوقين والموهوبين. ويذكر كلين وشورت ( Kline & Short, 1991 ) أن الإناث أكثر عرضة للكمالية وخاصة في المرحلة الثانوية, فهن يرغبن تحقيق مستويات عالية لأنفسهن, ويصبن بالخوف والقلق ويشعرن بتقدير أقل لأنفسهن عما كن عليه في المراحل الدراسية السابقة فالإناث في هذه الصفة أكثر عرضة لنوبات القلق والاكتئاب   ( ص 120 ).  ولهذا لابد من الإرشاد النفسي من حيث وضع مستوى معين من الإنجاز يمكن الوصول إليه وبالتالي تحقيق التكيف في حياتهم والاهتمام بالنجاح في نواحي أخرى وممارسة مختلف الهوايات والتسلية والعلاقات الاجتماعية ومحاولة تحقيق التسامح مع الذات في حالة الفشل من الوصول إلى المستوى العالي من الأداء. ومـحاولـة وضـع نـمـوذج واقعي للوصول إليه. فالتوازن في الحياة الدراسية والمهنية والاجتماعية والأسرية مطلوب, وفي حالة الإخفاق أو عدم الوصول إلى الصورة المطلوبة للكمال في العمل أو الأداء وحدوث الفشل في بعض الأحيان, لا يعني الطرق المسدودة والنهاية المأساوية ولكن يعني أن هناك طرق عديدة للنجاح.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني