الإمام مالك

 

الإمام مالك رحمه الله                       المحاضرة الثالثة  8 / 4 / 1432 هـ

    اسمه ونسبه :

  هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان

 بن خثيل وهو ذو أصبح .

وذكر أبي إسحاق أنه مولى لبني تميم , وهو وهم له سبب , وذلك لما كان بين

سلفه وبينهم من حلف على الأشهر من صهر أو منهما جميعا .

أما أمه

فقال الزبير هي العالية بنت شريك بن عبدالرحمن بن شريك الأزدية , وقيل إنها

طليحة مولاة عبدالله بن معمر.

جده :

أبوعامر بن عمرو – رحمه الله – من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ,

 شهد المغازي كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم خلا بدرا . وابنه مالك جد مالك

كنيته أبو أنس من كبار التابعين روى عن عمر وطلحة وعائشة وأبي هريرة و

حسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين , وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان

رضي الله عنه ليلا إلى قبره وغسلوه ودفنوه .

وكان مالك ممن يكتب المصاحف حين جمع عثمان رضي الله عنه المصاحف .

أولاده :

كان لمالك رضي الله عنه إبنان هما يحيى ومحمد وابنة اسمها فاطمة وهي زوج

إسماعيل بن أبي أويس .

ويحيى بن مالك يروى عن أبيه نسخة من الموطأ وتروي عنه باليمن روى عنه

 محمد بن مسلمة

وقال ابن عبدالبر : كان لمالك رحمه الله أربعة بنين : يحيى ومحمد وحماد وأم البهاء

 , فأما يحيى وأم البهاء فلم يوصى بهما إلى أحد وأوصى بالآخرين إلى إبراهيم بن

 حبيب رجل من أهل المدينة .

وكانت ابنة مالك تحفظ علمه يعني الموطأ وكانت تقف خلف الباب فإذا غلط القارئ

نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه .

مولد مالك ومدة عمله وصفة خلقه :

اختلف في مولده اختلافا كثيرا , فالأشهر قول يحيى بن بكير أنه سنة ثلاث

وتسعين من الهجرة (93هـ) . وقيل سنة أربع وتسعين وقيل سنة ست و

تسعين وقيل سبع تسعين .

صفته :

وصفه غير واحد من أصحابه منهم مطرف وإسماعيل والشافعي فقالوا :

كان طويلا جسيما عظيم الهامة , أبيض الرأس واللحية , أعين , حسن الصورة

, أحسن الناس وجها وأحلاهم عينا وأنقاهم بياضا .

لباسه :

قال الزبيري : كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد , والخراسانية , والمصرية

 المرتفعة البيض , ويتطيب بطيب جيد , ويقول : ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا

 أن يرى أثر نعمته عليه , وكان يقول : أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب .

وكان أشبه بالملوك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه وأسدل طرفها بين كتيفيه .

قال ابن أبي أويس : ما رأيت في ثوب مالك حبرا قط .

وكان إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته , وكان يكرهه إلا لعلة . وكان خاتم مالك

الذي مات وهو في يده فضة فصه حجر أسود نقشه " حسبي الله ونعم الوكيل "

 وكان يحبسه في يساره وكان إذا توضأ حوله في يمينه وسأله مطرف عن اختياره

لما نقش فيه فقال : سمعت الله يقول : " وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .    

-         وكان داره التي ينزل لها بالمدينة دار عبدالله بن مسعود وكان مكانه من

 المسجد مكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وهو المكان الذي يوضع فيه فراش

 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف وكان يجلس عند نافع مولى ابن عمر في

 الروضة حياة نافع وبعد موته .

-         وقال إسماعيل بن أبي أويس : كان لمالك كل يوم في لحمه درهمان وكان يأمر

 خبازه في كل يوم جمعة أن يعمل له ولعياله طعاما كثيرا , ولو لم يجد كل يوم

 درهمين يبتاع بهما لحما إلا أن يبيع في ذلك بعض متاعه لفعل .

-         وكان لمالك أربعمائة دينار يتجر بها فمنها كان قوام عيشه

-         كان رحمه الله أعقل أهل زمانه , وكان ربيعة إذا جاء مالك يقول : جاء العاقل .

-         وقال أحمد بن حنبل قال مالك : ما جالست سفيها قط . وهذا أمر لم يسلم منه

 غيره ولا في فضائل العلماء أجل من هذا .

-         وكان أعظم الخلق مروءة وأكثرهم سمتا كثير الصمت قليل الكلام متحفظا

 بلسانه .

-         وكان إذا أصبح لبس ثيابه وتعمم ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلا كذلك ,

 وما أكل قط ولا شرب حيث يراه الناس , ولا يضحك ولا يتكلم فيما لا يعنيه .

-         وكان من أحسن الناس خلقا مع أهله وولده ويقول : في ذلك مرضاة لربك ,

ومثراة في مالك , ومنسأة في أجلك , وقد بلغني ذلك عن بعض أصحاب النبي

 صلى الله عليه وسلم .

ابتداء طلبه للعلم وصبره عليه وتحريه فيمن يأخذه عنه :

قال مطرف : قال مالك : قلت لأمي : أذهب فأكتب العلم ؟ فقالت : تعال فالبس

ثياب مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها ثم قالت : اذهب

فاكتب الآن . وكانت تقول : اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه .

-         قال ابن القاسم : أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه

 ثم مالت عليه الدنيا بعد .

-         قال مالك : كان لي أخ في سن ابن شهاب فألقى أبي يوما علينا مسألة فأصاب

 أخي وأخطأت فقال لي : الهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى ابن

هرمز سبع سنين ، وفي رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره , وكنت أجعل في كمي

 تمرا وأناوله صبيانه وأقول لهم : إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا : مشغول .

-         قال مالك : إن الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه فكنا نظن أنه

يريد نفسه مع ابن هرمز , وقال : كنت آتي نافعا نصف النهار وما تظلني الشجرة

من الشمس أتحين خروجه فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم

عليه وأدعه حتى إذا دخل البلاط أقول له : كيف قال ابن عمر في كذا وكذا ؟ فيجيبني

ثم أحبس عنه , وكان فيه حدة .

وكنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل .

وكان يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث .

شدة حفظه :

روي عنه أنه قال : حدثني ابن شهاب بأربعين حديثا  ونيف ,منها حديث السقيفة

 , فحفظت ثم قلت : أعدها علي فإني نسيت النيف على الأربعين فأبى فقلت :

 أما كنت تحب أن يعاد عليك؟

قال بلى فأعاد فإذا هو كما حفظت .

وفي رواية ابن شهاب قال له : ما استفهمت عالما قط ثم استرجع .

وقال : ساء حفظ الناس لقد كنت آتي سعيد بن المسيب , وعروة ,والقاسم ,

وأبا سلمه ,وحميد , وسالما ,وعد جماعة فأدور عليهم وأسمع من كل واحد

 من الخمسين حديثا إلى المائة ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط

حديث هذا بحديث هذا . وفي رواية أخرى : لقد ذهب حفظ الناس ما استودعت

قلبي شيئا قط فنسيته .

تحريه فيمن يأخذ عنه :

-         قال ابن أبي أويس : سمعت مالكا يقول : إن هذا العلم الدين فانظروا عمن

 تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه

 الأساطين وأشار إلى المسجد فما أخذت عنهم شيئا . وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال

 كان أمينا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن .

-         قال ابن عيينة : ما رأيت أحدا أجود أخذا للعلم من مالك , وما كان أشد انتقاده

للرجال والعلماء.

-         وقال مالك : رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه ، ورأيته في

الثالثة قاعدا في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده يبكي حتى

أرحمه فلما رأيت ذلك كتبت عنه .

تحريه في العلم :

قال ابن عبد الحكم : أفتى مالك مع يحيى بن سعيد ,وكان لمالك حلقة في حياة نافع

أكبر من حلقة نافع.

وقال مالك : بعث إلي الأمير في الحداثة أن أحضر المجلس فتأخرت حتى راح ربيعة

فأعلمته وقلت :

 لم أحضر حتى أستشيرك ؟ فقال لي ربيعة : نعم . قيل له : فلو لم يقل لك : أحضر

لم تحضر ؟ قال : لم أحضر . ثم قال : يا أبا محمد إنه لا خير فيمن يرى نفسه بحالة

لا يراه الناس لها أهلا .

قال مالك : وليس كل من أحب أن يجلس للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل

الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد فإن رأوه أهلا لذلك جلس وما جلست حتى

 شهد سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك .

شهادة أهل العلم والصلاح له بالإمامة في العلم بالكتاب والسنة والتقدم في الفقه :

-         قال ابن هرمز : إنه عالم الناس .

-         وقال بعضهم : سمعت بقية بن الوليد في جماعة ممن يطلب الحديث ومشايخه

من

أهل المدينة يقولون ما بقي على ظهرها يعني الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية منك

 يا مالك .

-         وقال محمد بن عبد الحكم : إذا انفرد مالك بقول لم يقله غيره فقوله حجة .

-         وقال ابن مهدي : ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله عليه

الصلاة والسلام من مالك .

-         وقال أبو داوود : أصح حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم مالك عن نافع

عن ابن عمر رضي الله عنهما , ثم مالك عن سالم عن أبيه , ثم مالك عن أبي الزناد

 عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه فلم يذكر شيئا عن غير مالك .

-         وقال : مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن مراسيل

 الحسن ومالك أصح الناس مرسلا .

-         وقال سفيان : إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي .

صفة مجلسه ونشره للعلم وتوقيره حديث النبي صلى الله عليه وسلم :

قال الواقدي: كان مجلسه مجلس وقار وحلم , وكان رجلا مهيبا نبيلا ليس

في مجلسه شيء من المراء واللفظ ,ولا رفع صوت, إذا سئل عن شيء فأجاب

سائله لم يقل له : من أين رأيت هذا ؟

وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفئة بعد الفئة وربما أذن

لبعضهم فقرأ عليه .

وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر

 يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة له وإجلالا .

وكان كالسلطان : له حاجب يأذن عليه فإذا اجتمع الناس ببابه أمر آذنه فدعاهم

فحضر أولا أصحابه فإذا فرغ من يحضر أذن للعامة وهذا هو المشهور من سماع

 أصحاب مالك أنهم كانوا يقرءون عليه إلا يحيى بن بكير ذكر أنه سمع الموطأ من

 مالك أربع عشرة مرة وزعم أن أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه .

وعوتب مالك في تقديمه أصحابه فقال : أصحابي جيران رسول الله صلى الله

 عليه وسلم وكان إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم .

وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم : يقول لكم الشيخ :

 تريدون الحديث أو المسائل ؟ فإن قالوا المسائل : خرج إليهم وأفتاهم ، وإن قالوا

 الحديث قال لهم اجلسوا و دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا

وتعمم ووضع على رأسه طويلة وتلقى له المنصة فيخرج إليهم وعليه الخشوع

 ويوضع عود فلا يزال يتبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكان لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدعه يجلس حيث انتهى به المجلس .

تحريه في الفتيا :

قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول : إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة

 فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن . وكان يقول : ربما وردت علي المسألة فأسهر

فيها عامة ليلتي .

-         وكان مالك إذا سئل عن مسألة قال للسائل انصرف حتى أنظر فينصرف

ويتردد فيها فقلنا له في ذلك فبكى وقال : إني أخاف أن يكون لي المسائل يوم وأي يوم ؟

-         وقال ابن وهب : سمعته عندما يكثر عليه بالسؤال يكف ويقول : حسبكم من

 أكثر أخطأ وكأنه يعيب كثرة ذلك , وكان يقول : من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض

نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب .

-         وقال ما شيء أشد علي من أن أسئل عن مسألة من الحلال والحرام لأن

هذا هو القطع في حكم الله , ولقد أدركنا أهل العلم ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن

المسألة كان الموت أشرف عليه .

-         وقال الهيثم بن جميل : شهدت مالكا سئل ثمان وأربعين مسألة فقال في إثنين

وثلاثين منها لا أدري .

-         وكان يقول : ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري حتى يكون أصلا

 في أيديهم يفزعون إليه .

هذا والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم     

فضل الموطأ وثناء العلماء عليه          المحاضرة الخامسة 22/ 4

- قال الإمام الشافعي رحمه الله : ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح

من كتاب مالك , وإذا ذكر   

 الأثر فمالك النجم ,وفي رواية ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن

من كتاب مالك .

- وقال :ما نظرت في موطأ مالك إلا ازددت منه فهما .

 - وقال ابن وهب :من كتب موطأ مالك فلا عليه ألا يكتب من الحلال والحرام شيئا .

 - وقال عمر بن أبي سلمه :ما قرأت كتاب الجامع من الموطأ قط إلا أتاني في منامي

آت فقال :

 " هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم "

 وقال عبد السلام بن عاصم :" قلت لأحمد بن حنبل :الرجل يريد حفظ الحديث

فحديث من يحفظ ؟

 قال :حديث مالك . قلت : الرجل يريد أن يقرأ القرآن فبقراء من يقرأ ؟

قال :بقراءة أهل المدينة .

 قلت :الرجل يريد أن ينظر في الرأي ,فبرأي من يأخذ ؟ قال : برأي مالك .

 قال الإمام أحمد : ما أحسن الموطأ لمن تدين به .

 وقال الدراوردي : كنت نائما في الروضة بين القبر والمنبر فرأيت النبي

صلى الله عليه وسلم قد خرج

من القبر متكئا على أبو بكر وعمر ,فمضى ثم رجع فقمت إليه ,فقلت له :

يا رسول الله من أين جئت ؟

 قال :مضيت إلى مالك بن أنس فأقمت له الصراط المستقيم .

 قال فأتيت مالكا فوجدته يدون الموطأ فأخبرته بالخبر فبكى ,ورأى مثل

 هذه الرؤيا محمد بن رمح .

 وقال محمد بن أبي السري : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم

 ,فقلت :يا رسول الله ,

 حدثني بعمل أحدث به عنك ,فقال لي صلى الله عليه وسلم :أني قد أوعزت

 إلى مالك بكنز يفرق عليكم ,ثم قال :ألا وهو الموطأ. ألا وليس بعد كتاب الله

عز وجل ولا سنتي في إجماع المسلمين حديث أصح من الموطأ فاسمعه تنتفع به .

ولم يتكلم في فضل الموطأ العلماء فقط بل والشعراء أيضا

ومن ذلك قول سعدون الورضى :

ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى ******** بليل عماه ما درى أين يذهب

فبــادر موطــأ مالك قبــل فـواته ******** فما بعده إن فـات للـحق مطلب

ودع للمــوطأ كل علـم تـــريــده ******** فإن الموطأ الشمس والغير كوكب

هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه ******** ولم لا يطيب الفرع والأصل طيب

و العلــم عنــد الله بــعد كتــابه ******** وفيه لسان الصــدق بالحق معرب

  وقال القاضي عياض :

إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها ******** كتاب الموطأ من تصانيف مالك

أصح أحاديثـــا وأثبت سنة ******** وأوضحها في الفقه نهجا لســـالك

اهتمام الأمة الإسلامية بتلقي الموطأ:

ليس الموطأ هو الكتاب الوحيد المؤلف في المائة الثانية الهجرية فقد كان

هناك الجامع للإمام عبدالرزاق الصنعاني والمصنف لشعبة ابن الحجاج ,

والمصنف لسفيان بن عيينة ,والمصنف لليث بن سعد . ومع أن بعض

هذه الكتب موجود إلا أن الموطأ حاز بعد الصيت وعظيم الشهرة والقبول

وحسن الذكر ,اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار الإسلام ثم لم يأت

زمان إلا وهو أكثر به شهرة وأقوى به عناية ضرب فيه الناس أكباد الإبل

من أقاصي البلاد على مختلف أجناسهم وهيئاتهم ودرجاتهم . وازدحام العلماء

والرواة على باب مالك حتى يكادوا أن يقتتلوا على الباب من الزحام , فيجلسون

على الأعتاب والأبواب لسماع الموطأ وكتابته .

يقول علي بن حسين :سمعت أبا مصعب يقول :كانوا يزدحمون على باب مالك

 فلا يكلم ذا ذا ولا يلتفت ذا إلى ذا والناس قائلون برؤسهم هكذا .

وكانت السلاطين تهابه وهم قائلون مستمعون وكان يقول في مسألة لا أو نعم

 ولا يقال له من أين قلت ذا .

وقال أيضا : رأيت معن بن عيسى القزاز جالسا على العتبة وما ينطق مالك

بشيء إلا كتبه .

وتهافت الناس على الموطأ فقهاء ومحدثون وملوك ووزراء واعتنوا بسماعه

وإسماعه لأبنائهم وإخوانهم وتحملوا في سبيل ذلك كل ما يخالف طبائعهم

وعاداتهم . وما ينافي شخصياتهم مقاماتهم في أعين الناس .

ولم يعلم لملك رحلة قط في طلب العلم إلا الرشيد فإنه رحل بولديه الأمين

والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله .ثم رحل لسماعه السلطان

صلاح الدين الأيوبي إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر بن عوف .وليس

لهما ثالث .

أما قبول المسلمين للموطأ فالمالكية عملهم عليه ,وأصل مذهب الشافعي

ومادة اجتهاده هو الموطأ وإنما تعقبه في بعض المواضع وخالفه في ترجيح

الروايات ,ورأس المال لفقه الإمام محمد في المبسوط وكثيرا ما يقول محمد

في موطأه ,وبه أقوال ,وبه كان يقول أبو حنيفة .

أما تلقيه بالقبول من أصحاب الكتب الستة فأظهر من أن يذكر ,والإمام البخاري

 إذا وجد حديثا متصلا مرفوعا برواية مالك لا يعدل عنه إلى غيره إلا إذا لم يكن

على شرطه فيورد له شواهد وفي كثير من المواضيع يستشهد لآثار الموطأ

 بإشارات الحديث وإيمائه .

وهذه المزايا والفضائل التي اتصف بها الموطأ ليست بغريبة إذا علمنا كيف

 كان الإمام يأخذ الحديث ويتلقاه . وكيف كان يعطي الحديث ويلقيه ,والناظر

 في سيرة الإمام مالك يرى من شمائله صفة فاقت كل صفاته الجميلة وأخلاقه

الحميدة . تلك هي العزة في كل شيء .

درجة الموطأ :

لا يختلف العلماء في فضل هذا الكتاب وجلالته وشرفه وثناء الناس عليه

 واعتماد أصحاب كتب الحديث بعده على رواياته ورفع أسانيدهم إليه إلا أن

 العلماء مع ذلك في كتب علوم الحديث يتكلمون في هذا الموضوع كلاما كثيرا

,فبعضهم يميل فيه للموطأ وبعضهم يميل عنه ولذا فإن الكلام في هذا المبحث

ينحصر في مسألتين :

الموطأ وكتب الأصول الستة :

اختلف العلماء في الموطأ هل يعتبر من كتب الأصول الستة على قسمين :

1 – قسم لا يعدون الموطأ في كتب الأصول الستة .

2 – قسم يعدونه في كتب الأصول ولهم أراء مختلفة في تعيين درجته بينها ,

فبعضهم يجعلونه قبل الصحيحين ,وبعضهم يجعلونه بعدهما , وبعضهم

 يجعلونه بعد الترمذي وقبل النسائي .

أما من لم يجعل أولئك الحفاظ للموطأ بين الأصول الستة بأن ذلك لاندماج

 أحاديثه فيها إلا ما قل وليس ذلك لأنه غير صحيح عندهم وهذا كلام صحيح ,

حتى عند من يجادل في صحة الموطأ وذلك لأنهم اتفقوا على أن الأصول الستة

كلها صحيحة فقد صرح بعض أصحاب الأصول كالترمذي وأبي داوود بأن كتابه

 ينقسم إلى صحيح وغيره فهي تجمع بين الصحيح والحسن والضعيف .

لذلك فإن عدم جعلهم الموطأ من الأصول الستة ليس دليلا على عدم صحته .

وبهذا ثبت أن عدم جعل الموطأ من الأصول الستة لأنه لا يشترك معهم في زمنهم

وشيوخهم فهو قبل زمن هذا الاصطلاح فالكتب الستة في زمن واحد مع تقارب

طبقات شيوخ أصحابها أما الموطأ فزمنه غير زمنهم ,إذ هو في النصف الأول

من القرن الثاني الهجري ,وهي بعد منتصف القرن الثالث . وشيوخ صاحبه

من التابعين وكبار أتباعهم أما شيوخ أصحاب الكتب الستة فمن أتباع أتباع

 التابعين وأنزل .

وأما من جعله من ضمن كتب الأصول الستة فإنهم نظروا إلى معنى ( الأصل )

الذي إذا توفر في كتاب يكون ( أصلا ) وتحصل عندهم أنه يتضمن أمرين الصحة

والشهرة , ولما وجد أن الموطأ قد تضمن هاتين الخصلتين بالكمال والتمام أدخلوه

 في ضمن هذه الأصول .

درجته بين كتب السنة :

وإذا كانوا قد اختلفوا في دخول الموطأ في الكتب أو الأصول الستة فإنهم لم يختلفوا

في أنه أحد الكتب الإسلامية المعتمدة وأنه الأصل الأول الذي عليه المعول .

إذن درجته بين كتب الستة فإنه في الطبقة الأولى والدرجة العليا والكتب المصنفة

في علم الحديث أكثر من أن تحصى إلا أن السلف والخلف قد أطبقوا على أن أصح

الكتب بعد كتاب الله سبحانه تعالى صحيح البخاري ,ثم صحيح مسلم ,ثم الموطأ ,

ثم بقية الكتب الستة .

درجة الموطأ بالنسبة للصحة وعدمها :

قال الحافظ مغلطائي : أول من صنف الصحيح مالك

وقال السيوطي : الصحيح إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء

وقال أبو زرعة  : لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها

صحاح كلها لم يحنث.

لكن كثيرا من العلماء لم يسلم هذا بل عارضه ورده وأوله

قال النووي : أول من صنف في الصحيح المجرد البخاري

وقال السيوطي :قوله المجرد احترز به عما اعترض عليه من أن مالكا أول

من صنف الصنف الصحيح وتلاه أحمد بن حنبل وتلاه الداري .

قال العراقي :الجواب :أن مالكا لم يفرد الصحيح بل أدخل فيه المرسل والمنقطع

والبلاغات ,ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف .

وقال مغلطائي : لا يحسن هذا جوابا لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري

وقال شيخ الإسلام :كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده ممن يحتج بالمرسل

والمنقطع والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما في البخاري . إن الذي في الموطأ

هو مسموع لمالك غالبا وهو حجة عنده , والذي في البخاري قد حذف إسناده عمدا

 لقصد التخفيف إن كان ذكره في موضع آخر موصولا أو لقصد التنويع إن كان على

غير شرطه ليخرجه عن موضوع كتابه وإنما يذكر ما يذكر من ذلك تنبيها واستشهادا

 واستئناسا وتفسيرا لبعض آيات وغير ذلك .

فظهر بهذا أن الذي في البخاري لا يخرجه عن كونه جرد فيه الصحيح بخلاف

الموطأ .

خلاصة أقوال العلماء في صحية مالك :

1 – النووي : يرى أن الموطأ صحيح وأنه أول ما صنف في الصحيح لذلك قيد

أولية البخاري بقوله : الصحيح المجرد ,فيستفاد من كلامه أن أول من جمع

 الصحيح غير مجرد عن ذلك هو مالك فكأنه جمع بين القولين .

2- العراقي : لم يرتضي هذا الجمع ( ولعله يرى عدم صحته كله ) لذلك قال

أنه لم يفرد الصحيح بل فيه أنواع الضعيف وكأنه يقول وما شأنه كذلك لا يسمى

صحيحا وإذا ثبت هذا فتبقى أولية صحيح البخاري مطلقة بدون تقييد .

3 – الثالثة :رد الحافظ مغلطائي على اعتراض العراقي بأنه يوجد في صحيح

البخاري مثل ما انتقده العراقي على الموطأ من منقطعات وبلاغات .

4- ابن حجر : رد على مغلطائي مؤيدا كلام العراقي فقال بالفرق بين ما في

الموطأ من المنقطع وبين ما في البخاري وأن هذا يعني أن ما في البخاري

حذف قصدا للتنويع أو التخفيف .

وتعقب السيوطي ابن حجر فقال :

ما في كتاب مالك من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده وعند من وافقه

من الأئمة من الاحتجاج بالمرسل هي أيضا حجة عندنا لأن المرسل عندنا

حجة إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد :

فالصحيح أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء .

والصحيح أن في كلام الحافظ ابن حجر من الفرق بين بلاغات الموطأ ومعلقات

 البخاري نظر ,فلو أمعن النظر في الموطأ كما أمعنه في البخاري لعلم أنه لا فرق

بينهما .

-         وما ذكره من أن مالكا سمعها كذلك غير مسلم لأنه يذكر بلاغا في رواية

 يحيى مثلا أو مرسلا فيرويه غيره عن مالك ومن تبعه دون غيرهم مردود بأنها

 حجة عند الشافعي وأهل الحديث لاعتضادها كلها بسند كما ذكره ابن عبد البر

 والسيوطي وغيرهما .

-         وما ذكره العراقي أن من بلاغاته مالا يعرف مردود بأن ابن عبد ابر ذكر

 أن جميع بلاغاته ومراسيله و منقطعاته كلها موصولة بطرق صحاح إلا أربعة

وقد وصل ابن الصلاح الأربعة فظهر بهذا أنه لا فرق بين الموطأ والبخاري ,

وصح أن مالكا أول من صنف في الصحيح .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الساعات المكتبية

 

                             

 

الساعات المكتبية :

السبت/ من الساعة 10  صباحاً إلى الساعة الثانية ظهراً

الأحد / من الساعة 8 صباحاً إلى العاشرة صباحاً ،

الأثنين / من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشر ظهراً

الثلاثاء / من الساعة الثامنة صباحاً إلى العاشرة صباحاً.

الأربعاء/ من الساعة  10 صباحاً إلى الساعة الثانية ظهراً

أعلان هام

إعلان هام

 

على جميع الطالبات اللاتي بلغت نسبة غيابهن 25% الحضور إلى منسقة القسم للأهمية .

وفقكن الله.

أرقام الاتصال

 

أرقام الاتصال:  ت 4231559     تحويلة ( 306 )

 

 البريد الإلكتروني:

[email protected]

رحمة

 

إذا رفع العبد يديه للسماء وهو عاصي فيقول يا رب فتحجب الملائكة صوته ، فيكررها يارب: فتحجب الملائكة صوته، فيكررها يارب فتحجب الملائكة صوته فيكررها في الرابعة فيقول الله عز وجل إلى متى تحجبون صوت عبدي عني؟؟؟

لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي ..

 

سبحانك يا الله يا رحيم يا غفور يا ودود .

همسة

 

     

ياابن أدم عندما تولد يؤذن في أذنيك بلا صلاة وعندما تموت يصلى عليك بلا

آذان ، وكأن حياتك هي الفترة ما بين الآذان والصلاة فلا تضيعها فيما لا ينفع

دعاء

  

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 9

البحوث والمحاضرات: 2

الزيارات: 6642