د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

أطفالنا والمستقبل6

ج) نتيجة لما تقدم عالجت الدراسة السابق الإشارة إليها بالتفصيل دور الأسرة في كل من :
I. القيام بعملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي للطفل بكل ما يتضمنه ذلك من غرس القيم والاتجاهات والسلوكيات الاجتماعية والأخلاقية وبما يحقق بناء الأساس السليم لشخصيته(4).
II.  رعاية الطفل وتعليمه وتثقيفه وتنميته في مختلف جوانبه العقلية واللغوية والاجتماعية والانفعالية بما يعده المستقبل ويكسبه الخصائص اللازمة لمواجهته.
ويهمنا الإشارة هنا إلى أهم ما جاء في تلك المعالجة حول أهم الأدوار اللازمة أن تقوم بها الأسرة وهي :
بالنسبة لدور الأسرة في تحقيق حاجات الطفل الأساسية وأولها وأهمها الحاجة للحب والحنان، يمكن القول بأن هناك تراث غزير من الدراسات والبحوث سواء في مجال علم النفس بشكل عام أو في تراث التحليل النفسي والدراسات الاكلينيكية على وجه الخصوص، تؤكد أن حصول الطفل الإنسان وربما أطفال كافة الكائنات وبالذات الثدييات كالقطط والقردة وغيرها، على حد أدنى من حب الوالدين أو من يرعى الطفل في المراحل المبكرة من عمره (من الميلاد وحتى بلوغ 5 سنوات في حالة الطفل الإنساني) هو أساس كل ما يستطيعه في المراحل التالية من عمره من علاقات إنسانية حميمة. كما بينت تلك الدراسات والخبرات الكلينيكية أن الحرمان من هذا الحب المبكر هو في حقيقة الأمر من أهم الأسباب وراء الصعيد الأعظم من المشكلات السلوكية والاضطرابات النفسية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة. (Mccarthy, D., 1954, pp. 601-606).
فالحاجة للحب والحنان وإقامة علاقة حميمة آمنة مبكرة بين الطفل ومن يرعاه  Early Attachment من الصغر حاجة إنسانية فطرية أساسية لا يمكن إهمالها وإهمال إشباعها وإلا اضطربت الشخصية وأعيق نموها.
بالإضافة إلى ذلك بينت دراسات يصعب حصرها سواء في تراث علم النفس أو التحليل النفسي، أن هذا الارتباط المبكر بين الطفل والأم أو بديلها في رعاية الطفل يرتبط إرتباطاً كبيراً بالنمو النفسي للطفل بمختلف جوانبه (النمو الجسمي والعقلي واللغوي والانفعالي والاجتماعي).
وأشارت هذه الدراسات إلى أن نمو الطفل في جميع هذه المجالات لا يسير سيراً طبيعياً سوياً ما لم يتمكن الطفل من إقامة هذه العلاقة الحميمة الدافئة الآمنة مع الأم أو بديلها (Bus, M.H, 1986 & 1988).
بل إن هناك دراسات أجريت على الحيوانات كالقطط والقردة وغيرها تبين أن الحرمان من الأم في السن الصغيرة (قبل بلوغ عام) يؤدي إلى ذبول الصغار وإضمحلالهم، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى الموت. & (Sears,R.R, 1944) (Levy, D,1952).
ـ  أما فيما يتعلق بدور الأسرة في عملية التنشئة الاجتماعية أو التطبيق الاجتماعي فالأسرة هي الوسيط الاجتماع والحضاري الجيد، الذي يقوم بعملية غرس القيم والعادات والتقاليد والمبادىء الأخلاقية والاجتماعية عند الطفل مبكراً وإكسابه القدرة على معرفة الخطأ والصواب، ومن ثم بناء ضميره وخلقه وكافة ما يلزم لتحويله من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي يستطيع العيش والتوافق مع الجماعة التي تحيط به. بالإضافة إلى ذلك تقوم الأسرة بدور هام وفعال في تحقيق انتماء الأطفال أولاً لأسرهم وبعد ذلك لمجتمعهم وقوميتهم وأمتهم. وتحقيق هذا الانتماء والولاء أمر حيوي وضروري لتمكين الأطفال من التصدي لما يوجه لهم من تحديات وصعاب ومشكلات في المستقبل.
ـ وأخيراً فيما يتعلق بدور الأسرة في تنمية الأطفال في مختلف جوانبهم فقد دلل التراث النفسي والدراسات العديدة التي أجريت في هذه المجالات، على أن للأسرة دور محوري وهام وفعال في تنمية مختلف جوانب النمو النفسي للأطفال ومن أهمها :
* نموهم الجسمي.
* نموهم اللغوي.
* نموهم العقلي.
* تنمية الإبداع لديهم.
* التقريب بين الطفل ووسائط الثقافة ومن ثم تحقيق تثقيف الأطفال.
بالإضافة إلى ذلك أكد الصعيد الأعظم من الدراسات الحديثة على ضرورة مشاركة الأسرة للمدرسة، في كافة ما يبذل من جهود لتعليم الأطفال وتنميتهم، كما بينت أن كافة ما تبذله المدرسة من جهود وبرامج وبشكل خاص خلال مرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الإبتدائية لا يحقق الأهداف المرجوة ما لم تقم الأسرة بالدور المطلوب منها وتشارك المدرسة مشاركة فعالة في كافة هذه الجهود(5).
 
2. دور المدرسة في استكمال دور الأسرة وتدعيمه والبناء عليه وإضافة البعد التربوي المطلوب لإعداد الأطفال للمستقبل.
المدرسة هي بلا منازع المؤسسة التربوية الأولى وثاني مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي ينتظر أن تكمل دور الأسرة وتدعمه وتبني عليه وتضيف له البعد التربوي المطلوب لإعداد الأطفال للمستقبل ولكافة ما ينتظرهم فيه من تحديات.
ومن المتفق عليه بين الصعيد الأعظم من علماء النفس والتربية أن الهدف الأول والأساسي والأسمى لكافة الجهود التربوية التي تبذل وللتربية بشكل عام، هو تعليم الأطفال كيف يفكرون وتنمية التفكير بكافة عملياته ومهاراته وأبعاده وأنواعه لديهم. (ليلى كرم الدين، 2002، ص 3).
ويبين جابر عبد الحميد في الكتاب الهام الذي ترجمه حول "تعليم التفكير والمنهج" (جابر عبد الحميد، 1997، ص 9) أن الصعيد الأعظم من المربين أصبحوا اليوم ينظرون للمنهج التعليمي على أنه تدريس للتفكير وتنمية له وللفصل الدراسي بوصفه بيئة صالحة لنمو وتنمية التفكير(6).
والملاحظ أن كثيراً من الدول المتقدمة في سعيها لتحقيق الهدف الأساسي للتربية كما سبق تحديده، وتطوير واصلاح التربية قد بدأ من الثمانينيات في الــتخطـيط والإعداد لما أطــلـق عـلـيه بعد ذلك اســـم "مــدارس الــتفـكــيــر"،     (SFT) Schools for Thought " وهي في التحليل النهائي بيئات تعليمية تربوية نظمت وأعدت خصيصاً بهدف المساعدة على تعليم الأطفال كيف يفكرون وتنمية تفكيرهم والإسراع من معدل نموهم العقلي(7).
وأخيراً قدمت دوروثي تنستال في المقال الذي نشرته عام 1995 والذي سبقت الإشارة له في قسم سابق من هذا العرض، أوضح وأدق تصور لما يجب أن تكون عليه المدرسة في القرن الحادي والعشرين حتى تستطيع إعداد الأطفال له وإكسابهم الخصائص والمواصفات اللازمة لمواجهته ومواجهة ما يفرضه من تحديات. وقد نشر المقال بعنوان : "تخطيط المدرسة للقرن الحادي والعشرين".
وقد طرحت مقدمة المقال السؤال التالي : "هل مدرستك مستعدة للقرن الحادي والعشرين "؟.
وقدمت بعد ذلك عرضاً لأهم التحديات التي تواجهها المدرسة في هذا القرن ثم شرحت أهم التغيرات اللازم إدخالها في المناهج الدراسية لمواجهة هذه التحديات. وأكدت على أنه يلزم أن تقوم المدرسة بما يلي :
1. تعليم وتدريس حل المشكلات.
2. تعليم وتدريس التفكير الناقد والتحليلي.
3. تعليم وتدريس التفكير الابتكاري.
4. التأكيد على التعليم التعاوني.
5. وضع الخطط التربوية للتعليم الذاتي والفردي.
6. توفير كمبيوتر في كل فصل.
7. التأكيد على الجودة في رعاية الأطفال وتحقيق العدالة الاجتماعية.
8. زيادة إشراك الأسرة في كافة البرامج التربوية.
9. التأكيد على الوقاية والتدخل المبكر وتقديم البرامج التعويضية.
10. التأكيد على التعاون بدلا من التنافس.
11. تشجيع المرونة والابتكارية والتوافق الإيجابي مع التغيير.
12. التأكيد على العالمية في التفكير والمحلية في التنفيذ لتحقيق حاجات على المستوى المحلي  Think Globally but Act Locally.
 
3. الأوضاع الراهنة لكل من الأسرة والمدرسة في مجتمعاتنا المعاصرة وأهم وأخطر ما تعاني منه من مشكلات وصعاب تحول  دون قيامها بالمهام المطلوبة منها :
بعد محاولة تحديد وتوضيح أهم الأدوار اللازم على الأسرة والمدرسة بشكل خاص ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية على وجه العموم القيام بها لإعداد الأطفال للقرن الحادي والعشرين، والحلقة الثالثة من حلقات الحضارة الإنسانية وهي حلقة المعلوماتية بكل ما تتطلبه من خصائص ومواصفات وما تفرضه من إعداد للأطفال يتصف بالتنوع والتفرد والقدرة على المنافسة، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مؤداه : "هل هذه المؤسسات بأوضاعها الراهنة في مجتمعاتنا قادرة ومستعدة للقيام بجميع المهام المطلوبة وبالصور المرجوة ؟".
بمعنى آخر : "هل هذه المؤسسات قادرة على إنتاج منتج بشري قادر على الصمود والمنافسة مع ما تنتجه البيئات الصالحة لتعليم التفكير بما فيها مدارس التفكير التي انتشرت حديثا في مختلف الدول المتقدمة في وقت تلغى فيه الحدود بين مختلف دول العالم بسبب اتفاقيات التجارة العالمية GATT"؟.
سؤال من السهل طرحه وتبادره إلى الذهن وإن كانت الإجابة الكاملة عليه ليست على نفس الدرجة من السهولة، إلا أن الأمر يتطلب محاولة تقديم بعض المؤشرات التي قد تساعد في الإجابة عليه. كما يتطلب الأمر أولاً إلقاء نظرة فاحصة متأنية على أوضاع هذه المؤسسات في مجتمعاتنا في الوقت الراهن ولنبدأ بأوضاع الأسرة.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني