د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

أطفالنا والمستقبل7

نعلم تمام العلم من مختلف المصادر وبشكل خاص مما طرحه أساتذة علوم المستقبليات في التصوارات التي سبق عرضها في قسم سابق من من هذه الدراسة أن أخطر ما يهدد الحضارة الغربية في عصر التكنولوجيا هو تفكك الأسرة وتقلص بل انعدام دورها كأهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية جميعا وأخطرها، والمؤسسة الأولى المسؤولة عن تربية وتنشئة وتنمية الأبناء. كما نعلم بالمطالبات المتعددة لهؤلاء العلماء بإعطاء الأسرة الأدوار التي سلبت منها في عصر التكنولوجيا وجعلها مرة أخرى محور حياة الإنسان في الحلقة الثالثة للحضارة الإنسانية وهي حلقة المعلوماتية.
وعلى الرغم من احتفاظ الأسرة في مجتمعاتنا المعاصرة بكثير من وظائفها على الأقل ما يتعلق منها بالتنشئة الاجتماعية للأبناء بمختلف جوانبها وأهدافها، إلا أن الشىء الخطير الذي نلاحظه في مجتمعاتنا تمس المعاصرة مؤخراً هو اتجاهنا المتزايد والمتسارع نحو العزلة والابتعاد وعدم ترابط الأسرة وتماسكها، وتقلص دورها بشكل عام عما كان عليه من سنوات قليلة سابقة. وهذه واحدة من أهم ما يواجه الأسرة والطفل من تحديات والسبب في ذلك أن هذه التغيرات الخطيرة في بناء مجتمعاتنا ووحدة كيانها، وبشكل خاص ما يتعلق بسلامة النواة الأساسية بها ألا وهي الأسرة أعز وأقيم وأقدس ما يتوفر لدينا والوحدة التي إن قدر لنا النجاة فسيكون ذلك بعد مشيئة اللْه طبعا بسبب تماسكها وبقائها وسلامتها.
بالإضافة لهذا الخطر الأساسي والعميق الذي يهدد مجتمعاتنا وسلامة الأسرة فيها، هناك كذلك انتشار الأمية بشكل عام والأمية الثقافية والعلمية لدى قطاعات عريضة من الأسر في مجتمعاتنا. هذه الأمية بأشكالها المختلفة تساعد على انتشار الأشكال المختلفة من الفكر الخرافي من جهة كما أنها تحول دون تمكن الأسرة من القيام بالأدوار اللازمة لتعليم الأطفال وتثقيفهم والسعي لتنميتهم في مختلف جوانبهم العقلية واللغوية والاجتماعية والانفعالية وغيرها.
وأخيراً هناك قطاعات عريضة من الأسر في مجتمعاتنا لا تعاني من الأمية بمختلف أشكالها إنما تعاني من عدم تفرغها للأبناء سعيا وراء زيادة موارد الأسرة وتأمين الدخل اللازم للإنفاق على الأسرة بكافة أعضائها، هذا بالإضافة لعدم وعي ومعرفة قسم آخر من الأسر بما يجب على الأسرة القيام به لإعداد الأطفال للمستقبل.
الأسرة في مجتمعاتنا المعاصرة كما يتضح مما سبق عرضه غير قادرة وغير مستعدة لتحمل والقيام بما يلزم لإعداد الأطفال خلال السنوات الأولى من عمرهم، بما يحقق ما هو مطلوب منهم وضروري للعيش في مجتمع القرن الحادي والعشرين والتنافس فيه. لذلك يمكن القول بأن من أهم التحديات التي تواجهنا لإعداد أطفالنا للمستقبل التحدي الخاص بإعداد الأسرة وإرشادها وتوجيهها وتمكينها من تقديم ما يلزم لإعداد الأطفال لمواجهة تحديات المستقبل.
ماذا عن بديل الأسرة المتوفر للأطفال خلال مرحلة ما قبل المدرسة في بلادنا، هل ما يتوفر للأطفال في بلادنا من دور حضانة ورياض أطفال بديلاً للأسرة خلال هذه المرحلة العمرية كافٍ ؟.
وهل ما يتوفر جيد بدرجة كافية ؟.
هذه المؤسسات المفروض أن تكون بيئات صالحة للتعليم وتعليم التفكير والنمو السوي والتنمية الجيدة الملائمة ؟.
هل هي متوفرة  للجميع أو على الأقل لمن لا يلقى رعاية الأسرة ؟.
هل هي قادرة على تعويض دور الأسرة والقيام بدورها التربوي ؟.
وهل تتوفر بها المعلمة المؤهلة المدربة التي تستطيع أن تأخذ بيد الأطفال وتنميهم وتعلمهم كيف يفكرون وكيف يُعَلِّمون أنفسهم ؟.
أسئلة عديدة لا نجد إجابات كافية عنها وإن كان في أذهاننا بطبيعة الحال بعض الإجابات المحتملة والتي تشير في مجملها لعدم كفاية وعدم جودة ما يتوفر من جميع هذه الأشياء للصعيد الأعظم من الأطفال في مجتمعاتنا. 
هذا بالنسبة للأسرة فماذا عن المدرسة ؟
المدرسة، هي المؤسسة التربوية الأولى وثاني مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي ينتظر أن تكمل دور الأسرة وتدعمه وتضيف له البعد التربوي المطلوب لإعداد الأطفال لكافة ما ينتظرهم في المستقبل من تحديات كما سبق التوضيح.
المدرسة في بلادنا تواجهها تحديات عديدة :
هناك محاولات متكررة للتطوير لكنها كما نعلم جزئية ولا تمس جوهر العملية التعليمية أنتم أو على الأقل التربويون من حضراتكم أدرى بها مني.
ـ هناك كثرة الإعداد وازدحام الفصول.
ـ هناك نقص الموارد.
ـ هناك عدم تأهيل المعلم التأهيل اللازم.
ـ هناك تخلف المقررات الدراسية.
ـ هناك عدم كفاية الأماكن للجميع.
ـ هناك مناهج عقيمة تعتمد على الاستظهار والحفظ لا على الفهم والتفكير وحل المشكلات وغيرها من الاستراتيجيات التربوية الحديثة.
ـ ما الهدف من التربية اليوم ؟
ـ كيف يتحقق ؟
ـ ما دور المدرسة ؟
هل تستطيع مدارسنا بأوضاعها الحالية أن تقوم بإعداد الأطفال والتلاميذ الإعداد اللازم لتمكينهم من مواكبة العصر واللحاق به والتنافس مع الآخرين.
هل هي المدرسة المستعدة للقرن الحادي والعشرين التي سبق تحديد أهم ما يلزم أن تقوم به لإعداد الأطفال  للمستقبل وإكسابهم الخصائص والمواصفات اللازمة له كما حددتها تنستال في قسم سابق من هذه الدراسة ؟.
الإجابة هي بالنفي قطعاً على الأقل بالنسبة لما يتوفر للقطاعات العريضة والصعيد الأعظم للأطفال والتلاميذ والطلاب في مجتمعانتا.
 
4.أهم سبل وطرق النهوض بهذه المؤسسات وتطويرها ورفع كفاءتها وتفعيل دورها لتمكينها من القيام بالأدوار والأعباء المطلوبة منها لتحقيق إعداد الأطفال للمستقبل.
نظراً لأن جهود إصلاح التعليم جهوداً لا حصر لها ولا نهاية، وتزيد كثيراً عما هو مطلوب لتحقيق أهداف هذه المدرسة، سنكتفي هنا بتقديم عرض موجز لأهم طرق وسبل النهوض بالأسرة وتطويرها ورفع كفاءتها وتفعيل دورها وإرشادها وتوجيهها لتمكينها من القيام بالأدوار والأعباء المطلوبة لإعداد الأطفال  للمستقبل.
بسبب ما لوحظ من تزايد الإدراك والتقدير لأهمية تأثير الأسرة وتعاظم هذا التأثير حديثاً وتعدد ما يمكن أن تقوم به الأسرة المعاصرة من تأثيرات هامة بالنسبة لأطفالها. فقد اتجهت أعداد كبيرة من الدراسات والبحوث والمشروعات البحثية القومية التي أعدت وطبقت في مختلف دول العالم وبشكل خاص في الدول المتقدمة لدراسة التأثيرات المختلفة للأسرة وتقديم كل ما يمكن للأسرة لتمكينها من القيام بهذه التأثيرات وزيادة كفاءتها وفعالياتها في تأديتها.
وباستعراض أهم ما توفر من هذه الدراسات الحديثة(8) وجد أنها سارت في عدة اتجاهات لعل أهمها ما يلي :
1. دراسات حاولت وضع وتصميم وتطبيق مناهج ومقررات وبرامج تربوية تنموية تعتمد على ضرورة مشاركة الأسرة مع المؤسسات التعليمية في كافة مراحل تطبيق هذه البرامج وبمختلف المراحل التعليمية، وبشكل خاص مرحلة الرياض والمرحلة الإبتدائية.
والملاحظ أن الصعيد الأعظم من الدراسات والبحوث التي توفرت قد وضعت الهدف السابق ضمن أهدافها الأساسية.
2. دراسات وبحوث حاولت تحديد أهم الكفايات والمهارات اللازم توفرها في الوالدين للتمكن من القيام بأدوار الوالدية بنجاح وفعالية.
3. دراسات وبحوث حاولت التوصل لأفضل السبل والطرق والوسائل التي تساعد على وتضمن زيادة التعاون بين الوالدين والمؤسسات التعليمية عند مختلف المراحل والأعمار.
4. دراسات وبحوث سعت لإعداد وتطبيق والتحقق من فعالية البرامج التدريبية للوالدين ومن يرعى الطفل عند مختلف المراحل التعليمية وبشكل خاص مراحل الرياض والمراحل الإبتدائية.
5. دراسات وبحوث سعت وتمكنت من إعداد الأدلة الإرشادية  Manuals, Guides لمساعدة الوالدين وأحيانا من يرعى الطفل على القيام بمختلف الأدوار اللازمة لتحقيق الرعاية السليمة والنمو السوي والتنمية الجديدة للأطفال في مختلف جوانبهم.
ونقدم فيما يلي عرضاً شديد الاختصار لأهم ما توصلت له هذه الدراسات من نتائج واستنتاجات عامة قد تفيد معرفتها في التوجه للأسرة في مجتمعاتنا.
ومن أهم هذه النتائج والاستنتاجات العامة ما يلي :
1. تمكن الصعيد الأعظم من هذه الدراسات من إعداد وتطبيق المناهج التربوية التنموية التي تعتمد على ضرورة مشاركة الأسرة مع المؤسسات التعليمية في كافة مراحل تطبيق هذه البرامج، وبشكل خاص بالنسبة لأطفال الرياض والمرحلة الابتدائية.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني