د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

متطلبات الدمج1

الفروق الفردية بين الطلبة تعني شمول العملية التربوية والتعليمية فئات متباينة من الطلبة  داخل المجتمع الصفي
ويتماشى ذلك التصنيف مع نظرية الفروق الفردية التي تعتبر أن لكل فرد من الأفراد، سواء في المجتمع المدرسي أم في المجتمع المحلي، خصائصه الجسمية، والنفسية، والعقلية الفريدة التي تميزه عن باقي أفراد ذلك المجتمع.
وقد توصل وكسلر من خلال تطبيق اختبار الذكاء على عينة كبيرة من مجتمع الدراسة تمثيلاً صحيحاً أن توزيع درجات أفراد العينة يأخذ المنحنى الاعتدالي التالي، الذي يُعتبر تمثيلاً واقعياً لكل مجتمع، وذلك كالتالي (القريطي:2001، 22)، و(سليمان:2001، 31):
فغالبية المجتمع (68.26%) يتركزون في منطقة المتوسط من المنحنى (100)، أي بين (85)، و(115) درجة، كما في الشكل السابق، والباقي مُوزع على الأطراف بين قصور وزيادة.
وإزاء ما سبق ينبغي ملاءمة البرامج التعليمية/التعلمية بما يناسب الفروق الفردية بين الطلبة، حتى نصل إلى مرحلة تفريد التعليم.  ولذا؛ سوف نخوض في متطلبات دمج فئة المتفوقين، وبخاصة في المجتمع الصفي؛ لما سيلاقونه من إحباط إذا لم يشعروا بأن العملية التربوية والتعليمية تخاطب مستوياتهم المعرفية والشعورية والمهارية.
ونود التأكيد على أن هذا الموضوع هو إحدى حلقات العمل مع ذوي الحاجات الخاصة، ويتكون من مراحل عدة، وسوف لا نناقش في هذه المقالة كيفية تحديد فئة المتفوقين، لأننا سنتركها لنشاط آخر في برنامج مهني متكامل.  لذا؛ سنعمل في هذه المقالة على تحديد متطلبات العمل مع المتفوقين عند تحديد هويتهم لدينا نحن المعلمين؛ سواء أكان ذلك في فصول متجانسة أم غير متجانسة مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل تصنيف.
ولتحقيق متطلبات دمج المتفوقين في المجتمع الصفي، لابد من تكامل عناصر العمل التربوي والتعليمي داخل الصف المدرسي وخارجه.  فعناصر العمل التربوي والتعليمي تعمل بما يخدم كل منها الآخر، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.  ويمكن أن نمثل تلك العناصر ومتطلبات العمل التكاملي معها كما في الشكل التالي:

وسنعرج على تلك العناصر باختصار، وذلك كما يلي:
أولاً: مدير المدرسة القائد
فمدير المدرسة قائد تربوي يشرف على إيجاد برنامج تربوي مدرسي يخاطب فئات الطلبة كافة، سواء داخل حجرة الصف أو خارجه في البيئة المدرسية المحيطة، كما ينتقل أثره إلى البيئة المجتمعية خارج المدرسة من خلال التفاعل مع أولياء الأمور والعناصر المهتمة والمتأثرة بالعمل المدرسي، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.  وذلك بالتوجيه والإرشاد للقيام بمسؤولياته في الإشراف العلمي والعملي المُناطة بإدارته المدرسية.
ففاعلية الإدارة المدرسية تتحدد - إلى حد كبير- بمدى فاعلية مديرها؛ فهو الرأس المدبر، والعقل المفكر، والشخصية الموجهة لكافة العناصر البشرية والمادية المُتاحة؛ لإنجاز الأهداف والغايات التي وُجدت من أجلها (أبو عودة: 2004، 1).
ومدير المدرسة يعمل مع المعلمين بصفته مشرفاً تربوياً مُقيماً على إيجاد البرامج والأنشطة التي تناسب القدرات العقلية والمهارية لكل فئات الطلبة دون استثناء، باعتبار أن العملية التربوية والتعليمية حق لجميع الطلبة دون استثناء، كما يشارك المعلمين لأجل ذلك في بناء الخطط التي ترتكز على تخطيط السياسات والأهداف، من خلال فلسفة واضحة المعالم، وعلى قاعدة تفويض السلطات، وصنع القرار المشارك، ومناخ العلاقات الإنسانية.  ولا يتحقق ذلك إلا من خلال العمل الفريقي المدرسي المتكامل في الأدوار، والواجبات، والمهام.
وخلاصة القول إنه ينبغي على مدير المدرسة أن يكون ملماً بأساليب بناء المنهاج، وبخاصة للمتفوقين، ومتدرباً على كيفية التعامل معهم، ومُطلعاً على استراتيجيات تعليمهم وتعلمهم، ويبني خططه وعلاقاته داخل المدرسة وخارجها، ومُحفزاً ومُفعلاً لإجراءات الإفادة من كافة عناصر العمل المدرسي المتوفرة، وبخاصة المعلمين بأقصى درجة مُمكنة تجاوزاً للحد الأدنى.
 
ثانياً: توفر معلم مُعد
وقضية إعداد معلمي المتفوقين تتطلب برامج خاصة تأخذ بعين الاعتبار مستوى قدرات ومهارات هذه الفئة من الطلبة.  ومن البديهي ذكره أن تعليم الطلبة المتفوقين يتطلب معلماً متفوقاً.  فالمعلم هو المرشد والموجه للطلبة.  فهو أمل الطلبة جميعاً، وبخاصة المتفوقين منهم الذين يأملون منه أن يضيف إليهم زيادة عما عرفوه من المقرر الدراسي قبل قدومهم لحضور حصة الدرس، وذلك بما يمتلكونه من قدرات ومهارات عالية بالبناء.
لذا؛ يمكن وصف معلم المتفوقين بأنه المبدع الذي يتحدى عقول المتعلمين، ويقيم علاقات ناجحة معهم، ويثري دافعيتهم، ويحول درسه من مجرد مثيرات واستجابات إلى موقف إنساني فيه الدفء، وفيه التقنية والكسب، وفيه العواطف، والانفعالات، لكي يستمر المتعلمون في حالة من النشاط العقلي، والقدرة الدائمة على اختيار الوقت المناسب لتعديل نغمته وسرعته في الدرس (الرفاعي، 1994، 216).
وقد حدد هانسن (22 Hansen 1988,) المهارات التعليمية التي يتصف بها معلم المتفوقين الناجح في أنه يستخدم الوسائل التعليمية، ويؤكد على تفعيل مهارات التفكير العليا، ويزود الطلبة بخبرات متنوعة، ويستخدم أسلوب المناقشة بكثرة، ويعطي أهمية أقل للدرجات، ويستخدم أقل أسلوب المحاضرة.
والمعلم في هذه الحالة يقع عليه عبء كبير في كيفية الكشف عن الطلبة المتفوقين الذين يمكن وصفهم بأنهم طلبة متفاعلين، يحوزون على قدرات ومهارات أعلى من أقرانهم في نواحٍ عدة، وهم الذين يعطون الحياة في المجتمع الصفي نشاطاً وحيوية دائمة خلال عرض الدرس.  فالطلبة المتفوقون يمكنهم قيادة الآخرين في جعل حصة الدرس كخلية النحل التي لا يهدأ لها دوي.  وعلى المعلم أن يدرك أن الطلبة المتفوقين يكثرون الأسئلة في سبر أعماق موضوعات الدراسة.  وعلاقته مع المعلم علاقة إشباع من جميع النواحي؛ العقلية، والنفسية، والجسمية.
 
ثالثاً: منهاج يتسم بالتنوع والتجدد
فالمنهاج المتنوع يناسب مختلف قدرات ومهارات الطلبة، والحاجة ليست في التنوع كيفما كان، وإنما أن يكون ذلك التنوع مدروساً ومُخططاً ليشمل تحفيزات التنشيط الذهني التي تناسب قدرات ومهارات المتفوقين المتنوعة أيضاً.
ويحتوي منهاج المتفوقين على برامج متنوعة، وأهمها:
1- البرامج الإثرائية (Enrichment)، وتتميز هذه البرامج بأنها:
 تسمح للتلميذ أن يبقى مع أقرانه، وهذا يعطيه الفرصة لممارسة القيادة وإنمائها.
 تجويد عمل المعلم أثناء محاولته تطوير أساليبه في التدريس لتتناسب مع حاجات المتفوقين داخل الفصل.
 خفض النفقات، لأن الإثراء داخل الصفوف العادية أقل تكلفة من نظام المدارس والفصول المستقلة (الشخص: 1990، 119)
2- البرامج الإسراعية (Acceleration)؛ وتُبنى هذه البرامج على أساس أن التلميذ لديه سرعة استيعاب وفهم وتعلم معينة، وبما يمكنه من إنهاء البرنامج الدراسي في زمن أقل، وسن مبكرة عن أقرانه العاديين.(كامل: 2000، 127)
ولكل من تلك البرامج إيجابياتها ونواقصها.  والمتفق عليه أن كلا المنهجين يُقران بأهمية الفروق الفردية بين الطلبة، وأهمية تدريس كل منهم بما يناسب قدراته ومهاراته، أي سرعته في التعليم والتعلم.
كما لا يكفي التنوع في مواد المنهاج الدراسي للنهوض بالطلبة المتفوقين؛ بل ينبغي أن تواكب التجدد باستمرار في مواصلة البحث عما توصلت إليه الدراسات المتعمقة في موضوعات الدراسة المختلفة، وذلك ليبقى هؤلاء الطلبة في تواصل مستمر مع التحليلات والتفسيرات المتجددة التي تتيح لهم عصفاً ذهنياً مستمراً.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني