د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

التفكير الابداعي6

 10- هل للوراثة والبيئة تأثير على الإبداع؟
 
يعتقد بعض الباحثين أن  الأثر الكبير على الذكاء يكمن في البيئة، أي التربية. وبما أن العلاقة بين الذكاء والإبداع علاقة متينة، إذن فما ينطبق على الذكاء ينطبق على الإبداع.
وهناك من يعتقد أن للوراثة أثراً كبيراً على الإبداع، بدليل أن هناك العديد من الأطفال يُبدعون في المجالات التي ُيبدع فيها آباؤهم وأمهاتهم.
وسواء كان للوراثة أو للبيئة تأثير على الإبداع، فإن ما يهمنا هو ما نستطيع أن نوفره للشخص لكي يصبح مُبدعاً، أو ليطوّر إبداعاته.
فمما لا شكّ فيه أن التفكير الإبداعي يحتاج إلى بيئة مشجعة ومحفزة، سواء ورث الطفل ذلك أم لم يرثه.
وهناك مقولة، تؤكد ، بأن في قلب كل فرد روحاً مبدعه. فإذا ما توفرت البيئة الملائمة، والمشجعة على الإبداع، فإن تلك الروح تتألق وتزدهر.
ومن أجل ذلك، فإن الأطفال بحاجة لأن تكون البيئة المدرسية والأسرية، غنيّة بكل ما يحتاجونه، وبكل ما من شأنه أن يدفع بهم إلى النمو نفسياً وعقلياً وجسدياً ووجدانياً واجتماعياً، ليبدعوا في واحدة أو أكثر من مجالات الإبداع المتعدّدة.
وهم يحتاجون بشكل خاص، إلى نظام مدرسي، ومنهاج مدرسي يُعطيهم ويُعطي معلميهم مساحة كافية من الحرية، التي تسمح لهم بالطلاقة في التفكير، وبإجراء التجارب، وبالتأمل، وبالمطالعة الحرة، وبإعداد البحوث والدراسات، وبالاكتشاف، وباللعب ، وبالاستماع إلى الموسيقى، وبالاستمتاع بقراءة الشعر وممارسة الرسم والكتابة الإبداعية، وبتبادل الأفكار والآراء عن طريق النقاش الهادف والعصف الفكري،  الذي يُحوّل الأطفال إلى شعلة من النشاط الذهني المتوقد، والعيون البرّاقة، والقلوب السعيدة أثناء مشاركتهم الفاعلة في جميع الأنشطة والأعمال المدرسية التي يقومون بها برغبة ومحبة.
 
يقول رون هبارد (1996) " إن أفضل أساليب التعلّم هي أن يشعر الطفل بأنه يحبّ كل عمل يقوم به، وكل شخص يشاركه في ذلك العمل".
        وسواء كان الطفل مبدعاً بالوراثة أم بتأثير البيئة، فلا بدّ له لكي يستمرّ ويطوّر تفكيره الإبداعي، من بيئة ثرية تشحن قدراته وترتفع بها إلى الأعلى. " فالمطلوب في هذا العصر مبدعون ومبتكرون ومكتشفون، وأناس لديهم القدرة على التخيّل وسرعة التغيير ". (بهاء الدين، 2003، ص 178).
 
 
11- هل هناك علاقة بين الإبداع والقيادة؟
 
        في كتابه ( المائة )، يشير الكاتب (هارت، 1985) إلى الإسهامات الخالدة التي قدمها هؤلاء الأشخاص المائة للثقافة الإنسانية، لا في عصرهم فحسب، وإنما في العصور التي تلته.
إن هؤلاء الأفراد البارزين من المبدعين والقادة، يشتركون في امتلاكهم لخاصيّة العبقرية. وهذه العبقرية تقاس من خلال مقدار التأثير الذي خلفته على المعاصرين واللاحقين.
وتعريف العبقرية لا يميزّ بين الإبداع والقيادة. فحين نضع أشهر المبدعين وأشهر القادة تحت الفحص، فإن ذلك الفرق بين الإبداع والقيادة يختفي، لأن الإبداع يُصبح شكلاً من أشكال القيادة. فالمبدعون هم قادة ثقافيون.
وقد كان لأفكار آينشتاين النظرية تأثيرها البالغ على زملائه من علماء الطبيعة بشكل خاص، وعلى المجتمع العلمي بشكل عام. وكذلك كان تأثير بيتهوفن على الموسيقى وميكل أنجلو على النحت وشكسبير على الدراما، تأثيراً كبيراً في زمانهم هم، وفي الأجيال التالية لهم.
       فالمبدعون المشهورون، هم قادة في الشؤون الفنية والعلمية.
    (سايمتن،1993، ص15).
 
       ونحن لو استعرضنا الإنجازات التي قدّمها المبدعون على مدار التاريخ، لأدركنا تأثيرها المباشر وغير المباشر على الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل. حتى أننا نكاد نراهم ونسمعهم ونتمثلهم أمامنا.
        وسواء كان هؤلاء الأشخاص مبدعين في المجال السياسي أو الفني أو العلمي أو غير ذلك، فإن تأثيرهم علينا يظلّ كبيراً.
        وأهم ما يميزّ هؤلاء المبدعين، أنّ تأثيرهم لا يقتصر على شعب دون آخر، وإنما يمتدّ ليشمل جميع شعوب العالم.
        ولو تتبعنا التاريخ، لعرفنا كم كان للعرب تأثير على الثقافة الأوروبية في مجال الطب والفلك والموسيقى والرياضيات وغيرها من الفنون. وفي الوقت نفسه، تأثرنا نحن العرب بالإنجازات التي حققها مبدعون عالميون من شعوب أخرى.
        وأيّ إنجاز يُقدَّم للبشرية ويجري تعميمه، يتحوّل إلى فكر أو علم أو فن، يمتزج في العقل الإنساني للفرد، حيث يتحول إلى جزء حميم من فكر وعلم وثقافة ذلك الفرد.
        وأي اختراعٍ مبدع، يتحوّل إلى أداة يستخدمها الآخرون، أو يقودهم إلى تطويره والبناء عليه في مزيد من الاختراعات التي تخدم البشرية كلها.
        وليس غريباً إذن أن يُعتَبر المبدعون قادة الحاضر والمستقبل، للأجيال المتعاقبة. وكلما كان إنجازهم أكثر أهميّة، كان حضورهم أكثر تأثيراً. حتى أن برامز، وهو أحد المبدعين في الموسيقى، فسّر توقفه عن كتابة إحدى سيمفونياته مدّة اثني عشر عاماً بقوله:" إنك لن تستطيع أن تعرف كيف يشعر أمثالنا، عندما نسمع وقع أقدام عملاق مثل بيتهوفن خلف ظهورنا"  (سايمتن، 1993، ص15).
        مما يشير إلى أن هؤلاء المبدعين يظلون حاضرين في أذهان من يتأثرون بإنجازاتهم على مدى الزمان والمكان.
 
 12- الإبداع الفردي والجماعي:
 
        هل يقتصر الإبداع على الفرد دون الجماعة؟
        لقد كان المفهوم سابقاً بأن الإبداع يكون فردياً لأن الذي يقوم به فردٌ واحدٌ.
        أما فيما بعد، فقد تغير هذا المفهوم، خاصة في مجال البحث العلمي. حيث أنه يمكن لمجموعة من المبدعين إنجاز اكتشافات أو اختراعات قدّموها معا،ً بجهودهم وأفكارهم وبالتعاون فيما بينهم.
كما يُمكن لمجموعة من الفنانين التشكيليين أن يشتركوا في إنجاز جدارية ضخمة. وهكذا.
        إذن، فالإبداع يُمكن أن يكون فردياً كما في الشعر، أو جماعياً، بحيث يشارك فيه مجموعة من الأشخاص المبدعين كعمل مشترك، كما في الهندسة أو الفن التشكيلي أو الأبحاث الطبية. وقد يُشارك فيه عدد كبير من الأشخاص، كما في العروض الرياضية، أو عزف السيمفونيات العالمية أو المسرح أو الأفلام ذات المستوى الرفيع.
        ونحن في فلسطين قد أبدعنا في جميع هذه الأنواع ، خاصة خلال الانتفاضة الأم وانتفاضة الأقصى الحالية. فلأوّل مرّة في تاريخ الشعوب المستعمَرة أو المُحتلَّة، نجد شعباً بكامله يتحوّل إلى خلية نحل، فيتعاون ويقدّم كلّ أشكال الإبداعات والتضحيات من أجل هدف واحد نبيل مشترك، هو الدفاع عن الحريّة.
        ولم تقتصر إبداعات الشعب الفلسطيني على نوعٍ محدّد من الإبداع، فهناك الإبداع في رتق النسيج الاجتماعي، وهناك الإبداع الفني والأدبي، وهناك الإبداع النضالي الذي شارك فيه الطفل إلى جانب العجوز، والمرأة إلى جانب الرجل. والذي تحوّل إلى سيمفونية خالدة في قلوب جميع شعوب العالم. 
 
13- هل للسن تأثير على الإبداع؟
 
        اخترع باسكال آلة حاسبة وهو في الثامنة عشرة من عمره. كما اخترع سكاي دايتون، أحد الطلبة في مدرسة دلفاي بلوس انجلوس، شبكة ( earthlink ) الدولية وهو دون الثامنة عشرة. وكان قد بدأ شركته بموظفين اثنين أو ثلاثة، وهي الآن تضمّ أكثر من (1200) موظفاً وموظفة.
صحيح أن العديد من الاكتشافات والاختراعات تمت في سنّ مبكرة من مكتشفيها. إلا أن هذا لا يتعارض مع وجود عمالقة في الأدب والموسيقى وغير ذلك، ممن كانوا يزيدون عن السبعين والثمانين من أعمارهم ، أمثال غوته وبيتهوفن ومارك توين من الأجانب، وعمر الخيام وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم من العرب والمسلمين.
        أي أن الإبداع يمكن أن يحصل في فترات عمرية واسعة، فهو قد يبدأ من الخامسة عشرة أو أقل، ويمتّد إلى التسعين. إذ لا توجد حدود معينة في ذلك . وأفضل مثال على ذلك الفنان الإسباني الكبير بابلو بيكاسو، الذي واصل نشاطه الإبداعي في الفن التشكيلي إلى ما بعد التسعين، وكذلك الكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل للآداب.
        وتشير معظم الدراسات والأبحاث إلى أن سمات الإبداع تظهر لدى الأطفال قبل المرحلة الثانوية. ثم تقوى وتزدهر في المرحلة الجامعيّة. أما النتاجات الإبداعية في مجال الشعر والموسيقى، فيمكن أن تظهر في سن مبكرة. وعلى سبيل المثال، فقد قاد موزارت أوبرا في ميلانو وهو في الرابعة عشرة من العمر، أما إينسكو، فقد ألف " أسلوب القصيدة الرومانية وهو في سن الخامسة عشرة.
        ومن جهة أخرى، فقد أبدع فيردي أوبرا فالستاف وهو في سن الثمانين، أما غوته ، فقد أتمّ الجزء الثاني من كتاب فاوست وهو في الثانية والثمانين.
        إلا أن المعطيات التي أوردها ليمان وآخرون، تبين أن النتاجات الإبداعية تنمو باستمرار حتى الثلاثين إلى الأربعين من العمر، ثم تهبط تدريجياً.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني