د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

العوق الفكري

>>  العوق الفكري  <<

تقييم وتشخيص الأشخاص ذوي الإعاقة العقلية

الكاتب : روحي مروح عبدات

القراء : 160

يحتل موضوع تقييم الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية أهمية كبرى لدى العاملين في مجال الإعاقة، لما له من دور كبير في تحديد الخدمات التربوية والتعليمية التي سوف تقدم للطفل ضمن الخطة التربوية الفردية، وذلك بعد التعرف على قدراته العقلية وجوانب القوة التي يمتلكها هذا الطفل لتعزيزها واستثمارها في أوجه نموه الاجتماعي والنفسي والتعليمي، ومن ثم متابعة تطوره في مختلف هذه المجالات بين كل فترة وأخرى عن طريق تقويم الخطة الفردية الخاصة به.

العلاقة بين التقييم Assessment والتشخيص Diagnosis
بعض العاملين في مجال التربية الخاصة يخلط بين مفهومي التقييم والتشخيص على اعتبار أنهما كلمتان مترادفتان لمفهوم واحد، إلا أنهما في واقع الأمر مختلفتان تماماً عن بعضهما، حيث اســـتخدم مصطلح التشــخيص بداية (Diagnosis) في العلوم الطبية ليشير إلى الفئة الاكلينيكية التي ينتمي إليها الفرد، في ضوء جمع معلومات عن الأعراض والمحكات الضرورية والمعتمدة لهذه الفئة، مع تحديد أسباب الإصابة بهذا الاضطراب أو المرض، لذلك نرى أن هذا المفهوم له مدلولاته الطبية البحتة ويركز على جوانب الضعف في الحالة، ويلصق مسمياته على المريض والتي ترافقه طوال حياته، وتبقى لها آثارها ومدلولاتها الاجتماعية على المدى البعيد.
فيما يعرّف التقييم على أنه مجموعة من العمليات المنظمة التي تستخدم بهدف جمع معلومات نفسية وتربوية واجتماعية وصحية عن أحد الأشخاص بهدف اتخاذ قرارات أو اختبار فروض تتعلق بمدى احتياجاته لخدمات خاصة، وتحديد النمط المميز له في سلوكه وتفاعله مع البيئات وغيرها من العوامل التي قد تؤثر على تعلمه وانجازاته المدرسية.
وبذلك يتجنب استخدام هذا المصطلح الوقوع في قضية (الوصمة الاجتماعية) وإلصاق مسميات تبقي آثاراً طويلة المدى على الحالة، حيث يفضل المشتغلون بميدان التربية الخاصة استخدامه بدلاً من (التشخيص) لما له من مدلولات تربوية ويركز على جوانب القوة والقدرات المتوفرة لدى الطفل ذي الإعاقة.

اتجاهات معاصرة في تقييم الأشخاص ذوي الإعاقة العقلية
تؤيد الاتجاهات الحديثة في تقييم الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية فكرة العمل ضمن الفريق متعدد الاختصاصات، من أجل الحكم على الفرد وتحديد قدراته، وطبيعة الخدمات الممكن تقديمها له في مؤسسات التربية الخاصة أو مؤسسات المجتمع المحلي عامة، على أن يتضمن هذا الفريق (إختصاصي العلاج الطبيعي، إختصاصي علاج اللغة والنطق، الإختصاصي الاجتماعي، الإختصاصي النفسي، إختصاصي السمعيات…) وكلما كان الفريق ممثلاً لتخصصات عدة كان الحكم على الطفل سليماً وواقعياً، فقد يعطي إختصاصي ما بعض المفاهيم التي لم يتوصل إليها إختصاصي آخر من الطفل، وبالتالي يبحث فريق العمل عن تكاملية الأدوار، وقيام كل إختصاصي بدوره في التقييم.
وبعد اجتماع هؤلاء المختصين مع بعضهم بعضاً، وتقديم كل طرف ما عنده تجاه الطفل، تتكشف بعض جوانب القوة والضعف عند هذا الطفل والتي يتم نقاشها أمام فريق العمل، بحيث يتفق الجميع في النهاية على تقييم واحد ويتم بناء عليه وضع الخطة التربوية الفردية، والتي ستشمل مختلف الخدمات التي سيتلقاها الطفل في الجوانب (النفسية والاجتماعية والتدريبية والتأهيلية…)، علماً أن تقييم كل إختصاصي للحالة منفرداً وتقديم تقريره لإدارته بشكل منفرد دون نقاشه مع بقية الاختصاصيين، لا يعد شكلاً من أشكال العمل الجماعي، حيث لا يستطيع اختصاصي وحده مهما بلغت درجة خبرته، أن يقيم الحالة ويحكم عليها بمعزل عن الاختصاصيين الآخرين.
وتتبنى التقييمات الحديثة للأشخاص ذوي الإعاقة العقلية أيضاً مبدأ السياق البيئي الذي يعيش في الطفل (البيئة الاجتماعية والنفسية والمادية) فلا نستطيع الحكم على قدرات الطفل دون التعرف على البيئة التي يعيشها ويتفاعل معها، والتي تؤثر في كيانه وتركيبته الاجتماعية والنفسية، فوسائل التقييم التي تستخدم في تشخيص طفل أوروبي مثلاً سوف تختلف عن الوسائل المستخدمة في تقييم طفل من دول العالم الثالث، نظراً للبيئتين المختلفتين اللتين يعيش فيهما الطفلان والتفاعل الذي يحصل بين كل طفل وبيئته الخاصة.
ويعتبر التركيز على جوانب ومظاهر القوة والقدرة التي يتمتع بها الطفل هي من مبادىء عمل التقييم المعاصر للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، وذلك بدلاً من توجيه الأنظار لنقاط الضعف والقصور عنده، فقبل أن ننعت الطفل بأن لديه إعاقة ذهنية، من الأفضل أن تتوجه أنظارنا نحو القدرات التي يمتلكها في مجالات (بدنية، اجتماعية، موسيقية، فنية،….) وهذا لا يأتي إلا من خلال فريق التقييم متعدد الاختصاصات.

تصنيف الأشخاص ذوي الإعاقة العقلية
تهدف عملية تصنيف الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية إلى وضع كل منهم في فئة تبعاً لما يجمع بينهما من عوامل مشتركة، وذلك لتحديد نوع الخدمات اللازمة لكل مجموعة طبقاً للعوامل والأسباب المؤدية لها، وهناك عدة تصنيفات اعتمد العلماء في تحديدها على محكات ومعايير أهمها:

• التصنيف الطبي:
ويتم على أساس وضع حالات الإعاقة الذهنية في فئات تبعاً للأسباب الطبية للحالة، والغرض من هذا التصنيف هو التعرف على الحالة الباثولوجية وأسبابها، وذلك لتحديد نوع العلاج لها في بعض الحالات، كما يفيد هذا التصنيف في تحديد أهمية الاكتشاف المبكر للحالة، وإجراءات الوقاية من الإعاقة الذهنية.

• التصنيف لأغراض نفسية:
والذي يعتمد على نسبة الذكاء، على أساس أنها الدليل على مستوى ذكاء الفرد الوظيفي وأنها توضح مستوى الأداء الوظيفي للقدرة العقلية، ومن أهم التصنيفات على هذا الأساس تصنيف (تيرمان) وكذلك ستانفورد بينيه.

• التصنيف التربوي:
ويهدف إلى وضع الأفراد ذوي الإعاقة العقلية في فئات تبعاً لقدرتهم على التعلم، وذلك من أجل تحديد البرامج والخدمات التربوية اللازمة لهؤلاء الأفراد للوصول بهم إلى أقصى مستوى يمكنهم أن تصل إليه قدراتهم العقلية.

التصنيف المعاصر:
لا يعتمد هذا التصنيف على أساس نسبة الذكاء كمحك، ولا على أساس الأسباب الطبية للحالة، ولكن يعتمد على درجة احتياج الشخص ذي الإعاقة العقلية للخدمات في كل مجال، ويمكن تحديد هذه الحاجة للخدمات وفق ثلاثة معايير هي:
1 ـ التكرار: هل هذه الحاجة للخدمة في مركز التربية الخاصة كل ساعة، كل يوم، كل شهر…
2 ـ مدى الدعم اليومي:
مدى الدعم اليومي الذي يحتاج هذا الشخص (نصف ساعة في اليوم ـ ساعتان ـ أكثر).
3 ـ نوع الدعم المقدم له:
(مساعدة جسمية جزئية ـ كاملة) علاج وظيفي، مراقبة، تدريب نطقي.
ونلاحظ أن التصنيف المعاصر ينحو باتجاه دمج الشخص ذي الإعاقة في المجتمع، ويدعو إلى عدم عزله في مؤسسات خاصة طوال اليوم، وإن العلامة الفارقة في تردد الشخص ذي الإعاقة على هذه المؤسسات هو مدى احتياجه للخدمة، فقد يحتاج طفل لتعليم أو تدريب خاص 6 ساعات يومياً، بينما يواصل طفل تعليمه في المدرسة العادية، ويتردد على التعليم الخاص ساعتين أسبوعياً فقط.
وبذلك يتجنب هذا التصنيف (مفهوم الوصمة الاجتماعية) والصاق سمات أبدية على الشخص مثل إعاقة ذهنية بسيطة أو متوسطة أو طفل قابل للتدريب أو التعليم.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني