د.إيمان سعيد حسن موسى عبد السلام

أستاذ البلاغة والنقد المساعد بكلية التربية بالزلفي

الوضء


الوضوء ( مبلغ حلية المؤمن )

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نستهديه ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم .

لماذا نتحدث عن الوضوء ؟

- لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .

و هذا معناه : أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فإنهم يحلون فيها كما قال الله عز وجل في سورة الكهف : ( يحلون فيها أساور من ذهب ) و كما قال في سورة الحج و فاطر : ( يحلون فيها أساور من ذهب و لؤلؤاً ) و كما قال : 0 و حلوا أساور من فضة ) فالمؤمن يحلى في الجنة رجلاً كان أو امرأة بهذه الحلية ، و تكون إلى حيث يبلغ الوضوء ، فعلى هذا تبلغ الحلية في اليدين إلى المرفقين .

- و لأن البقاء على الطهر من الأعمال الصالحة ، لأنه ربما يذكر الله سبحانه و تعالى في أحواله كلها، فيكون ذكر الله على طهر ، و قد تعرض له صلاة في مكان ليس فيه ماء ، فيكون مستعداً لهذه الصلاة .

- قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات ( ص21 ) : " الوضوء من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غراً محجلين ، و حديث ابن ماجة رحمه الله " وضوء الأنبياء قبلي " ضعيف عند أهل العلم بالحديث ، لا يجوز الاحتجاج بمثله ، و ليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين ، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعاً ، و لم يكن عندهم تيمم إذا عدموا الماء "  و انظر : الإرواء 1/134 .

و خالف الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في فتح ذي الجلال و الإكرام ( 1/239 ) فقال : " الوضوء عام للأمم كلها و ليس خاصاً بهذه الأمة ، و الشيء الخاص لهذه الأمة من الوضوء هو : الغرة و التحجيل ، لأنهم يدعون يوم القيامة غراً محجلين ، و هذا هو ظاهر السنة ، لقوله صلى الله عليه و سلم : " أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ... و ذكر منها التيمم " عند عدم الماء ، فيدل ذلك على أن غيرنا يتطهر كطهارتنا إلا في التيمم ، و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم : " إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء " فالظاهر أن التخصيص هو هذا الثواب الذي يحصل لهذه الأمة " .

و الأغر هو الفرس الذي في وجهه بياض ، و التحجيل بياض يكون في الأيدي و الأرجل أي : أطرافها ، و في هذا بيان أن هذه الأمة تأتي يوم القيامة على هذا الوصف : وجوههم بيض و نور يتلألأ ، و أيديهم و أرجلهم كذلك . الفتح ( 1/301 ) .

والوُضُوء في اللُّغة: مشتَقٌ من الوَضَاءةِ، وهي النَّظَافَةُ والحُسْنُ.

وشرعاً: التعبُّدُ لله عزّ وجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة .

فُروضُ الوضوء سِتَّةٌ ، دليلُ انحصارها في ذلك هو التَّتبُّع.

الفرض الأول : غسل الوجه ، وخرج به المسحُ، فلا بُدَّ من الغسل، فلو بلَّلت يدك بالماء ثم مسحت بها وجهك لم يكن ذلك غسلاً.

والغَسلُ: أن يجري الماء على العضو.

و الوجه هو ما تحصُل به المواجهةُ، وحَدُّه طولاً: من منحنى الجبهة إِلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأُذن إلى الأذن.

وقولنا: من منحنى الجبهة؛ وهو بمعنى قول بعضهم: من منابت شعر الرَّأس المعتاد لأنه يصِل إِلى حَدِّ الجبهة وهو المنحنى، وهذا هو الذي تحصُل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى فلا تحصُل به المواجهة والدَّليل قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} [المائدة: 6]

والفَمُ والأَنْفُ منه

أي: من الوجه؛ لوجودهما فيه فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوُضُوء؛ لكنهما غير مستقلَّين؛ فهما يشبهان قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرتُ أن أسْجُدَ على سبعة أَعظُم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه»، وإن كانت المشابهة ليست من كُلِّ وجه.

الفرضُ الثَّاني: غسل اليدين وأطلق لفظ اليدين، ولكن يجب أن يقيِّد ذلك بكونه إلى المرفقين؛ لأنَّ اليد إِذا أطلقت لا يُرادُ بها إِلا الكفّ.

والدَّليل قوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، وقوله في التيمم: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] ، ولم يمسح النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في التيمُّم إِلا الكفَّين.

والمِرْفَقُ: هو المفْصلُ الذي بين العضد والذِّراع.

وسُمِّي بذلك من الارتفاق؛ لأن الإِنسان يرتفق عليه، أي: يتَّكئ.

والدَّليل على دخول المرفقين قوله تعالى: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] وتفسير النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لها بفعله، حيث كان يغسل يده اليُمنى حتى يشرع في العَضُد، ثم يغسل يده اليُسرى كذلك

الفرضُ الثَّالثُ من فُرُوض الوُضُوء: مسحُ الرَّأس ، والفرقُ بين المسح والغسل: أنَّ المسحَ لا يحتاج إِلى جريان الماء، بل يكفي أن يغمس يده في الماء؛ ثم يمسح بها رأسَه، وإِنَّما أوجب الله في الرأس المسحَ دون الغسل؛ لأن الغسلَ يشقُّ على الإِنسان، ولا سيَّما إذا كَثُرَ الشَّعرُ، وكان في أيام الشِّتاء، إِذ لو غُسل لنزلَ الماءُ على الجسم، ولأن الشَّعر يبقى مبتلاً مدةً طويلة، وهذا يَلْحَق الناسَ به العسرُ والمشقَّةُ، والله إِنما يريد بعباده اليسر.

وحَدُّ الرَّأس من منحنى الجبهة إِلى منابت الشَّعر من الخلف طولاً، ومن الأُذن إِلى الأُذن عرضاً، وعلى هذا فالبياض الذي بين الرَّأس والأُذنين من الرَّأس. و قال في الفتح ( 1/268 ) من منحنى الجبهة على مفصل الرأس من الرقبة ، و من الأذن إلى الأذن .

ولو مسح بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإِنَّه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}} [المائدة: 6] ولم يقل: «ببعض رؤوسكم» والباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض أبداً.

قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللّغة العربية للتبعيض فقد أخطأ. وما ورد في حديث المغيرة بن شعبة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح بناصيته؛ وعلى العِمامة، وعلى خُفَّيْه. فإجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح على العِمامة معه، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط.

 

ومنهُ الأَذُنَان

قوله: «ومنه الأذنان» ، أي من الرَّأس، والدَّليل مواظبته صلّى الله عليه وسلّم على مسح الأُذُنين.

وأما حديث: «الأُذنان من الرَّأس» فضعّفه كثير من العلماء كابن الصَّلاح وغيره، وقالوا: إن طرقه واهية، ولكثرة الضَّعف فيها لا يرتقي إلى درجة الحسن.

وبعض العلماء صحَّحه، وبعضهم حسَّنه، لكن مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم على مسحهما دليلٌ لا إشكال فيه، وعلى القول بصحة الحديث فهل يجب حلق الشَّعر الذي ينبت على الأذنين مع شعر الرَّأس في حلق النسك؟

فالجواب: أنَّ من صحَّح الحديث فإِنَّه يلزمه القول بذلك. ولكن الذي يتأمَّل حلْقَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم شعره في النُّسك لا يظَنُّ أنه كان يحلق ذلك، أو أنَّ النَّاس مكلَّفون بحلقه أو تقصيره، وأمّا على القول بضعف الحديث فلا إشكال .

الفرض الرَّابع من فروض الوُضوء : غَسْلُ الرِّجلين، وهذا هو الفرض الرَّابع من فروض الوُضوء. وأطلق رحمه الله هنا الرِّجلين، لكن لا بُدَّ أن يُقالَ: إلى الكعبين، كما قال الله تعالى: {{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] ؛ ولأن الرِّجل عند الإِطلاق لا يدخل فيها العَقِبُ؛ بدليل أن قُطَّاع الطريق يُقطعون من المفصل الذي بين العَقِبِ وظهر القدم، ويبقـى العَقِب فلا يُقطع، وعلى هذا يجب أن نقيِّد كلام المؤلِّف بما قُيَّدتْ به الآيةُ.

والكَعْبَان: هما العظمان النَّاتئان اللذان بأسفل السَّاق من جانبي القدم، وهذا هو الحقُّ الذي عليه أهل السُّنَّة.

الفرض الخامس من فروض الوُضُوء : التَّرتيبُ ، وهو أن يُطهَّر كلُّ عضو في محلِّه، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوُضُوء، والدليل قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] .

وجه الدِّلالة من الآية: إِدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا التَّرتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسقٍ واحد، ولأنَّ هذه الجملة وقعت جواباً للشَّرط، وما كان جواباً للشَّرط فإِنَّه يكون مرتَّباً حسب وقوع الجواب.

فالترتيب أن نبدأ بأعضاء الوضوء مرتبة كما رتبها الله عز و جل .

ولأن الله ذكرها مرتَّبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به». و ذلك لما حج صلى الله عليه و سلم ، و خرج إلى المسعى بدأ بالصفا .

والدَّليل من السُّنَّة: أن جميع الواصفين لوُضُوئه صلّى الله عليه وسلّم ما ذكروا إِلا أنَّه كان يرتِّبها على حسب ما ذكر الله.

مسألة : الصحيح أن الترتيب و الموالاة فرضان لا يسقطان بالنسيان فلو بدأ الإنسان بغسل يديه قبل وجهه ناسياً ، لم يصح غسل يديه ، و لزمه إعادة الوضوء مع طول الزمن ، أو إعادة غسل اليدين و ما بعدهما إن قصر الزمن

الفرض السَّادس من فروض الوُضُوء : الموالاة ، هذا هو الفرض السَّادس من فروض الوُضُوء؛ وهي أن يكون الشَّيء موالياً للشيء، أي عَقِبَه بدون تأخير، واشتُرطت الموالاة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}} الآية [المائدة: 6] .

ووجه الدِّلالة: أنَّ جواب الشَّرط يكون متتابعاً لا يتأخَّرُ، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.

ودليله من السُّنَّة: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ متوالياً، ولم يكن يفصل بين أعضاء وُضُوئه، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً توضَّأ، وترك على قدمه مثل موضع ظُفُر لم يصبْه الماء، فأمره أن يُحسنَ الوُضُوءَ]. وفي «صحيح مسلم» من حديث عمر رضي الله عنه: «ارجعْ فأحسِنْ وُضُوءَك»  .

وفي «مسند الإمام أحمد»: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً يُصلِّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرهم لم يصبْها الماءُ، فأمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعيد الوُضُوء والصَّلاة. والفرق بين اللفظين ـ إذا لم نحمل أحدُهما على الآخر ـ أنَّ الأمر بإِحسان الوُضُوء أي: إتمام ما نقص منه. وهذا يقتضي غَسْلَ ما تَرَك دون ما سَبَق، ويمكن حملُ رواية مسلم على رواية أحمد، فلا بُدَّ من إعادة الوُضُوء، ورواية أحمد سندُها جيدٌ قاله أحمد، وقال ابن كثير: «إسناده صحيح».

ومن النَّظر: أنَّ الوُضُوء عبادةٌ واحدةٌ، فإِذا فرَّق بين أجزائها لم تكن عبادة واحدة.

فالموالاة : أن لا يفرق بين أعضاء الوضوء بزمن يفصل بعضها عن بعض .

وهي: أن لا يؤخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه.

وهذا بشرط أن يكون ذلك بزمنٍ معتدل خالٍ من الرِّيح أو شِدَّة الحرِّ والبرد.

: «الذي قبله»، أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة، فلو فُرِضَ أنَّه تأخَّر في مسح الرَّأس فمسحه قبل أن تَنْشِف اليدان، وبعد أن نَشِفَ الوجه فهذا وُضُوء مجزئ؛ لأنَّ المراد بقوله: «الذي قبله»، أي: قبله على الولاء، وليس كُلَّ الأعضاء السَّابقة.

وقولنا: في زمن معتدل، احترازاً من الزَّمن غير المعتدل، كزمن الشِّتاء والرُّطوبة الذي يتأخَّر فيه النَّشَاف، وزمن الحرِّ والرِّيح الذي يُسرع فيه النَّشاف.

وقال بعض العُلماء ـ وهي رواية عن أحمد ـ: إِن العبرة بطول الفصل عُرفاً، لا بنَشَاف الأعضاء. فلا بُدَّ أن يكون الوُضُوء متقارباً، فإِذا قال النَّاس: إن هذا الرَّجُل لم يفرِّق وضوءَه؛ بل وضوؤه متَّصلٌ، فإِنَّه يُعتبرُ موالياً، وقد اعتبر العُلماء العُرف في مسائل كثيرة.

ولكنَّ العُرْفَ قد لا ينضبطُ، فتعليقُ الحكمِ بنشَافِ الأعضاءِ أقربُ إِلى الضَّبط.

وقوله: «الموالاة» يُستثنى من ذلك ما إِذا فاتت الموالاة لأمرٍ يتعلَّق بالطَّهارة.

مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائلٌ يمنع وصول الماء «كالبوية» مثلاً، فاشتغل بإزالته فإِنه لا يضرُّ، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونَشِفت الأعضاء فإِنَّه لا يضرُّ.

أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلَّق بالطَّهارة؛ كأن يجد على ثوبه دماً فيشتغل بإِزالته حتى نَشِفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إِعادةُ الوُضُوء؛ لأن هذا لا يتعلَّق بطهارته.

مسألة : لو توضأ الإنسان و نسي عضواً من أعضائه ، فإن ذكر ذلك قريباً فغنه يغسله و ما بعده ، مثلاً : لو تذكر أنه نسي غسل يده اليسرى بعد فراغه من غسل رجليه ، فإنه يغسل يده اليسرى ، ثم يمسح رأسه و أذنيه ، ثم يغسل رجليه ، و غنما أوجبنا عليه إعادة مسح الرأس و الأذنين و غسل الرجلين  لأجل الترتيب . أما إن لم يذكر ذلك إلا بعد مدة طويلة فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله لفوات الموالاة .

 

صفة الوضوء :

 

وصفةُ الوضوء: أن ينويَ، ثُمَّ يُسمِّي، ويغسلَ كفَّيه ثلاثاً ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ

هذه صفة الوُضُوء المشتملةَ على الواجب، وغير الواجب.

1-  «أن ينويَ» ، النيَّةُ شرطٌ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات».

2- : «ثم يُسمِّي» ، و التسميةُ سنة على الصحيح.

3-  ويغسل كفَّيه ثلاثاً ، و هذا الغسل تعبد و لاشك لأن النبي صلى الله عليه و سلم تعبد لله به ، فهو عبادة ، لكنه ليس من الأعضاء التي يجب غسلها إلا بعد غسل الوجه ،  فيشرع غسل اليدين ثلاث مرات قبل الوضوء ، و الدَّليل فعلُ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإِنَّه كان إذا أراد أن يتوضَّأ غسل كفَّيه ثلاثاً وهذا سُنَّة فعلها عثمان رضي الله عنه و قال : " رأيت النبي صلى الله عليه و سلم توضأ نحو وضوئي هذا " الفتح ( 1/245،250 )

وتعليل ذلك أنَّ الكفَّين آلةُ الوُضُوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كُلِّ شيء حتى تكونا نظيفتين.

4- : «ثم يَتَمَضْمَضَ» ، المضمضةُ: أن يُدخل الماء في فمه ثم يمجَّه.

وهل يجبُ أن يُدير الماء في جميع فمه أم لا؟

قال العلماء رحمهم الله: الواجبُ إدارته في الفم أدنى إِدارة، وهذا إِذا كان الماء قليلاً لا يملأ     الفم، فإن كان كثيراً يملأ الفم فقد حصل المقصودُ.

وهل يجب أن يزيلَ ما في فمه من بقايا الطعام فيخلِّلَ أسنانه ليدخلَ الماءُ بينها؟

الظَّاهر: أنه لا يجب.

وهل يجبُ عليه أن يزيلَ الأسنانَ المركَّبةَ إِذا كانت تمنعُ وصول الماء إِلى ما تحتها أم لا يجب؟

الظَّاهر أنه لا يجب، وهذا يُشبه الخاتمَ، والخاتم لا يجب نزعُه عند الوُضُوء، بل الأَوْلى أن يحرِّكَه لكن ليس على سبيل الوجوب، لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يلبسه ولم يُنْقَلْ أنه كان يحرِّكه عند الوُضُوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، ولا سيَّما أنه يَشُقُّ نزع هذه التركيبة عند بعض النَّاس.

ويَسْتَنْشِقَ

الاستنشاق: أن يجذِبَ الماء بنَفَسٍ من أنفه.

وهل يجب الاستنثار؟

الاستنثار هو : نثر الماء الذي استنشقه ، أو إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه . الفتح ( 1/245، 273 )

قالوا: الاستنثار سُنَّةٌ، ولا شَكَّ أن طهارة الأنف لا تتمُّ إِلا بالاستنثار بعد الاستنشاق؛ حتى يزول ما في الأنف من أذىً.

قال في الفتح ( 1/252 ) هل الاستنشاق و الاستنثار و المضمضة واجبة أم سنة ؟

فيه خلاف ... و من قال إنها واجبة و هو الصحيح قال : لأن الرسول صلى الله عليه و سلم داوم عليها ، و قال في حديث لقيط بن  صبرة : " بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً " ، و لا يجب إخراج الماء من الأنف أو الفم ، لكن المهم أن يدير الماء بفمه أدنى إدارة ، و إخراجه أولى

وهل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟

قال العلماء: يبالغُ إِلا أن يكونَ صائماً لقوله صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرَة: «... وبالغْ في الاستنشاق إِلا أن تكونَ صائماً».

وكذلك لا يبالغُ في الاستنشاق إِذا كانت له جيوب أنفيَّة زوائد؛ لأنَّه مع المبالغة ربما يستقرُّ الماء في هذه الزوائد ثم يتعفَّن، ويصبح له رائحة كريهة ويصابُ بمرض، أو ضرر في ذلك، فهذا يقال له: يكفي أن تستنشق حتى يكونَ الماء داخل المنخرين.

صفة المضمضة و الاستنشاق :

عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه – في صفة الوضوء – " ثم أدخل صلى الله عليه و سلم يده ، فمضمض و استنشق من كف واحدة ، يفعل ذلك ثلاثاً " .

و الأقرب : أنه يأخذ كفاً فيتمضمض به و يستنشق ، ثم كفاً آخر ، ثم كفاً آخر .

و هذه أثبت الصفات و أصحها ، و توجد صفة ثانية لا بأس بها ، و لكنها ليست بتلك القوة : أن تكون بكف واحد المضمضة و الاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً .  

و صفة ضعيفة ، و هي : أن يفصل بين المضمضة و الاستنشاق فيأخذ للمضمضة غرفة و للاستنشاق غرفة يفعل ذلك ثلاثاً ، فتكون الغرفات ست .

 

5- ويَغْسلَ وجْهَهُ مِنْ منابتِ شَعْر الرأس

 الوجه ما تحصُلُ به المواجهةُ، وهو أشرف أجزاء البدن.

: «من منابتِ شعر الرأس» ، المرادُ: مكان نبات الشَّعر المعتاد

وقال بعضُ العلماء: من منحنى الجبهة من الرَّأس؛ لأن المنحنى هو الذي تحصُل به المواجهة، وهذا أجود.

إِلى ما انحَدَرَ من اللَّحْيين والذَّقن طُولاً، ومن الأُذُنِ إِلى الأُذُنِ عَرْضاً

قوله: «إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقن طولاً» ، الذَّقن: هو مجمعُ اللَّحْيَين. واللَّحْيَان: هما العظمان النَّابت عليهما الأسنان. يفعل ذلك ثلاثاً .

6- «ثمَّ يديه مع المرفقين، أي: اليُمنى ثم اليُسرى، ثلاث مرات ولم يَذْكُرْ هنا التَّيامنُ؛ لأنه سبق في سُنَن الوُضُوء. و تغسل اليد كلها بما فيها الكف من أطراف الأصابع ، و هذا فرض ، بخلاف غسل الكفين قبل الوضوء ثلاثاً ، فإنه سنة .

مع المرفقين : أي المرفقين داخلة فيها بدليل السُّنَّة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه توضَّأ حتى أشرع في العَضُد، وقال: هكذا رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعل، ومقتضى هذا أنَّ المرفق داخل.

وكذلك رُويَ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه توضَّأ فأدار الماء على مرفقيه.

هل الأفضلُ في غسل اليدين البَدْءُ من المرفق، أو من وسط الذراع، أو من أطراف الأصابع؟.

فالجواب: أن الأفضل أن يبدأ من أطراف الأصابع لقوله: «إلى». وإن لم يكن ظُهور ذلك عندي قويًّا؛ لأنَّ الابتداء لم يُذكر

7-  ثم يمسح كلّ رأْسِه مع الأُذُنَيْن مَرَّةً واحدةً

أي: لا يغسلُه، وإنَّما يمسحُه، وهذا من تخفيف الله تعالى على عباده؛ لأن الغالب أنَّ الرَّأس فيه شعرٌ فيبقى الماءُ في الشَّعر؛ لأن الشعر يمسكُ الماءَ فينزل على جسمه، فيتأذّى به؛ ولا سيَّما في أيَّام الشِّتاء.

«مع الأُذنين» دليلُ ذلك:

1 ـ ثبوته عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسحُ الأُذنين مع الرَّأس.

2 ـ أنَّهما من الرَّأس.

3 ـ أنَّهما آلة السَّمع، فكان من الحكمة أن تُطَهَّرا حتى يَطْهُرَ الإِنسانُ ممَّا تلقَّاه بهما من المعاصي.

و صفة مسح الرأس : أن يمسح باليدين جميعاً ، يبدأ بمقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه ، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه .

و صفة مسح الأذنين : أن يدخل الإنسان السبابتين في صماخيهما ، و يمسح بإبهامه ظاهرهما ، و لا يبدأ بواحدة قبل الأخرى . عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما – في صفة الوضوء – قال : " ثم مسح برأسه و أدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ، و مسح بإبهاميه ظاهر أذنيه " و ظاهرهما هي الجهة التي تلي الرأس ، و أما الغضاريف فلا يجب مسحها و إنما المسح خاص بالصماخ و ظهور الآذنين فقط . و لا يشرع تكرار المسح ، لأن الحديث ليس فيه تكرار .

و ظاهر الحديث أنه لا يأخذ ماء جديداً لأذنيه و هذا هو الصحيح إلا إذا يبست يداه ، لأنهما من الرأس فطهارتهما واحدة .  الفتح ( 1/ 278 ) .

و المسح على الرأس يكون مرة واحدة فقط ، لا يزيد عليها فتح ذي الجلال و الإكرام 1/266

و كذا الأذنين لا يشرع تكرار مسحهما فكما أن الرأس يمسح مرة واحدة ، فكذلك الأذنان لأنهما ملحقتان به .

 

7- ثُمَّ يَغسل رجْلَيْه معَ الكعبين ثلاثاً

لدلالة السُّنَّة على ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه توضَّأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في السَّاق، وقال: هكذا رأيتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُ. وعلى هذا فالكعبان داخلان في الغسل وهما: العظمان الناتئان في أسفل السَّاق.

فيجبُ غسلُهما، وهذا الذي أجمع عليه أهل السُّنَّة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}} [المائدة: 6] بنصب «وأرجلَكم» عطفاً على «وجوهَكم» وهذه قراءة سَبْعيَّة.

وأما قراءة «وأرْجُلِكُمْ» بالجرِّ، وهي سَبْعِيَّةٌ أيضاً فتُخرَّج على ثلاثة أوجه:

الأول: أنَّ الجرَّ هنا على سبيل المجاورة، بمعنى أنَّ الشيء يتبع ما جاوره لفظاً لا حكماً، والمجاور لها «رؤوسكم» بالجرِّ فتجرُّ بالمجاورة. ومنه قول العرب: «هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٍ» بجرِّ خَربٍ، مع أنَّه صِفةٌ لجُحر المرفوع، ومقتضى القواعد رفع خَرب، لأن صفة المرفوع مرفوع، ولكن العرب جرَّته على سبيل المجاورة.

الثاني: أن قراءة النَّصب دلَّت على وجوب غسل الرِّجلين.

وأما قراءة الجر؛ فمعناها: اجعلوا غسلكم إِيَّاها كالمسح، لا يكون غسلاً تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإِنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرِّجلين ودلكها؛ لأنَّها هي التي تباشر الأذى، فمقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقُصدَ بالجرِّ فيما يظهر كَسْرُ ما يعتادهُ النَّاسُ من المبالغة في غسل الرِّجلين؛ لأنهما اللتان تلاقيان الأذى.

الثالث: أن القراءتين تُنزَّلُ كلُّ واحدة منهما على حال من أحوال الرِّجل، وللرِّجل حالان:

الأولى: أن تكونَ مكشوفةً، وهنا يجب غسلها.

الثانية: أن تكونَ مستورةً بالخُفِّ ونحوه فيجب مسحُها.

فتُنَزَّل القراءتان على حالَيْ الرِّجْل، والسُّنَّةُ بيَّنت ذلك، وهذا أصحُّ الأوجه وأقلُّها تكلُّفاً، وهو متمشٍّ على القواعد، وعلى ما يُعرَفُ من كتاب الله تعالى حيث تُنزَّلُ كلُّ قراءة على معنى يناسبها.

ويكون في الآية إشارة إلى المسح على الخفَّين.

 8- ويقولُ ما وَرَدَ

وهو حديث عمر رضي الله عنه: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهِّرين، فإِنَّ من أسبغ الوُضُوء ثم قال هذا الذِّكر؛ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة الثَّمانية، يدخل من أيّها شاء.

وناسب أن يقول هذا الذِّكر بعد الوُضُوء، لأن الوُضُوء تطهيرٌ للبَدَن، وهذا الذِّكر تطهيرٌ للقلب؛ لأن فيه الإخلاص لله.

ولأن فيه الجمع بين سؤال الله أن يجعله من التَّوابين الذين طهَّروا قلوبهم، ومن المتطهِّرين الذين طهَّروا أبدانهم.




































































































































































































































































الساعات المكتبية


الساعات المكتبية :

الأحد : المحاضرة الثالثة والرابعة

الاثنين : المحاضرة الثالثة والرابعة


 

أعلان هام


دورة لطالبات الفرقة الثانية وعنوانها

 " الطريق إلى التفوق والإبداع "

يوم الاثنين

الموافق 17/5/1433ه

د/ إيمان سعيد حسن


أرقام الاتصال

أرقام الاتصال

البريد الالكتروني

[email protected]

الرسول الكريم

ذكرالله

 

سيد الاستغفار

حكمة

دعاء

 
 

دعاء

الحب الحقيقي

ذكرالله

القران الكريم

قراءة القرآن الكريم


للأحبة

تتحية حب وتقدير

ترحيب


الثقة في الله


المحبة في الله

شكر الله

العلم نور


دعاء

يوم الجمعة


الأمل في الله

دعاء

محمد رسول الله

الله جل جلاله

ذكر الله

رفيق الدرب

اركان الإسلام

المستغفرين

المرء مع من يحب

المغفرة

القران الكريم

هو الله

جميل ان تزرع وردة فى كل بستان
ولكن الاجمل ان تزرع ذكر الله على

كل لسان (( لا اله الا الله))


دعاء


صلة الرحم


الحجاب

الطيبة

هو الله

ذكر الله

أفضل الاعمال

صلة الرحم

حديث الرسول

حكمة غالية

لبيك اللهم لبيك

قيمة الذكر

نور قلبي

روائع الكلام

روائع الكلام2

روائع الكلام 3

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 151

البحوث والمحاضرات: 622

الزيارات: 77413