د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

التربية العربية1

المناهج التعليمية
"وراء كل أمه عظيمة منهج تربوي عظيم"
أعتقد أنه لا أحد يخالفني الرأي في كون المناهج التربوية العربية هي مناهج كلاسيكية وتقليدية على الرغم من كل عمليات الإصلاح والتجديد الآني غير المعتمدة على رؤى مستقبلية تمتد إلى عقدين من الزمن على الأقل.  من هنا تنحو مناهجنا التعليمية إلى النزعة الماضوية التي لا تتماشى مع احتياجات الفرد والمجتمع والتحديات الحالية وامتداداتها المستقبلية.  وفي الحقيقة، إن المناهج التربوية العربية بشكل عام لا تعدو كونها مناهج حكومية تمثل وجهة نظر السلطة الحاكمة المرتبطة بكثير من الاتفاقيات والبروتوكولات مع دول المركز، التي تسعى دوماً لنيل رضاها من أجل إضفاء الشرعية على نظامها الحاكم، وفي الوقت نفسه، ذهبت بعض الدول إلى تبني مناهج تربوية غريبة عن محيطها الاجتماعي كالمناهج الأمريكية مثلاً التي يعترف أصحابها بأنها مناهج رجعية ومتخلفة أمام المناهج اليابانية، هذا لا يعني تنكرنا لكل ما هو غير عربي، لأنه غير عربي، بل لأن تلك المناهج بتنظيمها وفلسفتها ومحتواها على درجة من الاغتراب والعزلة، إضافة إلى أنها بنيت على أسس اجتماعية وثقافية ونفسية غربية لا تتفق مع خصوصيات مجتمعاتنا العربية واحتياجات أفرادها، من هنا لا بد لنا -كتربويين، وحكومات، ومؤسسات عربية- أن نبني مناهجنا التربوية من صلب ثقافتنا العربية، ووفق معايير خاصة تأخذ بعين الاعتبار حركة الواقع وتطوره، وأهمها:
< بناء مناهج تربوية اعتماداً على حاجات التلاميذ ورغباتهم، وتراعي خصائص نموهم الجسمي والعاطفي والعقلي، وتتفق مع ميولهم واتجاهاتهم، وليست رغبات المستشارين والمختصين.
< بناء مناهج تربوية يشارك فيها المعلمون وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني من نقابات، وجمعيات، وهيئات علمية متخصصة.
< مناهج تحاول ربط المواد النظرية بالتطبيقية العملية في الحياة، جاعلةً من البيئة المادية والاجتماعية مصدراً للتعلم.
< مناهج تراعي الفروق الفردية، تنطلق من حاجات المتعلم وقدراته، وتنظر إلية باعتباره عقلاً وجسداً وروحاً بحاجة إلى الرعاية والتطوير.
< منهاج توفر مساحة من الحرية للمعلم لاستخدام الأساليب والوسائل التعليمية والأنشطة، وتبتعد عن التلقين، ليتمكن من تحقيق الأهداف التربوية المبتغاة.
< مناهج تأخذ من الاشتراكية مبدأ في العمل، وتستوعب التغيرات الثقافية داخل المجتمع في الوقت الذي أصبح الانفتاح على الآخرين أمراً حتمياً في ظل تطور وسائل المواصلات والاتصالات.
< مناهج تربوية تبنى على سياسة تعزيز الوحدة الوطنية والهوية الإسلامية والانتماء الحقيقي لقضايا الأمة.
< تقويم دوري للمناهج التعليمية لمعرفة مدى مواكبتها لروح العصر.
 
البيئة المدرسية
لا شك في أن البيئة المدرسية الجيدة تفضي إلى تعليم جيد يمكن من خلاله تحقيق الأهداف التربوية المرصودة، ولكن تبقى الأوضاع الاقتصادية والإمكانيات المادية للدولة هي الكفيلة بتحقيق بيئة مدرسية متكاملة العناصر من حيث ساحات النشاط والمرافق وسعة الغرف الصفية، إضافة إلى المكتبات والمختبرات وأجهزة الكمبيوتر ووسائل الإيضاح والترفيه.
من الجدير ذكره هنا أن المدرسة العربية بشكل عام، والفلسطينية بشكل خاص، تفتقر لتلك المقومات الرئيسية للبيئة المدرسية إذا ما قورنت بمثيلاتها في البيئات التعليمية الغربية، وذلك يعود لجملة أسباب أهمها:
1. الزيادة المطردة في أعداد الطلاب المنتسبين للمدارس بسبب النمو السكاني السريع مقارنة مع الأعداد المحدودة لتلك المدارس، الأمر الذي أدى إلى وجود حالة من الاكتظاظ داخل الصفوف، ليصل العدد إلى أكثر من 50 طالباً في الغرفة الصفية الواحدة، هذا شكل حافزاً قوياً لبعض الطلبة للتسرب من المدارس والالتحاق بسوق العمل مبكراً دون حصولهم على الحد الأدنى من حقوق العمال.  إن تلك الأزمة دعت الجهات المعنية لاستحداث دوام الفترتين الصباحية والمسائية، مع الإدراك التام لسيئات ذلك النظام، وبخاصة عامل الوقت المتاح لإعطاء الدروس وتطبيق الأنشطة المتعلقة بها، إضافة إلى حرمان الطلبة من الاستفادة من المرافق الحيوية في المدرسة، هذا من جهة، من جهة أخرى تفشت ظاهرة استئجار المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات المدرسة، والملاعب، والتهوية الجيدة، والإضاءة المناسبة.
2. تدني مستوى إنفاق الدولة من ناتجها القومي على التعليم والبحث العلمي، فقد أشار تقرير التنمية البشرية للعام 2002 إلى أن مستوى الإنفاق على البحث العلمي لا يتجاوز 002% من الناتج القومي الإجمالي مقابل ما يزيد على 2% بالنسبة لمعظم الدول الصناعية، وتتراوح النسبة بين 5.2 و5% من الناتج القومي.6  من هنا لا بد من إيجاد إستراتيجية تنموية شاملة تحقق توازناً بين جميع القطاعات، والعمل على قيام مراكز حرفية ومعاهد صناعات قومية تضمن للتعليم فاعليته وقدرته على دفع حركة التنمية العربية إلى الأمام.
 
نحو رؤية جديدة للمعلم في ظل العولمة
لم يبالغ شوقي كثيراً حينما قال "كاد المعلم أن يكون رسولاً"؛ لإدراكه التام لحقيقة الرسالة الإنسانية المقدسة الملقاة على عاتقه والمكانة الاجتماعية التي حظي بها كمصلح ومرشد ومؤتمن على فلذات الأكباد.  إن نجاح هذه الرسالة مرهون بقدرة المعلم على غرس التربية الأخلاقية والثقافية والعلمية في نفوس الناشئة، وتنمية أطرهم المعرفية والمهاراتية، الأمر الذي ينعكس أثره بشكل مباشر على المجتمع وعلى مكوناته المختلفة وصولاً لتطوره ولحاقه بركب الحضارة الإنسانية التي تعيش اليوم حالة المعقول واللامعقول معاً، الممكن وغير الممكن، المتمثلة في العولمة ونتاجاتها المعرفية والتكنولوجية، التي وضعت المعلم على مفترق طرق، فإما أن يكون معلماً منطوياً على نفسه متحوصلاً في شرنقة الماضي الكلاسيكي التقليدي، معتبراً أن وظيفته الأساسية نقل المعلومات وحشوها في أذهان الطلاب من خلال أساليب تلقينية قمعية وتسلطية، وهو مصدر المعرفة الوحيد، والطالب في وضعية المتلقي الخاضع لسلطته التنفيذية، نافياً بذلك دور الجدلية والحوار والندية في تنمية الشخصية وتعزيز استقلالها؛ وإما معلماً ثورياً متحرراً ومتجدداً ساعياً وراء تطوير ذاته، مستخدماً أساليب متعددة وأسلحة غير تقليدية من أجل رفع قدرات المتعلمين واستثارة دافعيتهم نحو القيادة في المجالات كافة، منطلقاً معهم لفضاء الحرية والبحث العلمي، مسايراً لعصر تنفجر فيه المعرفة العلمية والتكنولوجية، وهذا ما تنشده التربية الحديثة، معلماً ذا بصيرة نافذة قادرة على التفاعل مع معطيات عصر العولمة والثورة المعلوماتية، خلافاً للتربية التقليدية التي ساهمت في إنتاج جيل عبارة عن بنوك معلومات متنقلة.  ولكن السؤال الذي يبحث عن صدى جواب هو ما مدى تطبيق هذه المعلومات في الحياة اليومية والعملية وقدرتها على حل ما يعترض حياته من مشكلات في ظل هذا العالم الديناميكي سريع التطور.
 
من هنا تدعو الحاجة إلى إعادة النظر في البنى المعرفية والهياكل التربوية، لاسيما المعلم، لزيادة وعيه الثقافي واستعادة دوره الريادي في المجتمع، إضافة إلى قدرته على توظيف تقنيات عصر العولمة في حياته اليومية والعملية، وإعداده لعالم لم يعد كما كان من أجل إنتاج جيل مبدع مبتكر للمعرفة العلمية يحقق نقلة حضارية نوعية وذلك من خلال:
< الإعداد الجيد والمستمر للمعلمين من أجل التفاعل مع التكنولوجيا وتقنياتها واستغلالهم لكم المعلومات الهائل المتدفق إليهم عبر الانترنت والفضائيات لرفع مستوى العملية التربوية.
< عقد ورش عمل مكثفة للمعلمين تمكنهم من استخدام الحاسوب وتوظيفه في العملية التربوية.
< إدخال العولمة ومضامينها في المناهج التعليمية كي لا يعيش المعلم والطالب في حالة انفصام عن الواقع.
< استقطاب الفئات المميزة من المعلمين للعمل في ميدان التعليم، وتشجيعهم على الإبداع والابتكار.
< العمل على إيجاد قانون يحمي المعلمين ويصون كرامتهم، ويفرض احترامه على الطلبة، ويستعيد من خلاله دوره الريادي في المجتمع.
< مؤازرة المعلمين ورفع مستواهم المعيشي.
 
أشرف البطران
منتدى معلمي إذنا

الهوامش
1  الزيدي، مفيد (2003).  قضايا العولمة والمعلوماتية، عمان: دار أسامة. ص 144 - 145.
2   المصدر السابق.
3  سلامة، يوسف. "تعزيزاً للوعي بقيم الحداثة"، مجلة أفكار، العدد الثالث، ص 3: http://www.afkaronline.org.
4www.nesasy.com/societalissues/2005/09/societalissues-110900501html.
5  الغالي، أحرشاو.  الفكر التربوي المعاصر مقوماته وخصائصه وتفاعلاته من منظور عالمي.  دراسة مقدمة إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص4، شبكة المعلومات الدولية.
6http://www.islammemo.cc/KASHAF/one_news.asp?IDnews=649.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني