د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

عملية الفهم3

إن هذه العناصر الثلاثة لا تلعب الدور نفسه أو لا تساهم بنفس الدرجة في إنجاح العملية التعليمية. فمن وجهة نظر  بنجامين بلوم  Benjamin S. Bloom: ” إن وضعية المتعلم المعرفية في بداية العملية التعليمية يمكن أن تفسر حوالي %  50 من الاختلافات الموجودة بين التلاميذ من حيث المردود الدراسي،  في حين أن الخواص الوجدانية يمكن أن تفسر % 25 من هذه الاختلافات. إن هذين الجانبين يمكن أن يفسرا حوالي % 75 من الاختلافات من حيث المردود في النشاط التعليمي اللاحق ” [19] .

     إن الاختلافات الموجودة بين العناصر التي ذكرناها – من حيث الأهمية – يقابلها اختلافات من حيث الأثر الناتج عن غياب أو حضور هذا العنصر أو ذاك. يقول  بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom في هذا الشأن:

-” إذا كان التلاميذ يملكون المعلومات الأولية الضرورية للقيام بنشاط تعليمي معين، فيجب أن يكون النجاح حليفهم إذا كانت لديهم الرغبة في التعلم و إذا كانت نوعية التدريس ملائمة لخصائص المتعلمين. ” [20]

– ” يستطيع التلاميذ أن يتعلموا و لو لم تكن لديهم الرغبة الأكيدة في الدراسة، و لكنهم يخفقون في غياب المعلومات الضرورية الأولية حتى و لو كانت لديهم الرغبة الأكيدة في الدراسة. ” [21]

– ” إذا كانت لديهم الرغبة الأكيدة في التعلم و يمتلكون المعلومات الأساسية الضرورية يستطيع التلاميذ أن يتعلموا حتى في ظروف تعليمية سيئة. ” [22].

     توضح لنا المقولات الثلاث التي ذكرناها أهمية الدور الذي تلعبه المعلومات الأولية وقت انطلاق العملية التعليمية. في الحقيقة، يلعب هذا العنصر دورا مهما، إذ أنه يحدد بل و يقرر مدى نجاح العملية التعليمية أو فشلها. يمكن لنا القول إنه يسمح لنا  بالتنبؤ بنتائج العملية التربوية.

5  – الانعكاسات التربوية

إن قراءة هذا العمل يدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات ذات طبيعة منهجية. نستطيع أن نقول أن بعضها من شأنه أن يدفع بعض المدرسين إلى إعادة النظر في طريقة تدريسهم. فكما سبق و أشرنا : عملية الفهم ليست ناتجة عن شرح كلمات أو جمل بل إنها عملية إنتاج. إن هذا التعريف لعملية الفهم ينبع من المفهوم الجديد للعملية التعليمية، حيث ننتقل من نموذج لعملية الفهم يلعب التلميذ فيه دور المتلقي و المستهلك للمعلومات إلى نموذج يلعب فيه هذا الأخير دور المبدع. وبتعبير آخر، إننا ننتقل من نموذج لعملية الفهم يتيح لنشاط المتعلم مجالا ضيقا، إلى نموذج يلعب فيه النشاط الذهني الذي يقوم به الدور الأساسي في عملية الفهم.

إن إعطاء هذه الدرجة من الأهمية لهذين العنصرين يتطلب نظرة جديدة و طريقة تعامل جديدة مع النص، و من شأن هذه النظرة الجديدة أن تزود التلاميذ بالأدوات التي يمكن أن تسهل اكتساب ما يسمى ” بمهارة القراءة ” و بالتالي ” مهارة الفهم ” . وكما سبق و بيَّنا، فإن عملية الفهم تتميز بالتفاعل بين نوعين من الآليات: الآليات التي تعتمد على النص و الآليات التي تعتمد على المعلومات. إن بين هذه الآليات و تلك علاقة بمعلومات القارئ العامة. إن طبيعة هذه المعلومات – الأولية و الأساسية – يمكن أن تسهل نشاط التلميذ أو تعيقه. إن هذه الوضعية – التي تحمل جانب الإلزام  – تدفع المدرسين الحريصين على إنجاح العملية التعليمية إلى اقتراح النصوص التي تحتوي على مضامين ذات محتوى معروف من قبل التلاميذ. في الواقع، إن اقتراح مواضيع ذات مضمون جديد يدفع بالمتعلمين إلى الاعتماد – لفهم النص – على المعلومات الموجودة داخل النص فقط، و هذه الطريقة لا  تجدي أبدا. وبتعبير آخر يمكن أن نقول أن غياب المعلومات الأولية و الأساسية ذات العلاقة بمحتوى النص يدفع التلاميذ إلى تبني – عند القراءة – ما سماه فرانك سميث  Franck  Smith بطريقة القراءة أو ” الرؤية  النفقية ” [23]. يقول هذا الباحث حول هذه النقطة  : ” إننا لا نستطيع أن نتوصل إلى عملية الفهم إذا انتهجنا في القراءة طريقة ” الرؤية النفقية ” سواء كان ذلك على مستوى الكلمة أو النص ” [24].

     إن طبيعة الدور الذي تلعبه المعلومات العامة و الأولية في عملية الفهم يمكن أن تشرح لنا سبب بعض حالات الفشل الدراسي. وبتعبير آخر، نستطيع أن نقول  إن عدم امتلاك المعلومات العامة يمكن أن يمثل عائقا يحول دون الوصول إلى الأهداف المرجوة من العملية التربوية. يمكن أن نقول كذلك إنه في حالة استيعاب هذه المعلومات الأولية فقط من قبل جزء من التلاميذ تصبح هذه المعلومات عاملا مولدا للفروق بين التلاميذ الموجودين في المجموعة الواحدة. يقول ميشال سانت أنج Michel Saint – Onge  : ” تشير البحوث الآن إلى أن ما يميز التلاميذ الكبار عن التلاميذ الأقل سنا، التلاميذ الجيدين عن التلاميذ الضعاف، المستجدين عن المختصين هو الاختلاف الموجود في مستوى المعلومات الأولية وقت انطلاق العملية التعليمية و الثروة اللغوية و مجموعة الأساليب الذهنية التي يستعملها الفرد أثناء عملية القراءة ” [25]. إن هذا يقودنا إلى القول أن عدم  أخذ وضعية المتعلمين بعين الاعتبار وقت انطلاق العملية التعليمية يمكن أن يكون سببا في فشل هذه العملية، و بتعبير آخر، إن اتباع طريقة ما نسميه ” إنهم في الصف كذا،  و المفروض معرفتهم هذه الأشياء ” لا تضمن نجاح العملية التعليمية و لا ينتج على ذلك إلا وضع التلاميذ في حالة فشل دراسي منذ انطلاق العملية التعليمية. هذا، إلا إذا قام المدرس بمراجعة طريقته في التعليم؛ بمعنى آخر: إذا قام المدرس بعملية ملاءمة بين عملية التعليم و عملية التعلم. وحول هذه النقطة يقول  بنجامين بلوم  Benjamin S. Bloom : “إن المنهج المحدد بطريقة دقيقة ليتم تدريسه على هذه الصورة و دون أي تحوير محتمل يفقد معناه عندما لا يملك التلاميذ المعلومات الأولية الأساسية المعرفية المناسبة. إن غياب هذه المعلومات تحول دون وصول التلاميذ إلى الهدف المحدد كمعيار لنجاح العملية التعليمية. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت احتمالية التغيير في طبيعة النشاط التعليمي واردة. في هذه الحالة، يمكن للتلاميذ الذين لا يملكون بعض المعلومات الأولية أن يقوموا بعملية استدراك لتلك المعلومات بفضل طبيعة طريقة التدريس المتبعة من قبل المدرس” [26]

من قراءتنا لمقولة  بنجامين بلوم  يمكن أن نفهم أن نجاح العملية التعليمية يتطلب في التدريس تبني  طريقة من شأنها أن تجعل هذه العملية ذات طبيعة تفاعلية بين عملية التعليم و عملية التعلم. في الواقع، يمثل المتعلم الآن الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، ذلك  أن هذا الأخير يعتبر المحور الرئيسي لأغلب البحوث التي تجرى في الوقت الحالي. إن هذا التصور لدور المتعلم يمكن أن يدفع  جزءا من  المدرسين إلى إعادة النظر في طريقتهم في التدريس و ذلك من مرحلة تحضير الدروس إلى مرحلة تقييم نتيجة العملية التعليمية.

 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني