د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بكلية التربية بالزلفي

التعلم التشاركي الحاسوبي

التعلّم التشاركي الحاسوبي بين التقويم والممارسة

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة من ثلاثة مقالات كتبها الدكتور علي الموسوي لموقع وايز وناقش فيها موضوع التعلّم التشاركي الحاسوبي من حيث إيجابياته وخصائصه وكيفية تقويمه وتطبيقه. وعرض الدكتور الموسوي في هذه المقالات العوامل الأساسية لبناء بيئة تعلّم تشاركيّ حاسوبيّ فعّال. 
يسلّط التزايد الحالي في استخدام أدوات التعلم التشاركي الحاسوبي الحديثة المتصلة بالإنترنت والهادفة لدعم التفاعل والعمل الجماعي داخل الصفوف الدراسية الضوء على تحديات متعلّقة بفاعلية هذه الأدوات ونجاح الطرق الجديدة في العملية التعلمية. إلّا أنّه ليس من السهولة التعرف على فاعليتها نظرا إلى أن عدة عناصر تؤثر على العملية التعلمية خلال استخدام هذه التكنولوجيا، التي تعني حداثتها أن المؤسسة التعليمية ليست في وضع يؤهلها لتوصيف دقيق للمكونات اللازمة التي تطوّر من عملية التعلم التشاركي المثالي. وبالرغم من إمكانية وضع إرشادات عامة حول كيفية التعامل مع التعلم التشاركي الحاسوبي، فإن هناك العديد من المتغيرات التي تؤثر في العملية التعليمية والتي هي بنفس القدر من الأهمية لتقديم الوسائل التي من خلالها يمكن تكييف وتقييم العملية التعلمية المستمرة خلال ممارستها. وعليه فيجب أن يكون الهدف من وراء استخدام هذه التكنولوجيا إعطاء المعلمين والطلاب معلومات كافية تمكّنهم من اتخاذ خطوات فعّالة لتحسين أنشطة تعليمهم وتعلمهم بأنفسهم.
 
دور التعلم التشاركي المدعوم بالحاسوب في بناء المعرفة ومجتمعاتها
 
يكمن الاختبار الحقيقي لاستخدام التعلم التشاركي الحاسوبي في قدرته على الاستمرار على مر الزمن بحيث يتم نقل المعارف والمهارات والسلوكات لخلق مجتمع معرفة مستقبلي. وقد أظهرت البحوث أنه يمكن أن تعطي الأدوات الالكترونية غير المباشرة مجموعات الطلاب بدائل أكثر للتفكير وتأمل المعلومات، ولتنظيم ومتابعة المناقشات والمشاركة في النقاش التشاركي الالكتروني بالمقارنة مع الأدوات المباشرة.  وعليه فإن التفاعل غير المباشر (asynchronous interaction) قد يعتبر مناسبا أكثر لاستخدام التعلم التشاركي الحاسوبي، فتصميم برامجه يسهّل من قدرة المجموعة التشاركية على استخدام النصوص والكتابة وإضافة المواقع الشبكية والوصلات التشاركية للنقاش الجماعي. وعلى سبيل المثال فمن الممكن أن يقدّم الطلاب اقتراحات عن تطوير المفهوم أو المعلومة ويضمنّوها وصلة نشطة لموقع الكتروني خارجي لكي يشرحوا نقطة علمية.
 
لقد ثبت أن طبيعة بيئة التعلم التشاركي الحاسوبي غير المباشرة في إجراء التمارين والتطبيقات يجعل من الممكن ربط المناقشة بالقراءات السابقة والقراءات اللاحقة لإبراز الأمثلة ذات الصلة المباشرة بالخبرات الاجتماعية المكتسبة في هذه التمارين والتطبيقات. فحقيقة أن أفكار ومفاهيم المجموعات الأخرى قد تمت مناقشتها من قبل عامة الطلاب يزيد من عدد الأمثلة التي يمر الطلاب حالا بخبراتها في واقعهم الاجتماعي، ويعتبر هذا المكسب أداة بيداغوجية مفيدة.
 
إن تقنيات بيئة التعلم التشاركي الحاسوبي غير المباشرة ليست كفؤة فحسب في نشر نتاجات العمل التشاركي الجماعي، ولكنها تستخدم أيضا لجعل عملية بناء ذلك العمل وتعميمه اجتماعيا أكثر وضوحا وملامسة.  فالطالب الذي يحتفظ للمدرس بكافة المراسلات والمعلومات التي تحويها عملية التعلم ويوفرها له من خلال استخدام أدوات برامج التعلم التشاركي الحاسوبي، يمكّن هذا المعلم من الحصول على تاريخ مرئي يمكن أن يوظف كوسيلة في المناقشات اللاحقة من عملية التعلم. كما أن السهولة النسبية للنسخ التشاركي تجعل من عملية التعلم خاصة في الموضوعات التي تحتاج إلى الكتابة والتعبير الإنشائي أكثر سهولة من استخدام الورق كما هو الحال في الصفوف التقليدية .
 
وبنفس الطريقة التي تستخدم فيها تسجيلات الفيديو وأشرطته بعض الأحيان للتأكيد على عملية التأمل والتدبر، فإن باستطاعة المعلم أن يفكر في استخدام التقنيات الداعمة لبيئة التعلم التشاركي الحاسوبي. وبما أن الكثير من المواد الوسائطية التفاعلية يتم تخزينها وتوفيرها على الشبكة، فمن المفيد إيجاد الآليات اللازمة للمعلم للبحث بفاعلية وسرعة عن المعلومات المفيدة لاستخدامها لضرب الأمثلة للطلاب من واقع حياتهم وبيئتهم الاجتماعية مما يفضي لنقل هذه الخبرات مستقبلا في مجتمع معرفي معتمد على التكنولوجيا. ومن الضروري التأكيد على أن هذه الآليات يجب أن تمكّن المعلم من فعل ذلك عندما يعمل في بيئة التعلم التشاركي الحاسوبي غير المباشرة، وبصورة أهم عندما يكون متفاعلا في درس ببيئة تعلم تشاركي مباشرة مع الطلاب أو خلال الاستشارات الخاصة الجماعية أو الفردية التي تتم عن طريق الشبكة.
 
وقد أظهرت البحوث أن القضايا الأخلاقية المرتبطة بالحاسوب تشجع المناقشات الجماعية، وأن العمل الجماعي الالكتروني يشجع المهارات الاجتماعية والتعلم المنتج والمهارات المعرفية العليا؛ وأن المجموعات تستطيع أن تنتج حلولا أفضل للقضايا الأخلاقية مما يستطيعه الأعضاء لوحدهم.  ولأن إصدار الأحكام الأخلاقية هو نشاط اجتماعي فإن تطوير البنية الأخلاقية الشخصية يمكن تحقيقها في الوضع الجماعي بشكل أفضل. ولا شك أن نقل هذه السلوكات والمهارات سينمّي شعورا لدى الطالب والمجموعات التشاركية بالمسئولية نحو قضايا التكنولوجيا في المجتمع الأوسع.
 
تقويم التعلم التشاركي المدعوم بالحاسوب
 
من ناحية أخرى، يمكن اقتراح مدخل تقويمي مستمر لتقييم التعلم التشاركي الحاسوبي الذي يركز تماما على المخرجات ذات الصلة باحتياجات الطلاب. والهدف من التقييم المستمر هو بناء مجموعة متكاملة من الأدوات والطرق التقويمية لاستخدامها من قبل الطلاب وتكون مصممة لبيئات معينة ويتم تحسينها بمرور الوقت. وتدعم مجموعة الأدوات هذه المعلمين والطلاب في مراقبة أحداث وأنماط التفاعل التي تحدث خلال التعلم التشاركي الحاسوبي. وتقدم كمية من الأدوات والطرق (التي تشمل تخزين البيانات والاستبيانات المباشرة تشاركيا وأدوات تحليلها) تمثيلا للعملية التعلمية المستمرة بحيث يستطيع الطلاب تقييم مدى إرضائها لاحتياجاتهم. وبهذه الطريقة، فإنه يتم تدعيم الطلاب بشكل ينعكس على سلوكاتهم ويمكنهم من التدخل لاستغلال الأدوات بصورة أمثل. وينبغي أن تشرح الإرشادات المصاحبة للمجموعة كيفية ترتيب وإدارة التعلم التشاركي وكيفية استخدام أدوات البرامج الالكترونية لأنها أجزاء هامة ومكملة لهذه المجموعة.
 
 ولكن، تبرز مشكلة رئيسة في استخدام التعلم التشاركي الحاسوبي خاصة عند يتعلق الأمر بالتقويم. وهذا يرجع بدرجة أساسية إلى أن بعض الأعضاء يكسبون أكثر مما يساهمون به في هذه العملية. وبالرغم من أن البحوث قد اقترحت أن مجموعات الممارسة التعلمية تحتاج لأن تكون كبيرة من أجل زيادة قدرات أعضائها، فإن ذلك يزيد عادة من هذا الكسب نظرا لصعوبة مراقبة عدد كبير من الطلاب. ولحل مشكلة إدارة دفعات كبيرة من الطلاب ولضمان استمرار ميزات التعلم التشاركي الحاسوبي، فإن البحوث توصي بالتأكد من استخدام الأدوات التعلمية التشاركية الالكترونية المناسبة وتشير إلى أن مدخل التعلم التشاركي الحاسوبي يمكن بصورة أساسية أن يقود إلى تقويم معمّق ومبدع.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني