د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

الرياضيـات كلـغة1

الرياضيات كلغة لا معنى لها:
إن جزءاً كبيراً من الرياضيات، أكثر مما نتصور، يتم تعليمه بدون معنى. عندما يطلب من الطلاب أن يحفظوا جداول الضرب قبل أن يكون لديهم معرفة بمعنى الضرب واستعمالاته المختلفة، فإن ذلك بالنسبة لنا له معنى، ولكن بالنسبة لهم لا معنى له، فالطالب عندما يحفظ جداول الضرب بهذه الطريقة يعرف أن 7×9=63، ولكنه لا يربط 7×9 لـ 6×9 أو لموقف عملي، وبالتالي فإن حقائق الضرب تكون ليست ذات معنى، وكذلك عندما يقوم الطالب بضرب (3+4س) (2+س)، وليس عنده طريقة لفحص صحة الجواب، يختفي معنى ما يتعلمه.
وتعلم لغة بدون معنى يعد أصعب من تعلم اللغات الأخرى حتى اللغات الميتة منها، لأنها في هذه الحالة تكون بدون سياق أو تداول.
 
الرياضيات كلغة مجردة:
فسر البعض تعليم الرياضيات بدون سياق بسبب طبيعتها التجريدية. ولكن من خلال معرفتنا بلغات أخرى، يمكننا إدراك أن التجريد بحد ذاته لا يكون سبباً بالضرورة للصعوبة في التعلم، فمثلاً الأمانة، القوة أمور مجردة، ولكن يستطيع الطفل بسن مبكرة أن يتعلمها. والمشكلة في الرياضيات أن يتم تعليم التجريدات الرياضية بدون تعليم الدقائق التي أدت إلى هذا التجريد، فعلى سبيل المثال، لا يتم تعليم الأمانة بدون استعمال أمثلة، ولا أمثلة عليها.
 
الرياضيات كاللغة الأم:
إن الطفل يتعلم اللغة من الأسرة بحسب الطريقة التي تتحدث فيها معه، فإذا تحدثنا معه حديث أطفال صغار، فسيتعلم أن هذه هي لغته، وإذا لم نستعمل جملاً كاملة، فإن الطفل لن يستعملها أيضاً، هذا لا يعني أننا يجب أن نتحدث معه لغة الكبار، لأنه لا يوجد لديه القدر الوافي من الكلمات ليفهم، ولكن إذا أردنا أن يتعلم لغة الكبار يجب أن نعوده قدر الإمكان على هذا الشكل من اللغة.
وبهذا المنطق، فإننا نقول إنه يجب إزالة الحواجز المصطنعة التي تمنع من مناقشة الكسور والأعداد السالبة في الصفوف المبكرة، والتي تبقي الجبر على الرف حتى المرحلة المتوسطة، والتي تتجنب التفاضل والتكامل في المراحل العليا من المدرسة عند البعض. إذ أنه بدون التعرض لهذه المواضيع وغيرها، لن يتم تعلم لغة الرياضيات بسرعة.
 
إن الطلاب يتعلمون القراءة بشكل أفضل عندما يقرأون القصص، وعندما يعطون مادة للقراءة التي تتعدى مستوى قراءتهم، وأيضاً في الرياضيات فإن الطلاب لا يتقدمون رياضياً إلا إذا تعرضوا لخبرات وتطبيقات تتعدى ما يعرفونه، وفرص لتطبيق الرياضيات بصورة ليست محددة بأعداد يجرون عليها عمليات حسابية بدون أخطاء.
 
ومن بين كل اللغات، تعتبر اللغة الأم لدى الفرد هي الأسهل للتعلم، وبالتالي فإن التعامل مع الرياضيات كلغة أصيلة وتوسيعها على نطاق عالمي، هو بمثابة نعمة لتعليم الرياضيات، لأن ذلك يعني أن كمية الرياضيات الحياتية التي يتم إعطاؤها للطالب خارج المدرسة ستكون أكبر، ولأن رياضيات أكثر ستكون جزءاً من مخزونه اللغوي. أيضاً، وعلى خلاف اللهجات المتعددة للغات، فإن لغة الرياضيات المكتوبة هي نفسها لأغلبية شعوب العالم، إن هذه القاعدة الواسعة للرياضيات تبشر بمستقبل يفهم فيه الفرد العالم ويتواصل فيه بشكل أسهل.
 
اللغة والتعلم في الرياضيات المدرسية:
مما سبق، نستطيع أن نقول إن الرياضيات يمكن أن تعتبر لغة لأسباب عدة، ومن جهة أخرى يمكن اعتبار الرياضيات ممارسة اجتماعية يستعمل فيها كلٌّ من المعلم والمتعلم اللغة كمصدر لبناء معانٍ رياضية. وتلعب الدلالات الاجتماعية والمعاني والسياقات الرياضية والحياتية دوراً مهماً في تعليم الرياضيات ضمن إطار لغوي (Chapman, 1993).
 
الدلالات الاجتماعية:
إن مصطلح "الدلالة الاجتماعية" (social semiotics) يركز على التفاعل الاجتماعي، وعلى الطريقة التي يقوم بها الناس ببناء أنظمة من المعاني. إن الدلالة الاجتماعية تصور "المعاني" كعملية نشطة، تتولد من خلال التفاعل الاجتماعي. ويؤكد هذا المصطلح أن المعاني يتم صنعها، وأنها لا توجد كأشياء أو حقائق محسوسة، إلا من خلال نظام من الإشارات.
يشير الكثيرون إلى أن الرياضيات تعتبر نظاماً ذا دلالات، ومن الواضح أنه نظام من الإشارات والرموز التي يمكن للناس أن تعطيها معاني مختلفة في السياقات المختلفة.
 
اللغة والرياضيات:
يوجد الكثير من المصطلحات اللغوية التي تم استخدامها في الرياضيات مثل عرف، نتيجة، عملية، علاقة، تبسيط، يتزايد، يتناقص، ثابت، وغيرها الكثير ... وهي مصطلحات لغوية شائعة، ولكن لا يمكن النظر للغة الرياضيات كمجموعة من المصطلحات التي نحصرها ونعرفها، وإنما يجب أن نعرف العلاقات والمعاني بين هذه المصطلحات بدرجة إتقان جيدة، وعلاقتها بالحياة اليومية والمنفعة العملية.
كما تتضمن اللغة في الرياضيات المدرسية نوعين؛ الرياضيات المحكية والرياضيات المكتوبة، اللتين يكثر فيهما استخدام الرموز والتعابير التخصصية.
 
المعنى والسياق:
يلعب السياق دوراً مهماً في إكساب المعنى: فالمقتطعات الثلاثة التالية:
مثال 1: المعلم: "حاولوا أن تعرفوا ماذا ستفعلون بهذه القصص؟ وما هي الأمور المشتركة بين هذه القصص؟ وما هي الاختلافات؟".
مثال 2: المعلم: "حسناً، تقدموا في الحل خطوة خطوة، تذكروا أن تسموا المحورين".
الطالب: "هل نعين جميع النقاط؟".
المعلم: "طبعاً، ولكن تسمية المحورين هو ما أبحث عنه".
مثال 3: المعلم: "حسناً، أكملوا هذه الخريطة، ثم سموا الحدود".
 
تعكس الوضع الذي حدثت فيه، وليس من الصعب أن يستنتج القارئ أن الأمثلة الثلاثة هي لثلاثة مواضيع مختلفة؛ إنجليزي، ورياضيات، وجغرافيا. والنقطة التي يجب إبرازها هنا هي أنه من أجل أن نفهم الممارسات اللغوية في الصف من الضروري أن نفحص الطريقة التي قيل فيها شيء ما بالإضافة إلى ما تم قوله.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني